تحوّل التهديد الأميركي بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية بنسبة تصل إلى 245%، إلى "لعبة أرقام" مثلما وصفته بكّين، فبعد التصعيد الذي قوبلت به القرارات الأميركية من الطرف الصيني في حرب التعريفات "المتبادلة"، سنجد أنها لم تكن مجرّد قراراتٍ اقتصاديةٍ، بل طقوس عبور نحو مرحلةٍ جديدة من المواجهة، حيث تختلط الحسابات المالية بالتطلعات السياسية.
تصعيد جمركيٍّ غير مسبوق، تتخلله إشارات واضحةٍ إلى إمكانيات حربٍ ماليةٍ قادمة تشمل إلغاء تراخيص البنوك، وطرد الشركات، وربّما، في السيناريو الأقصى، منع بكين من الوصول إلى الدولار ونظام SWIFT. ما يعني أنّ العالم دخل مرحلة "الاستقطاب التجاري" مُرغمًا، حيث لا تعود السلع مجرّد بضائع، بل أدوات في صراع الإرادات، والمستهلكون ليسوا إلا رهائنٌ في ساحة معركة لا يرون ملامحها.
في خلفية المشهد، يتحدث ترامب بلغة تحمل ثقة المنتصر المتخيّل، لا التاجر الحذر. يندد بقوة الدولار التي يعتبرها عبئًا على الصناعة الأمريكية، ويقترح ما يُعرف باتفاق "مار إيه لاغو"، المستوحًى من اتفاق بلازا عام 1985، حيث خُفضت قيمة الدولار. لكن أين يقف العالم من كلّ هذا؟ هل يدور الكون حول حلم أميركي جديد؟ أم أنه يُسحب إلى جاذبية فوضى؟ المؤشّرات الأولية لا تحمل التفاؤل. الأسواق تهتزّ، التضخم يرتفع، ومؤشّرات مديري المشتريات تهبط تحت خط الخطر.
وبينما يحتدم النزاع، تُغلق نوافذ الحوار، وتُفتح أبواب التاريخ لتُذكّرنا بأنّ للسياسات الحمائية وجهًا آخر، رأيناه قبلًا، ونسيناه طويلًا. ولكن هذا ليس إلا الفصل الأوّل من الرواية. فثمّة أشباح من الماضي بدأت تتحرك بين السطور، وعلينا أن ننتبه لها قبل أن تعيدنا إلى دوامةٍ لم نخرج منها تمامًا بعد.
أشباح "سموت–هاولي" تنهض من ركام التاريخ
في عام 1930، حين كان الكساد العظيم يخنق أنفاس العالم، اختار الكونغرس الأميركي أن يصبّ الزيت على النار. كان التشريع آنذاك يُدعى "قانون سموت–هاولي"، ويقضي برفع الرسوم الجمركية على أكثر من 20 ألف سلعة مستوردة. وقد يبدو الأمر في تلك اللحظة منطقيًا: كيف نحمي مصانعنا من الانهيار؟ كيف نُغلق النوافذ في وجه العاصفة؟
لكن سرعان ما تبيّن أن تلك "الحماية" لم تكن سوى بداية لزلزال جديد. ردّت الأمم الأخرى بتعريفات جمركية مضادة، فانهارت التجارة العالمية بنسبة 65% بين عامي 1930 و1934. لم يكن ذلك مجرّد صراع أرقام، بل سكينًا في عنق الثقة الدولية، تلك المادة الهشّة التي تُبنى بها الحضارات.
ولعلّ أكثر ما يُثير القلق في التكرار التاريخي هو تشابه النبرة، قبل أن تتشابه الوقائع. آنذاك، كما اليوم، نادى السياسيون بـ"أميركا أولًا"، وتحدثوا عن "استرداد الوظائف" و"حماية الصناعة". واليوم، يعود ترامب بالخطاب نفسه، مدججًا برسوم جمركية تفوق ما فُرض عام 2018، لا على الصين وحدها، بل حتّى على حلفاء كالولايات المتحدة وكندا وأوروبا.
تذكّرنا ثلاثينيات القرن العشرين أن العزلة الاقتصادية لا تحمي الدول، بل تدفعها نحو شتاء قاسٍ وطويل. فحين انخفضت التجارة، انهارت المصانع، وامتدت الأزمة من نيويورك إلى برلين، ومن شيكاغو إلى نيودلهي. لم تكن مجرّد أزمة اقتصادية، بل انهيارًا ثقافيًا وفكريًا، مهّد لحروب لم تكن مفروضة من السماء، بل وُلدت من رحم السياسات الحمائية العمياء.
في عالم اليوم، قد لا يكون الانهيار بالشكل نفسه، لكنه قد يكون أدهى. نحن نعيش في منظومة مترابطة، حيث توقّف مصنعٍ واحد في مدينة صينية قد يعطّل الإنتاج في ميشيغان، ويُشعل أزمة أسعار في البرازيل. إنه اقتصاد السلاسل، لا اقتصاد الأسوار.
وهكذا، يعود شبح "سموت–هاولي" محذّرًا: لا تعبثوا بالثقة. وبينما يتصاعدُ الضجيج حول الرسوم الجمركية، ويعلو الهتاف الشعبوي مؤيدًا للحمائية، يتبخّر ما تبقى من الاستقرار العالمي، كما تبخّرت الثقة الدولية التي استغرقت نصف قرن لبنائها، ولم تكن اكتملت بعد حتى اللحظة.
المستقبل كما يراه العُقلاء.. وكما يُهندسه المجازفون
يضيعُ همسُ الخبراء غالبًا وسط صخب الشعارات، لكنه يحمل نبرة من يستشعر العاصفة من بعيد، يقول سكوت كينيدي، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في ندوة عقدت مؤخّرًا، إن ما يحدث بين واشنطن وبكين ليس مجرّد خلاف في الأرقام، بل بداية نزاع تتقلّب فيه خرائط القوة نفسها. فالرسوم الجمركية التي بلغت 64% على بعض السلع الصينية، لم تُقابل بالصمت، بل برد صيني محسوب، يفتح الباب لتصعيد مالي قد يكون الأكثر خطورة في تاريخ العلاقات بين القوتين.
يتحدث خبراء عن "الخيار النووي المالي"، لا على سبيل المجاز، بل على سبيل الاحتمال: طرد الشركات الصينية من الأسواق الأميركية، منع الوصول إلى الدولار، وحتى عزل الصين عن نظام SWIFT. في المقابل، قد تلجأ بكين إلى طرد رؤوس الأموال الأميركية، إغلاق فروع البنوك، وربما – في السيناريو الأشدّ قسوة – تقليص حيازة السندات الأميركية، وهي خطوة قد تزلزل النظام المالي العالمي.
لكن الضرر، كما يُحذّر محللون، ليس محصورًا بالصين أو الولايات المتحدة. هناك اقتصاد ثالث، كونيٌّ، تترابط أعضاؤه كجسدٍ واحد، وسيعاني الجميع من الحُمّى ذاتها. فاضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج وسقوط الثقة الاستهلاكية ليست مجرد أخبارٍ اقتصادية، بل نُذُر خلل قد يذكّرنا بأزمة "كوفيد"، ولكن بوجه جيوسياسي أكثر تعقيدًا.
وما يزيد الطين بلّة أن هذه الرسوم تُفرض في زمن هشّ من حيث الثقة الاقتصادية. فمؤشّرات قطاع الخدمات والبناء في أميركا تتراجع، والتضخّم يهدّد ما تبقى من قوة شرائية، بينما يتحدّث محللون عن بوادر ركود وشيك. بل إن بعضهم بدأ يتساءل: هل هذه بداية فقدان الدولار لهيبته كملاذ آمن؟ هل نشهد، كما كتب جورج سارافيلوس من "دويتشه بنك"، "اللحظة التي يبدأ فيها العالم بالتشكيك في استمرار المركزية الأميركية المالية"؟
وفي غمرة كل هذا، يبدو أن رهان الإدارة الأميركية الجديدة ليس على توازن دقيق، بل على مشهد يُراد له أن يُرسم بالقوة، عبر إجراءات لا تستند إلى دعم قانوني متين، بل إلى تفسير موسّع لصلاحيات الطوارئ، على غرار ما جرى في سبعينيات القرن الماضي.
أمّا السيناريو الإيجابي الوحيد الذي يتداوله خبراء فهو احتمال أن تصل الضغوط الاقتصادية إلى ذروتها خلال شهرين، ما يفتح الباب أمام مفاوضات، ليس لإنهاء الحرب، بل لترتيب انسحاب مشرّف للطرفين، يسمح لكلٍّ منهما بادعاء الانتصار. لكن، وكما يُحذّر ريتشارد سامنز من مركز بروكنغز، فإن هذا الانسحاب إن لم يُبنَ على تفاهمات حقيقية، فسيكون مجرد هدنة في حرب ستعود أكثر شراسةً.
الجميع على رقعة الشطرنج
في قصص الملوك القدامى، كانوا يخشون السحرة، ويستدعونهم في الخفاء حين يعجز العقل عن مواكبة الواقع. أما ترامب، فقد استدعى خيالًا آخر: اقتصادًا لا يحكمه قانون السوق، بل مزاج الإمبراطور. لقد أعلن بصوت صاخب أن قوة الدولار هي "عبءٌ هائل"، وأن التصنيع الأميركي ضحية لهذا الصعود الجنوني للعملة.
يريد ترامب دولارًا أضعف مما هو عليه، لا من أجل التصدير فقط، بل ليستعيد ما يسميه "روح الإنتاج"، تلك الأسطورة الصناعية التي يؤمن بها ترامب كما يؤمن راهبٌ برؤيةٍ ظهر فيها ملاكٌ مخلّصٌ من الفولاذ. ولا عجب، فقد صرّح نائبه، جيه دي فانس، أن "قوة الدولار مفيدة للشراء، لكنها خنجر في خاصرة المصانع الأميركية".
من هنا، وُلدت فكرة "اتفاق مار إيه لاغو"، النسخة الترامبية من "اتفاق بلازا"، لكن بينما كان الثاني نتيجة لتوافق بين خمس قوى اقتصادية، تسعى إلى خفض قيمة الدولار بحنكة، فإن النسخة الترامبية المطروحة تبدو كأنها صفقة عائلية في نادٍ خاص، حيث تُطرح شروط الهيمنة لا الشراكة.
ما يُريده ترامب واضح: أن تحتفظ أميركا بدور الدولار كعملة احتياطية، وفي الوقت ذاته تُضعف قيمته. أن تحظى بتدفّقات رأس المال، وفي ذات الوقت تُقلّص العجز التجاري. أن تُهدد بفرض الرسوم، ثم تُطالب بالدعم. مفارقة تُشبه من يشعل النار ويطلب من الآخرين أن ينفخوا في الرماد دون أن يحترقوا.
لكن وراء هذه النظرية، تختبئ دوافع أعمق. فالرئيس الذي بنى حملته على ازدراء "المنظومة"، عاد في ولايته الثانية ليُحاول تفكيكها بالفعل. لا يريد فقط خفض العجز، بل يريد إعادة صياغة قواعد اللعبة، حيث لا تتحكم المحكمة الدستورية، ولا يُستدعى الكونغرس، بل تُصدر الأوامر التنفيذية من "العقل التجاري" الذي يظن أن العالم ليس أكثر من صفقة قابلة للتفاوض أو للنسف.
تقول الخبيرة غرايسلين باسكاران، الخبيرة في مجال المعادن النادرة، في ندوة لمركز الاستراتيجيات والدراسات الدولية، إن هذه الخطوة "ليست نهاية اللعبة، بل بدايتها"، وأن الولايات المتحدة تفتقر حتى اليوم إلى أي قدرة محلية فعلية لمعالجة هذه المعادن، رغم استثمارات تجاوزت 400 مليون دولار في خمس سنوات. وهكذا، تجد أميركا نفسها في موقف هشّ، خصوصًا أن هذه العناصر تدخل في صُلب صناعاتها الدفاعية: من طائرات F-35 إلى صواريخ توماهوك.
حرب المعادن النادرة، ذلك النزاع الصامت الذي يُخاض فوق طاولة التكنولوجيا والدفاع. لا يتعلق الأمر بما هو نادر فعلًا، بل بما هو حاسم؛ فالصين، التي تُسيطر على نحو 100% من عمليات معالجة المعادن النادرة الثقيلة، قررت أن تلعب الورقة التي طالما تجاهلتها أميركا حتى اللحظة الأخيرة: التراخيص الديناميكية. لا حظرٌ شامل، بل تقنينٌ ذكي، قابل للتعديل، يفتح باب الضغط السياسي دون أن يُغلق باب التجارة تمامًا.
ليست هذه حربًا تُخاض بالسيوف، بل بالأجهزة الدقيقة، بالبطاريات، بالمغناطيسات الصغيرة، بالثقة التي لا تُرى في سلاسل الإمداد. وحين تتحوّل التراخيص إلى أدوات ضغط، يصبح كل عقد توريد اتفاقًا سياسيًا، وكل تأخيرٍ في الشحن تذكيرًا بحدود السيادة.
إلى هنا، يرى البعض في هذه السياسات بُعدًا انتخابيًا، فكل خطوة حمائية تُصوَّر كـ"انتصار للشعب الأميركي"، وكل شركة تُجبر على العودة تُعدّ "غنيمة وطنية"، حتى لو ارتفعت الأسعار، وتآكلت الوظائف بفعل الردود الانتقامية من الخارج. هكذا تُبنى الرواية الترامبية: نحن نحارب العالم كي نُعيد بناء أنفسنا. أما الواقع؟ فهو أكثر تعقيدًا بكثير، وربما، أكثر ألمًا.
في اللحظة الراهنة وما بعدها
حين نراقب المشهد الأميركي والعالمي من حيث نقف الآن، لا نرى ساحة اقتصاد فحسب، بل مرآة تتشظى، تتكسّر تحت وطأة الأوهام الكبرى. فالترامبية الاقتصادية، هذه الفكرة التي بدأت كاحتجاج، ثم صارت سياسة شعبوية، ثم تحوّلت إلى مسار دولي، تقف اليوم على مفترق ثلاث طرق: طريق العزلة، طريق التفاوض، وطريق الانهيار المتدرّج.
البيانات ليست مبشرة. الأسواق تُظهر مؤشرات توتّر، مؤشرات الثقة تتراجع، والمستثمرون يُعيدون حساباتهم وسط ضبابية خانقة. والركود لم يعد احتمالًا، بل ظلًا يطارد كل مشهد، من مقرات الشركات إلى مراكز القرار السياسي. في هذه الأثناء، يضعف الدولار كما أراد ترامب، لكن ليس بالكيفية التي حلم بها. فضعفه ليس ناتجًا عن قرار مدروس، بل عن هشاشة الشعور العام، وتردّد الاحتياطي الفيدرالي، وقلق المستثمرين من سياسات لا تستقر على مبدأ. وهذا، كما يُحذر الخبراء، قد يُفضي إلى خطر حقيقي: تآكل الثقة العالمية في عملة الاحتياط الأولى، أي في العمود الفقري للنظام المالي الدولي نفسه.
لكن الأزمة ليست اقتصادية فقط. إنها أخلاقية أيضًا. كما يقول يان فيرنر مولر، المؤرّخ والفيلسوف الألماني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، فإن الشعبوية اليمينية لا تُخفي فقط عداءها للتعددية، بل تمارس "الاستبداد القانوني"، مستخدمة أدوات القانون لشرعنة التفكيك المؤسسي، والتحكم في القضاء والإعلام، وتحويل الديمقراطية إلى مسرح ظلّ.
ترامب، في هذا السياق، ليس مجرد رئيس. إنه نموذج للزعيم الذي يرى العالم من خلال عيون ناخبيه فقط. لا يبني سياسة، بل يُجسّد غريزة. لا يصنع رؤى، بل يُحرّك الغضب الشعبي باتجاهات تُشبه ضربات المقامر.. عشوائية أحيانًا، مدمّرة غالبًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقف في موقع الازدراء فقط. فكما يقول مولر "إذا صوّت الناس لمن لا يؤمن بالمساواة والحرية، فعليهم أن يستعيدوا ثقة الآخرين". الديموقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل عقدًا اجتماعيًا، يرتكز على الثقة المتبادلة، وعلى قدرة المواطن أن يُراجع خياراته، ويعترف بأخطائه، ويتعلّم من العالم لا منه فقط.
أما العالم، فهو يُراقب. أوروبا تنظر بتوجّس إلى عودة الولايات المتحدة إلى سياسات تشبه تلك التي سبقت الكساد الكبير. الصين تُعدّ عدّتها لتقليل اعتمادها على الدولار، وتُعيد هيكلة اقتصادها الصناعي المضخم. أما الدول "الثالثة"، فهي، كالعادة، الضحية الصامتة: تضرر سلاسل التوريد، ارتفاع الأسعار، تقلّص الفرص، وتقليص الإنفاق على البحث والابتكار.
هل من مخرج؟ نعم، لكنه لا يأتي من صانع قرار واحد، بل من تلاقٍ بين رؤى متعددة، وتحوّلات سياسية واقتصادية عميقة. أمّا ما نحن فيه الآن، فهو ليس إلا حالة "انكشاف كبير"، حيث تُختبر الهياكل، وتُعرّى النوايا. إن ما فعله ترامب ليس فقط تصعيدًا اقتصاديًا. إنه أشبه بمرآة وُضعت أمام النظام العالمي لتكشف ما تم تجاهله طويلًا: هشاشة المنظومة، خطورة المبالغة في الثقة بالدولار، وسذاجة الاعتقاد بأن الاقتصادات يمكن أن تُدار كما تُدار صفقات العقارات.
لقد أُطلق السهم. وكل ما تبقى، أن نعرف هل سنراه يستقر في هدفه.. أم يرتد على من أطلقه.










