منذ لحظة سقوط النظام السوري، بدا واضحًا أن المجتمع لم يتحرّر فقط من سلطة سياسية قاهرة، بل انفجر معه كمٌّ هائل من المكبوتات التي كانت مقيّدة لعقود طويلة، وكان لها علاقة بغياب منظومة حرية متكاملة عن الشارع السوري. فبينما انشغل العالم بتفكك الجغرافيا وانهيار المؤسسات العسكرية والأمنية لنظام الاسد، كان هناك زلزال آخر أقل وضوحًا لكنه لا يقل خطورة في المجتمع السوري، متمثلًا في زلزال لغوي-أخلاقي ضرب المجال العام وفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـالفجور في الخصومة السياسية والدينية والجندرية. لم يعد الأمر يقتصر على صراع بين مواقف وأيديولوجيات، ولا حتى على تبادل الاتهامات التقليدية بالعمالة والخيانة والفساد والفلولية، بل تهاوى الخطاب السياسي والاجتماعي إلى مستوى غير مسبوق من تداول التلميحات الجنسية، والشتائم الفاضحة والكلام الإباحي الصريح، وتحويله إلى أداة أساسية في إدارة الخلاف. يتبارى المستخدمون - ناشطين وسياسيين ومواطنين عاديين، رجالًا ونساءً- على فيسبوك وتويتر وغرف الواتساب، في تصعيد لغة الخصومة إلى أقصى درجات الإذلال، حتى بات استدعاء الأعضاء التناسلية والنساء والأعراض جزءًا من "عدّة الشغل" اليومية في المواجهة الكلامية.
المفارقة أنّ هذه الظاهرة لم تكن موجودة بهذه الفظاظة. صحيح أن المجتمع السوري، كسائر المجتمعات، عرَف البذاءة في الشارع أو في منظومة "الشلّة"، أو في فضاءات مغلقة مثل السجون والثكنات العسكرية أو في المجموعات المغلقة، لكن هذه اللغة بقيت هامشية، محصورة في بيئاتها، ولم يكن مسموحًا لها بالتسرّب إلى المجال العام بهذه السيولة، ويُستهجن كل من يتفوه بها علنًا، أو يقاطَع من قبل متابعيه. الإعلام الرسمي العربي الذي كان يخرج عليه سوريون ( معارضة أو موالاة لنظام الأسد) كان يفرض لغة ملساء مصقولة، والمعارضة السياسية كانت تحرص على خطابٍ عقلاني أو على الأقل "أخلاقي"، رغم وجود تجاوزات في برامج حوارية من قبيل "الاتجاه المعاكس" وتتعدى الكلام إلى الضرب والعنف الجسدي.
ومع ذلك، ما إن سقط نظام الأسد حتى غمر هذا الموج الجديد كل شيء، بدءًا من الخطاب العام في الشارع، إلى المنشورات على المنصات، إلى النقاشات السياسية، إلى السجالات الفكرية، وحتى التعليقات العابرة على الأخبار اليومية.
بين السياسة واللغة
جزء من النقاش هنا يكمن في انهيار المرجعيات الضابطة التي تكبح الفحش في سياق التواصل الالكتروني، وتفرض سقفًا من الحياء الاجتماعي التقليدي في المجتمع السوري، لكن الجزء الأعمق يرتبط ببنية الصراع نفسه، فالحرب التي استباحت المدن والقرى، وأحالت الأجساد إلى ساحات للقتل والاغتصاب والتعذيب، نقلت هذا المنطق إلى الكلمة أيضًا، و لم تعد الشتيمة مجرد تنفيس عن الغضب، بل صارت امتدادًا للمعركة، تُستخدم فيها الأعراض والأجساد كسلاح رمزي لإبادة الخصم معنويًا، كما كان يُباد جسديًّا في الميدان.
والأخطر أن هذه اللغة لم تقتصر على العوام أو على من اعتادوا الكلام السوقي، سواء قبل سقوط نظام الأسد أو بعده، بل شارك فيها مثقفون وناشطون وسياسيون، وأحيانًا نساء منخرطات في النقاش العام. حتى الرموز الدينية لم تسلم، إذ جرى التعامل مع رجال الدين كأهداف للتهكّم الجنسي، وتحوّلت القداسة إلى مادة للسخرية، في انقلاب كامل على التراث الثقافي والاجتماعي.
بهذا المعنى، ما يحدث ليس مجرد تفشٍّ للفظاظة، بل تسييس للإباحية الكلامية، إذ صار الانحطاط اللغوي هو اللغة الرسمية للصراع.
يطرح هذا الانزلاق العنيف أسئلة جوهرية حول تحرير اللغة من قيد الرقابة، وانهيار أخلاقي يُعبّر عن مجتمع فقد بوصلته القيمية بعد سنوات الحرب، وإمكانية فهم هذه الظاهرة كجزء من ديمقراطية الكلام، حيث يحق للجميع أن يقول كل شيء، وتحت أي ظرف بحرية مطلقة، وفحص ما إذا كان هذا الفعل إفلاسًا سياسيًّا حوّل الخصومة إلى فرجة إباحية تستعرض فيها الأطراف قدرتها على تدنيس رموز بعضها البعض.
المؤكد أننا أمام عنف لغوي-جنسي-سياسي غير مسبوق في التاريخ السوري الحديث، وأمام ظاهرة تعكس جرحًا عميقًا في البنية الاجتماعية، وتكشف أن ما تغيّر ليس فقط النظام السياسي، بل بنية الوعي والخطاب نفسه. فإذا كانت اللغة مرآة المجتمع، فإن ما نراه اليوم في هذه المرآة يشي بمجتمع مكسور، يعيد إنتاج عنفه الداخلي على شكل مفردات جنسية مسمومة، صريحة أو مغمغمة، يتداولها الناس يوميًّا كما يتداولون الأخبار والشائعات.
في الحالة السورية تحديدًا، يتقدّم الجسد الجنسي والقرابات الأنثوية إلى واجهة الإذلال لأنهما يمثّلان الشرف الجمعي في ثقافة تتقاطع فيها قيم الشرف والعار مع التطييف السياسي والتجاذبات المناطقية. لذلك تغدو الإهانة الجنسية أقصى وسيلة لهدم صورة الخصم والجماعة التي ينتمي إليها، خصوصًا بعد حربٍ عمّقت العنف القائم على الجندر وجعلت الانتهاكات الجنسية، من الاغتصاب والتعذيب الجنسي في السجون والمعتقلات والمناطق المتنازع عليها، جزءًا موثّقًا من سجلّ الصراع، ثم سُحبت رمزيًّا إلى اللغة اليومية على المنصّات الرقمية بوصفها اغتصابًا لغويًّا يطال الأم والأخت والزوجة والرموز الدينية والسياسية معًا. منذ 2011، مارس أطراف النزاع العنف الجنسي على نساء ورجال وأطفال في سياقات الاعتقال والنزاع، بما في ذلك المناطق التي تسيطر عليها قوى متعدّدة، ما عزّز تطبيع الإيذاء الجنسي كمخيالٍ للحرب يُعاد إنتاجه خطابًا وإهانةً على الملأ.
تحول هذا الفعل من الواقع إلى الشبكات، عبر موجات من الخطاب الطائفي البذيء والسبّ الجنسي العابر للحدود، تتغذّى على ديناميات الاستقطاب الرقمي وتحوّل المساس بالعرض إلى أداة تعبئة ووسم هوية، مع انفجارات حسّاسة وصلت حدّ العنف عند المساس بالمقدّس الديني عبر محتوى صوتي أو بصري تجديفي سريع الانتشار. يمنح هذا كلّه معنى أوضح لسؤال لماذا الجنس بالتحديد؟ ربما لأن منطق الشرف والعار يجعل المرأة اختزالًا للكرامة الجمعية، فيهوي السبّ الجنسي مباشرةً على الركيزة الرمزية للجماعة، بينما بالبحث في علم النفس الثقافي والأنثروبولوجيا أن أنماط الشرف المتوسطي-الشرق أوسطي تُفاقِم استجابات الغضب والانتقام عند الإهانة العلنية، فتدفع الخصومة إلى أقصى مدّ لفظي ممكن.
يتحوّل الجنس هنا إلى سلاح سياسي، فبدلًا من مواجهة الحجج بالحجج، تُستباح الأجساد رمزيًا لكسر الشرعية وإحداث وصمةٍ لا تُمحى، مدعومةً بخصائص المنصّات (الانتشار، الفرجة، الإفلات من العقاب) التي تُكافئ الفحش وتعيد تدويره كـ “ميمز Memes" ومخيال جمعي يومي.
الشتيمة بوصفها أداة سياسية
لم تعد الشتيمة في الحالة السورية مجرّد تفلّت لغوي أو انفعال لحظي، بل ارتقت لتصبح أداة سياسية بامتياز، تُستخدم بوعي مقصود كجزء من معركة السيطرة على الرأي العام. فمنذ اللحظة التي خرج فيها الخطاب من قيد المؤسسات الرسمية، بدأت أطراف النزاع (سياسيون، وشخصيات عامة، وناشطون وأفراد مدنيون) تستثمر في الإباحية الكلامية باعتبارها وسيلة أسرع وأقسى لإضعاف الخصوم. أول ما يلفت النظر هو عسكرة الشتيمة وتسييسها، كما صارت الخصومة الكلامية تُقاس بقدرة الناشط أو السياسي أو المستخدم العادي على "اغتصاب" خصمه رمزيًا عبر شتيمة جنسية أكثر فجاجة، لتتحول المناظرات على المنصات إلى ساحات اشتباك جنسي، حيث لا قيمة للحجة أو الفكرة ما لم تُغلّف بشتيمة تترك الخصم مدمًى أمام جمهوره. وبذلك صار "الانتصار يُحسب بعدد الإهانات و"السكرينات" الجنسية للخصم، لا بصلابة الموقف.
الأمر الثاني هو إسقاط الشرعية، على اعتبار أن الشتيمة الجنسية لا تهاجم الفكرة، بل تهاجم الكيان ذاته، والمتمثل بسمعة الشخص وكرامته وشرف عائلته. فعندما يتعرّض زعيم سياسي أو ناشط معارض أو رمز ديني لسيلٍ من الأوصاف الإباحية، فإن صورته تنهار أمام جمهوره، وتُصبح معركته الأساسية هي "ترميم الكرامة" بدلًا من الدفاع عن أفكاره، ليكون لدينا حرب قاسية على السمعة، لأنها تترك وصمةً شبه دائمة. أما العامل الثالث فهو التداول الجماهيري المضاعف. ففي بيئة السوشال ميديا، لا تبقى الشتيمة في إطارها الضيق، بل يعاد إنتاجها على شكل صور ساخرة (ميمز) أو مقاطع فيديو، أو تسجيلات صوتية، أو حتى أغنيات ساخرة. يتناقلها الناس، يضحكون عليها، يضيفون إليها، حتى تتحوّل إلى جزء من الثقافة الرقمية اليومية. بهذا المعنى، تُصبح الشتيمة حدثًا جماهيريًا، لا مجرد كلام عابر.
هذه الدينامية تجعل من الشتيمة الجنسية أداة لها وظائف سياسية محددة، على اعتبار أنها تُرعب الخصم، تُشوّه صورته، وتُشعل الجمهور ضده، وفي المجتمع السوري المثخن بالانقسامات، تصبح الشتيمة أكثر فاعلية من البيان السياسي أو المقال المطوّل، لأنها مباشرة، صادمة، ومشحونة بالرمزية الثقافية الأشدّ إيلامًا. تحوّل العضو الذكري (بمسمياته المحلية العامية كلها) في الخطاب السوري من أداة بيولوجية/جسدية مرتبطة بالفعل الجنسي الطبيعي إلى رمز لغوي-سياسي يُستخدم لإخضاع الآخر وإذلاله، بحيث لم يعد عضوًا جسديًا بقدر ما صار أداة شتائمية تهيمن على الفضاء العام، تمامًا كما تحوّلت مفاهيم أكبر إلى شعارات فارغة على ألسنة السياسيين والعوام والناشطين. فبمجرد أن يعبّر أحدهم عن رأي أو موقف، تتحول لغة الخصومة إلى تسليط القضيب كرمز للهيمنة، من خلال التفوه بتهديدات جنسية تطال الخصم، وتصل إلى مستويات أشدّ انحطاطًا فيتلاشى المعنى الجنسي الفعلي لصالح معنى رمزي يتجاوز المتعة إلى التهديد والإذلال.
يبدو أننا أمام تسليح للجسد عبر اللغة، وأمام اغتصاب رمزي صار أكثر انتشارًا من الاغتصاب الجسدي الفعلي. وإذا كان القضيب قد تحوّل إلى رمز للرجولة والخصوبة سابقًا، فإنه اليوم لا يتجاوز كونه أداة للتهديد والتدنيس، مثلما تحوّل الوطن نفسه إلى شعار بلا مضمون. وفي مقابل ذلك، يظهر المهبل (بمفرداته المحلية العامية) في الشتائم كلغة مكمّلة مختلفة الوظيفة، إذ يُستحضر لا كرمز للقوة، بل كرمز للعار الجماعي، حيث يُختزل شرف العائلة أو الطائفة في جسد المرأة، ويصبح استدعاؤه فضحًا للخصم وكشفًا لعجزه عن حماية نسائه.
وهكذا يتوزّع المعنى بين القضيب والمهبل، ليمثّل الأول الفعل والهيمنة، فيما يمثّل الثاني موضوع الانكسار والإهانة التي تُستخدم فيها كلمات (نشير لها بالتلميح) مثل "ابن فلانة أو أخو فلانة"، "أخواتك كذا وكذا". يتحول القضيب هنا إلى إعلان عن الذكورة الهجومية، وأداة تهديد وهيمنة (يعلن فيها القوة من خلال المستخدم الآخر)، بينما المهبل هو أرض المعركة التي يُهزم فيها الخصم (أستبيحك وأفضحك بنسائك)، فيتكامل الاثنان لإنتاج خطاب قائم على ثنائية الفاعل/المفعول به، لا يعترف بالآخر إلا بوصفه موضوعًا للاستباحة. هذا الاستخدام يضاعف من البعد الطائفي، إذ تُستهدف النساء كرموز للجماعة كلها سواء أكانت طائفة او جماعة مدنية أو أي تجمع من نمط آخر، فيصبح الإذلال الجنسي وسيلة لوسم الطائفة بهزيمة جماعية.
ضوابط وتفكك المرجعيات
تكشف هذه الظاهرة اللغوية العاصفة عن انهيار مفاجئ لمجموعة المرجعيات التي كانت تضبط المجال العام السوري وتضع حدودًا بين المباح والممنوع، تبدأ هذه المرجعيات من الرقابة السلطوية، فالنظام، على الرغم من عنفه واستبداده، كان يفرض على المجال العام مظهرًا "متحضّرًا" قسريًا، يمنع ويستهجن فيه استخدام هذه البذاءة.
أما على مستوى أعلى فهو الهيبة الدينية لعقود طويلة، حيث احتفظ رجال الدين والرموز الروحية بمكانة تجعلهم في مأمن من الشتائم المباشرة، حتى عند أشد الخصوم نقدًا لهم. لكن مع تصاعد الخطاب الطائفي، وانخراط بعض المؤسسات الدينية في الاصطفافات السياسية والعسكرية، انكسرت هذه الهيبة، وتحوّل رجل الدين إلى هدف للسخرية والتعرية، وأحيانًا إلى موضوع للتهكّم الجنسي، في انعكاس لانهيار مكانة المقدس ذاته في ظل حرب دنّست كل الحرمات. يبقى المستوى الأدنى والأكثر انتشارًا وقربًا، مستوى العرف الاجتماعي وتفاعلاته لتكون رادعًا أمام البذاءة.
تلاشي هذه المرجعيات الثلاث -السلطة والعرف والدين- أطلق العنان لخطاب بلا كوابح، يتغذّى على الغضب الجماعي ويستبيح كل ما كان يُعتبر خطًّا أحمر. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، وهي ليست مجرد ألفاظ نابية، بل علامة على تفكك البنية الرمزية التي كانت تنظّم المجال العام وتُعطي للحياة الاجتماعية والسياسية شكلًا من أشكال الاحترام المتبادل، مهما كان هشًّا أو زائفًا.
الإرث الثقافي المخفي
لم تولد هذه اللغة الداعرة فجأة في فضاء ما بعد سقوط النظام، بل خرجت من مستودعات لغوية عميقة كانت موجودة في هوامش المجتمع السوري، لكنها ظلت محجوبة عن المجال العام لعقود.
في السجون، حيث كان العنف الجنسي أحد أهم أدوات التعذيب والإذلال، نشأ قاموس كامل من الشتائم الجنسية، وكان السجناء يستخدمون هذه المفردات لإعادة إنتاج سلّم هرمي بينهم، فالقوي يفرض سلطته عبر الإهانة الجنسية، والضعيف يُدمغ بالعار عبر كلمات تماثل الاغتصاب الرمزي.
هذه الخبرات المظلمة لم تبقَ خلف الجدران، بل تسللت إلى الوعي الجمعي مع خروج المعتقلين أو تسريب رواياتهم، لتتحول لاحقًا إلى جزء من لغة الصراع.
على مستوى أعلى، أيام نظام الأسد، في الثكنات العسكرية أيضًا، شكّل العنف اليومي والحياة القاسية بيئة مثالية لتفريخ شتائم جسدية فجة، وكان المجندون يتبادلون الإهانات الجنسية باعتبارها تعبيرًا عن القوة الممأسسة داخل المؤسسة العسكرية. ومع اندلاع الحرب، اندفع هذا القاموس إلى الشارع والمنصات الرقمية، ليغدو عنصرًا ثابتًا في المواجهات السياسية والاجتماعية.
أما في الأسواق والأحياء المهمشة، فقد وُجدت على الدوام تعابير خشنة وجنسية تؤدي وظيفة التفريغ أو إثبات الهيمنة داخل فضاءات الفقر والعمل الشاق، غير أن هذه اللغة بقيت محصورة في تلك الدوائر ولم يكن مسموحًا لها بالوصول إلى الإعلام أو النقاش العام.
بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ومع انهيار الحدود بين الخاص والعام وتفكك القيود التقليدية، اندفعت هذه المفردات دفعة واحدة إلى السطح، لتحتل موقع الصدارة في الخطاب الشعبي والسياسي على حد سواء.
وهكذا، لم تخترع الحرب قاموس الشتائم الجنسية، لكنها شرعنت استخدامه العلني ونقلته من الهوامش المظلمة إلى قلب المشهد، بحجة الحرية الإعلامية، والحرية الكلامية وانتهى زمن الكبت وغيره.
أثر الوسائط الرقمية و الحرية
رغم انفجار الخطاب العلني في الفضاء السوري بعد سقوط النظام، فإنّ ما نشهده لا يرقى إلى مستوى حرية الإعلام وفق معايير بيت الحرية Freedom House. فغياب الرقابة السلطوية لا يعني وجود إعلام مستقل أو مهني، بل يعكس حالة فوضى تعبيرية بلا ضوابط مؤسساتية أو حماية للصحفيين. الشتائم الجنسية والطائفية المنتشرة على المنصات ليست دليلًا على انفتاح إعلامي، بل على انهيار البنية القانونية والأخلاقية التي تجعل الحرية ممكنة. وبذلك، يظل المشهد الإعلامي السوري بعيدًا عن مفهوم "الحر" ليستقر في خانة "غير الحر" أو "غير المستقر"، وفق المقاييس الدولية.
وفّرت المنصات الرقمية البيئة المثالية لتضخيم الظاهرة وتحويلها إلى ثقافة جماهيرية يومية، وتلاشت فكرة العقاب أو الرادع، إذ لم تعد هناك شرطة لغوية أو سلطة اجتماعية قادرة على ضبط الكلمات. وبات بإمكان أي مستخدم أن يطلق أقسى الشتائم الجنسية دون أن يخشى ملاحقة، الأمر الذي ساعد على إزالة كل الحواجز أمام الكلام الفاحش.
فوق ذلك، منح الفضاء الرقمي للشتيمة وظيفة جديدة، إذ لم تعد مجرد كلام جارح، بل مادة للفرجة والانتشار. على منصات مثل فيسبوك وتويتر، تتحول الشتائم إلى صور ساخرة ومقاطع فيديو وميمز يتداولها الآلاف، فيكتسب كاتبها/قائلها شهرة ويُكافأ بتفاعل المتابعين بـ"أضحكني" و"أحببته". هذه الثقافة القائمة على السخرية والمشاركة الجماهيرية شجعت المستخدمين على المبالغة والتفنن في إنتاج شتائم أكثر تطرفًا وصراحة. والأهم من ذلك أن خاصية اللا-هوية سمحت للأفراد بالتحرر من الرقابة الذاتية، فخلف الشاشات تجرأ الناس على قول ما لا يمكن أن يقال في الحياة الواقعية، وهو ما أضفى على الخطاب طابعًا أشد جرأة وعنفًا. بهذه الطريقة، لعبت الوسائط الرقمية دورًا مضاعفًا: فأخرجت القاموس الفاحش من هوامشه التاريخية، ومنحته مسرحًا واسعًا ليصبح جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي اليومي، حيث لم تعد الشتيمة انفعالًا فرديًا، بل حدثًا جماهيريًا يعاد تدويره باستمرار كعلامة على ثقافة ما بعد الحرب.
تكشف صور لمنشورات أو تعليقات على فيسبوك وغيره كيف تحوّل الخطاب السوري على وسائل التواصل بعد سقوط النظام إلى فضاء للفجور اللفظي، حيث أصبحت الشتائم الجنسية الأداة المركزية في الخصومة، تستهدف الأم والأخت والزوجة والرموز الدينية والسياسية بوصفها اختصارًا للشرف الجمعي، بما يجعل الإهانة بمثابة اغتصاب رمزي يوازي ما جرى في الميدان. هذا المزج بين السياسي والشخصي يذيب الحدود بين الهوية الفردية والانتماء الطائفي، ويحوّل النقاش إلى تبادل للتدنيس العائلي والجماعي، بينما يكافئ الجمهور الفاحش عبر الضحك والتداول وإعادة الإنتاج الرقمي في شكل ميمز وتعليقات ومنشورات مشاركة وغيرها، ما يضاعف من انتشاره ويشجّع على التطرّف فيه.
وتكشف اللغة هنا عن التقاء الطائفية بالذكورية في إنتاج خطاب مضاعف العنف، حيث يُستعمل جسد المرأة رمزًا للهزيمة الجماعية، وتُستثمر السخرية الجنسية لتقويض شرعية الخصم بدل مواجهته بالحجة.
هكذا تنزلق السياسة إلى مسرح إباحي مفتوح، يعكس انهيار المرجعيات الأخلاقية والاجتماعية، ويحوّل السوشال ميديا السورية إلى ساحة إذلال جماعي جماهيري يخلط بين الترفيه والعنف الرمزي. وبالتالي، لم تعد الشتيمة الجنسية في الفضاء السوري مجرّد رد فعل فردي غاضب أو انفلات لحظي، بل تحوّلت إلى خطاب جماعي متداول. فحين تُنشر هذه الإهانات على الصفحات العامة وتحصد مئات الإعجابات والتعليقات والمشاركات، فإنها لم تعد تخص صاحبها وحده، بل أصبحت ملكًا لجمهور واسع يجد فيها وسيلة للتعبير عن غضبه أو اصطفافه الطائفي والسياسي.
الطائفية والذكورية المتوحشة
الخطاب الجنسي-السياسي في سوريا اليوم يقوم على منطق ذكوري متوحش، إذ يُقاس موقع الرجل السياسي أو المنتمي لطائفة معينة بقدرته على حماية نسائه من "الاستباحة الكلامية". كل شتيمة موجهة إلى الأم أو الأخت أو الزوجة هي في الحقيقة إعلان عن هزيمة الرجل، وتجريد له من قيمته ورجولته، بما يعكس ثقافة حرب تساوي بين السيطرة على الأرض والسيطرة على الجسد.
في الماضي، كان الاغتصاب يستخدم كسلاح في الميدان، واليوم تُستخدم الكلمات بنفس الوظيفة: لتأكيد التفوق، وكسر الخصم، وإشعاره بالعار أمام جماعته. هذا المنطق يعيد إنتاج بنية السلطة الذكورية في أكثر صورها قسوة، حيث تصبح المرأة مجرّد أداة لقياس رجولة الرجال وتصفية الحسابات بينهم.
التحالف بين الجنسي والطائفي في الخطاب السوري يخلق دائرة عنف مضاعف خطرة للغاية، إذ يرسّخ الشتائم الجنسية المرتبطة بالهوية الطائفية والانقسام الأهلي، وتُحوّل كل جماعة خصومها إلى موضوع للإهانة عبر نسائها، ويشرعن هذا الخطاب استباحة النساء، لا كأفراد مستقلين، بل كرموز تُختزل فيها كرامة الجماعة كلها.
وهكذا يتحول جسد المرأة إلى ساحة لمعركة رمزية، تُستخدم فيها الكلمات كسياط لإذلال جماعات بأكملها. النتيجة النهائية هي خطاب إباحي-طائفي يلتهم أي إمكانية لحوار سياسي أو اجتماعي متوازن، ويحوّل النقاش العام إلى مشهد قذر يقوم على التدنيس والوصم بدل النقاش والحجة. إنه خطاب يضاعف من جروح الحرب، ويمدّدها في اللغة، ويعيد إنتاج العنف في أشد صوره انحطاطًا. ينشط هذا الخطاب عمومًا بعد الأحداث الأمنية والعسكرية الكبرى، لا سيما بعد عملية ردع العدوان وبعد معارك الساحل والسويداء وما تبعها من عنف طائفي، نجم عنه عنف لفظي ولغوي فظّ.