في خريف عام 2015 وأثناء توجّهي لبلدتي بإحدى قرى محافظة الشرقية (شرقي مصر) لقضاء عطلتي السنوية، شعرت بحالة غير طبيعية في بيت العائلة حيث التجمّع الأسري المعتاد، فالبيت الهادئ الأميَل إلى الصمت التام تحول إلى خلية نحل هوجاء، الأقدام تتسارع ذهابًا وإيابًا، أُناسٌ يرتدون زيًّا مُتسخًا بالطين، وأقدام مُبللة بالماء، يتبادلون أواني بها رمال وأخرى ماء.
من الوهلة الأولى جاء في مخيّلتي أن الأعمام قرّروا أخيرًا إجراء بعض الترميمات في البيت الذي أكل عليه الدهر وشرب، رغم معارضتهم هذه الخطوة منذ سنوات مع إلحاحي الشديد عليهم، وما أن دخلت بأقدامي المنزل حتى قابلني والدي، ليٌمسك بيدي ويشدّ عليها بقوة غير معتادة، قائلًا: تعالى أريك أمرًا مهمًا وخطيرًا!
ذهبتُ مع الوالد وأقدامي تُسابق الخُطى في انتظار هذا الأمر الهام الذي دفع والدي لاستقبالي بهذه الحماسة المبالغ فيها، مررتُ على غرفة ثم الأخرى ثم الثالثة حتى وصلت إلى مؤخّرة البيت حيث الحظيرة التي تٌربى فيها المواشي، لكنها ولأوّل مرة بدون تلك البقرة ذات اللون الأسمر الفاقع، ولا حتى الحمار الذي كان صوته يُزلزل الشارع لا البيت فقط.
فجأةً وجدت أمامي بئرًا يصل عمقه تقريبًا لأكثر من عشرة أمتار، وبه حبلٌ طويل ممتدّ لأسفل هذا البئر، معلق به إناء كبير، ومزود بكاميرا مرتبطة بهاتف محمول مع عمي الأصغر والذي يعمل بإحدى الهيئات القضائية، كان المشهد مروعًا في مُجمله، فلأوّل مرة أشهد مثل هذا الأمر، وبسؤال عفوي وجهته لوالدي: هل تنقبون عن بترول؟
ضحك والدي ضحكته التي أعرفها جيدًا، لكن هذه المرة في عينيه لمعان لم أشهده قبل ذلك، وإذ به يهمس في أذني وكأنه لا يريد لأحد غيري أن يسمع، قائلا: "وجدنا أثارًا في البيت وخلاص قربنا نوصل للمقبرة وكلّها كم يوم وهنبقى من أصحاب الملايين الخضراء (في إشارة للدولار)".. وإذ بي أفقد السيطرة على نفسي لأنفجر في موجةٍ ضحكٍ هستيرية كدت بسببها أن أسقط على الأرض، وربّما في هذا البئر الذي كشف ستر البيت من الأسفل وعرى جدرانه الهشّة.
وبعد دقائق قليلة استعدت توازني وتماسكي لأجد والدي وعمي بجواري يمسكان بكتفي، ويقولان في صوت واحد: ما الذي يضحكك؟ فما كان مني إلا الإجابة بسؤال أخر: ما الذي قال لكما إن هنا مقبرة أثرية؟ من أين عرفتم وتوصلتم لهذا الأمر؟ وهنا بدأ عمي الذي يتولّى تلك العملية من الألف إلى الياء شرح المهمة من أول الخيط حتى نهايته، مؤكدًا أن كلّ الشواهد تثبت وجود مقبرة كاملة ترجع للأسرة الفرعونية الـ 21 التي تعود للقرن العاشر قبل الميلاد.
البحث عن الثراء السريع
يقول عمي إنه استعان بأحد الشيوخ المتخصّصين في فتح المقابر ممن يستعين بهم المنقبون عن الآثار، وله باع طويلٌ في هذا الأمر، وسبق له أن اكتشف بعض القطع الأثرية في قرى قريبة من بلدتنا في منطقة صان الحجر الأثرية، والتي كانت تسمّى "تانيس" في المصرية القديمة، وأكد له هذا الشيخ، الذي حصل خلال تلك الاستشارة على 10 آلاف جنيه (1250 دولارًا) أن هناك مقبرةً كاملة أسفل بيت العائلة، وعلى الفور أخذ عينة من التربة وذهب بها لبعض المتخصّصين في القاهرة ممن أكدوا احتمالية وجود معالم أثرية في تلك المنطقة.
ووصلت الدقة إلى تحديد حجم ونوعية المقبرة وعدد القطع المتواجدة بها والتي تتنوّع بين تماثيل وسبائك ذهب وفضة، بل وتقييم سعر تلك المقبرة والتي حُدد لها سعر أولي قيمته 14 مليون دولار، سيكون حصة العائلة منها 7 مليون، والمسؤول الذي يبارك عملية التنقيب والنقل بمنأى عن الشرطة والأجهزة الأمنية 7 مليون دولار، وبحسب كلام العمّ فهو أحد المسؤولين الكبار في الدولة دون ذكر اسمه.
لم يقنعني الكلام بطبيعة الحال نظرًا لموقفي الجازم إزاء هذا الأمر، إلا أنّ والدي أكّد لي أن بعض العائلات في القرى المجاورة لنا باعت ما يقرب من 4 فدادين أرض زراعية (الفدان يساوي قرابة مليون ومائتي ألف جنيه أي ما يضاهي 150 ألف دولار في ذلك الوقت) للإنفاق على عمليات التنقيب عن الآثار، على أمل التوصل لاكتشاف هنا أو هناك ينقلهم إلى مستوى آخر من المعيشة والثراء.
اللافت هنا أن والدي وأشقاءه وبعد تنقيبٍ دام لأكثر من عام كامل لم يعثروا على أيّ شيء، بعدما أنفقوا ما لا يقل عن 20 ألف دولار، الموقف ذاته للعائلات في القرى المجاورة، وإن كان هذا لا ينفي نجاح البعض – رغم قلة نسبتهم- في العثور على بعض القطع الأثرية التي قفزت به نحو مستويات مادية مفاجئة وربّما صادمة للجيران ما دفع الجميع وفي نفس الوقت لإعلان حالة الطوارئ وبدء عمليات التنقيب المستمرة، خاصّة وأن تلك المنطقة، صان الحجر، تعد تاريخيًا من المناطق الزاخرة بالآثار.
في العقود الأخيرة وفي ظلّ الوضع الاقتصادي المتأزم، والأوضاع المعيشية الصعبة، بات التنقيب عن الآثار ظاهرةً عامةً، لا تخلو منها مدينة من أقصى شمال مصر حتى أقاصي جنوبها، فمع انسداد الأفق أمام كثير من المواطنين ما كان أمامهم إلا البحث عن نوافذ أخرى ربما تعيدهم للحياة مرّة أخرى، حتى ولو كان ذلك عبر المغامرة والبحث عن الأمل تحت الأنقاض.
مسعد السيد، والذي يعمل مفتشًا بوزارة الآثار أكّد في حديثه لـ "ميغازين" أن دراسة فنون التنقيب عن الآثار تحوّلت من مجرد دراسة أكاديمية إلى مهنة للكثير من خريجي الآثار، ممن باعوا أنفسهم لمن يدفع الثمن، حيث يوظّفون ما تعلموه داخل كليات الآثار على أرض الواقع، إذ أن هناك بعض المؤشّرات التي تكشف نسبيًا عما إذا كان هذا المكان به أثار أم لا، مثل لون التربة ورطوبتها وعدد الطبقات الرملية بها، حتى وإن كانت تلك المؤشّرات غير مؤكدة بنسبة كبيرة.
وأوضح المفتش الأثري أن عمليات التنقيب عن الآثار تتم عبر إحدى طرقتين: الأولى عن طريق شراء أجهزة خاصّة بالتنقيب وفي الغالب تكون تحت ستار شركات بيع أجهزة التنقيب عن المياه والآبار الجوفية، منوهًا أن هناك شركتين في مصر متخصّصتان في هذه الأجهزة هما: شركة تسمى "أليكس ديتكتورز" ومقرها مدينة نصر، وتبيع الجهاز بنحو 6000 جنيه (350 دولار)، وشركة "جى إم دي" للاستيراد والتصدير، المتخصّصة في أجهزة كشف المعادن والمياه الجوفية، ومقرها منطقة المهندسين بالجيزة.
أما الطريقة الثانية فتكون طريق الحفر العشوائي المعتمد على توجيهات "شيوخ" لديهم القدرة على معرفة ما إن كان في هذا المكان آثار أم لا، على حد قوله، موضحًا أن تلك الطريقة هي الأعم والأكثر انتشارًا على اعتبار أن الغالبية العظمى من عمليات التنقيب تتم بعيدًا عن الدولة وفي غيبة من القانون.
20 مليار دولار سنويًا.. سوق تجارة الآثار في مصر
موقع مصر الجغرافي وحضارتها الضاربة بجذورها في عمق التاريخ ساعدها في أن تكون واحدةً من أكثر القلاع احتضانًا للآثار في العالم، إذ كانت قبلة للعديد من الحضارات الإنسانية التي مرّت على ضفافها، ما بين الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، على مدار أكثر من خمسة آلاف عام.
ويعدّ سوق تجارة الآثار في مصر أحد أكبر أسواق هذا النوع من التجارة في العالم، ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية تكشف الرقم الحقيقي لحجم هذا السوق ماليًا، إلا أن بعد التقارير تذهب إلى تجاوزه 20 مليار دولار سنويًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إيرادات قناة السويس ويتجاوز ضعفي عائدات السياحة، ويقترب من قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وشهدت مصر خلال العقود القليلة الماضية عمليات تهريب للأثار غير مسبوقة، فهناك شبه اتفاق بين التقديرات المختلفة لوجود ما لا يقل عن مليون قطعة أثرية تم تهريبها من مصر وتزين نحو 50 متحفًا حول العالم، وتدر دخلًا بمئات الملايين من الدولارات سنويًا على تلك الفنادق.
ومن أبرز المناطق التي تحتضن الآثار المصرية، متاحف بريطانيا التي تحتضن وحدها 275 ألف قطعة أثرية، تليها المتاحف الأميركية بنحو 220 ألف قطعة، ثم المتاحف الألمانية التي بها 104 ألف قطعة، تليها المتاحف الإيطالية وبها أكثر من 60 ألف قطعة، ثم المتاحف الفرنسية في المرتبة الخامسة وتضم 52 ألف قطعة آثار مصرية.
علاوة على متاحف أخرى مثل متحف بوشكين للفنون الجميلة في موسكو الذي يحتوي على 8 آلاف قطعة، ومتحف الإرميتاج في سان بطرسبرغ بـ 5500 قطعة، ومتحف أونتاريو الملكي في تورنتو بكندا بـ 25 ألف قطعة، ومتحف تاريخ الفن في فيينا بالنمسا الذي يحتوي على 12 ألف قطعة، والمتحف الأثري الوطني بأثينا في اليونان بـ 8 آلاف قطعة، وأخيرًا المتحف الوطني للآثار في هولندا وبه أكثر من خمسة آلاف قطعة.
في الثامن من شهر أب/أغسطس عام 2017 أدلى الأمين العام لجمعية الأثريين العرب، الدكتور محمد الكحلاوي، بتصريحات خطيرة لموقع "صدى البلد" المحلي المصري، مؤكدًا أن 30 % من القطع الأثرية التي تمتلكها الدولة المصرية سُرقت خلال خمس سنوات الأخيرةـ ولاسيما بعد اندلاع ثورة يناير، مضيفًا أن "التنقيب عن الآثار والبحث عنها سيستمرّ أبد الدهر والي قيام الساعة بسبب طمع النفس البشرية ، لافتًا الي ان هناك عصابات منظمة تضم بعض المسؤولين الكبار التي تعمل علي بيع آثار الدولة المنهوبة لحسابها الخاصّ وهو الامر الذي يقلل من عزيمة الدولة في مناهضة التنقيب عن الآثار وسرقتها".
صراع القانون والفتاوى
رغم تجريم تجارة الآثار في معظم دساتير وقوانين العالم إلا أن الوضع في مصر يعاني نسبيًا من حالة ضبابية، حيث الصراع بين القانون والفتاوى الدينية والذي وصل في بعض الأحيان إلى التناقض والتعارض، وهو ما جعل هذا الملف من الملفات غير المحسومة بعد داخل المجتمع المصري.
بحسب الدستور المصري فتنصّ المادة (49) منه على "تلتزم الدولة بحماية الآثار والحفاظ عليها، ورعاية مناطقها وصيانتها وترميمها واسترداد ما استولى عليه منها، وتنظيم التنقيب عنها والإشراف عليه، ويحظر إهداء أو مبادلة أي شيء منها، والاعتداء عليها والاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم".
كما جرّم القانون رقم 117 لسنة 1983 التنقيب عن الآثار والتجارة فيها، إذ نصّ على عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، والغرامة من 5 آلاف جنيه إلى 7 آلاف جنيه، لمن يُثبت تورطه في تهريب أو الإتجار بالآثار، وقد تم تعديله أكثر من مرة لمواكبة التطورات العصرية في محاولة لتغليظ العقوبة لعلّ آخرها تعديلاتها بالقانون رقم 3 لسنة 2010 والتي حولت الجريمة من جنحة إلى جناية تصل العقوبة فيها للسجن المؤبد والغرامة ما بين 100 ألف جنيه إلى 500 ألف.
وعلى الجانب الأخر، أجازت مؤسّسة الأزهر، في واقعة أثارت الكثير من الجدل، التنقيب عن الآثار، مشيرة أنه حلال طالما كان في نطاق الأرض المملوكة لمن يقوم بعملية التنقيب وليس في زمام الدولة، كما جاء على لسان الدكتور عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوي بالأزهر الشريف سابقًا، والذي أفتى صراحة بأن التنقيب الذي يقوم به المصريون في شتى ربوع الدولة حلال شرعًا ولكن بشرط أن يكون في نطاق الأراضي المملوكة للشخص ذاته وليس في زمام الدولة التي تبسط الدولة سيطرتها عليها، مشيرًا إلى أن الشرع الحنيف سمح لمن أحيا أرضًا مواتًا بأن يمتلكها وينتفع من خيراتها.
وشدد الأطرش في تصريحات صحفية له على من يستخرج آثارًا من أرضه المملوكة له ملكية خاصّة أن يخرج عن كل قطعة يجدها زكاة المعادن وذلك وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي، منبهًا إلى أنه لا يجوز لأيّ شخص أن يتصرّف في الآثار المملوكة للدولة سواء بالبيع أو غيره.
زعماء مصر.. شركاء في الجريمة
تفريغ مصر من كنوزها الأثرية ونقلها للخارج، لم يكن حكرًا على تجار الآثار والمهربين وفقط، بل شارك فيه حكام الدولة وزعماؤها على مر التاريخ، حيث شهدت الخزانة الأثرية المصرية تجريدًا جائرًا لكثير من محتواها خلال العهد الملكي، والذي كان ينظر للدولة المصرية كمستعمرة يستحل ممتلكاتها وثرواتها بشتى أنواعها.
لكن اللافت والغريب أن هذا التجريف كان بشكل أكبر وأكثر خطورة خلال العصر الجمهوري الحالي، فمنذ إعلان الجمهورية وإسقاط الملكية خمسينيات القرن الماضي، تعرضت الآثار المصرية لموجات نزوح كبيرة في صورة هدايا رئاسية للحكام والشخصيات العامة، خاصة في عهد الزعماء الثلاثة، جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات، ومحمد حسني مبارك.
في العهد الناصري
منح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خمسة معابد أثرية من أشهر المعابد المصرية هدايا لحكام الدول التي ساعدت القاهرة وقتها في إنقاذ آثار النوبة في نيسان/أبريل 1959، كنوع من العرفان والشكر ورد الجميل، وبناءً على طلب حكومات تلك الدول. حيث أهدى معهد دندور، الذي بٌني في عهد القيصر الروماني "أوجستوس" (23 أيلول/سبتمبر 63 ق م - 19 اغسطس 14 ق م )، والذي يبعد 78 كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة أسوان، للحكومة الأميركية عام 1967 بناءً على القرار الوزاري رقم 4647 لسنة 1966، وتزن حجارته أكثر من 800 طن، وتم نقله في 661 صندوق، ليستقرّ به الحال في متحف المتروبوليتان للفنون الجميلة بالولايات المتحدة والذي احتفل في 28 أبريل/نيسان 2017 بمرور 50 عامًا على وجود المعبد بداخله.
كما منح هولندا معبد طافا، الذي بُني في العصر الروماني وكان يقع في قرية "أمبركاب" النوبية، وأعيد تركيبه في متحف الآثار بمدينة "ليدن" عام 1971، وفي ذات الوقت أهدى الحكومة الإيطالية معبد الليسيه، الذي كان يقع في قرية "أبريم" في النوبة، وشُيّد في عصر الملك تحتمس الثالث (1481 ق م – 1425 ق م) ليوضع بمتحف "تورينو".
وهناك معبد دابود الذي أهدته مصر إلى إسبانيا عام 1968، حيث يتواجد حاليًا في حديقة "ديل أويستى" بالقرب من القصر الملكى بمدريد، وأخيرًا بوابة كلابشة، إحدى بوابات معبد كلابشة، المعروفة باسم "البوابة البطلمية"، والتي قدّمها عبد الناصر هديةً إلى الحكومة الألمانية، والموجودة حاليًا في جناح الآثار المصرية بمتحف برلين.
في العهد الساداتي
أهدى الرئيس أنور السادات بعد أربعة أشهر فقط على توليه منصب رئيس الجمهورية، الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو، تمثالًا للإله أوزوريس، في شباط/فبراير 1971، وبعدها بشهر واحد فقط أهدى الرئيس السوفييتي، ليونيد بريجينيف تمثالًا للإله إيزيس وهي تقوم بإرضاع الطفل حورس، كما أهدى الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان تمثالًا بمناسبة تولّيه منصب رئاسة الجمهورية عام 1975.
كما أهدت زوجته هدايا أثرية لزوجات حكّام العالم، مثل عقد الخرز البرميلي الذي أهدته لقرينة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، والمكون من 23 خرزة ذهبية و4 خرزات من العقيق الأزرق، والتمثال البرونزي الأوزوريسي الذي أهدته لزوجة شاه إيران بجانب القناع الذهبي المصغر لتوت عنخ آمون، وتشير التقديرات إلى أن القطع الأثرية التي أهداها السادات لحكام وزوجات القادة ومشاهير العالم خلال سنوات حكمه الـ 11 بلغت أكثر من 100 قطعة أثرية.
في العهد المباركي
تشير التقديرات إلى أنه وخلال سنوات الحكم الثلاثين تجاوزت هدايا الرئيس الراحل حسني مبارك وزوجته حاجز الـ 2 مليار دولار أميركي، حتى أن البعض أطلق على سوزان في قصير الإليزيه الفرنسي لقب "مدام سوزان سوربريز"، في إشارة إلى العدد الكبير من الهدايا التي كانت تقدمها لزوجات الحكام.
وكان مبارك وزوجته يتخذان من القطع الأثرية جسرًا لتوطيد العلاقات مع الشخصيات العامّة، حيث أهدى جو بايدن، حين كان نائبًا للرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2010، صندوقًا فضيًا خالصًا مُرصعًا بالأحجار الكريمة، كما أهدت زوجته سوزان وعاءً تاريخيًا مصنوعًا من الألباستر الملكي الفرعوني مع مجموعة من المفارش المصنوعة من خيوط الذهب الخالص لقرينة الرئيس الأميركي، ميشيل أوباما.
الهدايا الأثرية شملت الشخصيات العامة التي كان يسعى لتعزيز العلاقات معها، مثل مؤسّس مايكروسوفت، الملياردير بيل غيتس الذي أهداه الرئيس المصري إناءً من الفضة التاريخية يعود للعصر الفرعوني وذلك في يوليو/تموز 2010، بجانب القلادة الفرعونية المرصعة بالفيروز الأصلي الخالص والتي قدّمها لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، مايكل مولن، في العام ذاته، إضافة إلى إناء تاريخي مطلي بالذهب الخالص.
وفي سياق الجهود المبذولة لاسترداد تلك الآثار المهربة، شكّلت الحكومة المصرية في عام 2007 لجنة قومية لاسترداد القطع الأثرية المهربة بموجب قرار رئيس الحكومة رقم 2802، غير أن أعمالها توقّفت بشكل مفاجئ منذ عام 2011، قبل أن يُعاد تشكيلها مرة أخرى بموجب القرار 1306 لعام 2016 .
ومنذ تشكيلها قبل تسع سنوات نجحت اللجنة في استعادة نحو 30 ألف قطعة أثرية، وفق ما أشار مدير إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار، شعبان عبد الجواد، الذي كشف أن ملف استرداد القطع الاثرية المصرية من الخارج قد حظي باهتمام بالغ من قبل القيادة السياسية، لكن يبقى الجزء الأكبر من تلك الكنوز المهربة يُعرض في متاحف العالم على مرأى ومسمع من الجميع.
وتتصاعد المخاوف من الانعكاسات الارتدادية للوضع الاقتصادي المتدنّي والذي زج بالملايين من المصريين نحو مستنقعات الفقر والعوز، في دفع قطاع عريض من الشعب المصري للبحث عن الثراء، حتى لو كان الثمن التضحية بكنوز الدولة وتراثها، والتغول على تاريخها وحضارتها.
وتبقى المعالم الأثرية الشاهد الحضاري الملموس الأبرز على تاريخ الأمم والشعوب، وعليه كان الحفاظ عليها حدّ التقديس مهمة قومية تقع على عاتق الأنظمة والحكومات وحُرّاس الثقافة والتراث، غير أن الحالة المصرية استثنائية بكافة المقاييس، ولو استمر التجريف وفق معدّلاته الحالية فإن الأمور قد تصل إلى مستوى يهدد القيمة الحضارية والثقافية لدولة تحتل مرتبة متقدمة في خارطة الدول ذات الحضور التاريخي المُعتبر.












