في التلال شمال غرب القدس، لا يُعاد إنتاج الجغرافيا عبر قرارات مصادرة حديثة فقط، بل ضمن سيرورة (Process) استعمارية ممتدة بدأت قبل عقود من عام 1967، وتواصل اليوم إعادة تشكيل المجال الفلسطيني بأدوات متجددة. وفي هذا الإطار، تشكّل أراضي (C) البنية القانونية المهيمنة التي تُقيد البناء والتوسع الفلسطيني، وتحوّل معظم الفضاءات المفتوحة إلى مناطق عالية الحساسية التخطيطية، ما يحد عمليًا من إمكانية التطور والتوسع المكاني "الطبيعي" للقرى.
فبينما عزل جدار الفصل أجزاء واسعة من قرية بيت عنان[1] عن أراضيها، جاء التمدد الاستيطاني الرعوي ليكمل وظيفة السيطرة منخفضة الكثافة على ما تبقى من هذه الفضاءات، خصوصًا داخل نطاق أراضي (C). مزارع صغيرة، قطعان متنقلة، ونقاط استيطانية متناثرة تتحول تدريجيًا إلى بنية سيطرة ميدانية تعيد تنظيم الوصول إلى الأرض وتعيد تعريف حدود استخدامها الفعلي. في هذا السياق، تبدو قرية بيت عنان – التي تمتد على نحو 10,149 دونمًا – نموذجًا لحيز جرى خنقه على مستويين: عبر العزل المادي الذي فرضه الجدار، وعبر استباحة أفقه المكاني بواسطة البؤر الرعوية داخل مناطق (C)، في تقاطع مستمر بين القيود القانونية والضغط الميداني.
ولا يمكن فهم هذا التضييق بمعزل عن السياق القانوني الأشمل الذي رسمته اتفاقيات أوسلو؛ إذ أفضى التقسيم الثلاثي للضفة الغربية إلى مناطق (A) و(B) و(C) إلى إنتاج هندسة مكانية تصادر الحيز وتُثبّت التبعية في آنٍ واحد. فأراضي (C) التي تشمل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية باتت فضاءً مفتوحًا أمام التمدد الاستيطاني، بينما تُغلق أمام الفلسطيني التوسّع الطبيعي في أرضه، مثل بناء البيوت الجديدة والتوسع الأفقي. وما يجري في بيت عنان ليس استثناءً بل نموذجٌ مكثّف لهذه الهندسة تتجلى فيه أدوات السيطرة بأوضح صورها.
الزيتون كأداة لـ"زراعة غياب"
ضمن هذا السياق، لا يتراجع النشاط الزراعي في بيت عنان بفعل القيود المباشرة فقط، بل نتيجة تحولات بنيوية أعمق تداخلت فيها البنية الاستعمارية مع أنماط الاقتصاد المحيط، بما دفع تدريجيًا نحو العمل المأجور خارج القرية، سواء في الاقتصاد الفلسطيني أو الإسرائيلي/المستوطنات المحيطة.
ترافق ذلك مع تراجع الزراعة اليومية الكثيفة لصالح نمط أقل حضورًا، يتصدّره انتشار زراعة الزيتون بوصفه محصولًا منخفض المتطلبات مقارنة بالزراعة الحقلية الموسمية. هذا التحول لا يغيّر فقط شكل الإنتاج، بل يعيد ترتيب علاقة السكان بالأرض ويضعف الحضور اليومي المباشر عليها.
ثمة فارق جوهري بين الزيتون كشجرة مقاومة راسخة في الوجدان الفلسطيني، والزيتون بوصفه أداةً لـ"زراعة الغياب". في الحالة الأولى يمثل الزيتون تعبيرًا عن الانتماء والصمود، وفي الحالة الثانية يتحوّل إلى مرادف ضمني للتخلي عن الحضور اليومي في الأرض. ففي حين يكتفي المزارع بزيارة موسمية واحدة لقطاف ثمار الزيتون وربما زيارة أخرى لتقنيبه وحراثة الأرض، فإنه يفسح المجال أمام شكل آخر متمثلًا بسيطرة أخرى تعبئ الفراغ الذي تركته الزيارات المتقطعة، وهو ما يستغله الاستيطان الرعوي لتأسيس حضوره في هذه المساحة
الملكية غير الفاعلة: فخ التفريغ الصامت
يتشكّل هنا ما يمكن تسميته بـ"الملكية غير الفاعلة": ملكية قائمة قانونيًا لكنها محدودة الفعل في الاستخدام اليومي للمجال. ومع تقلص الاعتماد على الأرض كمجال إنتاج مستمر، يتراجع الحضور الزراعي لصالح أنماط عمل خارج القرية، ما يخلق فراغًا زمانيًا ومكانيًا في العلاقة مع الأرض. هذا الفراغ لا يبقى على حاله، بل يُعاد ملؤه تدريجيًا بأنماط استخدام جديدة تمتد على التلال وتعيد تعريف حدود السيطرة.
الاستيطان الرعوي: السيطرة منخفضة الكثافة على الفضاء المفتوح
ما تسمى بالمزارع/المستعمرات الرعوية الاستيطانية، مثل مزرعة "شيبولت"، التي أعلن عنها مؤخرًا والمرتبطة بمستوطنة "ميفو حورون"، لم تأتِ لتزاحم مزارعًا فلسطينيًا موجودًا إلا ما ندر، بل جاءت لتملأ فراغًا صنعه الاستعمار والرأسمالية على مدار عقود. يتجلى نمط الاستيطان الرعوي بوصفه أداة للسيطرة منخفضة الكثافة، لا تعتمد على التوسع العمراني الكثيف بقدر ما تعتمد على الانتشار في الفضاءات المفتوحة وإعادة تنظيم الوصول إليها.
في هذا السياق، تشكّل مستوطنة "ميفو حورون"، التي تأسست عام 1970 فوق أنقاض قرى اللطرون المهجرة عام 1967 (عمواس، يالو، وبيت نوبا)، نقطة ارتكاز ضمن شبكة استيطانية تمتد في منطقة اللطرون وتربط الكتل الاستيطانية بالحيزات المفتوحة الواقعة بين بيت عنان وبيت لقيا وقرى شمال غرب القدس.
وضمن هذا الامتداد، تظهر مزارع رعوية جديدة تعمل كامتدادات ميدانية مباشرة، من بينها مزرعة "شيبولت"، والتي تتقاطع مساحاتها جغرافيًا مع أراضي بيت عنان وبيت لقيا والقرى المجاورة، ضمن نطاق يُعاد تشكيله خارج حدود الاستخدام الزراعي الفلسطيني التقليدي.
وتكمن خطورة هذا النمط من الاستيطان في أنه ينتج وقائع مكانية دون أن يستلزم بنية تحتية ثقيلة كالمستوطنات المأهولة بالسكان، فكل ما يلزم هو بضعة كرفانات، وقطيع ماعز، وشاب مسلح تحت قبعة وعصا، وهذا كافٍ ليعيد رسم معادلات الوصول والاستخدام على رقعة أوسع بكثير مما تبدو عليه الصورة الظاهرية.
بيبة التلال: الميليشيا الوظيفية وسلطة الترهيب
داخل هذا الامتداد، لا تعمل البؤر الرعوية كبنى إنتاجية أو مشاريع اقتصادية فحسب، بل هي "ثكنات جغرافية" يُفعَّل فيها حضور ميداني دائم عبر مجموعات "شبيبة التلال". هؤلاء يمثلون الذراع الميداني غير الرسمي لمنظومة السيطرة الرعوية، حيث تتجاوز وظيفتهم رعي الماشية إلى "رعي المجال" ومراقبته. فهم يؤدون وظيفة "السيادة الفيزيائية" عبر ممارسة وجود دائم وعنيف على التلال والحقول، ما يحوّل وجودهم العشوائي إلى أداة ضبط ومنع.
تعمل هذه المجموعات كميليشيا وظيفية ضمن نظام "تبادل الأدوار" مع مؤسسات الدولة الرسمية؛ فبينما يفرض القانون الرسمي قيودًا تخطيطية على الفلسطينيين في أراضي (C) يمنع التوسع العمراني فيها، وعليه تصبح مأهولة بالسكان؛ يقوم "شبيبة التلال" بفرض حظر تجوال غير معلن عبر الترهيب المباشر. هذا النمط من السيطرة يعتمد على "عنف المبادأة"؛ حيث لا ينتظر المستوطن وقوع فعل فلسطيني، بل يبادر بفرض واقع ترهيبي يجعل من مجرد وجود المزارع في أرضه فعلًا محفوفًا بالمخاطر.
في قرية الطيرة وبيت عنان والمناطق المحاذية، يتحوّل هذا المنطق إلى ممارسة يومية استنزافية: يكفي تشغيل جرار زراعي أو البدء بحراثة أرض على سفح جبل مقابل، حتى يظهر تدخل فوري من هؤلاء الفاعلين الميدانيين. فيأتي إلى الأرض مهددًا أصحابها بأن أمامكم دقائق قبل أن أستدعي الجيش ليأتي ويصادر الجرار الزراعي والمعدات، فلا يقتصر التهديد هنا على العنف الجسدي فحسب، بل يمتد إلى "الترهيب المؤسساتي" عبر استدعاء جيش الاحتلال ومصادرة المعدات، وهو ما يجعل من "شبيبة التلال" رأس حربة في منظومة الرقابة التي تحول الحقل من فضاء إنتاج وحياة إلى مساحة مراقبة دائمة ومعزولة.
البنية المؤسسية: من البؤرة إلى النظام
لا يعمل هذا النمط كحراك عشوائي، بل يستند إلى بنية مؤسساتية ومالية معقدة. تشكّل المجالس الإقليمية الاستيطانية، وعلى رأسها مجلس "بنيامين الإقليمي"، إلى جانب منظمات مثل "أمانا"، الإطار الذي يوفّر التمويل والتخطيط والغطاء الإداري للبؤر الرعوية. تبدأ هذه المواقع كبؤر غير مرخصة ومؤقتة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى نقاط ثابتة عبر تراكم الاستخدام الفعلي الذي يعيد تعريف واقعها المكاني. ومع الوقت، تُدمج ضمن شبكة استيطانية أوسع تمتد عبر اللطرون والقرى المحيطة.
وتكشف الكثير من التقارير الحقوقية أن هذه البؤر تحظى أحيانًا بتمويل من مصادر داخل الحكومة الإسرائيلية، وأحيانًا أخرى من صناديق دعم خاصة بالمستوطنين أنفسهم (شبكات تبرع دينية وقومية)، هذا إلى جانب الجمعيات الاستيطانية، كما يمر جزء من هذا التمويل يمر عبر برامج تُقدم تحت عناوين مثل "دعم الشباب المعرض للخطر" أو "الزراعة الرعوية"، وحتى "حماية المزارع" في أحيان أخرى، وفي كل الحالات فإن الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف – حتى إن لم تكن ضمن الممولين المباشرين – ما يعني غطاءً ضمنيًا. وبهذا تتشكل ثلاثية الاستيطان الرعوي: البؤر كأداة ميدانية، وشبيبة التلال كذراع تنفيذي، والمجالس الإقليمية والصناديق التمويلية كإطار مؤسسي على شكل ثلاثية تتكامل فيها الأدوار بدقة وظيفية كبيرة.
محو الذاكرة الجغرافية: إعادة كتابة المكان
بالتوازي مع التوسع الميداني، تتقدم عملية موازية لإعادة تشكيل الذاكرة الجغرافية عبر ما يُعرف بـ"المحو الطوبونيمي"، أي استبدال الأسماء العربية التاريخية للقرى والأماكن بأسماء عبرية تُثبت في الخرائط الرقمية وأنظمة الملاحة.
في منطقة اللطرون، يتحول "وادي سلمان" إلى "ناحال أيالون"، بينما تُدمج القرى الفلسطينية المدمرة عام 1967 (عمواس، ويالو، وبيت نوبا) داخل فضاء سياحي يُقدَّم باسم "منتزه كندا"، في عملية فصل ممنهج بين الأرض وذاكرتها التاريخية والزراعية.
ولمنطقة اللطرون دلالة خاصة لا بوصفها حالة منفردة أو استثنائية، وإنما هي تمثيل لهذه الدلالة من خلال نموذج مكتمل لسياسة "إنتاج الفراغ"، فإقامة متنزه على القرى المدمرة، لم تترك المكان فارغًا، بل أعيد ملؤه فورًا بمشروع متنزه يعيد تعريف وظيفة الأرض ومعناها. فالفراغ الاستعماري لا يحتمل بقاء أثر يدل على السكان الأصليين؛ لأن بقاء الأثر يُبقي الذاكرة قابلة للاستدعاء، ولذلك يعيد تدوير المكان بسرعة داخل منظومة رمزية جديدة تمنع عودة الذاكرة أو الاستدلال عليها، ولا يُقصد بالفراغ غياب العمران أو النشاط البشري الناتج عن السكان، بل تفريغ المكان من معناه الفلسطيني ومن ذاكرته الاجتماعية والتاريخية، بحيث يمحى حضور السكان الأصليين كأنهم لم يكونوا يومًا على هذه الأرض.
الفراغ السيادي: السلطة وكتابة شهادة الوفاة الوظيفية
أمام هذه المنظومة الاستيطانية المتكاملة، يتجلى الانكشاف الميداني للفلسطينيين نتيجة تحول السلطة الفلسطينية إلى حالة من "السيادة الاسمية" التي تفتقر لأدنى أدوات الفعل على الأرض. إن عجز السلطة في مناطق (C) لم يعد مجرد عجز تقني، بل هو تآكل بنيوي حوّلها إلى هيكل بيروقراطي يكتفي بـ"الولاية القانونية المتخيلة" والخطابات الإنشائية، بينما يمارس دور المتفرج على عمليات هندسة الاقتلاع الجارية في بيت عنان وعموم الضفة الغربية.
هذا الغياب يمثل موتًا سريريًا لوظيفة "حماية المجال"، وهي الوظيفة الأساسية لأي كيان سياسي، فتُرك المزارع الفلسطيني في مواجهة منفردة أمام "ثكنات الجغرافيا" وميليشيات "شبيبة التلال" التي تعمل بغطاء رسمي من دولة الاحتلال كما أشرنا سابقًا. وفي ظل استمرار الارتهان للمنظومة الأمنية والاتفاقيات التي تحولت إلى قيود من طرف واحد، يتضح أن الرهان على أي دور مستقبلي لهذه السلطة هو مراهنة على فراغ سياسي؛ إذ لم تعد السلطة مجرد طرف عاجز، بل أصبحت بجمودها المؤسساتي جزءًا من "البنية التمكينية" التي تسمح بمرور مشروع التهجير الصامت وتثبيته كواقع جغرافي سياسي لا رجعة فيه.
التهجير عبر التراكم
التحول الحاصل في بيت عنان لا يظهر كحدث منفصل أو لحظة اقتلاع مباشرة، بل كسلسلة تراكمية تعمل في مستويات متوازية: القيود القانونية، وإعادة تشكيل الاستخدام الزراعي للأرض، والتوسع الاستيطاني الرعوي، والبنية المؤسسية، وإعادة كتابة أسماء الأماكن، هذه الطبقات كلها متداخلة وتنتج ضغط مستمر يعيد صياغة علاقة الفلسطيني بالمكان بشكل تدريجي.
ومع تراكم هذه الطبقات، تتضح النتيجة النهائية: سرقة الأرض عبر إعادة هندسة استخدامها ميدانيًا وقانونيًا، وإنتاج تهجير قسري بطيء لا يقوم على الإخلاء المباشر، بل على خنق إمكانية البقاء داخل المكان نفسه. وفي ظل الغياب الوظيفي للسلطة الفلسطينية، يتحول فعل البقاء من مشروع وطني مؤسساتي إلى "مقاومة فردية" منهكة، يواجه فيها الفلسطيني وحده آلة استعمارية متكاملة.
الهوامش:
1- تقع بيت عنان على سلسلة من التلال شمال غربي القدس، وتتدرج تضاريسها من نحو 750 مترًا فوق سطح البحر في أجزائها الشرقية إلى نحو 620 مترًا في مركز البلدة، بينما تنخفض في الأودية إلى ما بين 350 و450 مترًا. وتمتد أراضيها على مساحة تقارب 10,149 دونمًا، وتتسم بانحدارات حادة نحو الشمال باتجاه أودية القيقبة وسلمان وحامد.