ultracheck
pope.jpg

البابا فرانسيس.. سياسي بلا حزب وثوري بلا سلاح

23 أبريل 2025

رحل البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، بعد سنواتٍ قضاها يحاول إصلاح مؤسسة قديمة ومتجذّرة، لا تقلّ جمودًا عن كثير من الأنظمة التي عصفت بها رياح التغيير في العقود الأخيرة.

والمفارقة أن هذا البابا لم يأتِ من المركز، بل من "الهامش": من أميركا اللاتينية، من يسوعيّ مهاجر، من جنوبٍ طالما بقي خارج حسابات القوة الروحية. ولهذا فإن وفاته لا تعني نهاية رجل دين فقط، بل هي مرآة لسؤالٍ أكبر: كيف نُصلح المؤسسات حين تهرم؟ من أين يأتي الإصلاح؟ وماذا نفعل حين تكون السلطة نفسها هي المعطوبة؟

وفي ظل هذا السؤال، تعود إلى الواجهة سيرة خورخي ماريو بيرغوليو، الذي اتخذ من "فرنسيس" اسمًا له بعد وصوله إلى كرسي البابوية.

 

سيرة البابا

وُلد خورخي ماريو بيرغوليو في مدينة بوينس آيرس، بالأرجنتين، في 17 كانون الأول/ديسمبر 1936، لأبوين مهاجرين إيطاليين. انضم إلى الرهبانية اليسوعية عام 1958، بادئًا رحلة روحية قادته إلى قمة الكنيسة الكاثوليكية. وفي عام 1969 أصبح كاهنًا، وبعد 29 عامًا، وتحديدًا في 1998، أصبح رئيس أساقفة بوينس آيرس، ثم كاردينال في عام 2001، وهو منصب يتعين صاحبه من قِبل البابا رأسًا.

وفي مارس 2013، أصبح البابا فرانسيس هو البابا السادس والستين بعد المائتين للفاتيكان، وأول بابا من أميركا اللاتينية في التاريخ، وكان انتخابه مفاجأة للكثيرين، إذ كان دلالة قوية على أن مَجمع الكرادلة يبحث عن قائد من نوع مختلف.

ومنذ البداية، وعند اختياره اسم "فرنسيس" على اسم القديس فرنسيس الأسيزي، الذي كان يُعرف عنه زهده وتقشفه ودفاعه عن الفقراء؛ أعلن البابا انحرافه عن خط أسلافه، ليبدأ رحلة شاقة من التغيير والتي واجه فيها مقاومة عنيفة.

 

إصلاح من قلب المعطف الأبيض

في عالمٍ تتكئ فيه السلطة على المألوف، حاول البابا فرنسيس أن يُدخل الهواء النقي من نوافذ مغلقة منذ قرون. لم يكن مصلحًا راديكاليًا بقدر ما كان عابرًا صبورًا في دهاليز البيروقراطية الروحية، يحفر بإبرة اليسوعيين في صخر المؤسسة الكنسية.

كان نهوضه بالمرأة داخل الفاتيكان من أبرز خطوط هذا الإصلاح. ففي كنيسة قامت على تراتبية أبوية صارمة، منح فرنسيس النساء موطئ قدم في غرف القرار. لم يُلغِ السقف الزجاجي، لكنه شرخ جدار الصمت. تعيين الأخت ناتالي بيكوارت كأول امرأة تُمنح حق التصويت في مجلس الأساقفة عام 2021 لم يكن مجرّد خطوة رمزية، بل إعلان بأن الكنيسة، وإن ببطء، بدأت تنصت لأصوات لم تكن يومًا جزءًا من جوقة الكرادلة.

لكن يده الإصلاحية امتدت أعمق، إلى الهيكل الإداري للفاتيكان نفسه، ذلك المتاهة التي تُعرف بـ"Roman Curia". ففي عام 2022، أصدر دستوره الرسولي "تبشير الإنجيل"، معلنًا إعادة تشكيل الجهاز الذي يدير المؤسسة البابوية. غيّر الأولويات، رفع من مكانة التبشير، وأعاد رسم حدود السلطة بين الدوائر، وكأنه يعيد ترتيب أثاث بيت مقدّس يُقيم فيه التاريخ أكثر من البشر. وفي كل ذلك، لم يكن فرنسيس يثور. كان يُعيد تعريف ما تعنيه الثورة داخل مؤسسة تعرف جيدًا كيف تبتلع المتمردين.

 

البابا وقضايا عالمنا

كانت نظرة البابا لقضايا عالمنا جريئة، وكان صريحًا بشكل كبير، فدافع عن المهمشين، كما أعلن عن وجود تفاوت كبير لدخل الأفراد، داعيًا إلى توزيع أكثر عدلًا للثروات، ودعا إلى مساعدة الفقراء، وأكد على أن كنيسته "كنيسة فقيرة للفقراء"، وهاجم الرأسمالية الجامحة.

ولم يكتفِ البابا بالخُطب فقط، ولكن أكدها عبر الأفعال، حيث زار أحياءً فقيرة في البرازيل، وسجونًا في إيطاليا، ومخيمات مهاجرين في اليونان، وناشد العالم بمساعدة هؤلاء، سعيًا لبناء عالم أفضل للجميع.

كان البابا مدافعًا قويًا عن اللاجئين والمهاجرين، ولفت أنظار العالم له في عام 2016 بعد زيارته لجزيرة ليسبوس اليونانية، حيث اصطحب معه ثلاث عائلات سورية لاجئة عند عودته إلى الفاتيكان، وقال كثيرون إن هذا التصرف من البابا هو هجوم صامت ضد الخطاب القاسي للعديد من القادة السياسيين حول العالم.

كما لعب البابا فرانسيس دورًا دبلوماسيًا في تحسين العلاقات الأميركية - الكوبية. وبفضل إقامته الطويلة في أميركا اللاتينية، نُظر إليه على أنه جسر للتواصل بين الفريقين. وبفضل جهوده السرية آنذاك، دخلت الحكومتين الأميركية والكوبية في محادثات سرية في عام 2014، وذلك بعد رسائل كتبها بابا الفاتيكان شخصيًا إلى كل من رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما، والرئيس الكوبي كاسترو، يحثهما فيها على المصالحة ونبذ العنف والسعي إلى الدبلوماسية في حل المشاكل بين الدولتين.

وبعد نجاح هذه الجهود باستعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، نُظر إلى البابا فرانسيس على أنه رجل دبلوماسي من الطراز الأول، لأنه تمكن من حل مشكلة ظلّت عقودًا بين البلدين، بفضل حنكته ودعوته الدائمة إلى السلام، لتظهر مدى كفاءة القوة الناعمة للبابوية في تعزيز السلام.

أما في النزاعات المعاصرة، كان للبابا صوت ثابت يدعو للسلام. فمنذ بداية الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022، أدان البابا العدوان الروسي، الذي وصفه بخيانة للإنسانية وللقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، وتكررت نداءاته لوقف إطلاق النار الفوري، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية، وإيجاد حل دبلوماسي للأزمة.

ولم يكتفِ البابا بذلك، بل قام أيضًا بزيارة السفارتين الروسية والأوكرانية في روما، ليعرض نفسه وسيطًا - على شاكلة أزمة كوبا - بين الطرفين لحل الأزمة وإحلال السلام العاجل.

أما في قطاع غزة وما حدث فيه من مذابح، فقد أدان البابا فرانسيس هذا العنف، وأعرب عن حزنه العميق بشأن أرواح الأبرياء، وأكد دائمًا على حق الفلسطينيين في العيش بكرامة وسلام، وحق الإسرائيليين في العيش بأمان، وشدد على ضرورة إحياء وتجديد الالتزام بحل الدولتين.

وأكدت تصريحاته المستمرة طوال الحرب الإسرائيلية على غزة، على ضرورة إتاحة المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع، وحثّ المجتمع الدولي على عدم غض الطرف عن المعاناة التي يشهدها أهل غزة، واصفًا القطاع بـ"مكان للموت".

كان البابا سياسيًا بلا حزب، وثوريًا بلا سلاح، وضميرًا عالميًا في مؤسسة عمرها ألفا عام. في كل معركة خاضها، ترك وراءه سؤالًا: ما الذي تعنيه القيادة الأخلاقية في زمن يهرب فيه الجميع من قول الحقيقة؟

 

تحديات وإخفاقات

واجه فرانسيس العديد من التحديات والانتقادات، وظلت قضية الاعتداء الجنسي داخل الكنيسة جرحًا غائرًا. ورغم أن الفاتيكان استحدث آليات جديدة للمساءلة - مثل إنشاء اللجنة البابوية لحماية القاصرين - إلا أن العديد من الناجين والمدافعين عن حقوقهم شعروا بأن الاستجابة بشأن تلك الاعتداءات كانت بطيئة للغاية.

كما أن البابا فرانسيس تعرض لهجوم عنيف في عام 2018، بعد رفضه للاتهامات الموجهة إلى الأسقف خوان باروس بشأن اعتداءه جنسيًا على الأطفال، حيث وُصف رده بالدفاعي. وظل البابا ملتزمًا بالدفاع عن الأسقف خوان باروس والتزم الوقوف بجواره، على الرغم من دعاوى الاعتداءات وشهادات الناجين.

وقوبل البابا فرانسيس عند زيارته لتشيلي عام 2018، بمظاهرات عنيفة، وتراجع حاد لشعبية كنيسته، ليقرر الفاتيكان أخذ هذه الدعاوي على محمل الجد، عندما بدأت شعبيته وشعبية البابا بالتبعية في الانخفاض، وفتح تحقيق عاجل بشأن تلك المسألة وإرسال رئيس الأساقفة لرئاسة التحقيق بنفسه.

أدان التحقيق الأسقف خوان باروس، وأصدر البابا فرانسيس اعتذارًا رسميًا اعترف فيه بأنه ارتكب "أخطاءً جسيمةً في التقدير" نتيجةً لنقص المعلومات التي وصلت إليه، وطلب العفو من الناجين الذين دعاهم إلى روما واستمع لقصصهم. وبعد ذلك، أرغم الأسقف خوان باروس وعدد من الأساقفة الآخرين على تقديم استقالاتهم.

وكأي مؤسسة عملاقة، قد يشوبها سوء إدارة الأموال، ظلت بعض الفضائح المالية تُثقل كاهل الكنيسة، على الرغم من جهود البابا فرنسيس لتعزيز الشفافية والرقابة من خلال قوانين جديدة وتدابير إعادة هيكلة.

ومن أشهر تلك القضايا كانت قضية عقارات لندن، التي استخدمت فيها أموال الفاتيكان المخصصة للأغراض الخيرية لتمويل استثمارات عقارية فاخرة. ووصلت الاتهامات إلى أحد الكرادلة وعدد من المسؤولين الآخرين، وواجهوا تهم بالاختلاس وإساءة استخدام السلطة. وردّ البابا فرانسيس على هذه الفضيحة بتعزيز هيئة الرقابة المالية في الفاتيكان وتطبيق ضوابط أكثر صرامة، وإصدار إرشادات جديدة للشفافية.

وبين تيار محافظ وآخر تقدمي، كان البابا فرانسيس يحاول أن يوفق أوضاع الكنيسة، نظرًا لقوة كلا التيارين داخل الفاتيكان، ولكن في الغالب كانت المقاومة ضد مشروعاته لتحديث الكنيسة قوية للغاية، ودائمًا ما كانت المقاومة - أو التيار المحافظ - ترى أن إصلاحاته غامضة عقائديًا، بل وخطيرة على الكنيسة، وتم نقد تلك الإصلاحات علنًا من شخصيات كبيرة في الكنيسة، مثل الكاردينال ريموند بيرك وآخرون.

وباختصار، كشفت بابوية فرانسيس عن قدرة وإمكانيات الإصلاح البابوي وحدوده. فبينما دفع البابا الكنيسة إلى الأمام في نهجها وتواصلها، فإن التقاليد الراسخة للكنيسة للكاثوليكية حدّت من مدى قدرة بابا الفاتيكان على المضي قدمًا.

ولا يُستبعد أن تكون لدى البابا فرانسيس خطط وطموحات كبيرة لإصلاح مشاكل المجتمع المسيحي والكنيسة، لكن معرفته تمام المعرفة بحجم وقوة التيار المحافظ في الكنيسة، دفعته إلى الإحجام عن القيام بهذه الإصلاحات خوفًا من انقسام قد يصيب الفاتيكان، أو أمور أخرى تهدد وحدة الكنيسة.

وختامًا، لم تكن عوائق البابا فرنسيس داخل الفاتيكان أقل تعقيدًا من تلك التي تواجه الإصلاحيين في أي سلطة تقليدية. لقد اصطدم بتراثٍ كنسيّ ضارب في القِدم، وبتوازنات دقيقة بين العقيدة والسياسة، وبين الروح والإدارة. حاول أن يمدّ الجسر بين العالم كما هو، والكنيسة كما يجب أن تكون. وربما لم ينجح في إصلاح كلّ ما أراد، لكنه - في زمن عزّ فيه الإصلاح الصادق - ترك أثرًا لا يُمحى، وفتح أبوابًا ظلّت موصدة قرونًا. ومع رحيله، تبقى الأسئلة قائمة: هل تكفي النية الطيبة لإصلاح مؤسسة عملاقة؟ وهل يستطيع بابا، مهما بلغ من الشجاعة، أن يغيّر كنيسة تُجيد الدفاع عن ماضيها أكثر مما ترغب في مواجهة حاضرها؟

 

مراسم وفاة البابا فرانسيس

تعتبر مراسم وفاة بابا الفاتيكان حدثًا روحيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. وبينما يُوارى جثمان البابا فرنسيس الثرى، يتوافد المسيحيون المؤمنون إلى روما، وتُصبح الجنازة المُفعمة بالحزن والوقار، لحظة للتأمل لدى الكاثوليك حول العالم.

تقاليد جنازة بابا الفاتيكان ثابتة منذ زمن. ووفقًا لهذه التقاليد، سيظل جثمان البابا فرنسيس في كاتدرائية القديس بطرس لعدة أيام، مما يتيح لمن يريد إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه. وسيحضر الجنازة التي يترأسها عادةً عميد مجمع الكرادلة، عدد كبير من رجال الدين ورؤساء الدول، والشخصيات العامة، بالإضافة إلى عدد ضخم من المسيحين الكاثوليك. وبعد قداس الجنازة، سيُدفن التابوت أسفل الكاتدرائية بجوار أسلافه.

وتحت أجواء البخور والترانيم والسكينة والحزن الذي يخيم على مشهد الجنازة، تجتمع أذهان وعقول كل هذا الحشد في الجنازة، على سؤال واحد الجميع يريد إجابته: من سيخلف البابا فرانسيس على كرسي بابا الفاتيكان؟

 

أبرز المرشحين لخلافة البابا فرانسيس

يتم انتخاب البابا الجديد في كنيسة سيستينا التاريخية، حيث تُعزل المنطقة بالكامل عن العالم الخارجي لضمان نزاهة العملية الانتخابية، وعدم تأثر أي فرد في مَجمع الكرادلة - وهي الهيئة المنوط بها اختيار البابا الجديد - بأي عوامل خارجية. وتبدأ الإجراءات بعد أيام قليلة من جنازة البابا السابق، حيث يدلي الكرادلة بأصواتهم سرًا في جولات تصويت متكررة تتم مرتين صباحًا ومرتين مساءً.

يكتب كل كاردينال اسم مرشحه على ورقة اقتراع ثم يضعها في جرة خاصة بعد أداء الصلاة، ويقوم ثلاثة كرادلة بفرز الأصوات. ويجب أن يحصل المرشح الفائز على ثُلثي الأصوات ليفوز بالمنصب البابوي، وفي حال عدم تحقيق ذلك تحرق أوراق الاقتراع وتعاد الجولة. ويتم إعلام العالم بنتيجة الانتخاب من خلال لون الدخان المنبعث من مدخنة الكنيسة، حيث يدل الدخان الأبيض على نجاح الانتخاب بينما يشير الأسود إلى استمرار التصويت.

عند اختيار البابا الجديد، يسأله عميد الكرادلة إذا كان يقبل المنصب ويطلب منه اختيار اسم بابوي، ليتولى بعد ذلك قيادة الكنيسة الكاثوليكية. وتتميز هذه العملية بالجدية والروحانية، حيث يحرص الكرادلة على اتخاذ القرار الأنسب بعيدًا عن أي ضغوط خارجية، مما يعكس أهمية المنصب وخطورة المهمة الموكولة لصاحبه. وتتطلب عملية اختيار البابا الجديد دراسة دقيقة للشخصيات المؤهلة لهذا المنصب.

المرشحون للمنصب يتم اختيارهم عادًة حسب أدوراهم ومناصبهم في الكنيسة، مثل قيادة الأبرشيات الكبرى، أو تولي مناصب رئيسية داخل إدارة الفاتيكان، وهي مواقع غالبًا ما تجعلهم أهل لهذا المنصب الهام. وفي تقليد بدأ العمل به في القرن الخامس عشر ميلاديًا، يطلق على هؤلاء المرشحين المحتملين للبابوية باسم "papabili".

وبالفعل بدأت تظهر أسماء بعض الكرادلة المشهورين الذين طُرحت أسماؤهم لشغل هذا المنصب:

1- الكاردينال بييترو بارولين - 70 سنة

وهو أمين سر الفاتيكان منذ عام 2013، والعضو الأعلى رتبةً في المجمع الانتخابي، ووصف دائمًا بأنه شخصيةً عاقلةً ومعتدلةً داخل الكنيسة، وحلقة وصل بين التوجهات "اليسارية" و"اليمينية" داخل الفاتيكان.

2- الكاردينال بيتر إردو - 72 سنة

شغل سابقًا منصب رئيس لمجلس أساقفة أوروبا، ويعتبر المرشح الأبرز في الجناح المحافظ في الكنيسة، ويُعتقد أنه قد يكون المنافس الرئيسي للكاردينال بارولين في تصويتات المَجمع. عارض إردو عددًا كبيرًا من إصلاحات البابا فرانسيس، مثل رأيه في استقبال بابا الفاتيكان للاجئين، حيث شبّه هذا الأمر بـ"الاتجار بالبشر".

3- الكاردينال لويس أنطونيو تاجلي - 67 سنة

يشغل حاليًا منصب نائب رئيس قسم التبشير الأول في دائرة التبشير، ويلقب بـ"فرانسيس الثاني" لتشابهه مع البابا الراحل في قرارته وتوجهاته، ولو وصل لكرسي البابوية، سيصبح أول بابا آسيوي في تاريخ الفاتيكان.

يحمل كل مرشح رؤية مختلفة للكنيسة: الاستمرارية على خط البابا فرانسيس، أو العودة إلى التقاليد، مرة أخرى. ولن يكون الاختيار مجرد تصويت على قيادة الفاتيكان، بل على روح الكنيسة الكاثوليكية لمدة طويلة، وسنظل نتسائل: هل ستتعمق إصلاحات فرانسيس أم ستتراجع؟ وهل سيبقى إرثه أم سيعمل البابا القادم على محو هذا الإرث وتغيير سياسات الفاتيكان؟

 

ميراث البابا: كوة في جدار الكنيسة

ربما لم تُحدِث سنوات البابا فرنسيس ثورة داخل الكنيسة، لكنها بلا شك حرّكت المياه الراكدة. بأسلوبه المتواضع ولهجته الصريحة، سعى إلى فتح أبواب الحوار حول قضايا حساسة، ومدّ الكنيسة بجسور نحو العالم الذي تغيّر كثيرًا من حولها. أعاد طرح الأسئلة الكبرى: عن الفقر، والعدالة، والمهاجرين، والمرأة، والسلام.

لكن الكنيسة، كمؤسسة ضاربة في التاريخ، ظلت في كثير من جوانبها تقاوم هذا التحوّل، وتتمسك بجذورها العميقة. فالإصلاح في الفاتيكان لا يأتي بضربة واحدة، بل يتشكّل ببطء، ويخضع لموازين دقيقة بين التقليد والانفتاح، بين السلطة والمساءلة.

وإذ يغيب فرنسيس، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يأتي من يوسّع الكوة التي فتحها في جدار الكنيسة؟ أم يُغلَق الباب على تجربته، في انتظار زمن آخر، وشخص آخر، يجرؤ على الحلم من جديد؟

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

تفاهة الشر

تفاهة الشرّ: كيف يتحوّل الامتثال إلى آلة قتل؟

يفكّك المقال مفهوم تفاهة الشرّ، كاشفًا كيف يحوّل الامتثال والروتين البشر العاديين إلى أدوات عنف منظّم بلا تفكير

محمد العربي

سقوط الأسد
سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

عملية بيت جن

اقتصاد الأمن وصناعة المُخبرين المحليين كبنية خفية لعملية جنوب سوريا

يكشف هذا المقال تفكك المنظومة الأمنية جنوب سوريا وصعود سوق معلومات معقّد يدمج الانهيار الاجتماعي بالاختراق الاستخباراتي

مهيب الرفاعي

المزيد من الكاتب

إسلام أحمد

كاتب مصري

المولد النبوي واحتفالاته.. رحلة عبر الزمن

لم يبدأ المسلمون الاحتفال بذكرى المولد النبوي إلا في عهد الدولة الفاطمية، التي استخدمته لإبراز قوتها الاقتصادية، واستمالة العامة إليها بحبهم للنبي

وحيٌ ورسائل وبوصلة.. حكاية الرؤى في الإسلام

يكشف ما كتبه المسلمون عن الرؤى والأحلام أنها لعبت دورًا مهمًا في تاريخ الإسلام بنقلها رسائل إلهية أحيانًا، واعتبارها أداة توجيه وإلهام في أحيان أخرى

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

محمل الحج المصري.. موكب السلطان والشعب إلى البيت الحرام

عبر القرون مثّلَ الحج الرحلةَ الأشد قداسةً في مجتمعات المسلمين، واستدعى هذا أن تكون الرحلة الأكثر احتفالًا واحتفاءً من الأوساط الرسمية والشعبية