ينتظر العلاقات الجزائرية - الأوروبية امتحان صعب في عام 2025، مع انطلاق المفاوضات المرتقبة لمراجعة اتفاق الشراكة الذي يربط الطرفين منذ أكثر من 20 عامًا، والذي لم يحقق الأهداف المرجوة منه، خاصةً بالنسبة إلى الجزائر التي ترى أن وثيقة نيسان/أبريل 2002 تحتاج إلى تعديل لتأسيس علاقات مبنية على مبدأ "رابح - رابح" لتنمية التعاون الاقتصادي بين طرفين تثبت المتغيرات الجيوسياسية يوميًا حاجتهما إلى شراكة وتنسيق دائمين، حتى وإن اختلفت وجهات نظرهما بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
ونتيجة عدم مراجعة هذا الاتفاق، على الرغم من العيوب التي ظهرت فيه خلال العقدين الماضيين، نشبت خلافات متكررة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي على عدة مستويات، وهو ما يسعى الجانبان إلى معالجته خلال العام الحالي، سيما مع زيادة حاجتهما لبعضهما البعض. فالترويكا الأوروبية أصبحت ترى في البلد المغاربي المزوّد الطاقوي الأمثل لها بعد تقلص خياراتها جرّاء الحرب الروسية - الأوكرانية، بينما تسعى الجزائر، التي تبحث عن زيادة صادراتها خارج قطاع المحروقات، إلى حل القيود التي تعيق دخول منتجاتها الغذائية والزراعية إلى الأسواق الأوروبية.
عناوين برّاقة
نصَّ اتفاق الشراكة الذي وقّعه الطرفان قبل 22 عامًا على توفير إطار مناسب للحوار السياسي بين الطرفين، للسماح بتدعيم علاقاتهما وتعاونهما في جميع الميادين، التي يعتقدان أنها ملائمة لتطوير التبادلات بهدف ضمان تطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة بين الطرفين، وتشجيع التبادلات البشرية، لا سيما في إطار الإجراءات الإدارية.
وتضمن الاتفاق العمل على تعزيز التعاون بين الطرفين في مجالات مختلفة تشمل الاقتصاد والثقافة والمالية وغيرها، بالإضافة إلى إنشاء منطقة للتبادل الحر للمنتجات الصناعية، والتحرير التدريجي للمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية والمنتجات السمكية.
كما شدد الاتفاق على إلغاء الرسوم الجمركية بينهما على ثلاث مراحل، بحيث تصل إلى 0% خلال الفترة من 2012 إلى 2017. لكنه تضمن كذلك إجراءات وضعتها الجزائر لحماية صناعتها الوطنية عبر مجموعة من المواد أهمها "إجراءات مكافحة الإغراق وإجراءات تعويضية وإجراءات حمائية".
وجاء في نص الاتفاقية العمل على إنشاء هيكل تنظيمي يتألف من مجلس الشراكة ولجنة الشراكة، وسبع لجان فرعية قطاعية، وحوار غير رسمي حول قضايا الهجرة والتنقل، حيث تجتمع هذه الهيئات كل عام بالتناوب في الجزائر العاصمة وبروكسل.
وأنشأ الطرفان أيضًا حوارين رفيعي المستوى حول الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والطاقة. وفي إطار التعاون الفني والمالي، يقوم الطرفان بتنفيذ العديد من برامج التعاون والمساعدة الفنية بتمويل من الميزانية المخصصة من قِبل الاتحاد الأوروبي للجزائر، وفقًا لأحكام اتفاقية الشراكة بينهما.

ووفق ما ورد في موقع وزارة الخارجية الجزائرية، فقد "صُممت هذه البرامج مع مراعاة الأولويات الوطنية في مجالات التنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والثقافية، حيث تهدف إلى تعزيز قدرات الإدارات والمؤسسات الجزائرية، ودعم جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ودعم جاذبية السوق الوطنية بالنسبة للمستثمرين الأجانب، وخاصة الأوروبيين، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز الصادرات خارج المحروقات".
ركّز الاتفاق على تعزيز التعاون العلمي والجامعي بين الطرفين عبر مشاركة البلد المغاربي في العديد من برامج الاتحاد الأوروبي المفتوحة للدول الشريكة، إضافةً إلى وجود اتفاقية مشتركة للتعاون العلمي والتكنولوجي تهدف إلى تشجيع وتطوير وتسهيل أنشطة التعاون بين الطرفين في مجال العلوم والتطوير التكنولوجي.
وفي المجمل، تتضمن اتفاقية الشراكة 110 مواد، بينها 32 مادة خاصة بالتجارة الخارجية وحرية نقل السلع والخدمات. ويوحي النظر إلى مضامين هذه البنود التي تم الاتفاق عليها عند التوقيع على الوثيقة في عام 2002، أو تلك التي تبعتها؛ بأنها ستنعكس إيجابًا على الاقتصاد الجزائري، بل وتساهم في إخراجه من التبعية التي كان يعيشها عند بداية الألفية الحالية.
لكن منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 2005 تبيّن تدريجيًا أن ثمار هذه الوثيقة قطفت من قبل الضفة الشمالية للمتوسط فقط، وأن الآمال التي عُلّقت من قِبل الجزائر على مختلف الاجتماعات الثنائية، أو ضمن مسار برشلونة، أو مجموعة 5+5، أو الاتحاد من أجل المتوسط بعدها؛ لم تكن سوى شعارات فارغة لم تُترجم ميدانيًا بسبب عدم تغير نظرة الطرف الأوروبي إلى البلدان الإفريقية التي يرى فيها مجرد أسواق لمنتجاته، دون اعتبارها شركاء حقيقيين في التنمية.
فشل؟
حتى الآن، لا تزال شوكولاتة "المرجان" الجزائرية التي ذاع صيتها عالميًا في 2024 ممنوعة من الدخول إلى فرنسا بحجة قرار أوروبي يمنع دخول المنتجات التي يُستعمل فيها حليب من غير دول المنشأ الأوروبي، وذلك بالرغم من أن الهدف الأساسي لاتفاق الشراكة الموقع بين الطرفين هو تفكيك القيود الجمركية لتسهيل دخول السلع إلى مختلف الأسواق بسلاسة.
وذكرت وكالة "فرانس برس"، منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، أن شوكولاتة الطلي الجزائرية "المرجان"، التي حققت رواجًا كبيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي في فرنسا وأوروبا، محظورة في الاتحاد الأوروبي.
وقالت الوزارة إنه "في ظل عدم استيفاء الجزائر جميع الشروط اللازمة [للسماح لها] بتصدير سلع تحتوي على مشتقات حليب مخصصة للاستهلاك البشري إلى الاتحاد الأوروبي، حسب المتطلبات الأوروبية المتعلقة بالصحة الحيوانية وسلامة الغذاء"، فإن "استيراد هذه السلعة ليس مسموحًا بموجب الإطار التنظيمي المعمول به".
ولفتت وزارة الزراعة الفرنسية إلى أن تحقيقًا فُتح "من أجل تحديد آليات التحايل التي ربما سمحت حتى الآن بطرح هذه السلعة في السوق المحلية"، وهو ما جعل السلطات الفرنسية تتخذ قرارًا بحجز شحنتين من منتجات المرجان الجزائرية على مستوى نقاط التفتيش الحدودية. وقد أدى هذا الأمر إلى انتشار هذه الشكولاتة في الأسواق الأوروبية من خلال شبكات التهريب فقط في ظل الطلب المتزايد عليها.
يعكس هذا المثال حالة الفشل التي طبعت تطبيق هذا الاتفاق على الأقل بالنسبة للطرف الجزائري، الذي يقول إنه كان الخاسر الأكبر من توقيعه على وثيقة صيغت في ظروف معينة تختلف كثيرًا عن الحالة التي توجد عليها البلاد اليوم، فحالة منتج "المرجان" ليست الوحيدة، إذ تضع أوروبا قيودًا عديدة تحد من تصدير المنتجات الزراعية والغذائية تحت تبريرات مختلفة.
ولا يستطيع أحد إنكار حقيقة أن الجزائر وقعت الاتفاق في نيسان/أبريل عام 2002 من موقف ضعف، حيث كانت تخرج حينها من تبعات العشرية السوداء التي عايشتها في نهاية القرن الماضي. لذلك، شكّل لها هذا الاتفاق بعناوينه البراقة دون مضامينه حلًا للخروج من العزلة التي فرضت عليها في وقت كانت تواجه فيه خطر التشدد والعنف في التسعينيات، خاصةً أن نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لم يضع تطوير الاقتصاد الوطني بالشكل الصحيح ضمن الأولويات الأساسية في برنامجه.
وقال الرئيس عبد المجيد تبون إن "الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي أُبرم في وقت كانت فيه الجزائر تختلف عن جزائر اليوم، حيث كانت نسبة مشاركة الصناعة في الدخل القومي لا تتعدى 3 بالمئة، وكنا نستورد المنتجات الفلاحية ولا نصدرها، أي أن الجزائر حينها لم تكن تملك إمكانيات في التصدير".
ومن أهم النقاط التي تضمنها الاتفاق هو التفكيك التدريجي للرسوم الجمركية عبر مراحل بدأت بـ20 في المئة سنة 2007، وهو ما جعل الجزائر تطالب في كل مرة بتأجيل هذه التفكيك كانت آخرها في 2017، وهو الطلب الذي يعكس فشل الاتفاق في تحقيق أهدافه، ولهذا السبب تم تأجيل العمل باتفاق منطقة التبادل الحر التي كان من المفروض أن تنطلق في 2020.
ولحماية اقتصادها من منافسة غير متكافئة، اتخذت الجزائر إجراءات حمائية متعددة للتقليص من الواردات القادمة من أوروبا، وذلك باعتماد رخص الاستيراد لتحديده وعدم تركه مفتوحًا دون ضوابط، إضافةً إلى منع استيراد المنتجات التي تنتج محليًا مثلما حدث مع السيراميك الذي أوقفت الحكومة جلبها من إسبانيا والاكتفاء بالمنتج المحلي فقط. كما قلصت من حجم واردات القمح الصلب من فرنسا باستبداله بالقمح الروسي، وهو ما أثار غضب الاتحاد الأوروبي.
وأثار قرار تقليص الجزائر لعدد السيارات المستوردة من أوروبا واشتراطها تشييد مصانع محلية للمركبات، حفيظة الاتحاد الأوروبي الذي انتقد صراحة هذه الإجراءات التي اعتبرها "نظامًا لتراخيص الاستيراد توازي مفاعيله حظر استيراد، ومساعدات مشروطة باستخدام قطع مصنّعة محلية لمصنعي السيارات، وفرض سقف للمشاركة الأجنبية في الشركات المستوردة للمنتجات إلى الجزائر". كما اعتبر أن القيود المفروضة تنتهك التزامات الجزائر بموجب اتفاقية الشراكة بين الطرفين الموقع عليها عام 2002.
وتشترط الجزائر وجود تصنيع محلي بنسبة إدماج تصل إلى 30 بالمئة على الأقل في قطاع السيارات وقطع الغيار لقبول استيراد مركبات من الخارج، بما فيها الاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى الإبقاء على اعتماد قاعدة 51/49 بالنسبة إلى للاستثمارات الأجنبية التي تمسّ القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والمناجم والموانئ وغيرها، وهو ما يراه الاتحاد الأوروبي تراجعًا عن الاتفاق الموقع بين الطرفَين، والذي ينصّ على تحرير المبادلات التجارية، وذلك بالرغم من أن هذه البنود تطبق في دول أوروبية مثل فرنسا التي تلوح بإمكانية اللجوء إليها في الصفقة المرتقبة حول بيع شركة سانوفي للدواء فرعها "أوبيلا" لصندوق الاستثمار الأميركي.
لا مفر
دفع الخلاف المتواصل بين الجزائر وأوروبا بشأن مضمون اتفاق الشراكة بالرئيس عبد المجيد تبون إلى أن يأمر في اجتماع مع الحكومة بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2021، بضرورة إعادة تقييم اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي "بندًا بندًا وفق نظرة سيادية، ووفق مبدأ رابح-رابح". وشدد في حينها على ضرورة مراعاة مراجعة الاتفاق "مصلحة المنتج الجزائري لخلق نسيج صناعي ومناصب شغل".
وفي حزيران/يونيو الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يعتزم مباشرة إجراءات لتسوية الخلافات مع الجزائر التي يتهمها بفرض قيود على صادرات دوله إلى أسواقها، وكذا الاستثمارات التي يقيمها في البلاد.
وكان من المقرر أن يبدأ الطرفان مفاوضات في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلا أن الاجتماع الذي كان سيعقد بالجزائر بين وفد من المفوضية الأوروبية ومسؤولين جزائريين بوزارات التجارة والصناعة والخارجية، تأجل إلى وقت لاحق بسبب عدم تشكيل الحكومة الجزائرية الجديدة.
لكن هذا التأجيل لن يؤثر على جلوس الطرفين إلى طاولة التفاوض، فقد أكد الرئيس تبون في آخر لقاء تلفزيوني له، مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أن الجزائر ستدخل "ابتداء من سنة 2025 في مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي".

وقال تبون إن "مراجعة الاتفاق ضرورية، واتفقنا على هذا بسلاسة وبكل صداقة.. لسنا في نزاع مع الاتحاد الأوربي، بل تربطنا علاقات عادية مع دوله بما فيها فرنسا".
ورغم الخلاف السياسي الكبير مع فرنسا بسبب عدة قضايا في مقدمتها ملف الذاكرة، إلا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ما تزال مستمرة، بالرغم من فقدان باريس هيمنتها لصالح منافسين جدد مثل الصين وإيطاليا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية.
واستعدادًا لهذه المفاوضات، أعادت الجزائر بداية الشهر الماضي علاقاتها التجارية مع إسبانيا إلى ما قبل الأزمة التي حدثت قبل عامين، عندما علقت الجزائر العمل باتفاق الصداقة الموقع مع مدريد، حيث ألغى بنك الجزائر المركزي قرار تجميد التوطين البنكي الخاص بالعمليات التجارية مع إسبانيا.
ولا تمانع الدول الأوروبية من حيث المبدأ مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى حاجتها الطاقوية في هذه الظروف لشراكة متينة مع الجزائر، وكذلك لاستعادة موقعها بالمنطقة الذي فقدته لصالح دول منافسة. فقبل عامين، صرح رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، عقب محادثات جمعته بالرئيس تبون، قائلًا "نعتبر أن اتفاق الشراكة إطار يجب أن يُضفِي تحسينات وفق الإرادة المشتركة، من هنا وهناك، لتحديد الأولويات المشتركة خدمة لمصالح الطرفين". وأوضح بأن الجزائر والاتحاد الأوروبي "يتقاسمان الطموح نفسه لإعطاء دفع جديد لنوعية العلاقات بينهما".
وتختلف قيمة التبادلات التجارية بين الطرفين حسب المصدر الذي ينقلها، فقد تحدث وزير التجارة الجزائري، الطيب زيتوني، في تصريحات سابقة، عن بلوغ واردات الجزائر من الاتحاد الأوروبي 22 مليار دولار، فيما تشير إحصاءات الطرف الثاني إلى هبوط صادراتها نحو الجزائر إلى 14.9 مليار يورو.
ومهما كانت قيمة هذه التبادلات، فإن الأكيد أنها تبقى ضخمة، مما يعني حاجة الطرفين لبعضهما البعض. لذلك فإن المشاورات التي ستنطلق العام الحالي ستفضي في الأخير إلى اعتماد صيغة جديدة لاتفاق الشراكة، سيكون الرابح فيه من يجيد التفاوض على مختلف الجزئيات لتفادي ارتكاب الأخطاء نفسها التي أوصلت هذه الشراكة للحالة التي هي عليها الآن.












