لم يكن قرار فرنسا إعادة نحو 32 مليون يورو من أموال رفعت الأسد، عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، المصادَرة إلى الحكومة السورية الجديدة مجرّد إجراء قانوني لإنهاء ملف قضائي مفتوح، بل أكثر منه لحظة تتقاطع فيها أسئلة الشرعية والعدالة والذاكرة والقدرة على دفن ملفات وإعادة تدوير بعضها الآخر في آن واحد، إذا ما قلنا إن هذه الأموال ليست محايدة؛ بل نتاج تاريخ طويل من العنف والسلطة والنهب المنظَّم، وترتبط مباشرةً ببنية الحكم العائلي التي حكمت سوريا لعقود، وباسمٍ ارتبط بالمجازر والنفي الداخلي والخارجي على السواء. من هنا، لا يُطرح السؤال فقط عمّن يملك الصفة القانونية لتسلّم المال، بل عمّن يملك الحق الأخلاقي والسياسي في التصرّف به، ومن يحدّد وجهته، ولأي غاية، وما نصيب السوريين منها.
تفتح هذه القضية، دفعةً واحدة، جملةً من المحاور المتشابكة: هل يمثّل تسليم الأموال اعترافًا عمليًا بالحكومة السورية الجديدة بوصفها الوريث القانوني للدولة، أم أنه مجرّد اعتراف وظيفي محدود يقتصر على التعاون القضائي وإدارة الأصول؟ ومن يملك داخل هذه السلطة تفويض الصرف والتخصيص، وبأي معايير رقابية، في ظل غياب إطار مكتمل للعدالة الانتقالية؟ ثم هل تعود أموال الجريمة السياسية إلى الإدارة السورية الجديدة باعتبارها كيانًا قانونيًا مستمرًا، أم إلى المجتمع والضحايا بوصفهم المتضرّر الحقيقي من مصدر هذه الثروة؟ وهل يمكن فصل المال عن تاريخه، أم أن كل محاولة لتدويره ماليًا من دون مساءلة تُنتج شكلًا جديدًا من الإفلات من العقاب؟
كما يعيد الملف إلى الواجهة تاريخ عائلة الأسد نفسها؛ من حيث تحويل الدولة إلى ملكية خاصة، إلى تصدير أزماتها وصراعاتها الداخلية إلى الخارج، وصولًا إلى منفى رفعت الأسد في أوروبا، ومحاكمته المتأخرة (بعد ما يقارب 37 عامًا)، وعودته بلا عقاب فعلي. في هذا السياق، لا تصبح إعادة الأموال خاتمة للملف، بل امتدادًا له، وساحة جديدة للصراع على المعنى؛ أي معنى الدولة بعد الاستبداد، ومعنى العدالة بعد المصادرة، ومكان الضحايا في سردية تُختزل غالبًا في أرقام ومبالغ وتسويات لأعتى رموز نظام الأسد وطغمته الحاكمة.
سؤال الشرعية والتخويل
يطرح قرار فرنسا إعادة أموال مصادَرة باسم الدولة السورية سؤالًا تأسيسيًا عن الشرعية والتمثيل في لحظة انتقالية غير مكتملة، ويقود إلى فرضية مركزية يمكن البناء عليها، أن التحويل المالي يُمثّل اعترافًا وظيفيًا تدريجيًا بالحكومة السورية الجديدة بوصفها الخَلَف القانوني الذي ورث البلد بعد 55 عامًا من القمع والسلطوية، من دون بلوغ عتبة الاعتراف السياسي الكامل. وفقًا لهذه الفرضية، لا تعمل باريس بمنطق القطيعة أو التطبيع الصريح، بل بمنطق الترحيل المؤسسي للشرعية، أي الإقرار بوجود سلطة قادرة على التمثيل القانوني وإدارة الأصول والتعاون القضائي، من دون منحها بعدُ الغطاء السياسي الشامل.
هذا التفريق الدقيق بين الاعتراف السياسي (يقتضي موقفًا دبلوماسيًا واضحًا، وإعادة العلاقات، ورفع القيود)، والاعتراف الوظيفي (يقتصر على التعامل العملي في ملفات محددة كالأموال المصادَرة والتمثيل أمام القضاء)، يسمح لفرنسا بتجاوز خطابها الحذر من دون نقضه علنًا. فالتحويل ليس إجراءً تقنيًا محضًا، لأن التقنية تفترض حيادًا إداريًا لا ينطبق على اختيار الجهة المتلقية، ولا هو اعتراف سياسي صريح، لأنه لا يترافق مع إعلان أو إعادة تموضع دبلوماسي شامل (رغم مساعي باريس لترتيب بعض الشؤون الخارجية لدمشق، مثل ترتيب اجتماع مع الإسرائيليين).
هذه الخطوة إشارة سياسية مضبوطة تُعيد تعريف من يُجسّد الدولة في المحافل القانونية الدولية، وتختبر في الوقت نفسه قابلية السلطة الجديدة للقيام بوظائف الدولة الأساسية (الحيازة، الإدارة، المساءلة)؛ وهنا يصبح المال أداة اختبار للشرعية لا مكافأة لها، من حيث اختبار قدرة الحكومة الجديدة على تحويل موردٍ مرتبط بجريمة سياسية إلى منفعة عامة، وعلى الفصل بين وراثة الدولة ووراثة ممارساتها. وإذا صحّت هذه الفرضية، فإن سابقة فرنسا قد تفتح مسارًا أوروبيًا أوسع للاعتراف الوظيفي المتدرّج، حيث تُبنى الشرعية من الأسفل، عبر الأداء المؤسسي، قبل أن تُمنَح من الأعلى بقرار سياسي مكتمل.
العدالة الانتقالية ومصير الأموال المصادَرة
يضع ملف إعادة الأموال المصادَرة المرتبطة برفعت الأسد سؤال العدالة الانتقالية في قلب النقاش، لا بوصفه مسألة قانونية تقنية، بل بوصفه اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمعنى الانتقال نفسه؛ حيث إن الفرضية التي يمكن البناء عليها هنا هي أن تحويل أموال الجريمة السياسية مباشرة إلى خزينة الدولة، من دون إطار عدالة انتقالية واضح، يُخاطر بإعادة إنتاج منطق خطير مفاده أن الدولة ترث آثار الجريمة بدل أن تفكّكها. فهذه الأموال لم تُنتَج داخل اقتصاد شرعي، ولا يمكن فصلها عن العنف الذي مكّن من تراكمها (استغلال السلطة والجيش والمخابرات السورية في الأعمال غير الشرعية، وصفقة نفي رفعت الأسد إلى باريس)؛ وهي بالتالي ليست موردًا عامًا محايدًا، بل حصيلة انتهاكات منظّمة، كان ضحاياها أفرادًا وجماعات ما زالت خارج أي مسار إنصاف فعلي.
من هذا المنظور، لا يكفي أن تُعاد الأموال إلى الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا، بل يُفترض أن يُعاد تعريف وجهتها ووظيفتها السياسية؛ على اعتبار أن البدائل المطروحة؛ من صناديق جبر الضرر إلى التعويض المباشر للضحايا، وتمويل برامج الذاكرة والاعتراف وتعويض أسر الشهداء والعدالة الانتقالية، ليست خيارات تقنية، بل تعبيرات متباينة عن كيفية قراءة الماضي. تحويل المال إلى صندوق جبر ضرر، على سبيل المثال، يعني الاعتراف بأن الجريمة ليست حدثًا منتهيًا، بل أثرًا مستمرًا في حياة المتضررين، فيما يعبّر التعويض المباشر عن محاولة ربط المصادرة بمسؤولية ملموسة؛ أما توجيه الأموال إلى برامج الذاكرة، فيؤكد أن العدالة لا تُختزل في التعويض المادي، بل تشمل حفظ السردية ومنع محو الجريمة باسم الاستقرار.
يكمن الخطر الأكبر في غياب الضمانات المؤسسية، بما يفتح المجال لتحوّل هذه الأموال إلى ريع سياسي جديد يُعاد تدويره داخل شبكات السلطة الناشئة، أو يُوظَّف لتثبيت شرعية سريعة لا تستند إلى المساءلة ولا تُخضع مسارات الإنفاق لأي رقابة فعّالة. ففي مثل هذا السياق، لا يعود المال أداة لتفكيك إرث النهب، بل يتحوّل إلى مورد يعيد إنتاج منطق السلطة نفسه الذي راكمه أصلًا، وإنْ بصيغة أكثر هدوءًا وأقل فجاجة. من دون آليات شفافية، وإشراف مستقل، وربط صريح بين المال ومصدره الجرمي، تتحوّل المصادرة من أداة مساءلة إلى لحظة تدوير للمال نفسه داخل بنية سلطة جديدة. عندها، لا تُستعاد العدالة، بل يُعاد إنتاج الإفلات من العقاب بصيغة أكثر نعومة، حيث تُمحى الجريمة خلف لغة الإدارة والميزانية، ويُختزل الانتقال في أرقام لا في حقوق.
السياسة الأوروبية وتعريف الدولة السورية
يُدرج هذا القرار ضمن سياق أوسع يتجاوز الحالة السورية، ليطرح سؤالًا جوهريًا عن السياسة الأوروبية حيال أموال الأنظمة المنهارة عمومًا (الأسد والقذافي وبن علي ومبارك)، وما إذا كنا أمام سابقة قابلة للتعميم أم أمام معالجة استثنائية مضبوطة. الفرضية التي يمكن الانطلاق منها هي أن باريس لا تتحرّك بدافع أخلاقي أو تقني محض، بل وفق معادلة دقيقة تجمع بين ثلاثة معايير متداخلة؛ تبدأ من وجود سلطة جديدة قادرة على الادّعاء بالتمثيل القانوني، وسقوط فعلي للنظام السابق بما ينهي جدل الاستمرارية السياسية، وصدور حكم قضائي نهائي يحرّر الدولة الأوروبية من عبء الاحتفاظ بالأموال. هذا التلاقي هو ما يفسّر القرار الفرنسي، ويجعله قابلًا للتكرار في دول أوروبية أخرى، مثل إسبانيا وألمانيا وسويسرا، إذا توافرت الشروط نفسها، خصوصًا في ملفات أموال مرتبطة برموز الصف الأول من النظام السابق. غير أن قابلية التعميم لا تعني تلقائية المسار؛ فكل دولة أوروبية ستوازن بين القانون، والمخاطر السياسية، وحسابات الاعتراف الضمني، ما يجعل الحالة السورية مختبرًا أوليًا أكثر منها قاعدة مستقرة.
في الوقت نفسه، يحمل القرار بعدًا سياديًا عميقًا، إذ يساهم عمليًا في إعادة تعريف "الدولة السورية" بعد الأسد؛ فحين تُسلَّم الأموال إلى سلطة جديدة بوصفها ممثّلًا للدولة، فإن ذلك يفترض استمرارية الكيان القانوني للدولة بمعزل عن النظام، مع الإقرار بانقطاع سياسي في شكل الحكم. هنا يتشكّل توتر أساسي بين تعريفين للدولة. الأول هو دولة تُفهم كمؤسسات مستمرة ترث الحقوق والالتزامات الدولية، والثاني دولة أخرى تُعاد صياغتها سياسيًا بعد الاستبداد، بما يطرح أسئلة عن حدود الوراثة والمساءلة معًا. هذا التوتر لا يبقى نظريًا، بل يفتح الباب أمام مطالبات سورية (ربما عبر اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع) أوسع قد تشمل أرصدةً مجمّدة، وممتلكات مصادَرة، بل وحتى أرشيفات وأموال مهرَّبة ما زالت موزّعة عبر العواصم الأوروبية لمن هم. وعليه، لا يصبح القرار الفرنسي خاتمة ملف، بل بداية مسار سيادي وقانوني جديد يختبر إلى أي حد يمكن لأوروبا أن تفصل بين تفكيك إرث الأنظمة المنهارة، وبين إعادة تمكين الدول التي خرجت من تحتها دون إعادة إنتاج منطقها القديم.
إجرائيًا، يُحدَّد المبلغ المُعاد بنحو 32 مليون يورو، على أن يتم تحويله في إطار ترتيب سيادي–قانوني جرى التوافق عليه بين باريس ودمشق، ويفترض هذا الترتيب أن تُحدّد السلطات السورية مجالات الإنفاق سلفًا، بما يحوّل المال من أصلٍ مصادَر إلى موردٍ عام خاضع لإدارة الدولة، مع فتح الباب أمام تحويل مبالغ إضافية لاحقًا وفق الآلية نفسها. على هذا الأساس، لا يستند التحرك الفرنسي إلى قرار سياسي منفصل، بل إلى مسار قضائي طويل داخل النظام القانوني الفرنسي، انتهى في أيلول/سبتمبر 2022 بقرار نهائي من محكمة النقض ثبّت إدانة رفعت الأسد بتهم تتعلّق بتبييض الأموال والاستيلاء على المال العام، وأقرّ مصادرة أصول تجاوزت قيمتها 80 مليون يورو، شملت ممتلكات عقارية فاخرة في باريس ومحيطها.
الذاكرة في اختبار الانتقال السوري
يتشكّل ملف إعادة أموال رفعت الأسد المصادَرة بوصفه خلاصة مكثّفة حول الذاكرة الجمعية لمسار السلطة في سوريا، حيث يتداخل العنف بالمال، وتُدار الصراعات العائلية باعتبارها شأنًا سياديًا، وتتحوّل الدولة نفسها إلى وعاء تُخزَّن فيه نتائج الجريمة السياسية والبلطجة الأمنية والعسكرية بدل أن تكون أداة مساءلة لها. فعندما أخرج حافظ الأسد أخاه رفعت من سوريا في منتصف الثمانينيات لم يكن إجراءً استثنائيًا أو عقابيًا، بل آلية حكم محسوبة هدفت إلى احتواء انقسام خطير داخل بنية السلطة. حين حاول رفعت، بعد أحداث الثمانينيات، فرض نفسه لاعبًا مركزيًا في معادلة الخلافة، جرى تحييدُه عبر نفيٍ منظَّم حافظ على تماسك النظام مقابل تصدير التهديد إلى الخارج. بهذا المعنى، لم يُنهِ النفي الصراع، بل أعاد توزيعه جغرافيًا، مع الحفاظ على مكتسباته الاقتصادية والسياسية.
الثروة التي خرج بها رفعت الأسد لم تكن هامشًا على السلطة، بل أحد منتجاتها المباشرة؛ فقد تشكّلت عبر موقعه في قيادة "سرايا الدفاع" بوصفها جهازًا عسكريًا–اقتصاديًا في آن واحد، يدمج القمع بالأرباح، ويحوّل النفوذ الأمني إلى رأسمال متحرّك. بالإضافة؛ هناك شبكات التهريب، والإتاوات، وعقود الحماية وعقود الاستثمارات العسكرية بوصفها ممارسات غير فردية وطارئة، بل جزءًا من اقتصاد حكم كامل حوّل الدولة إلى أداة تراكم خاص، وأنتج نمطًا من الثروة لا يحتاج إلى تبرير قانوني بقدر ما يحتاج إلى حماية سياسية. وعندما انتقلت هذه الثروة إلى فرنسا، لم تنفصل عن سياقها الأصلي؛ فقد استُثمرت في عقارات فاخرة ونمط عيش يعكس استمرارية الامتياز، لا القطيعة مع السلطة. غير أن هذا التناقض الصارخ بين حجم الممتلكات وأي دخل مشروع معلَن حوّل المنفى، مع الوقت، إلى مساحة مساءلة قضائية بعدما كان ملاذًا سياسيًا صامتًا.
أفضى المسار القضائي الفرنسي إلى إدانة رفعت الأسد ومصادرة أصوله، في لحظة كشفت حدود التسامح الأوروبي الطويل مع أموال الأنظمة السلطوية. إلا أن اكتمال الحكم لم يعنِ اكتمال العدالة؛ فقد أُغلقت الدائرة عند المال، فيما بقيت المساءلة السياسية والجسدية معلّقة عند حدود السيادة. عودته إلى سوريا عام 2021 مثّلت التعبير الأوضح عن هذه الفجوة، حيث تحوّل الحكم إلى عقوبة ناقصة تُعيد إنتاج الفصل بين الإدانة القانونية والقدرة على تنفيذها. في هذا السياق، اكتسب المال المصادَر وظيفة رمزية بديلة؛ وصار الأثر الملموس الوحيد لمسار قضائي طويل عجز عن تجاوز حدوده الوطنية.
إعادة هذه الأموال اليوم إلى الحكومة السورية الجديدة لا تُغلق الملف، بل تعيد إدخاله إلى المجال السياسي الداخلي في صيغة أكثر تعقيدًا؛ فالمبلغ لا يدخل المجال العام بوصفه موردًا محايدًا، بل كحمولة سياسية كثيفة، قابلة لإعادة التوظيف داخل بنية سلطة لم تستقر بعد؛ إذ إن تحويل المال إلى خزينة الدولة، من دون إطار عدالة انتقالية واضح، يخلق قابلية لتحوّله إلى ريع سياسي جديد يُستخدم لترسيخ توازنات هشة أو لإعادة توزيع النفوذ داخل مراكز القوة الناشئة. في هذه الحالة، يُستعاد المال، لكن من دون تفكيك المنطق الذي أتاح تراكمه أصلًا.
في العمق، يحمل هذا المسار أثرًا بالغًا على الذاكرة الجمعية؛ فالثروة المصادَرة مرتبطة باسمٍ اقترن بمجازر وانتهاكات شكّلت لحظات تأسيسية في تاريخ العنف السوري المعاصر. وبالتالي، فإن إدماج المال في الدورة المالية للدولة من دون ربطه بسياقه الجرمي يحوّل الجريمة إلى رقم، ويستبدل الاعتراف بالإدارة، ويُنتج انتقالًا يراكم الصمت بدل المساءلة. في المقابل، فإن التعامل مع المال بوصفه أثرًا من آثار العنف يفرض إدراجه في مسار أوسع يعترف بالضحايا ويُعيد إدخال الذاكرة في قلب بناء الدولة؛ وهنا لا يعود السؤال ماليًا أو إجرائيًا، بل يتعلّق بنمط الدولة التي تتشكّل: دولة ترث الأصول فقط، أم دولة ترث معها مسؤولية مواجهة ما صُنع باسمها وضد مجتمعها.












