ultracheck
واشنطن وطهران

اتفاق واشنطن وطهران: إدارة أزمة أم إعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط؟

4 يوليو 2026

تشهد العلاقات الأميركية–الإيرانية خلال الفترة الراهنة حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا، ما يعكس وجود إرادة سياسية لدى الطرفين للانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة إدارة الصراع وضبط إيقاعه. وقد اكتسبت التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن استمرار المفاوضات مع إيران أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ارتباطها بالملف النووي الإيراني، وإنما أيضًا بسبب تزامنها مع مجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضت ضغوطًا متزايدة على جميع الأطراف المعنية.

ولا يبدو أن ما يجري حاليًا يهدف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بصيغته السابقة، وإنما يعكس توجهًا نحو بناء تفاهم مرحلي محدود يركز على احتواء التوترات الأمنية، وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية، وتخفيف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تؤثر بصورة مباشرة على أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية.

ويمكن النظر إلى التحركات الأميركية–الإيرانية باعتبارها محاولة متبادلة لإدارة الأزمة، وليس لتسويتها بشكل نهائي. فواشنطن تسعى إلى منع تحول التصعيد الحالي إلى صراع إقليمي شامل، مع الحفاظ على ضغوطها السياسية والاقتصادية تجاه طهران، في حين تسعى الأخيرة إلى تخفيف آثار العقوبات الاقتصادية والحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الحساسة.

ومما سبق، تطرح التطورات الحالية تساؤلات مهمة حول طبيعة الاتفاق الناشئ، والدوافع الحقيقية التي تدفع الطرفين نحو التفاوض في هذه المرحلة، ومدى قدرة أي تفاهم مرحلي على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج ومستقبل العقوبات الأميركية.

الاتفاق الأميركي–الإيراني الناشئ

تشير المعطيات المتاحة إلى أن الاتفاق المطروح حتى الآن لا يبدو اتفاقًا نوويًا شاملًا يشبه خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، وإنما هو أقرب إلى تفاهم مرحلي أو مذكرة محدودة تهدف إلى خفض التصعيد وفتح المجال أمام مفاوضات أوسع في مرحلة لاحقة. ووفقًا للتقارير المتداولة، فإن أساس هذا التفاهم المحتمل يدور حول وقف أو تخفيف بعض مظاهر المواجهة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفع أو تخفيف بعض القيود المرتبطة بالموانئ والصادرات النفطية الإيرانية، في مقابل التزامات إيرانية تتعلق بعدم التصعيد، ومواصلة التفاوض حول القضايا النووية الأكثر تعقيدًا.

حديثًا، شهدت المناقشات الدبلوماسية تقدمًا نسبيًا في مسار الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، التي عقدت في جنيف، بعدما انصبت على ملفات شديدة الحساسية شملت آليات التخفيف التدريجي للعقوبات الأميركية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وترتيبات الرقابة النووية بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب تفاهمات مرتبطة بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، لتنتهي الاجتماعات بالتوافق على تشكيل مجموعات عمل مشتركة لاستكمال التفاصيل التنفيذية خلال المرحلة المقبلة.

إلا أن هذا التقدم لم يمنع بروز مؤشرات توتر جديدة، بعدما تم تأجيل اجتماعات لاحقة بشكل مفاجئ نتيجة تباينات متزايدة بشأن تفسير بعض بنود الاتفاق، في وقت تمسكت فيه طهران بالحصول على ضمانات أميركية واضحة قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، بالتزامن مع تصاعد التحفظات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن تجاه حجم التنازلات المقدمة لإيران، خاصة فيما يتعلق بتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية، في حين واصلت طهران خطابها التصعيدي، مؤكدة رفضها القاطع لأي شروط إضافية تستهدف برنامجها الصاروخي أو نفوذها الإقليمي، بما يعكس استمرار أزمة الثقة بين الجانبين ويؤكد أن الاتفاق لا يزال يواجه اختبارًا سياسيًا معقدًا قد يهدد استمراره ما لم تتحول التفاهمات الحالية إلى التزامات واضحة وملزمة للطرفين.

دلالات الاتفاق بالنسبة للولايات المتحدة

من الناحية السياسية: أظهر التوصل إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران رغبة ترامب في تحقيق اختراق سياسي في أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، بعد سنوات من التوتر والمواجهة غير المباشرة. ويعكس الاتفاق إدراك واشنطن أن استمرار الصدام المفتوح مع طهران يفرض عليها كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة، خاصة في ظل تعدد الأزمات الدولية واتساع بؤر التوتر عالميًا.

كما سعت الإدارة الأميركية، من خلال إبرام هذا التفاهم، إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على الجمع بين أدوات الضغط والردع من جهة، والدبلوماسية من جهة أخرى، بما يسمح بتحقيق تسوية يمكن تسويقها داخليًا باعتبارها انتصارًا للمصالح الأميركية، سواء عبر الحد من الطموحات النووية الإيرانية، أو تأمين حركة الملاحة الدولية، أو إعادة ضبط ميزان القوة في الإقليم. وفي الوقت ذاته، حرص ترامب على إبراز الاتفاق بوصفه نموذجاً مختلفًا عن التفاهمات السابقة، عبر التأكيد أن الاتفاق الجديد جاء وفق شروط أكثر صرامة، وبما يضمن عدم تحول إيران إلى قوة نووية مستقبلًا.

من الناحية الاقتصادية: ترتبط الحسابات الأميركية في هذا الملف باستقرار أسواق الطاقة العالمية، خاصة أن التوتر حول مضيق هرمز ينعكس سريعًا على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية وثقة الأسواق. كما أظهرت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخيرة أن أي مؤشرات على توقف المحادثات أو احتمال تعطيل الملاحة تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، في حين تؤدي الأخبار المتعلقة بتشكيل الاتفاق أو تمديد الهدنة إلى تراجع الأسعار وهدوء الأسواق. ولذلك، فإن واشنطن لا تنظر إلى الاتفاق المحتمل باعتباره ملفًا سياسيًا فقط، بل تنظر إليه بوصفه أداة لإدارة المخاطر الاقتصادية العالمية، خاصة أن مضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتدفقات النفط والغاز نحو آسيا وأوروبا.

من الناحية الأمنية: تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران، خاصة بعد تكرار الضربات والهجمات المتبادلة. كما تريد واشنطن منع تحول التوتر إلى حرب إقليمية شاملة تشمل الخليج والعراق ولبنان واليمن والبحر الأحمر. ولذلك يمكن فهم الاتفاق الناشئ بوصفه محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك، وليس لإنهاء الخلافات جذريًا. فالولايات المتحدة تريد تهدئة الساحات الأكثر خطورة، لكنها لا تزال تربط أي اتفاق دائم بملفات البرنامج النووي، والصواريخ، والسلوك الإقليمي لإيران.

دلالات الاتفاق بالنسبة لإيران:

من الناحية السياسية: تريد إيران أن تظهر بمظهر الدولة التي لم تخضع للضغوط الأميركية، وأن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيكون نتيجة لصمودها وليس نتيجة لتراجعها. ولذلك تركز التصريحات الإيرانية على رفض المطالب المتناقضة من واشنطن، وعلى ضرورة أن تكون المواقف الأميركية واضحة ونهائية. كما تسعى طهران إلى ربط الملف النووي بالبيئة الإقليمية الأوسع، وخاصة ما يتعلق بالهجمات الإسرائيلية في لبنان وغزة، والدور الأميركي في دعم إسرائيل.

من الناحية الاقتصادية: ظلت إيران تعاني منذ سنوات من آثار العقوبات الأميركية والغربية، بالإضافة إلى الضغوط الداخلية المتراكمة المرتبطة بالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى الموارد المالية المجمدة، والقيود المفروضة على الصادرات النفطية. ولذلك فإن أي اتفاق محدود يمكن أن يمنح طهران متنفساً اقتصاديًا مهمًا. وتسعى إيران من خلال التفاوض إلى الحصول على تخفيف جزئي للعقوبات، أو إعفاءات مرتبطة بتصدير النفط، أو فتح مسارات مالية تسمح لها بالحصول على جزء من أموالها المجمدة. وهذه المكاسب لا تعني بالضرورة حل الأزمة الاقتصادية الإيرانية، لكنها قد تمنح النظام فرصة لاحتواء الضغوط الداخلية، وشراء الوقت، وتحسين موقعه في المفاوضات اللاحقة.

البرنامج النووي الإيراني

تحاول إيران الحفاظ على حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، مع تجنب تقديم تنازلات كبرى قبل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة. وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بعدم امتلاك إيران قدرة على إنتاج سلاح نووي. كما تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الملف النووي الإيراني لا يزال يمثل مصدر قلق دولي، خاصة فيما يتعلق بمستويات التخصيب والرقابة والتفتيش.

ولذلك فإن أي اتفاق محدود لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة النووية، لكنه قد يمهد لجولة تفاوضية أوسع حول القيود الفنية والضمانات وآليات التفتيش.

المواقف الدولية

روسيا: تتابع روسيا المفاوضات الأميركية–الإيرانية من زاوية تأثيرها في شراكتها مع طهران وفي توازنات الشرق الأوسط. فلا تعارض موسكو مبدئيًا أي مسار دبلوماسي يقلل احتمالات التصعيد، خاصة إذا كان يحافظ على حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ومن جهة أخرى، تنظر روسيا بحذر إلى أي تقارب أميركي–إيراني واسع قد يقلل اعتماد طهران عليها اقتصاديًا وسياسيًا. كما أن موسكو ترى في الملف الإيراني جزءًا من صراع أوسع مع الغرب حول العقوبات والنظام الدولي ودور مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولذلك، فإن موقف موسكو سيظل داعمًا للحلول الدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته سيظل حريصًا على ألا يتحول الاتفاق إلى أداة أميركية لإعادة تشكيل موقع إيران بعيدًا عن الشراكة مع روسيا. ويبرز هنا سؤال مهم: هل يضر نجاح الاتفاق بالمصالح الروسية؟

فعلى الرغم من الترحيب الروسي المعلن بأي مسار دبلوماسي يحد من احتمالات التصعيد، فإن موسكو لا تنظر بالضرورة إلى أي تقارب أميركي–إيراني واسع بوصفه تطورًا إيجابيًا بالكامل. فاستمرار العقوبات الغربية على إيران أسهم خلال السنوات الأخيرة في تعميق الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين موسكو وطهران، بينما قد يؤدي أي انفتاح اقتصادي إيراني على الغرب إلى خفض مستوى الاعتماد الإيراني على روسيا في بعض المجالات الاستراتيجية.

الصين

بالنسبة للصين، فإن أي اتفاق يقلل التوتر في الخليج ويضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز يُعد تطورًا إيجابيًا؛ إذ إن بكين ترتبط بمصالح واسعة في قطاع الطاقة الإيراني، كما تعتمد على استقرار الممرات البحرية في الخليج لضمان أمن إمدادات الطاقة. ولذلك فمن المرجح أن تدعم الصين أي تسوية تخفف العقوبات وتعيد الاستقرار إلى المنطقة، لكنها في الوقت نفسه ستعارض أي ترتيبات تؤدي إلى تصعيد عسكري أو فرض عزلة كاملة على إيران.

أوروبا

تنظر الدول الأوروبية إلى الاتفاق المحتمل باعتباره فرصة لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر مع إيران، وتجنب العودة إلى التصعيد الشامل في الملف النووي. كما أن أوروبا معنية باستقرار أسواق الطاقة، ومنع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، والحفاظ على دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الرقابة والتفتيش. لكن الدول الأوروبية ستظل حذرة من أي اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني، خاصة في ظل المخاوف المتراكمة من مستويات التخصيب والقيود المفروضة على الرقابة الدولية.

انعكاسات الاتفاق المحتمل على التوازنات الإقليمية

لا تقتصر أهمية الاتفاق الأميركي–الإيراني المحتمل على طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد لتشمل معظم التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. فالتطورات المرتبطة بالملف الإيراني ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الصراعات الإقليمية، وأمن الطاقة العالمي، وموازين القوى بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.

إسرائيل ومخاوف تخفيف الضغوط على إيران

تُعد إسرائيل من أكثر الأطراف متابعة لمسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية، حيث تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره التهديد الاستراتيجي الأبرز لأمنها القومي. ومن هنا تبدي تل أبيب تحفظات متكررة تجاه أي تفاهمات لا تتضمن قيودًا صارمة على أنشطة التخصيب الإيرانية، أو لا تعالج القدرات الصاروخية الإيرانية وشبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران. وتخشى إسرائيل أن يؤدي أي تخفيف للعقوبات إلى تعزيز القدرات الاقتصادية الإيرانية، بما يسمح لطهران بزيادة دعمها لحلفائها في لبنان والعراق واليمن. ولذلك فقد تسعى إسرائيل إلى التأثير في مسار المفاوضات من خلال الضغوط السياسية على واشنطن، أو من خلال مواصلة العمليات الأمنية والعسكرية التي تستهدف الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

دول الخليج بين الترحيب والحذر

من المرجح أن تنظر دول الخليج العربية إلى أي اتفاق يؤدي إلى خفض التوتر في الخليج العربي ومضيق هرمز باعتباره تطورًا يسهم في حماية التجارة الدولية وضمان استقرار صادرات الطاقة. فالدول الخليجية تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران ستنعكس بصورة مباشرة على أمنها الاقتصادي والاستثماري.

ولا تخلو المواقف الخليجية من بعض التحفظات المرتبطة بإمكانية أن يؤدي تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي. ولذلك فإن العديد من دول الخليج تفضل أن يتضمن أي اتفاق ترتيبات أمنية واضحة تضمن عدم توظيف المكاسب الاقتصادية الإيرانية في توسيع نطاق النفوذ الإقليمي أو دعم الجماعات المسلحة الحليفة لطهران.

العراق ولبنان

من الممكن أن ينعكس نجاح الاتفاق بصورة إيجابية على عدد من الساحات الإقليمية التي تشهد تداخلًا بين المصالح الأميركية–الإيرانية. ففي العراق قد يسهم خفض التوتر بين الطرفين في تقليل احتمالات المواجهة غير المباشرة بين القوات الأميركية والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. كما قد يسهم الاتفاق في تخفيف حدة الاستقطاب داخل الساحة اللبنانية، خاصة إذا ترافق مع ترتيبات إقليمية أوسع تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.

عقبات التوصل إلى تفاهم مستدام

رغم المؤشرات الإيجابية التي صاحبت مسار التفاهمات الجارية بين الولايات المتحدة وطهران، إلا أن الوصول إلى تفاهم مستدام لا يزال يواجه مجموعة من التحديات المعقدة المرتبطة بتباين مواقف الطرفين، وهو ما يتضح في المحاورالتالية:

  • تعقيدات الملف النووي واستمرار الخلافات الجوهرية

تتصدر الأزمة النووية بين واشنطن وطهران قائمة العقبات الرئيسية أمام الوصول إلى تفاهم مستدام، في ظل استمرار الخلافات بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم، وحدود البرنامج النووي الإيراني، وآليات الرقابة والتفتيش التابعة لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وتتمسك طهران برفض تقديم تنازلات جوهرية قبل الحصول على ضمانات واضحة، بينما تصر واشنطن على فرض التزامات صارمة تمنع إيران من تطوير أي قدرات نووية عسكرية مستقبلية، بما يعكس استمرار فجوة انعدام الثقة بين الطرفين رغم المسار التفاوضي القائم.

كما شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا واضحًا في لهجة المسؤولين الإيرانيين تجاه مسار التفاهمات الجارية، بعدما أكد نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن طهران لن تسمح بأي عمليات تفتيش على منشآتها النووية الحساسة قبل رفع العقوبات بشكل كامل، مشددًا على أن البرنامج النووي الإيراني يمثل خطًا سياديًا غير قابل للتفاوض تحت أي ضغوط خارجية. كما صعّد مسؤولون مقربون من "الحرس الثوري الإيراني" خطابهم العسكري، مؤكدين استمرار الجاهزية الكاملة للرد على أي تحركات أميركية أو إسرائيلية مستقبلية، مع التلويح بإمكانية استخدام أدوات الضغط الإقليمي، وعلى رأسها أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يعكس هشاشة التفاهمات الحالية وقابليتها للانهيار في أي لحظة نتيجة غياب الثقة المتبادلة.

  • الضغوط الأميركية والانقسام الداخلي حول إدارة الأزمة

تمثّل الضغوط الأميركية أحد أبرز العوامل المعقدة لمسار التفاهمات، إذ تواصل واشنطن استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط رئيسية لضمان التزام إيران بأي اتفاق مستقبلي، في حين ترى طهران أن رفع هذه العقوبات يمثل شرطًا أساسيًا لأي تفاهم جديد. وفي السياق ذاته، كشفت التطورات داخل مجلس الشيوخ الأميركي عن استمرار الانقسام السياسي بشأن إدارة الأزمة، بعدما رفض مجلس الشيوخ مشروع قرار كان يستهدف تقييد صلاحيات الرئيس الأميركي ترامب في إدارة أو إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض رسمي من الكونغرس الأميركي. ويعكس هذا المشهد تمسك دوائر أميركية بمنح الإدارة مساحة أوسع للتحرك في الملف الإيراني، بما يؤكد أن واشنطن لا تزال تنظر إلى سياسة الضغط والموازنة بين التفاوض والردع باعتبارها الركيزة الأساسية في التعامل مع طهران.

وفي تصعيد لافت يعكس اتساع دائرة المواجهة، كشفت تصريحات صادرة عن "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) عن انخراط مباشر وغير مسبوق للحلف في دعم العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما أكد أمينه العام مارك روته أن دولًا أعضاء وفرت دعمًا لوجستيًا وعسكريًا للولايات المتحدة خلال الهجمات الأخيرة. وقد اعتبرت طهران هذه التصريحات بمثابة اعتراف رسمي بدخول "الناتو" على خط الحرب، الأمر الذي ينذر بتحول المواجهة من صراع محدود إلى أزمة دولية مفتوحة قد تعيد رسم توازنات الأمن الإقليمي والدولي.

وفي الختام، فإن مستقبل هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة واشنطن وطهران على تجاوز أزمة الثقة المتبادلة، وبمدى تأثر المفاوضات بتوازنات الإقليم ومواقف القوى الدولية الفاعلة، ما يعني أن الاتفاق إذا تحقق لن يكون تسوية نهائية، وإنما إعادة تنظيم مؤقتة للصراع بما يخدم حسابات الطرفين.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الآثار السورية

بين الترميم والتزوير: معضلة إعادة بناء الآثار في سوريا بعد الحرب

في سوريا اليوم، الترميم ليس مجرد تقنية، بل هو ساحة معركة ثقافية. كل قرار بإعادة بناء موقع أو تركه على حاله يحمل رسالة: إما "نحن أقوى من التدمير" أو "نحن لا نخاف من أن نرى ندوبنا"

عبد اللطيف الأحمر

هيرمان هسه
هيرمان هسه

هيرمان هسه في الذكرى 149 لميلاده.. العيش في قلب العالم

في الثاني من تموز/يوليو الجاري، حلّت الذكرى 149 لميلاد الكاتب الألماني هيرمان هسه (1877–1962)، أحد أكثر الأدباء الذين اقترنت أعمالهم بالبحث الدائم عن الإنسان، وعن الطريق الذي يقوده إلى معرفة ذاته ومعنى وجوده

علي صلاح بلداوي

الأدب والكسل

بين الرذيلة والحكمة: كيف أعاد الأدباء والمفكرون التفكير في الكسل؟

تجرأ الأدباء والمفكّرين على مساءلة النظرة السائدة عن الكسل، مقدّمين رؤى مغايرة ترى فيه أو في الفراغ مساحة خصبة للتأمل والإبداع وشكلًا من أشكال المقاومة ضد ضغوط الحياة الحديثة

يونس أوعلي

الجن

الجنّ.. تجارة الرعب المقدّس

لم تعد كلمة الجن تدل على كائنات غيبية بمقدار ما صار مادة إعلامية قادرة على جذب الانتباه وتحقيق المشاهدات وبناء الجماهير، من خلال العمل على تحويل القلق الإنساني إلى سوق مفتوحة.

سناء عون

تونس وفلسطين

تمثلات الهوية في التعبئة الوطنية التونسية تجاه القضية الفلسطينية

لا يمكن قراءة ارتباط القضيّة الفلسطينيّة بمعركة التحرّر الوطني في تونس من زاوية التعاطف، فالتطوّرات التي كانت تحدث في الأراضي الفلسطينيّة قابلتها النخب الدستورية، منذ أواسط العشرينيات، بردود أفعال قوية انعكست على العلاقة مع المستعمر الفرنسي

ضياء بوسالمي

المزيد من الكاتب

ميرنا محمد

كاتبة مصرية

غزة بين الإبادة البيئية والمجاعة المُدارة.. هل من منقذ؟

ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد قصف للمباني أو اشتباكات عابرة: إنه تدمير ممنهج للقدرات الحيوية للناس، للماء، للغذاء، للصحة، ولغيرها من شروط البقاء

تطبيق "تيك توك".. حرب الخوارزمية على الوعي الجمعي العالمي

الصراع بين واشنطن وبكين ليس مجرد خلاف حول من يملك أداة الترفيه، بل حول من يملك ناصية "توجيه المصير الثقافي" لثلث سكان العالم

الذات البشرية: سؤال الهوية والعصر الرقمي

يتناول النص تحوّل الذات الإنسانية إلى بناء متغيّر يتشكّل بين الجسد والفضاء الرقمي، حيث تُعاد صياغة الهوية والأصالة بفعل التداخل والخوارزميات.

السيادة المهدّدة: "ستارلينك" كأداة للهندسة العكسية في إيران

يناقش المقال كيفية نجاح احتجاجات إيران في كسر الرقابة الرقمية عبر توظيف خدمة "ستارلينك" للإنترنت الفضائي كأداة هندسة عكسية، ما أسهم في إعادة تعريف مفاهيم الأمن الداخلي والشرعية السيبرانية والتوازنات الجيوسياسية

ما بعد الحرب: كيف تُدمّر البيئة بصمت؟

في كل حربٍ تُكتب النهاية قبل أن تُسمع أول طلقة، وقبل أن تسقط أول قنبلة، وقبل أن تُرفع راية النصر فوق مدنٍ أنهكها الخراب، تدفع الطبيعة الثمن الأكبر دون أن تكون طرفًا في الصراع