إن تمكّن موسيقار جيّد من مناغمة قصيدة عذبة بصوت طروب، فسيكون ذلك شبيهًا بظاهرة فلكية نادرة تُعرف بـ "اصطفاف الكواكب"، وينتهي الأمر بتشكيل محاذاةٍ مذهلةٍ بصريًا، وفي تاريخ الموسيقى العربية، هناك عدد من الكتاب والموسيقيين ممن جايلوا بعضهم، وتقارب ظهور إسهاماتهم البارزة زمنيًا، وكنّا نتمنّى لو جمعهم عمل مشترك.
استذكرت مصر والعالم العربي في الأيام القليلة الماضية، خمسينية رحيل "كوكب" الشرق أم كلثوم (1975)، ولسنا هنا في حاجةٍ إلى التدليل على المكانة التي بلغتها أم كلثوم وشهرتها؛ فهي ملكة الطرب والصوت الاستثناء الذي أصبح علامة مسجّلة في تاريخ الموسيقى العربية، وقد تناول الكتّاب والنقاد بإسهاب تجربتها لفترة قاربت نصف قرن.
رغم وفرة المعلومات وثراء الأرشيف حول مسيرتها، إلا أن بعض القضايا لا تزال عالقةً دون إجاباتٍ شافيةٍ إلى اليوم؛ ومن بينها تلك العلاقة الفنية التي ربطتها بالشاعر السوري نزار قبّاني، إذ بقي السؤال: لماذا لم يحظَ الرجل بفرصة غنائها لواحدةٍ من قصائده العاطفية، وقد أدّى قصائدهُ أبرز الأصوات في زمنه؟ وليس خافيًا على القارئ غناء كل من عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وفيروز وآخرين لقصائده التي حققت نجاحًا مدويًّا.
وطنيات نزارية
"لا أحد ينطق قصيدة الشعر مثل السيدة أم كلثوم". بهذه العبارة ردّ نزار قبّاني على الشاعر نوري الجرَّاح في حوار نشرته مجلة "نصف الدنيا" في عدد خاص سنة 1998 بعنوان "نزار قبّاني أنشودة حب مصرية"، عندما سأله عن أيّة واحدة من ثلاث مطربات أعطت قصيدته ما لم يكن يتوقّعه، ويتّضح من جواب نزار القاطع، رأيه في أهمية القصيدة التي تخرج موقعة بصوت أم كلثوم دون سواها. وقصّة نزار مع كلثوم، تعود إلى الفترة ما بعد هزيمة 1967، فقد كتب نزار قصيدته الشهيرة "طريق واحد" والمعروفة باسم "أصبح عندي الآن بندقية" كتحية للمقاومة الفلسطينية سنة 1968، لتشدو بها أم كلثوم بعدها بعام بعد أن لحنّها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ووزّعها أندريا رايدار.
وقد واكب هذا العمل حرب الاستنزاف على ضفّتي قناة السويس وحرب الفدائيين الفلسطينيين على أرض فلسطين وجوارها؛ فالذي حدث أن عبد الوهاب انفعل مع الكلمات بعد أن قرأها، فلحنّها وعرضها على أم كلثوم لتغنّيها، أما نزار فقد استمع إليها عبر التليفون قبل إذاعتها، وقد تم تسجيلها في 24 ساعة فقط، وكان نزار يرفض أن يتقاضى أجرًا نظير أيّة أغنية تُبث له في الإذاعة، وبحسب المؤرخ الموسيقي فكتور سحّاب في كتابه "أغنيات نزار قبّاني" فإنه هذا اللحن كان مؤثرًا جدًا، رغم "الضخامة الهادئة" التي اتسم بها.
كانت هذه القصيدة الوطنية مدخلًا للتعاون بين أم كلثوم ونزار قباني، ويبدو أن الجمهور بعدها كان متلهّفًا للقصيدة العاطفية المطولة التي ستجمعهما معًا، ولكن جاء اللقاء الجديد عبر أغنية لم تنلْ حظّها من الشهرة والانتشار؛ وأقصد هنا مرثية "رسالة إلى الزعيم" والتي كتبها نزار عقب رحيل الرئيس جمال عبد الناصر مباشرةً سنة 1970، في أجواء مشحونة بالحزن والأسى.
أمّا أم كلثوم فكانت تمرّ بحالةٍ مزاجيةٍ سيئة يغلّها الحزن الشديد، فقد قطعت زيارتها إلى موسكو ضمن حفلات المجهود الحربي، وقرّرت العودة إلى القاهرة فورًا، بعدما علمت بنبأ رحيله، وأغلقت على نفسها الباب ولم تكن تُقابل أحدًا أو تخرج من بيتها. لكنّها في الوقت ذاته، لم تنقطع عن قراءة الأخبار وقصائد الرثاء الخاصّة بعبد الناصر والتي تنشرها الصحف أو الدوريات؛ بل إنها كانت تتصل يوميًّا بالإذاعي وجدي الحكيم، مدير الموسيقى والغناء بإذاعة "صوت العرب"، لتسأله عن أفضل ما كُتب ووصلهم من نصوص لهذه المناسبة، وذات يوم وقعت يدها على أبيات نزار التي نشرتها إحدى الصحف، وقرّرت أن تغنيها على الفور بعدما طلبت من الموسيقار رياض السنباطي أن يلحنّها.
يقول وجدي الحكيم في مقابلة له مع محمد الدسوقي نشرتها مجلة الكواكب بتاريخ 12 أيار/مايو 1998 حول اتخاذها لهذا القرار: "تتصل بي فجر يوم 4 تشرين الأوّل/ أكتوبر، وتقول لي: وجدي لقد قرأت في الصحف قصيدة رائعة لنزار قباني، وأعطيتها لرياض ليلحّنها، فتابعها معه لأجل حجز أستوديو التسجيل وتسجيلها، وفعلًا حدث هذا وسجّلنا الموسيقى أولًا، لأن نظام التراكات (دمج وموازنة نهائية للمسارات الصوتية) كان قد ظهر حينها، ثم إن التوقيت وظروف العمل لم يتحمّلا وجود فرقة، وسيكون حزنها باديًا أمام الموسيقيين بالشكل ده. وفعلًا أنجز الأستاذ رياض التسجيل مع الفرقة وأصبحت قصيدة نزار جاهزة للغناء".
ويتابع الحكيم: "سوف تندهش حين تعلم أن كل هذا تم في اليوم نفسه من الفجر إلى المساء. قصيدة نزار قباني كانت جميلة ومحرّضة على الغناء في هذه الظروف تحديدًا لدرجة أنني اتصلت بالأستاذ رياض لأتابع معه كما طلبت مني الست أم كلثوم قال لي من فوره: أنا جاهز باللحن.. جهز الأستوديو".
وقد نجحت أم كلثوم في تسجيل الأغنية بعد أن توقّفت باكية أكثر من مرّة أثناء التسجيل الذي تواصل من العاشرة مساءً إلى الخامسة فجرًا بأستوديو 35 بالإذاعة. وبعد أن انصرف الحكيم ومهندس الصوت، ظلّت لمدة مع السنباطي، لتستمع إلى صوتها عقب التسجيل.
لكن الحكيم تفاجأ بعدها برغبتها في عدم بثها في الإذاعة، فقد كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات قد أدّى اليمين وتولّى زمام الأمور ومن جهتها رأت أن بثها لن يكون من اللائق في ظل وجود رئيس جديد سيقود البلاد في الحرب المنتظرة. وعندها لم تنجح محاولات الحكيم أو محمد أمين حماد رئيس الإذاعة آنذاك في إقناعها بالعدول عن القرار. طلب الأخير من الحكيم أن يحتفظ بالشريط في مكان آمن، بعيدًا عن أيدي المسؤولين أو الموظّفين في الإذاعة.
وبالفعل قام الحكيم بوضعها في شريط آخر بتسلسل مختلف، ثم قام بتسريبها من شريط لآخر حتى لا يصل إليه أحد، وبعدها طلب الرئيس السادات من القائمين على الإذاعة كشفًا بالأغنيات المُسجّلة في عبد الناصر وخاصةً الرثاء. وقد علم بأمر الأغنية بعدما قرأ الملاحظة المدونة أمام اسم الشاعر، وظلّ مقدرًا لها هذا الموقف. وعلى الرغم من ذلك لم تبقَ الأغنية حبيسة الأدراج، فقد تم الإفراج عنها لاحقًا بجودة عالية وتوجد منها نسخة على اليوتيوب.
لكن المؤرّخ الموسيقي فكتور سحّاب، يرى أن واحدًا من عدم انتشار أو ذيوع شهرة هذا العمل، كوْنها ليست من كُبريات ألحان السنباطي. ومع أنها مرسلة من أول حتى آخرها وتكاد تخلو من اللوازم الموسيقية، إلا أن السنباطي جعل المقامات ترسم شكلها وكذلك تناوب الجوق الغنائي مع أم كلثوم على غنائها.
فُرصة ضائعة
كانت المطربة نجاة الصغيرة، الأوفر حظًا بغناء قصائد نزار قبّاني، وقد شكّلت مع عبد الوهاب ثنائيًا متناغمًا على مستوى الصوت واللحن فيما أطلق عليه فكتور سحاب "الأغنية القصصية". وهي الأغنية التي تروي بشكلٍ من الأشكال قصة ما.
غنّت نجاة أغنيات أربع لا زالت باقية وحاضرة في الأذهان إلى يومنا وهي "أيظنّ" سنة 1960، "ماذا أقول له" 1965، "إلى حبيبي" 1972، "أسألك الرحيلا" 1991. وهي أغنيات تمثل حال فتاة عاشقة تبوح بهجران حبيبها وتشكو آلامها. لقد أدت نجاة هذه الأعمال بإتقان، حيث ساعدها صوتها الخفيض الذي يوحي بالهشاشة والانكسار في التعبير عن فحوى ومضمون تلك القصائد، وذلك ضمن نوتات معينّة وألحان درامية صاغها عبد الوهاب بحرفيّة عالية.
إلى هنا، قال عبد الوهاب في نزار، في العدد التذكاري الذي أصدرته عنه الكواكب بتاريخ 25 مايو/أيار 1999، إن "الشاعر نزار قبَّاني ينظم الشعر بعينه لا بقلبه.. فهو مصوّر. أشعاره لوحات جميلة بأسلوب جذّاب بسيط رشيق.. لم أشعر في شعره بانتفاضة قلبه أو بمأساة عاشها. أو مشكلة مر بها.. واعتصرت قلبه وصاغها شعرًا بل إنه مصوّر.. وقد كشف هو عن نفسه فقد أصدر ديوانًا من الشعر عنوانه الرسم بالكلمات. إنه عندما ينظم بلسان المرأة فإنه يرى مشاكلها ويراقبها بدقة ويصوّرها نظمًا.. لأنه يحسّ بإحساس المرأة بصدق. وأنا لم أقرأ له شعرًا حزينًا أو به من الشجن ما يجعلني أحس أنه التاع وسهر وبكى. إنه رسام بالكلام.. كما قال هو".
إن الملاحظات السابقة التي أوردها فكتور سحّاب حول طبيعة صوت نجاة وكذلك عبد الوهاب حول أشعار نزار، تجعلنا ندرك بسهولة لماذا نجحت هذه الأغنيات وأصبحت من الأعمال المشهورة إلى اليوم، ناهيك عن طبيعة الجمهور المتلقي، ولا يختلف الأمر كثيرًا في حالة قصيدة "لا تدخلي" والمعروفة باسم "رسالة من امرأة" 1975، لكن هذه المرّة كانت من أداء "كروان الشرق" فايزة أحمد وألحان محمد سلطان، وهي القصيدة التي استمع إلى أبياتها الأولى كل من سلطان وفايزة من نزار نفسه، في واحدة من السهرات البيروتية.
ورغم هذا النجاح الكبير الذي حققته هذه الأغنيات العاطفية لنزار مع أصوات مطربات "العصر الذهبي"، فإن أم كلثوم لم تشدو بواحدة من قصائده العاطفية! فهل حقًا كانت هناك محاولة أو مشروع غنائي يجمعهما معًا؟
في السبعينات، قدّم نزار إلى أم كلثوم قصيدة "اغضب كما تشاء" وكان مطلعها يقول: اغضب كما تشاء../ واجرح أحاسيسي كما تشاء/ حطم أواني الزهر والمرايا/ هدّد بحب امرأةٍ سِوايا../ فكل ما تفعله سواءْ../ كل ما تقوله سواءْ../ فأنت كالأطفال يا حبيبي/ نحبهم.. مهما لنا أساؤوا../ اغضب!/ فأنت رائعٌ حقًا متى تثور/ اغضب/ فلولا الموج ما تكوّنت بحور.. إلى آخرها.
وقد نقل نزار إلى الشاعر المصري أحمد الشهاوي في حواره بالعدد الخاص ذاته لمجلة نصف الدنيا انطباعها بقوله: "كنت أقرأ القصيدة للسيدة أم كلثوم في فِيلّتِها في الزمالك، وكانت تصغي إلىَّ بذوق شعري رهيف، وعقل مفتوح.. وعندما فرغت من قراءة القصيدة، قالت لي السيدة أم كلثوم:
- قصيدتك جميلة جدًا يا نزار.. ولكنّها بكل آسف - تتعارض مع مبادئي، مواقفي، ونظرتي إلى الحُب. وأضافت بكل هدوء ومحبّة:
- إن أم كلثوم لا تسمح لنفسها، ولا تسمح لها تقاليدها وقيّمها أن تقول للرجل الذي تحبه: اذهب شمالًا ويمينًا وشرقًا وغربًا وادخل في علاقات غرامية مع ألف امرأة وامرأة، ثم متى تعبت "فعد إلى قلبي متى تشاء" للأني حاضرة في الصفح عنك في أي لحظة.
- هذا موقف لا أقبله - يا نزار - لأنه يتناقض مع ما أؤمن به: فأرجو تفهّم وجهة نظري.
والحقيقة أنني لم أتضايق من كلمات السيدة أم كلثوم، بل استمعت إليها باحترام وتقدير كبيرين لرأيها ومناقبها، وتاريخها العريق".
في وقت لاحق، سنعرف أن نزار قرّر إسناد القصيدة إلى الملحن حلمي بكر ليلّحنها وتغنيها الفنانة السورية أصالة سنة 1994، أي بعد 19 عامًا من رحيل كوكب الشرق أم كلثوم. وهكذا لم نحظَ كمستمعين بفرصة الاستماع إلى قصيدة عاطفية نسجها نزار قباني وشدت بها أم كلثوم. ومع رحيلهما طُويت تلك الصفحة وأصبحت قصيدة "اغضب" بمثابة الفرصة الضائعة بينهما.












