لا يمكن فهم التوغّل الإسرائيلي في بيت جن جنوبي سوريا في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بوصفها مجرد عملية برية أو استعراض قوة على سفوح جبل الشيخ؛ على اعتبار أن أي عملية أمنية هي مكلفة سواء على صعيد صنع القرار واللوجستيات والتمويل ودراسة الجدوى لمخرجات العملية. إذ كان هذا التوغل هو المحصلة النهائية لتحلل اجتماعي وأمني بطيء امتد في ريف الجنوب السوري قبل أن يعبر أول جندي إسرائيلي الحدود ويبدأ الجيش الإسرائيلي سلسلة توغلات وعمليات أمنية. عندما سقط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تحول الجنوب إلى فضاء لا تُحكمه المؤسسات، بل أسواق أمنية تبدأ من شبكات سيّالة من الميليشيات والأفراد غير المنتمين لأي جهاز أمني رسمي، مجموعات الحماية المحلية، اللجان الدينية، الوسطاء العشائريون، وعشرات المخبرين التقليديين الذين يتنافسون على البقاء في بيئة أصبحت فيها المعلومة سلعة غالية قابلة للتداول.
عجز استخباراتي بنيوي
على الرغم من امتلاك تل أبيب منظومات تجسّس متقدمة، تمتد من الأقمار الصناعية ذات الدقة الفائقة إلى منصات التنصّت الإلكتروني ومحطات المراقبة (المراصد) على سفوح جبل الشيخ، والتي تشرف مباشرة على منطقة بيت جن، إلا أن هذه القدرات التقنية تبقى عاجزة عن اختراق الطبقة البشرية الحارسة للمعلومة؛ على اعتبار أن التكنولوجيا الأمنية عادة تستطيع رصد التحركات، وتحديد أنماط السير، والتقاط الاتصالات العابرة؛ لكنها لا تستطيع النفاذ إلى ما يجري داخل البيوت الضيقة، وغرف الاجتماعات السرية التي لا تُدار بالأجهزة، بل بالثقة والقرابة والخوف. وصول إسرائيل إلى المعلومة الدقيقة داخل القرى مثل بيت جن وبيت سابر وسعسع وكناكر لا يتحقق بالأقمار الصناعية، بل بالوجوه التي تعرف تضاريس القرية، كما تعرف مداخل الوديان والمغارات وطرق التهريب السرية ومداخل الأنفاق تحت الأبنية، وبالعناصر الذين يرون ما لا تراه الكاميرا، ويسمعون ما لا يلتقطه جهاز التنصّت، ويعرفون من تغيّر سلوكه، ومن عاد ليلًا، ومن اختفى فجأة، ومن يبيت في غير بيته. هذا البُعد المجتمعي للمعلومة هو ما يجعل الُمخبر المحلي ليس مجرد مصدر، بل ركيزة لا غنى عنها في هندسة الأمن الإسرائيلي في الجنوب السوري، وخصوصًا بعد سقوط نظام الأسد.
تدرك تل أبيب، رغم تفوّقها التقني، أن عملياتها في بيئات معقّدة مثل ريف القنيطرة وجبل الشيخ لا يمكن أن تُنفَّذ بثقة إلا عبر دمج التكنولوجيا مع شبكة بشرية تعيش داخل المجتمع وتتنفّس نبضه. فالمعلومة التي تغيّر مسار عملية عسكرية لا تأتي غالبًا من قمر صناعي يحلّق على ارتفاع 500 كيلومتر، أو من مرصد حراري يقع على بعد 3 كيلومتر من القرية، بل من همسة في مسجد، أو خلاف بين جارين، أو شائعة يطلقها شاب يعرف جيدًا من يتحرك داخل الأزقة ومن يمرّ على الطرق الترابية الفرعية. هكذا يصبح الُمخبر المحلي ليس امتدادًا للأداة الاستخبارية، بل العين الوحيدة القادرة على كشف تلك المناطق الرمادية التي تفشل التكنولوجيا في اختراقها، ما يجعل أي عملية إسرائيلية في الجنوب، بلا هذا النوع من الاستخبارات البشرية، مجرد خطوة عمياء في بيئة اجتماعية لا ترحم الأخطاء، وقد تتحول إلى كارثة أمنية بحسابات الضحايا والخسائر. وفي هذا السياق، لم تبدأ عملية بيت جن عندما تحركت الوحدات الإسرائيلية؛ بل بدأت عندما تشقّق النسيج الاجتماعي المحلي إلى تحالفات الضرورة والخوف وتبادل المعلومات الانتهازي، على اعتبار أن غياب السلطة المركزية حوّل السكان إلى الأرض ونظام الاستشعار في آن واحد، تصبح فيه الاستخبارات اقتصادًا مجتمعيًا هدفه النجاة.
هندسة متعددة الطبقات في بيئة أمنية منهارة
جوهر العملية يكمن في نمط الاقتصاد الأمني القائم على بنية سرية من المخبرين والوسطاء الصغار الذين استعادوا قيمتهم السياسية عبر بيع معلومات ظرفية أو علاقاتية للطرف القادر على تقديم الحماية الفورية. وفي بيت جن، جعلت الخصومات القديمة بين الفصائل، ومظالم الماضي مع الجماعات الإسلامية، والانقسامات العمرية بين الأجيال، من القرية أرضًا خصبة لسوق استخباراتي غير رسمي؛ لكن الأهم من ذلك هو خوف الأهالي من الجماعات المرتبطة بحزب الله وإيران على اعتبار أن بيت جن كانت تحت سيطرة الحزب والقوات الإيرانية بدءًا من عام 2018 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024؛ وهناك خلايا لا تزال نشطة، وبالنسبة للسكان المحليين تشكل خطرًا على الأمن في ظل ما تتعرض له من المنطقة من تبعات لأي نشاط أمنى معادي ومقاوم للاحتلال الإسرائيلي. السيناريو الأكثر ترجيحًا لإعطاء شارة الانطلاق لتنفيذ هذه العملية وقطع مسافة لا تقل عن 20 كيلومترًا من قاعدة الحميدية في القنيطرة ومن قاعدة تلول الحمر القريبة من بيت جن، هو بلاغ محلي بوجود عناصر من الجماعة الإسلامية ( وهي جماعة إسلامية لبنانية لديها عناصر وخلايا في سوريا تنتشر خصوصًا في المناطق الحدودية) في مقر داخل البلدة مع رصد إحداثيات الوجود في المنازل ( الزمانية والمكانية) بدقة متناهية. وبالتالي، لقد عبرت القوات الإسرائيلية هذه المسافة وهي تمتلك دقة استخباراتية غير مسبوقة، لأن انهيار هياكل الأمن السورية التقليدية خلق ساحة مفتوحة يمكن فيها تسعير الخيانة والولاء والصمت. وهكذا، فالعملية ليست عملًا عسكريًا فقط، بل وشاية عن واقع اجتماعي – سياسي معقّد، ونتاج مجتمع يتنقل بين الخوف، وتآكل الثقة، وتسليع الشائعة، والخبر.
شبكة الاستخبارات الإسرائيلية في بيت جن خصوصًا، وجنوب سوريا عمومًا، ليست قناة واحدة، بل منظومة طبقية متداخلة تشكّلت فعليًا بعد عام 2011؛ لا سيما بعد أن خرجت مناطق الريف الغربي والقنيطرة عن سلطة نظام الأسد، واستمرت بفعل انهيار السلطة المركزية حتى بعد سقوط الأسد، وصعود اقتصاد المعلومات في جنوب سوريا، حيث تحوّل الخوف والمنافسة والبقاء إلى محرك يجعل المعلومة أثمن عملة محلية. عند القاعدة الأوسع لهذه المنظومة يقف المخبرون التقليديون من القرويين العاديين والمزارعين والشباب النازحين الذين تدفعهم الحاجة الاقتصادية أو الخوف من الفصائل الإسلامية المتشددة إلى تزويد إسرائيل بفتات ميداني من معلومات وبيانات خام من قبيل مشاهدات، شائعات، تحركات، وأنماط الحياة اليومية الدقيقة في المناطق المحيطة بالهدف. وفوق هؤلاء يعمل المتعاونون المحليون، وهم الوسطاء الحقيقيون للحدود، مثل المهربين، أو مقاتلي المعارضة السابقين من انخرطوا في برنامج المصالحة الوطنية عام 2018 مع نظام الأسد، أو الوسطاء العشائريين، ووجهاء القرى الذين يحافظون على قنوات براغماتية شبه منظمة مع إسرائيل مقابل الحماية أو النفوذ على الخصوم أو الحفاظ على طرق التجارة عبر الحدود؛ ويوفرون الاستمرارية والسياق وخريطة القوة الاجتماعية التي لا تستطيع إسرائيل الحصول عليها عبر الأقمار الصناعية أو المستشعرات. أما الأهم استراتيجيًا فهم العناصر البشرية المُجنَّدة داخل الجماعات المسلحة نفسها، وهم أفراد تتراوح دوافعهم بين الحاجة المادية وخيبة الأيديولوجيا، ويقدمون معلومات عالية الجودة؛ من قبيل إحداثيات دقيقة لمنازل آمنة، وتحركات للقيادات والأفراد، وأنماط الدفاع، ووسائل التسليح وكمية التسليح؛ وهي معلومات ضرورية لتنفيذ الاغتيالات الموجهة ومعايرة التوغّل الإسرائيلي في منطقة ذات جغرافيا معقَّدة وحدودية مثل بيت جن بدقة عالية.
وما يكاد يغيب عن هذا المشهد هو العملاء المزروعون عميقًا، لأن الطبيعة السيّالة والمتوجسة والفصائلية للمجموعات الإسلامية (الشيعية والسنية على حد سواء) بعد 2024 تجعل الاختراق طويل المدى غير عملي وغير ضروري؛ فوفرة المخبرين والوسطاء الانتهازيين تكفي لكشف هذه الفصائل بشكل شبه كامل. لذلك، تستند الوضعية الاستخبارية الإسرائيلية في بيت جن إلى هرم تتكامل فيه وفرة المخبرين منخفضي المستوى، واستقرار المتعاونين المحليين، ودقة بضعة عناصر بشرية داخلية، لتشكّل بنية هجينة متغلغلة في المجتمع تعكس عمق الانهيار الاجتماعي – الأمني في جنوب سوريا، حيث لم تعد المعلومة حكرًا على دولة، بل تُنتج وتُتاجر وتُحوَّل إلى سلاح من قبل المجتمع الساعي للبقاء في غيابها.
مسارات تجنيد المخبرين
الآن، وبمتابعة حثيثة لطبيعة العلاقات الأمنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المترابطة والمعقَّدة، نستطيع استخلاص أربعة مسارات للتجنيد في المنظومة الاستخباراتية، وجميعها تنتج بنية معقَّدة تهدف إلى إنتاج طبقات مختلفة من المخبرين لخدمة بيئات متعددة ومتشظية بفعل تداخل العلاقات أعلاه. يبدأ المسار الأول المتمثل بالاستدراج الرقمي (سواء من وسائل التواصل الاجتماعي أو من رقم الهاتف الشخصي) عبر الاختراق التقني لشبكات الاتصال وإرسال روابط توظيف مدروسة تستدرج الأفراد إلى ملء بيانات أولية، ثم تكليفهم بمهام تبدو في ظاهرها مهنية، كإعداد تقارير وجمع معلومات اقتصادية واجتماعية ورسم خرائط مصالح وأنشطة محلية، قبل أن تتحوَّل هذه المهام تدريجيًا إلى جمع استخبارات دقيقة تجعل الفرد جزءًا من منظومة اختراق ناعمة تعتمد على محللين ميدانيين أكثر من اعتمادها على جواسيس تقليديين.
أما المسار الثاني القائم على تحويل الضحية إلى مخبر محترف، فيعتمد على الاعتقال وإعادة تشكيل الوعي، حيث تبدأ العملية بضغوط نفسية واستجوابات وعزل طويل يهدف إلى تفكيك الجهاز القيمي للشخص وإعادة بنائه بما يخدم الجهة المجندة، ثم الانتقال إلى مرحلة الترغيب والترهيب وصولًا إلى إنتاج مخبر محترف يخرج من السجن بولاء جديد ويعمل بعقلية أمنية مرتبطة تمامًا بمن جنده. ويقوم المسار الثالث على الابتزاز المادي أو الجنسي، وفق نسق احتكار الفضيحة، حيث تجمع الخلايا المسؤولة عن التجنيد معلومات حساسة عن المُخبر المُحتمل مثل ديونه أو خلافاته أو علاقاته غير الشرعية أو أخطائه ثم تستخدمها كورقة قسرية تجعل التعاون والإخبار شرطًا للحماية من الفضيحة؛ فيتحول الفرد إلى مصدر شديد الطاعة، لكنه هش نفسيًا ومحاصر بخوف دائم من الانكشاف. وفي المسار الرابع، تستغل منظومات التجنيد المنبوذين اجتماعيًا أو الأشخاص عديمي القيمة في البيئة المحلية، مثل المهمشين وضعاف الشخصية وأصحاب السوابق القانونية والمحكوميات، لتقديم ما لم يوفره لهم المجتمع من اعتراف ومكانة، فيتم منحهم نفوذ أمني، أو مهام حراسة، أو مراقبة، أو إدارة نقاط مقابل تقديم المعلومات، فيرتبط ولاؤهم بالجهة التي منحتهم قيمة كانوا يفتقدونها؛ ويصبح قطع العلاقة مستحيلًا دون سقوطهم مجددًا في الهامش. هذه المسارات الأربع التقنية والقسرية والابتزازية والاجتماعية ليست قنوات منفصلة، بل هي منظومة واحدة تصنع شبكة متعددة المستويات من المخبرين. فالمسار التقني يخلق نطاقًا واسع المعلومات، والمسار القسري ينتج عناصر عالية الانضباط، والمسار الابتزازي يوفر مصادر خاضعة بالكامل للتحكم، والمسار الاجتماعي يحول المهمش إلى وكيل محلي يربطه الولاء بمصيره الذاتي. وهكذا تتكامل هذه المسارات لتأسيس شبكة استخباراتية قادرة على العمل داخل البيئات المغلقة والقرى المتوترة والمجتمعات المنهكة بالخوف والتشظي.
من السلطة إلى الخصخصة
ما ظهر بعد سقوط بشار الأسد لم يكن فوضى، بل سوقًا أمنية تنافسية، شأنها شأن بيئات أخرى، كما في العراق بعد 2003 وليبيا بعد 2011، حيث تتحول الولاءات الأمنية إلى نظام خاص قائم على المزاد. الآن في جنوب سوريا بالتحديد، وفي ظل توغل بري يومي للاحتلال ونصب حواجز وتنفيذ اعتقالات يومية، انتقل جزء من الصراع من مسألة "من يسيطر على الأرض" إلى "من يسيطر على مسارات المعلومة" ومن يعرف ماذا، ومن يستطيع المتاجرة به، ومن يستطيع تحويله إلى سلاح.
وهنا ربما يتحول لدينا الوجهاء المحليون الذين يستغلون سلطتهم ومعرفتهم الأهلية والمهربون التقليديون العارفون ورجال الدين والمقاتلون السابقون وكبار العائلات إلى وسطاء استخبارات فعليين. وهكذا، تمثل عملية بيت جن التعبير العسكري عن حقيقة أعمق مفادها أنه عندما تسقط الدولة، لا يصبح المجتمع خاملًا؛ بل يصبح شديد التسييس والاستقطاب، ويتحوّل وفق حوافز جديد، .وتصبح المعلومة عملة، ويصبح الأمن خدمة تبادلية.
من المهم هنا أن نلاحظ أن معنى الخوف تغيّر جذريًا؛ إذ إنه في الأنظمة الاستبدادية التقليدية مثل سوريا قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، يكون الخوف رأسيًا خوف من الدولة، من المخابرات، من العناصر، من ذويهم، وفق نسق تقليدي في الدول الأمنية الشمولية. أما بعد سقوط نظام الأسد، فأصبح الخوف أفقيًا يبدأ من نسق فيه الجماعات تخاف من بعضها، الميليشيات تخاف من المنشقين الداخليين، الأفراد تخاف من بعضها ضمن أي نوع من العلاقات، الإسلاميون يخافون من الشباب الذين لديهم صلات عبر الحدود، وجهاء القرى يخشون أن يُفسَّر صمتهم كخيانة أو كلامهم كولاء لخصم ما. هذا الخوف الأفقي هو ما مهّد لنجاح إسرائيل في تحقيق هدف العملية بحد ذاته (بالطبع إسرائيل تعرضت لكمين حينها، وخسرت ما لا يقل عن 6 عناصر بين ضابط و مجنّد، و جرح عدد من الجنود، وخسرت مركبة مطوّرة)، والمتمثل باعتقال أفراد ينتمون إلى خلايا إسلامية لها ارتباطات خارجية ويسعون إلى تنفيذ عمليات ضد الدروز في حضر وقوات الاحتلال الإسرائيلي في التلول الحمر و قاعدة الحميدية؛ فعملية اعتقال ثلاثة شبّان (أفرجوا عن واحد منهم في الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري) نجحت ليس بقوة النيران، بل لأن المجتمع كان قد تكسّر مسبقًا إلى وحدات صغيرة تتفاوض على البقاء عبر معاملات استخبارية متناهية الصغر.
يكشف التوغّل الإسرائيلي ظاهرة أوسع تجتاح سوريا ما بعد الأسد، قائمة على خصخصة الأمن والمعلومة وانتقالها من التنسيق بين الدول وأجهزة الاستخبارات العامة إلى سيطرة الأفراد وسيطرة الولاء المالي لصالح من يدفع أو من يساوم على هذه المعلومة. ومع استمرار الحكومة السورية الجديدة في محاولات إعادة بناء أجهزتها، أصبحت مناطق بأكملها تعتمد على الفاعلين ما دون الدولة "Non-State Actors" والوسطاء والقنوات المعلوماتية غير المنظمة وغير الأخلاقية وليس لها مبدأ في التعامل مع القضايا والمعلومات التي تصلها. هذا ليس فراغًا أمنيًا فقط؛ بل شبكة أمنية بديلة تقاس شرعيتها ونفوذها بقدرتها على الاستجابة للتهديدات والضغوط والرغبات، لا بالانتماء للبلد والموطن. تكشف بيت جن للمرة الأولى الطبيعة الحقيقية لمشهد الجنوب السوري الساخن؛ والمتمثل بساحة تُحرّك فيها العمليات أقل بالهوية والطموح الجغرافي، وأكثر باقتصاد المعلومة المتولّد من الخوف والتشظي وانهيار الثقة. لقد فضحت العملية صعود نمط اجتماعي خطر فيه مجتمعات تبيع المعلومة مقابل الحماية، ميليشيات تتفكك ويعاد ترتيبها للحفاظ على نفوذها (كما هو الحال في السويداء في سياق موازٍ مثلًا)، وقوى خارجية جاهزة لتحويل هذه التشققات الاجتماعية إلى مكاسب عسكرية. ربما يجب القول هنا إن استقرار الجنوب في المستقبل سيعتمد أقل على رغبة إسرائيل في تنفيذ عمليات، وأكثر على قدرة سوريا بإدارتها الجديدة على إعادة بناء منظومة أمنية تعيد الثقة، وتنظم تدفق المعلومة، وتنهي عصر القُرى التي تتحول إلى مزادات استخباراتية، والخوف الذي يصبح العملة السياسية الأولى.












