ليس من المستبعد أن تقع النساء الفلسطينيات في الأسر. فمنذ احتلال عام 1967، اعتُقلت العديد منهن من قبل الاحتلال الإسرائيلي، لمشاركتهن في العمل المقاوم أو النشاط السياسي، أو لانتمائهن لتنظيمات فلسطينية، أو حتى لوجود صلة قرابة تربطهن بمقاومين. وعادةً ما تتصاعد الاعتقالات ويزداد عدد الأسيرات مع تصاعد وتيرة المقاومة والمواجهات في المناطق الفلسطينية، كما حدث في انتفاضة الحجارة، وانتفاضة الأقصى، وانتفاضة السكاكين، ومعركة "طوفان الأقصى".
كانت فاطمة البرناوي أول امرأة فلسطينية تُعتقل عام 1967 بتهمة محاولة تنفيذ عملية فدائية في القدس، وأمضت 10 سنوات في السجن. ويُعتبر اعتقالها بداية الحركة النسائية الأسيرة رسميًا.
بلغ عدد النساء الفلسطينيات اللاتي اعتُقلن في سجون الاحتلال منذ عام 1967 أكثر من 17 ألفًا. كان سجن نفي تيرتسا في الرملة أول سجن احتُجزت فيه الأسيرات، ثم استخدم الاحتلال سجن الدامون لاعتقال الأسيرات من الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب سجون أخرى مثل هشارون والرملة وعسقلان. وما تزال سجون هشارون والمسكوبية تُستعمل حتى الآن كمراكز احتجاز مؤقتة قبل نقل الأسيرات إلى سجن الدامون.
أوضاع الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال
ارتبط اعتقال النساء الفلسطينيات باحتلال المناطق الفلسطينية عام 1967، وظهرت فترات شهدت توسعًا في وتيرة اعتقالات الفلسطينيين، بما فيهم النساء، وزادت خلالها ظروفهن سوءًا وارتفعت حدة الانتهاكات بحقهن. من هذه الفترات:
- شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين تصاعدًا في العمل الفدائي والمقاومة الشعبية، وعمد الاحتلال إلى استخدام سياسة الاعتقال الإداري ضد الأسرى ذكورًا وإناثًا، حيث خضعت الأسيرات لتحقيقات قاسية وتعرّضن للتعذيب النفسي والجسدي.
تصاعدت الاعتقالات في الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)، وشهدت زيادة ملحوظة في عدد الأسيرات، وكانت أكبر موجة اعتقالات للنساء منذ عام 1967، حيث اعتُقلت أكثر من 800 فلسطينية خلال سنوات الانتفاضة. من بينهن ناشطات في الحركات السياسية ومنخرطات في فعاليات الانتفاضة الشعبية.
كان وضع الأسيرات في سجون الاحتلال صعبًا جدًا، وشهدت تلك الفترة انتهاكات جسيمة لحقوقهن. تعرضت الأسيرات لأساليب تعذيب متطورة، بما في ذلك العزل الانفرادي والحرمان من الحقوق الأساسية.يُظهر تقرير لمؤسسة "الحق" الفلسطينية عن سنوات الانتفاضة (1988 – 1992) توثيقًا لتعذيب ممنهج ومؤسساتي تعرض له الأسرى والأسيرات بهدف إخافتهم وانتزاع اعترافاتهم. من هذه الأساليب: الضرب والتعذيب الجسدي، الحرمان من النوم والرعاية الطبية، العزل الانفرادي لفترات طويلة، التهديد والوعيد، والاحتجاز في ظروف لا إنسانية.
كما قد يُجردون من ملابسهم ويُجبرون على الوقوف أو الجلوس لفترات طويلة، ويُعرَّضون لدرجات حرارة شديدة، باردة أو حارة. لم تُراع حالات الحمل، ما أدى إلى حدوث حالات إجهاض نتيجة العنف الجسدي.
- في عام 1993، جرى توقيع اتفاقية أوسلو، وأُجريت صفقات تبادل للأسرى أُطلق بموجبها سراح عدد من الأسيرات، في حين استُثنيت أخريات ممن يحملن أحكامًا عالية. ومع ذلك، لم تتوقف الاعتقالات.
شهدت انتفاضة الأقصى (2000 – 2005) تصاعدًا في الأحداث والمواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، وارتفعت وتيرة الاعتقالات التعسفية لتطال النساء، واتسعت مظاهر القمع الإسرائيلي ضد مختلف فئات المجتمع الفلسطيني. شملت المعتقلات طالبات جامعيات، وأمهات، وقاصرات، بزعم مشاركتهن في المظاهرات والمواجهات الشعبية، أو تقديم الدعم للمقاومين، أو نقل رسائل ومواد تعزز المقاومة. كما استهدفت الاعتقالات النساء المنتميات لفصائل المقاومة والمشاركات في النشاط السياسي والإعلامي، بالإضافة إلى رعاية الجرحى وأُسر الأسرى.
وثّقت منظمات حقوق الإنسان خلال الانتفاضة الثانية حدوث تعذيب وسوء معاملة وعزل انفرادي، بالإضافة إلى حرمان الأسيرات من الزيارات والتعليم والعلاج. كما تم استخدام الابتزاز والضغط النفسي والإهانات اللفظية بحق العديد منهن خلال التحقيق والاعتقال. وكانت الزنازين ضيقة ومكتظة وقديمة، تفتقر إلى التهوية والإضاءة الجيدة، كما ينعدم فيها التبريد والتدفئة، وكان الطعام غير كافٍ وأحيانًا فاسدًا لا يصلح للأكل.
- خلال انتفاضة السكاكين (القدس: 2015–2017)، بلغ عدد الأسيرات المعتقلات 370 أسيرة. وقد تعرضت الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال لظروف قاسية وممارسات تنتهك حقوقهن الإنسانية، وشكّل استخدام القوة المفرطة والاعتداءات على الأسرى والأسيرات ظاهرة بارزة خلال تلك الفترة.
- مع انطلاق طوفان الأقصى (2023–2025)، ارتفع عدد النساء المعتقلات في سجون الاحتلال، وتدهورت ظروف الاعتقال بشكل غير مسبوق. استخدمت إدارة السجون سياسات العقاب الجماعي، وعاملت الأسيرات بشدة، وفرضت عليهن حرمانًا قاسيًا من جميع حقوقهن الأساسية.
الحركة الأسيرة لمقارعة السجان
بعد حرب 1967 وتوسع اعتقالات الفلسطينيين، نشأت الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال وبلغت شكلها المنظم لاحقًا، خصوصًا مع تأسيس هيئات تنظيمية داخل السجون لكل الفصائل وقوائم التمثيل داخل المعتقلات. هدفت الحركة الأسيرة إلى إدارة حياة الاعتقال وضبط العلاقة مع إدارة السجون بشكل جماعي، بدل الاعتماد على الأسير الفردي.
الهجمة على الأسرى لم تبدأ مع أحداث السابع من أكتوبر، فهي موجودة منذ بداية الاحتلال، وتشمل انتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية. ومع نضالات الحركة الأسيرة، ومنها الإضرابات عن الطعام لتحسين ظروف الأسر، أصبحت الظروف الحياتية أقل سوءًا. ومع ذلك، تشتد الهجمات على الأسرى من صناع القرار في حكومة الاحتلال كلما تصاعد التوتر الأمني خارج السجون.
بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة عام 1967، تعرض الأسرى والأسيرات لسوء المعاملة والتعذيب والإهمال في سجون الاحتلال، ما أبرز الحاجة لتنظيم الصفوف داخليًا وإيجاد قيادات داخلية تمثلهم، وتنظم حياتهم، وتدير علاقتهم مع إدارة السجون. وعمِل الأسرى على تأسيس ما يعرف بـ"الحركة الفلسطينية الأسيرة"، التنظيم الجماعي الوطني الذي يملك فكرًا ونظامًا وأهدافًا نضالية موحدة، مع ممثل عام في كل سجن ولجان تنظيمية فصائلية، وقيادة وطنية موحدة تنسق بين السجون.
شاركت الأسيرات الفلسطينيات في تشكيل تنظيمات خاصة بهن داخل سجون الأسيرات، لتمثل الأسيرات أمام إدارة السجون وتنسق المواقف مع الحركة الأسيرة العامة في سجون الرجال. وحققت الأسيرات عبر ذلك مكاسب مهمة، منها الاعتراف بهن كمعتقلات سياسيات لا كمجرمات جنائيات، ما مكّنهن من الحصول على حقوق أساسية، مثل التعليم داخل السجن، وتحسين شروط المعيشة، والحصول على زيارات منتظمة من الأهل والمحامين، وإدخال الملابس والقرطاسية والكتب وأدوات النظافة. كما شاركت الأسيرات في الإضرابات الوطنية العامة احتجاجًا على السياسات القمعية، مثل الاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، والحرمان من الزيارات، والاعتداءات الجسدية والنفسية. وكان أبرز هذه الإضرابات إضراب عام 1996، احتجاجًا على رفض الإفراج عن جزء منهن في صفقة تبادل أسرى ومطالبة بالإفراج الجماعي عن جميع الأسيرات، وقد تحقق ذلك فعليًا عام 1997.
الانتقال إلى الطرف الآخر من العالم- على شفير جهنم
في أيلول/سبتمبر 2023، أعلنت وزارة الأمن القومي الإسرائيلي عن خطة بعنوان "إنهاء الحكم الذاتي للأسرى في السجون"، بناءً على توصيات لجنة أردان/كعتبي، التي شكلت لإلغاء ما أُطلق عليه الحكم الذاتي داخل السجون. وتهدف الخطة إلى القضاء على التنظيم الذاتي للأسرى الفلسطينيين، عبر وقف فرزهم في الأقسام بحسب الانتماءات السياسية، وإلغاء منصب المتحدث باسم الأسرى (الدوبير)، لتمكين مصلحة السجون (الشاباص) من التعامل مع كل أسير بشكل فردي.
وتشمل الإجراءات خفض الأموال المسموح بإيداعها في كنتينا السجن، وسحب أدوات الطهي ومنع إعداد الطعام داخل الأقسام، فيما يوفر (الشاباص) الطعام الأساسي وفق تقديره، إضافة إلى تقليص استهلاك المياه عن طريق تقليص وقت استخدامها (تقليص الفورة).
في البداية، رفضت الجهات الأمنية تنفيذ توصيات اللجنة خوفًا من تصعيد الأوضاع داخل السجون وخارجها، لكنها عادت بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتنفيذ الخطة، ما أدى إلى تغييرات جذرية في أوضاع الأسرى، بمن فيهم الأسيرات.
مع بدء طوفان الأقصى وانطلاق أحداث السابع من أكتوبر 2023، صعّد الاحتلال ممارساته ضد الأسرى بشكل عام والأسيرات بشكل خاص، بشكل لم يسبق له مثيل، خاصة مع وجود حكومة اليمين المتطرف التي يقودها نتنياهو، ووقوع مسؤولية السجون ضمن اختصاص وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير. فأصدر تعليماته بتقييد الظروف المعيشية داخل السجون، حيث أُغلقت كنتينات السجون الأمنية، وصودرت المقتنيات الشخصية للأسرى من ملابس وأدوات كهربائية وكتب وأقلام ودفاتر، وقُيدت الزيارات ومُنعت زيارات الأهل والمحامين، وقُلص التواصل مع العالم الخارجي إلى الحد الأدنى. بهذه الإجراءات، بدأت تطبيق الخطة فعليًا، وسُحبت إنجازات الحركة الأسيرة التي حققتها نتيجة جهود ودماء كثيرة على مدار سنوات طويلة.
تأثرت الأسيرات بشكل مباشر بهذه القيود. أصبحت الغرف مكتظة جدًا، حيث ينام عدد قليل على أبراش معدنية، بينما تضطر البقية للنوم على فرشات رقيقة على الأرض. مهما انخفضت درجات الحرارة، يُسمح لكل أسيرة ببطانية واحدة فقط، ولا يُسمح بالمخدات، التي تُعتبر رفاهية تتنافى مع السجن. كما انخفضت كمية وجودة الطعام بشكل غير مسبوق، مما أدى إلى فقدان الأسيرات للكثير من الوزن. سُحبت مواد وأدوات النظافة الشخصية، فلا أمشاط ولا ليف لدعك الجسم، وكميات الشامبو ضئيلة جدًا. مع قلة الطعام ونقص السوائل، عانت الأسيرات من جفاف شديد في الجلد، وشحوب في اللون، وتساقط الشعر.
ظروف لا إنسانية
تنطوي معاملة المعتقلات الفلسطينيات في سجون الاحتلال على إساءة ممنهجة تنال من حقوقهن وكرامتهن. فقد عمد الاحتلال إلى تجريد الأسيرة من إنسانيتها بمجرد اعتقالها، عبر سلسلة من الممارسات التي لم تقتصر على الحرمان الجسدي أو المادي، بل امتدت إلى الإهانات الجسدية والنفسية والإذلال المتعمد. يشمل ذلك التفتيش العاري، والشتم، ومناداتها بألفاظ مهينة، ومصادرة حجابها وكل ما كانت ترتديه لحظة الاعتقال، وفرض ملابس السجن عليها دون مراعاة معتقداتها الدينية، ومحاولات كسر هويتها الوطنية والأنثوية. كما تشمل الممارسات العزل الاجتماعي داخل السجن، ومنع الأسيرات من التواصل فيما بينهن وممارسة النشاطات المشتركة، بما فيها صلاة الجماعة والحلقات الدراسية والثقافية، والحرمان من زيارات الأهل أو الاتصال بهم، ومصادرة الحق في العلاج والتعليم والخصوصية. كل هذه الإجراءات تهدف إلى سلب الأسيرة إحساسها بإنسانيتها وأنوثتها، وتحويلها إلى مجرد رقم في منظومة قمعية تهدف إلى تحطيم عزيمتها.
تُحتجز الأسيرات في مراكز تحقيق وتوقيف سيئة السمعة مثل المسكوبية وبتاح تكفا وهاشارون قبل نقلهن إلى سجن الدامون في حيفا (سجن الأسيرات الأمنيات حاليًا). خلال ذلك، يُمارس ضدهن العنف الجسدي والضغط النفسي، وقد يُهددن بالاغتصاب أو باعتقال أفراد الأسرة، وأحيانًا يُعاد اقتحام المنزل للبحث عن أدلة.
تُحرم الأسيرات من النوم والطعام الكافي، ويُجبرن في كثير من الحالات على الجلوس في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة، مثل الجلوس فوق الركبتين مثنيتين ورأس محنى للأسفل مع تقييد اليدين للخلف وتعصيب العينين. كما تتعرض للتفتيش العاري المستمر، كأداة إذلال ممنهجة تهدف إلى تحطيم شعورهن بالكرامة والخصوصية، وهو ما تعتبره الأسيرات اغتصابًا معنويًا، خاصة أنه يُمارس دون مبرر أمني حقيقي.
وتتعرض الأسيرات أيضًا للإذلال الجماعي باقتحام الزنازين ليلاً، مصحوبًا بتفتيش صارم ومصادرة الممتلكات الشخصية من ملابس وأغطية وأدوات طعام وكتب ومصاحف وأدوية دون أي احترام لخصوصيتهن. وكثيرًا ما تهاجم قوات القمع الخاصة مثل “اليماز” زنازين قسم النساء مستخدمة الغاز والعصي والكلاب المدربة.
أما المحاكمات، فتُجرى غالبًا عبر الإنترنت، حيث يكون القاضي في المحكمة والأسيرة في غرفة صغيرة داخل السجن، بأيدي وأرجل مقيدة. يتحكم السجان بالصوت، فيسأل القاضي والأسيرة تجيب، وقد يُغلق السجان الصوت متى شاء. وإذا رغبت الأسيرة بالتحدث مع محاميها أو الاستفسار عن أهلها، قد يُغلق الصوت أو يُنهى اللقاء. وفي حالات عديدة، يُصدر القاضي قرارًا بالإفراج عن الأسيرة، لكن النيابة تستأنف وتلغي القرار، ما يعطي الانطباع أن النيابة هي صاحبة القرار الفعلي.
خلاصة
تُظهر الوقائع أن خلق المعاناة للأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال ليس مجرد أحداث متفرقة أو حالات عرضية، بل سياسة ممنهجة تمارسها منظومة الاحتلال لكسر إرادة المرأة الفلسطينية، وثنيها عن المشاركة في نصرة وطنها، واستثنائها من أي دور مقاوم. غير أن الأسيرات يواجهن هذه السياسة بالصمود والتحدي، ومع مزيد من الصبر والإيمان بعدالة قضيتهن، وقد أثبتن قدرة استثنائية على مقارعة السجان ومقاومة قسوة ظروف السجن، وجعلن من تجربتهن نموذجًا للنضال الوطني والإنساني.
إن ما يجري داخل الزنازين يتجاوز حدود الانتهاك القانوني، ليشكّل جريمة سياسية وأخلاقية مستمرة تستدعي تحركًا دوليًا فعليًا ومساءلة قانونية جادة، لا بيانات تضامن عابرة.