ultracheck
الإبادة الجماعية

إبادة صامتة بإيعاز من الرأسمالية الدولية.. ما قصة الاقتتال في الكونغو الديمقراطية؟

8 مارس 2025

في ليلة الـ 26 كانون الثاني/ يناير، عاشت مدينة غوما، أكبر مدن شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، أحداث عنفٍ داميةٍ؛ بعد هجوم جحافل من المتمرّدين المسلحين تابعين لميلشيا "إم 23" على المدينة، حيث نفذوا عمليات قتل عشوائي واغتصاب ونهب وسلب استهدفت المدنيين، وامتدّ هجوم المسلحين إلى المنشآت الحكومية، من بينها السجن المركزي، الذي فرّ منه نحو أربعة آلاف سجين باثين الرعب وسط الساكنة، فيما هرب ممثلوا السلطة من المدينة بالزوارق عبر بحيرة كيفو.   

يعد هذا الهجوم هو الأعنف الذي تعرفه غوما، منذ تصعيد سلسلة المواجهات العنيفة في مناطق شرق الكونغو الديمقراطية، بين المتمردين والقوات الحكومية. وبحسب الحصيلة التي قدّمتها الأمم المتحدة، فقد قُتل ما يزيد عن سبعة آلاف شخصٍ خلال أعمال العنف الجارية منذ نهاية كانون الثاني/ يناير، كما أصبح نحو 450 ألف شخص بلا مأوى بعد تدمير 90 مخيمًا للنازحين. وأورد موقع "فرانس أنفو"، بأن أحداث اقتحام السجن المركزي والحرائق التي اندلعت خلال ذلك في القسم المخصص للنساء، أودت في المجمل بحياة 141 سجينة، بعضهن كنّ بصحبة أطفالهن الرضّع الذين توفي منهم 28 رضيعًا، واحد بينهم يبلغ من العمر ثلاثة أيام. 

يشهد الشريط الحدودي الشرقي لجمهورية الكونغو الديموقراطية، بما في ذلك منطقتي كيفو الشمالية والجنوبية وإقليم إيتوري، حربًا أهلية دموية مستمرة لأزيد من عقدين في صمت دولي مطبق، حيث تتعدد داخلها الأطراف المتحاربة، وتتشعب أهدافها؛ بين داخلية قَبلية وإثنية، وخارجية متمثلة في المصالح الجيو استراتيجية لدول الجوار والقوى الدولية؛ لكن كل هذه الأهداف تتقاطع في الأطماع الاقتصادية لنهب الثروات الطبيعية الضخمة التي تزخر بها المنطقة المتنازع عليها، وعلى رأسها المعادن المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتطورة. 

جذور تاريخية في مذبحة التوتسي

بالرغم من أن أحداث الحرب الجارية تدور داخل حدود جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ فالبلاد قد ورثت هذا الاقتتال الدموي عن جارتها الشرقية الصغيرة، روندا، التي شهدت هي الأـخرى في عام 1994 أحد أبشع الإبادات العرقية في القارة السمراء، خلال العقد الأخير للقرن العشرين، أو ما يعرف بـ "مذابح التوتسي" على يد إثنية الهوتو. 

يعود تاريخ هذه المذابح إلى حقبة الاستعمار البلجيكي لرواندا، حيث أسس المستعمر لنظام الفصل عنصري بين الإثنيتين الأكبر في البلاد، الهوتو والتوتسي، أولًا بالتفريق بينهما في الوثائق الرسمية والقوانين، وثانيًا بمنح تفضيلات واسعة للتوتسي في المناصب والفرص الاقتصادية والتعليم، مقابل احتقار وقمع الهوتو. وهو ما أدّى لمواجهات عنيفة بين الإثنيتين، دفعت عدد من التوتسي إلى لجوء لدول الجوار، وعندما منحت روندا استقلالها في عام 1962، استحكم الهوتو بمفاصل السلطة، بينما أسس اللاجؤون في أوغندا التوتسي ميليشا متمردة تحت مسمى "الجبهة الوطنية الرواندية"، بقيادة الرئيس الحالي للبلاد بول كاغامي، ودخلوا في حرب أهلية دامت لعقود. 

مع حلول آخر عقد من الألفية الثانية، بلغت الحرب الأهلية في روندا أشدها، بشن مليشيا التوتسي هجمات على السلطات (في معظمها من الهوتو) المدعومة من فرنسا. وفي 6 نيسان/ أبريل، وبينما كانت طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا تنزل في مطار كيغالي، تم تدميرها بصاروخ أرض جو مجهول المصدر، حيث لقي الرئيس حتفه جراء الحادث، بينما اتجهت أصابع الاتهام إلى "الجبهة الوطنية الرواندية"، فأطلق الهوتو المتعصبّون عمليات قتل جماعي عشوائي ضد التوتسي، دامت لثلاث أشهر كاملة، واستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة؛ من المدافع والبنادق، إلى خناجر الماتشيتي والعصي والحراب. 

في تلك الأثناء، نجح مقاتلو "الجبهة الوطنية الرواندية" في إسقاط السلطة في كيغالي وإنهاء الإبادة، ما أحدث موجة فرار جماعي للهوتو إلى دول الجوار، من بينهم الجماعات المسلّحة التي شاركت في عمليات القتل، واستقبلت جمهورية الكونغو الديمقراطية (التي كانت تسمى زائير وقتها)، أكبر نسبة من أولئك اللاجئين، نحو 1.2 مليون لاجئ، نصبوا مخيماتهم على الحدود الشرقي للبلاد. وأثار هذا التجمع مخاوف السلطة الناشئة في روندا، التي سارعت بشن حرب بهدف طردهم، ودعم المتمرد لوران كابيلا للإطاحة بنظام الرئيس موبوتو سيسي سيكو، فيما عرف بـ "حرب الكونغو الأولى" عام 1996. 

انتهت الحرب إلى نجاح القوات الرواندية والأوغندية في تنصيب كابيلا رئيسًا جديدًا للكونغو، لكنها حافظت على سيطرتها على الأقاليم الشرقية للبلد والغنية بالموارد الطبيعية، وكان ذلك سببًا لتسوء العلاقات بين كابيلا وحلفائه السابقين. وفي ظلّ هذه الأوضاع، تحالف الرئيس الجديد مع ميلشيات الهوتو المتواجدة في بلاده، من أجل طرد الجيشين الأجنبيين. كل هذه الظروف أدت إلى اندلاع "حرب الكونغو الثانية" عام 1997، التي شركت، إلى جانب الجيوش النظامية، ملشيات مسلحة، وأدت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من 5.4 مليون شخص بسبب القتال والمجاعة والأمراض.

في 2006، أسس لوران نكوندا، وهو جنرال كونغولي من التوتسي وشارك في الحروب السابقة، جماعة متمردة تُعرف بــ  "المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب" (CNDP)، بحجة حماية التوتسي الكونغوليين من الاضطهاد، وبدعمٍ واضح من رواندا، إذ خاضت هذه الجماعة معارك شرسة ضد السلطات الكنغولية، بالإضافة إلى ما صاحب ذلك من عمليات نهب للقرى وقتل المدنيين والاغتصابات الجماعية، إلى حدود 23 آذار/ مارس عام 2009، حين وقعت الميليشيا معاهدة سلام مع السلطة في كينشاسا، بموجبها تم إدماج مقاتلي الميليشيا في الجيش النظامي. لكن سرعان ما أجهضت تلك المعاهدة في عام 2012، وانشق عدد من المقاتلين السابقين في الـ CNDP بدعوى أن الحكومة لم تلتزم ببنود الاتفاق، يقودهم سلطاني ماكينغا المقاتل السابق في صفوف "الجبعة الوطنية الرواندية"، وكونوا حركة متمردة جديدة أطلقوا عليها اسم إم23 (اختصارًا لـ 23 مارس)، ومنذ ذلك الحين تسعى الحركة، بدعم من رواندا، للسيطرة على أقاليم شرق الكونغو ومواردها الطبيعية. 

إبادة بإيعاز الرأسمالية العالمية

مقابل هذا الوضع الإنساني والاقتصادي المأزوم، فإن الكونغو الديموقراطية تعد أحد أغنى بلدان المعمورة من ناحية ثرواتها الطبيعية، والتي تقدر بنحو 24 ترليون دولار، متركزة في معظمها في أقاليم شرق البلاد، إذ أن هذه المنطقة التي يتكالب عليها آلاف من المسلحين، الموزعين على نحو 120 ميليشيا، تمول مجهودها الحربي من نهب هذه الثروات وتهريبها بشكل غير قانوني. 

تنتج الكونغو ما بين 25 إلى 35 طنًا من الذهب سنويًا، لكن معظم الإنتاج غير مسجّل رسميًا بسبب التعدين غير القانوني. ففي عام 2018، وبينما قدر الإنتاج بـ 15 إلى 22 طنًا، لم يتم تسجيل سوى 56 كيلوغرامًا منها. وتلعب روندا دورا فاعلًا في تهريب الذهب الكونغولي إلى الخارج، وبحسب مرصد OCCPR (مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد)، فقد أصبحت رواندا مركزًا رئيسيًا لعبور الذهب الكونغولي غير المشروع، وعلى الرغم من أن حصيلة الصادرات الرسمية التي أعلن عنها لم تتجاوز 2000 كيلوغرام، إلا أن ما يقرب من 13 طنًا دخلت إلى الإمارات العربية المتحدة والتي تم الإبلاغ عن أن مصدرها رواندا. 

وأضاف التقرير أن شبكات تهريب الذهب في شرق الكونغو الديمقراطية "تتألف من نفس الأفراد والكيانات التي وردت أسماؤها سنة بعد سنة، في تقارير مجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الأخرى"، في إشارة إلى شبكة معقدة من الموظفين الفاسدين والملشيات المسلحة. 

بالإضافة إلى هذا، تمتلك الكونغو أحد أكبر احتياطيات الألماس في العالم، وتنتج حوالي 16 مليون قيراط منها سنويًا، لكن نسبة كبيرة تُهرب، أما القصدير المستخدم في صناعة الإلكترونيات واللحام، فهو يمثل إنتاج الكونغو منه حوالي 6-8% من الإنتاج العالمي. وأيضًا التنجستن، الذي يُستخدم في صناعة الأسلحة والمعدات الصناعية.

لكن أغلى ثروة تمتلكها الكونغو اسمها الكولتان، وهو معدن نادر تقوم عليه كل الصناعات الإلكترونية، بحيث أن كل شريحة إلكترونية في العالم تحوي هذا المعدن، الذي تملك البلاد ما بين 60 و80% من الاحتياطي العالمي منه فقط في مناطقها الثلاث الشرقية، وتستغل شركات التكنولوجيات الكبرى في العالم هذا الوضع، من أجل الحصول على هذا المعدن النفيس مقابل أسعار منخفضة. وفي عام 2024، اتهمت السلطات الكونغولية شركة "آبل" باستخدام الكولتان الذي تم نهبه وتصديره بشكل غير قانوني من شرق البلاد، وقال محاموها إن هواتف آيفون وأجهزة كمبيوتر ماك وغيرها من الملحقات التي تنتجها شركة أبل "ملطخة بدماء الشعب الكونغولي".

وعلى مدار العام الماضي، حققت حركة "إم 23" تقدمًا سريعًا في شرق الكونغو الديمقراطية، وسيطرت على مناطق يتم فيها استخراج الكولتان. وبمجرد أن دخلت الحركة إلى روبايا، أحد المناطق المشهورة بمناجم الكولتان، أسس المتمردون ما وصفه فريق من خبراء الأمم المتحدة بأنه "إدارة أشبه بالدولة"، فأصدروا تصاريح للتنقيب والتجارة بذلك المعدن، وطالبوا برسوم سنوية قدرها 25 دولارًا و250 دولارًا على التوالي. 

وتفرض الحركة على عمال تلك المناجم إتاوة قدرها 7 دولارات عن كل كيلوغرام مستخرج، وقد قدَّر الخبراء التابعون للأمم المتحدة أن إم 23 تجني نحو 800 ألف دولار شهريًا من هذا النشاط في روبايا لوحدها. فيما أن هجومها الأخير على غوما، كان يهدف إلى السيطرة على مطار البلاد الذي يمثل منفذًا لتهريب هذا المعدن. 

إلى هنا، يُجمع مراقبون على الدور الفعال الذي تلعبه رواندا في عملية تهريب الكولتان المنهوب من مناجم الكونغو، وغسيله لإدخاله في سلاسل التوريد القانونية. وحسب كين ماثيسن، الخبير في مجال الأمن وإدارة الموارد في مجموعة الأبحاث المستقلة " Ipis"، فإن "جزءاً كبيراً من تجارة هذه المعادن يمر عبر المنطقة التي تسيطر عليها حركة إم23 باتجاه رواندا. وحتى في ذلك الوقت كانت رواندا تستفيد من عدم الاستقرار في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورأينا أن أحجام الصادرات إلى رواندا كانت تتزايد بالفعل". 

ويرسم خبراء الأمم المتحدة طريقاً ملتويا لهذه المعادن خلال عملية نقلها إلى منطقة قريبة من الحدود الرواندية، ثم يتم شحنها في "شاحنات ثقيلة". وتمتلك روندا أيضًا احتياطي من الكولتان، لكنه صغير مقارنة بالكونغو، وهو ما يساعدها على تبييض الكولتان الكونغولي بمزجه مع إنتاجها الخاص وتصديره للخارج. وبحسب ما أظهرته أرقام هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، فإن صادرات روندا من الكولتان ارتفعت بنسبة 50% بين عامي 2022 و2023. وأكّد ماثيسن بأن "هذا الكولتان لا يمكن أن يأتي كله من رواندا".

عبودية واغتصابات جماعية

يعد شرق الكونغو الديموقراطية ساحة لارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، التي تقودها الجماعات المسلحة والجيش على حد سواء. ويقوم المسلحون بمهاجمة القرى على أساس عرقي ونهب ممتلكات المدنيين، بعد قتلهم وتهجير ما تبقى منهم حياً. وبحسب آخر تصريح للمتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، "في إقليم لوبيرو، شمال غوما، أجبرت الاشتباكات الأسبوع الماضي أكثر من 100 ألف شخص، نصفهم من الأطفال، على الفرار من منازلهم. واضطرت العديد من المرافق الصحية المحلية إلى تعليق أنشطتها، وأبلغ شركاؤنا عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاغتصاب". 

وأفاد المتحدث بأن الأنشطة الإجرامية تصاعدت في غوما، مع اقتحام المنازل، واختطاف الأشخاص، واختطاف المركبات، التي تستهدف الوكالات الإنسانية. وقد أسفرت بعض الحوادث عن وفيات. كما تم الإبلاغ عن زيادة مماثلة في معدلات الجريمة وانعدام الأمن في جنوب كيفو، وخاصة في بوكافو وأوفيرا، حيث تم أيضًا توثيق عمليات الاغتصاب والنهب، وفقًا لشركاء الإغاثة التابعين للأمم المتحدة.

وحتى قبل موجة العنف الجارية، وبحسب منظّمة "أطباء بلا حدود"، ففي أيار/ مايو 2020 أدى تصاعد العنف في مقاطعة إيتوري إلى نزوح نحو 200 ألف شخص من منازلهم، حيث تعرضت القرى للهجمات والنهب، بما في ذلك حرق المنازل وتدمير المراكز الصحية. وفي 17 من نفس الشهر، هاجمت مجموعات مسلحة قرية درودرو، مما أسفر عن مقتل وجرح العديد من القرويين وحرق منازلهم بالكامل. وأفادت تقارير بأن عناصر من حركة "إم 23" دفنوا جثث الضحايا بأنفسهم في محاولة لتدمير الأدلة، مما يزيد من صعوبة توثيق الانتهاكات وتقديم الجناة للعدالة.

وعلاوة على كل هذا، يحتجز المسلحون المدنيين من أجل استعبادهم للعمل في المناجم. وأفاد تقرير لمنظمة "حرروا العبيد"، الدولية المختصة في رصد حالات الاستعباد المعاصر، بأنه في الكونغو يعمل العديد في المناطق التعدين في ظروف استعبادية، بينما تذهب غالبية الأرباح الناتجة عن هذا النشاط الاقتصادي إلى أيدي الجماعات المنخرطة في النزاع المسلح. وأضاف التقرير، بأنه في منطقة كيفو الجنوبية أفاد 866 شخصًا، من بين 931 شخصًا شملهم الاستطلاع، أنهم يعيشون تحت أشكال مختلفة من العبودية، أبرزها: العمل القسري، الدعارة القسرية، الاستعباد بسبب الديون، الاستغلال البشع للأطفال، العبودية بالسُخرة، الزواج القسري، والعبودية الجنسية.

وبحسب ذات التقرير، فإن 23% من ضحايا العبودية كانوا دون سن 18 عامًا. وفي عام 2023، نشر الصحفي الأميركي المستقل نيكولاس نياركوس تحقيقا يؤكد هذا الواقع، وقف فيه على أن "بعض الأطفال العاملين في مناجم الكوبالت هم من العبيد. يتم نقلهم إلى منطقة التعدين في سن صغيرة تصل إلى 3 سنوات. وعندما يبلغون من العمر 6 سنوات، يساعدون في حمل أكياس المناجم. وعندما يكبرون قليلاً، يتم إرسالهم إلى المناجم للقيام بأعمال أكثر خطورة، كالنزول إلى الأنفاق، التي يبلغ عمق بعضها 100 متر أو أكثر، وبمستويات أكسجين منخفضة". وأشار الصحفي إلى أن الأطفال العاملين في مناجم الكوبالت يحصلون على أجور منخفضة تتراوح بين دولار واحد ودولارين رغم ساعات العمل الطويلة، غير أنه من الصعب تحديد العدد الصحيح للأطفال الذين يعيشون في هذا الوضع بسبب طبيعة التعدين اليدوي ونظام العمل في البلاد.

وبالإضافة إلى هذا، يجمع مراقبون للوضع في الكونغ الديمقراطية على أن الجماعات المتحاربة تستخدم الاغتصاب كأداة حرب. ووفقًا لتقرير صادر عن اليونيسف في شباط/ فبراير 2025، سُجّلت 572 حالة اغتصاب في أسبوع واحد فقط شرقي الكونغو، وكان 30% من الضحايا من الأطفال. ويُرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير، نظرًا لتردد العديد من الناجيات والناجين في الإبلاغ عن الاعتداءات التي تعرضوا لها. كما أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بزيادة ملحوظة في حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي في شمال كيفو. وفي أوائل عام 2024، تم الإبلاغ عن 27,328 حالة انتهاك، شكلت حالات الاغتصاب 63% منها، وقبل ذاك، و دقت منظمة "أطباء بلا حدود" ناقوس الخطر بشأن هذا الوضع، وقالت إنها عالجت أكثر من 25 ألف ضحية اغتصاب في عام 2023. 

إبادة الكونغو تمول إبادة غزة

بين إبادة الكونغو وحرب إبادة الفلسطيين في غزة ، عامل مشترك واحد هو "إسرائيل"، فـعقيدة الكيان الاستعمارية يجعلها غارقة في في دماء أولئك الضحايا وإن فصلتها آلاف الكيلومترات، إذ أن دولة الاحتلال أحد المستفيدين الكبار من نهب ثروات البلد الأفريقي خاصّة الألماس الذي، وتمول بهذه الأرباح إبادتها للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، إذ ينتج الاحتلال إسرائيلي، ما يعادل 40% من مجموع الألماس المصقول في العالم، وحسب سايام ميهرا، رئيس المجلس الهندي للأحجار الكريمة والمجوهرات، فإن "إسرائيل تستجلب الألماس من مصادر مختلفة، بما في ذلك دول أفريقية، بما في ذلك الكونغو الديموقراطية (...)وتؤدي إسرائيل دور مركز التسويق العالمي لهذه الأحجار الكريمة".

وبلغ حجم الصادرات الإسرائيلية عام 2022 نحو 10.5 مليار دولار، ما مكنها من تحقيق أرباح ناهزت 3.2 مليار دولار، فيما أفادت إدارة الألماس والأحجار الكريمة والمجوهرات في وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية، في بياناتها لعام 2016، أن صادرات الألماس أسهمت بما يعادل 23.1% في الناتج الخام لـ "إسرائيل". ووفق الأكاديمي البريطاني ديفد ميلر، فإنه "إذا أزلت الألماس من الاقتصاد الإسرائيلي، فمن المرجح أن ينهار ذلك الاقتصاد، وبالتالي فهو مساهم مهم للغاية في استقرار البلاد(...) لذلك فاستمرار الإسرائيليين في استغلال ومصادرة الألماس من البلدان الأفريقية يمثل معضلة حقيقية بالنسبة لهم".

وفي سبيل استمرار نهبها لهذه الثروات، دأبت إسرائيل على اختراق الكونغو استخباراتيًا واللعب على الأطراف المتنازعة طوال الحروب التي شهدتها البلاد، لتظفر مقابل ذلك بأذونات التعدين واستغلال الموارد الطبيعية،مستغلة رجال أعمال الفاسدين كوجه تجاري وتنفيذي لذلك النشاط الاقتصادي. ومن أمثال هؤلاء، دان غيرتلر، الذي يعد أبرز أقطاب تجارة الألماس في 'إسرائيل'، والذي يستجلبه من الكونغو الديمقراطية عبر عقد صفقات مشبوهة مع أطراف هناك. ونجح غيرتلر في الحفاظ على استمرار هذا النشاط منذ تسعينيات القرن الماضي، باستخدام شبكة علاقات معقّدة "أشبه بنظام سياسي موازٍ" داخل البلد الإفريقي، على حد وصف متابعين للقضية.

وجمع رجل الأعمال الإسرائيلي من صفقاته المشبوهة للألماس الكونغولي، ثروة تتخطى حاجز 1.5 مليار دولار، وفي عام 2017، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات اقتصادية على غيرتلر، نظراً لـ"صفقات التعدين الغامضة والفاسدة" التي جمع بها ثروته، وعادت لتطبق عقوبات أخرى في عام 2021، بموجب قانون "مانيتسكي" الذي يُعاقَب به الفاعلون الاقتصاديون الأجانب الفاسدون.

ومقابل ذلك، أسهم غيرتلر في تغذية الاقتتال في الكونغو بالأسلحة الفتاكة، وهو ما يؤكده المحلل السياسي الكونغولي كامبالي موسوفالي، بالقول: "لقد دعم غيرتلر نظام كابيلا في شراء الأسلحة، من خلال عقد تلك الصفقة (صفقة الاستحواذ على مناجم الألماس)، ما أتاح له الوصول فعليّاً إلى السلطة، أي إنه أصبح على اتصال مباشر بالرئيس، وكان قادراً على تحقيق ذلك بالسيطرة على تجارة الألماس في الكونغو".

وكشفت تحقيقات صحفية أن دان غيرتلر استفاد من الدعم الدائم للموساد في تهيئة شبكة العلاقات التي خولت له استغلال ألماس الكونغو، بما في ذلك رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي السابق يوسي كوهين. وفي عام 2019، زار كوهين الكونغو للتوسط، نيابة عن غيرتلر، لدى الرئيس جوزيف كابيلا وخليفته فيليكس تشيسيكيدي. وأصر كوهين ومحيطه مراراً على أن تدخلاته لصالح غيرتلر كانت في خدمة المصالح الوطنية لإسرائيل.

وحسب مارجوت مولات دو جوردان، ناشطة في منظمة "جلوبال ويتنس"، فإن الدولة الكونغولية خسرت نحو 1.4 مليار دولار من خلال "صفقات دان غيرتلر المشبوهة ونفوذه الضخم في قطاع التعدين في البلاد من خلال شراء أصول التعدين بأسعار مخفضة قبل إعادة بيعها". 

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

باتت الدولة تفهم بوصفها منصّة تُدار بمنطق الظهور (ميغازين)

حين تُدار الدولة بالترند.. السياسة في زمن الخوارزمية

لا يحتاج المواطن السوري إلى انتظار بيان رسمي أو خطاب سياسي ليعرف ما الذي يُفترض أنه مهم، يكفي أن يفتح هاتفه. ما يتصدر الشاشة يُعامل بوصفه قضية وطنية، وما يختفي منها يُمحى من الوعي العام مهما بلغت خطورته

مها غزال

تجاوز دور طه حسين مع سهير القلماوي دور الأستاذ إلى دور الأب (ميغازين)
تجاوز دور طه حسين مع سهير القلماوي دور الأستاذ إلى دور الأب (ميغازين)

طه حسين.. الأستاذ وتلاميذه

يناقش المقال دور الكاتب طه حسين مع تلاميذه، وكيف كان بمثابة الموجه، الذي ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تغيير مصير هؤلاء التلاميذ، وعندما حادوا عن اتجاهاتهم التي كانوا يخططون لها، صاروا مِن ألمع الشخصيات في المجال الأدبي

ممدوح النابي

حفلات التحرش

التّحرش الجنسي.. كيف تصبح الشوارع والمهرجانات مسرحًا للعبث بالجسد الأنثوي؟

أي معالجة للتحرش الجماعي تتطلب مواجهة التصورات المسبقة، وفهم كيف تُحوَّل مفاهيم ثقافية ودينية إلى غطاء يبرر الفعل ويخفف من مسؤوليته الأخلاقية

إسراء عرفات

سوريا الجديدة

الدولة المؤجّلة: معادلة الأمن الجوهرية في سوريا الجديدة

يتحدد مشهد سوريا ما بعد الأسد بأزمتَي اندماج متوازيتين لكنهما مختلفتان بنيويًا؛ الأولى في الشمال الشرقي، تمثل "قسد" استقلالية مؤسسية وإقليمية، والثانية في السويداء، حيث تكون الاستقلالية مجتمعية وشبكية

مهيب الرفاعي

مراكز الإيواء

الإيواء المؤقت في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار: "نحو إطار سياساتي عادل ومستدام للتعافي المبكر"

تجمع هذه الورقة بين التحليل النظري والمعطيات الميدانية لصياغة نموذج محلي للإيواء يتلاءم مع بنية الأسر الممتدة والخصوصية الاجتماعية والثقافية في القطاع

حسام حسن أبو ستة

المزيد من الكاتب

سفيان البالي

كاتب وشاعر مغربي

جان ماري ثيودا: هايتي بؤرة لكل المشاكل الكونية

يشرح جان ماري ثيودا في هذا الحوار ما يحدث في هايتي منذ محاولة مجموعة من العصابات الإجرامية الاستيلاء على السلطة

من النهر إلى البحر.. ساحات الحراك الشعبي الفرنسي لأجل غزة

تنوعت الرسائل على اللافتات التي حملها المتظاهرون بين الدعوة إلى إيقاف الإبادة، واتهام الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه شريك إسرائيل في سفك دماء الفلسطينيين واللبنانيين

أريان أمنيمويانيس: فلسطين أحيت النضال المناهض للإمبريالية في الجامعات الفرنسية

تتحدث أريان أمنيمويانيس، الناطقة باسم منظمة Poing Levée الطلابية اليسارية الفرنسية، عن الحراك الطلابي في الجامعات الفرنسية من أجل غزة، وأسباب قمع الحكومة الفرنسية للطلاب، ودفاعها الشرس عن إسرائيل

جزيرة مايوت.. القصة الحزينة لآخر أرض عربية تحكمها فرنسا

كشف الإعصار الذي ضرب جزيرة مايوت، أفقر مقاطعات فرنسا، عن تاريخ طويل من التهميش والإهمال الذي تعرضت له الجزيرة من قبل الحكومات الفرنسية المتعاقبة

عبد الرحمان مبتول: رائحة الغاز تفوح من حرب الإبادة على غزة

في غزة أيضًا تنبعث رائحة الغاز من المذابح التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي مدفوعًا بمطامعه في احتياطيات الغاز الموجودة في سواحل القطاع

جورج عبد الله.. الذي لم يغفر الغرب ثوريته

اكتشفت الشرطة الفرنسية أنه يحمل جواز سفر جزائري مزوّر باسم عبد القادر سعدي فاعتقلته على الفور