يعتبر فيلم "One Flew Over the Cuckoo's Nest" من كلاسيكيات السينما العالمية وليس الأميركية فقط. يتناول الفيلم مواضيع الحرية الفردية والتمرد والنظام القمعي، وكيف يمكن للشخصية الفردية أن تتحدى الوضع القائم حتى في أصعب الظروف. وإذا ما أخذنا الترجمة الحرفية لعنوانه "الطيران فوق عش الوقواق"، فيُمكن أن يكون استعارة للتحرر من القيود المجتمعية أو القهر النفسي. لكن إذا ما انتبهنا إلى المعنى المجازي له، فيصبح "تمرد على مستشفى المجانين"، في إشارة إلى تعدد الخيارات لدى الإنسان وقدرته على اتخاذ مسار مختلف كليًا بالخروج عن المعتاد.
إذا أسقطنا الفيلم على الولايات المتحدة اليوم باعتبارها، على المستوى السياسي، تمثل أكبر مستشفى للأمراض العقلية السياسية في العالم؛ فإن إيلون ماسك خرج عن المألوف وتمرد على الواقع لكونه اختار المسار الذي يوصله إلى أحلك غرف المستشفى بمحض إرادته، موظفًا ثروته الهائلة للدخول إلى أعمق زوايا العش وأكثرها ظلمة، حيث سيعلق هناك إلى الأبد حتى لو أراد الخروج. فالنفوذ السياسي المرتبط بدونالد ترامب وسلطويين آخرين حول العالم لن يفارقه، إلى جانب اثنين من الأثرياء هما ليندا مكماهون، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة المصارعة العالمية "WWE"، والتي لها سجل طويل في استغلال العمال. والملياردير هوارد لوتنيك الذي أوقف الدعم المالي لعائلات موظفيه الذين قُتلوا في هجمات 11 أيلول/سبتمبر بعد يوم واحد فقط من بكائه على شاشات التلفاز على خسارتهم. وبشكل عام، ازدادت ثروات أغنى عشرة رجال في العالم بـ64 مليار دولار فور فوز ترامب في الانتخابات، مع ارتفاع سوق الأسهم مدفوعًا بوعود ترامب بمكافآت ضخمة للنخبة الاقتصادية.
الرجل الذي يدّعي أنه "مطلق حرية التعبير"، وأن منصته "إكس" يجب أن تكون مساحة للناس للتعبير عن آرائهم بحرية؛ توَّج أفكاره بإعادة حساب دونالد ترامب الذي سبق أن حظرته الشركة السابقة المالكة لـ"تويتر". وللمفارقة، فإنه وافق حتى الآن على أكثر من 80% من طلبات الرقابة المقدمة من الحكومات السلطوية حول العالم. فقبل يومين من الانتخابات التركية، سمح بحجب حسابات معارضة للرئيس رجب طيب أردوغان. وغالبًا ما تتزامن علاقاته الودية مع السلطويين مع استفادة أعماله تجاريًا، فبعد أن اقترح تسليم تايوان للصين، حصلت شركة "تيسلا" على إعفاء ضريبي من الحكومة الصينية.
وفي عام 2021، دخلت الولايات المتحدة في عقد سري مع شركة "سبيس إكس" بقيمة 1.8 مليار دولار لتشغيل أقمار صناعية عسكرية سرية، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال". وتشكّل هذه الأموال الآن جزءًا مهمًا من إيرادات "سبيس إكس"، إضافةً إلى الأموال التي تحصلت عليها عبر تعاقد البنتاغون مع خدمة "ستارلينك" للإنترنت لتوفير روابط الإنترنت، في الوقت الذي رفض فيه ماسك، في أيلول/سبتمبر 2022، السماح لأوكرانيا باستخدام الخدمة نفسها لشن هجوم على القوات الروسية في شبه جزيرة القرم.
في محادثة مع ترامب تم بثها عبر منصة "إكس" هذا الشهر، قال ماسك إن إنشاء لجنة لتحسين كفاءة الحكومة سيكون أمرًا رائعًا، وإنه سيكون سعيدًا بالمساعدة في مثل هذه اللجنة. بمعنى آخر، أنشأ ماسك الحقيبة التي سيتولاها مقابل دعمه لترامب، فتوّلاها رغم أن ذكر تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي لا يمكن اقترانه بشخص اشترى منصة "تويتر" بثلاثة أضعاف قيمتها السوقية قبل أن يشعر أنه تورّط في هذه الصفقة ويحاول التراجع عنها.

تحوُّل ماسك من ملياردير شاب إلى سياسي في حكومة أقوى دولة في العالم تتحكم بمصير مليارات البشر، وتتدخل في شؤونها وتساهم في معاناتها؛ يتزامن مع كونه متَّهم بنشر نسخة مزيفة من فيديو لحملة كامالا هاريس الانتخابية بصوت مُعدل يتضمن تصريحات مزعومة تقول فيها إنها لا تعرف أي شيء عن إدارة البلاد، وإنها موجودة في هذه المرحلة من منطلق حرص الديمقراطيين على "التنوّع" لا غير. كما اتهمته اللجنة السياسية في ولاية ميشيغان بخداع الناس لمشاركة بياناتهم الشخصية، بهدف استخدامها في إرسال إعلانات مناهضة لهاريس ومؤيدة لترامب.
ووفقًا لتقرير صادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، نشر ماسك 50 ادعاءً كاذبًا عن الانتخابات على منصة "إكس" هذا العام وحده، حصلت على إجمالي 1.2 مليار مشاهدة، إضافةً إلى دعمه الصريح لقضايا يمينية متطرفة حول العالم. فقد سمحت منصته بنشر معلومات مضللة روَّج لها اليمين المتطرف عن مقتل تلميذة في هجوم نسبتهُ لمهاجر إفريقي قبل أن يتضح أن من قام به هو مواطن بريطاني، وساهمت هذه المنشورات بحملة إحراق ونهب وممارسة الإرهاب على مجتمعات الأقليات. ولم يكتف ماسك بالسماح بنشر هذه الأكاذيب، بل أعاد تغريدها ودعمها.
إضافةً إلى هذا، سبقَ للمفوض الأوروبي تييري بريتون تقديم رسالة مفتوحة إلى ماسك يذكره فيها بقوانين الاتحاد الأوروبي، التي تمنع تضخيم المحتوى الضار الذي يروج للكراهية أو الفوضى أو التحريض على العنف أو بعض حالات المعلومات المضللة، محذرًا من أن الاتحاد الأوروبي سيكون يقظًا للغاية لحماية مواطني الاتحاد من أضرار جسيمة تتسبب بها منصته، فيما كان رد ماسك مشاركة صورة ساخرة تحمل عبارة "خطوة كبيرة إلى الوراء".
رغم كل هذه الممارسات، أصبح ماسك وزيرًا بسبب توظيف ثروته للمراهنة على الحصان الفائز. ومنذ اليوم الأول لترامب، وعدَ بأجندة داعمة للأعمال تتضمن تخفيضات ضريبية، وإلغاء القيود التنظيمية، وزيادة إنتاج الطاقة، وملء المناصب السيادية برجال الأعمال. وتشمل خطته تخفيض معدلات الضرائب على الشركات الكبرى، وإلغاء القيود التنظيمية عن قطاعات مثل العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي والبنوك الكبرى، بالإضافة إلى الإطاحة برئيسة لجنة التجارة الفيدرالية المناهضة للاحتكار، لينا خان، لفتح المجال أمام المزيد من عمليات الاندماج بين الشركات الكبرى.
ستكون مهمة ماسك في حكومة ترامب ترشيد الإنفاق الحكومي من خلال برنامج تقشف قاسٍ لن ينال إلا من الفقراء والطبقة الوسطى، وهو ما اعترف به ماسك نفسه مرارًا بأنه سيؤدي إلى "معاناة وركود اقتصادي حاد"، لكنه سيحظى في المقابل بامتياز ضريبي إضافةً إلى التخفيضات الضريبية الهائلة التي سيجنيها نتيجة تخفيض ضرائب الدخل وغيرها من الضرائب على أصحاب المليارات، وهو ما يعتبر مخالفًا للقانون الجنائي الأساسي لتضارب المصالح، بحسب مكتب الأخلاقيات الحكومي في الولايات المتحدة، والذي يمنع الموظفين الحكوميين من المشاركة الشخصية أو الجوهرية في مسائل رسمية إذا كانت لديهم مصلحة مالية.
لكن ماسك يراهن على قانون الضريبة الذي يسمح للمسؤولين الحكوميين بتأجيل ضرائب الأرباح الرأسمالية بشكل غير محدد عند تصفية ممتلكاتهم المتضاربة، وهو امتياز ضريبي قد تبلغ قيمته مليارات الدولارات بالنسبة لماسك كوزير، سواء باع مليارات الدولارات من أصوله قبل تولي أي منصب حكومي، أو إذا صدر عن ترامب إعفاء خاص لماسك يسمح له بالاحتفاظ بمصالحه التجارية رغم منصبه في الحكومة.
على الجانب الآخر، فإن تصفية ممتلكات ماسك لتجنب تضارب المصالح ستجلب له ميزة ضريبية كبيرة أيضًا، بفضل قانون يسمح بتأجيل ضرائب الأرباح الرأسمالية شرط استثمار العائدات في صناديق استثمارية متنوعة. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن استخدام هذه البرنامج لمنح ماسك إعفاءً بمليارات الدولارات قد يُعد إساءة لاستخدام القانون، إلى جانب أن ماسك يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على التحقيقات الحكومية المفتوحة ضده بشأن قضايا تتعلق بسوء السلوك وانتهاكات العمالة وحماية المستهلك.
بالعودة إلى حقيبة ماسك الحكومية، فإن "إدارة كفاءة الحكومة" من المرجّح أن تنقل الانتهاكات التي تلاحق شركاته إلى المؤسسات الفدرالية تحت ذريعة "تفكيك البيروقراطية الحكومية وتقليص النفقات غير الضرورية وإعادة هيكلة الوكالات الفيدرالية"، وهي شعارات عامة لا يُعرف كيف ستطبّق في الواقع تحت إشراف رجل لديه هذا التاريخ من استغلال الموظفين والتكسّب غير المشروع وتضارب المصالح. وبينما يروّج ماسك لهذه المؤسسة باسم "DOGE" كاختصار، فإنها تحيل مباشرة إلى عملة "دوجكوين المشفرة" التي ارتفعت قيمتها جرّاء هذا الإعلان، ويصدف أن يمتلك ماسك مليارات منها!
كعادته، أعلن ماسك عشوائيًا خلال الحملة الانتخابية لترامب أنه "يستطيع بسهولة تحديد وإلغاء نفقات حكومية بقيمة 2 تريليون دولار"، رغم أن إجمالي الإنفاق الحكومي التقديري لعام 2024 يبلغ فقط 1.6 تريليون دولار، وهي تصريحات تعكس عقلية هذا الرجل التي تفتقد إلى أي تفكير نقدي. وبينما يبدو ماسك مستعدًا لتدمير برامج وطنية مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية فقط لإثبات وجهة نظره؛ فإن تأييده الصريح لسياسات الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، قد يعطي تلميحات عما يدور في ذهنه.

وسبقَ أن ألمحَ فريقه بالإعجاب برؤية ميلي لإصلاح الحكومة بتقليص النفقات "ولكن بنسخة أكثر تطرفًا". فعندما تولى ميلي الحكم، أعلن أن الأمور ستسوء قبل أن تتحسن. أما ماسك، فقد حذر من أن توصيات "DOGE" قد تسبب بـ"معاناة مؤقتة". وفي الأرجنتين، أدت سياسات ميلي التقشفية إلى تفاقم الفقر بينما خففت الضرائب عن الأثرياء، مما يُعد مؤشرًا مقلقًا لما قد يحدث في عهد ترامب إذا تم تنفيذ نصائح "DOGE"، التي من الواضح أن المؤكد الوحيد المتعلق فيها هو كونها أداة جديدة لتكريس السلطة بيد الأغنياء على حساب العمال والمستهلكين.
الخطير في قصة صعود ماسك، الذي وعدَ بمليون دولار يوميًا مقابل انتخاب ترامب، أنه إذا اعتبر الناخبون فوز ترامب بهذه الطريقة وعبر المال أمرًا عاديًا، وأنه لا بأس أن يشتري المليارديرات الانتخابات؛ فإن كل ديموقراطيات العالم مهددة بأن يصبح المال هو من ينتخب، وأن ذلك هو الوضع الطبيعي الجديد البديل عن الديمقراطية، مع إنفاق أميركا رقمًا قياسيًا على الانتخابات ناهز 16 مليار دولار، معظمها أموال مظلمة من مانحين يؤثرون على الخطاب من وراء الستار، منها مليار دولار من مجموعات خارجية، وحوالي مليار دولار من الشركات والمتبرعين في قطاع العملات المشفرة، وأكثر من ثلث المبلغ على شكل مساهمات من المليارديرات.
مطلع العام، قررت شركة الصواريخ التابعة لإيلون ماسك، "سبيس إكس"، نقل مقرها إلى تكساس بعدما قضت محكمة في ولاية ديلاوير، مقر "سبيس إكس"، بإلغاء صفقة تعويض بقيمة 56 مليار دولار لماسك من شركة "تسلا". ويسعى ماسك من هذه الخطوة للاستفادة من نظام المحاكم التجارية الجديد في الولاية، الذي يتحكم فيه حليف ماسك القديم، الحاكم الجمهوري غريغ أبوت، والابتعاد عن الأعباء القانونية التي تطاردها في مقرها في ولاية ديلاوير، حيث يتيح نظام الولاية للمستثمرين اختيار القضاة بأنفسهم بدعم من قطاع النفط، أكبر صناعة في تكساس، الذي أثبت أن المصالح التجارية تسعى فعليًا لشراء نظام قضائي خاص بها.
ورغم أن ماسك لم يصرح بأن المحاكم الجديدة كانت عاملًا في قرار الانتقال، إلا أنه وشركته "سبيس إكس" (التي اشتهرت بمركباتها الفضائية المعرضة للانفجار) قد يستفيدان من النظام الجديد وعلاقته الطويلة مع أبوت. وقال ميشال بارزوزا، أستاذ القانون بجامعة فيرجينيا والمتخصص في حوكمة الشركات، إن "ماسك يعتقد أنه قد يكون له نفوذ هناك، وإذا واجه دعاوى قضائية كثيرة فقد يدفع المجلس التشريعي للحد منها". وكتب ماسك على منصة "إكس" (تويتر سابقًا) بعد صدور الحكم: "لا تسجل شركتك في ولاية ديلاوير أبدًا". وخلال أسبوعين، قدم طلبًا لنقل تسجيل "سبيس إكس" إلى تكساس.
وحصلت شركات ماسك على العديد من الامتيازات من تكساس على مر السنين، على الرغم من الأضرار البيئية الناجمة عن عملياته، بما في ذلك ملء أراضٍ محمية وطنية بالحطام الناتج عن إطلاق الصواريخ. وقد تلقت "سبيس إكس" 15 مليون دولار كحوافز من الحاكم السابق ريك بيري (جمهوري) لجذب بعض عمليات الشركة إلى الولاية. وفي عهد أبوت، استمر هذا التعامل الخاص، حيث حصلت "تسلا" على خصومات ضريبية محلية بقيمة 60 مليون دولار عندما أنشأت مصنعًا جديدًا في منطقة أوستن في عام 2020. كما يدرس المسؤولون في الولاية حاليًا صفقة لتبادل الأراضي مع "سبيس إكس"، تمنح الشركة 43 فدانًا من أراضي إحدى الحدائق العامة القريبة من منصة إطلاق الصواريخ ومرافقها الضخمة في بوكا تشيكا، رغم معارضة السكان المحليين والبيئيين.












