حين سئل غابرييل غارسيا ماركيز عن السرّ وراء اهتمام كُتّاب أمريكا اللاتينية بإبراز صورة الشخصيات الدكتاتورية في مجتمعاتهم، أجاب بأن هذا الاهتمام ليس اهتمامًا مفاجئًا، ذلك أنه من المواضيع الثابتة في أدب القارة منذ بداياته، معتبرًا أن هذا الاهتمام سيستمر، لأن الدكتاتور هو الشخصية الميثولوجية الوحيدة التي أنتجتها أمريكا اللاتينية، وما زالت دورتها التاريخية بعيدة عن بلوغ نهايتها.
وفي مقالها عن رواية الدكتاتور العربية، تميز الناقدة العراقية نادية هناوي بين الرواية السياسية ورواية الدكتاتور، إذ تعتبر أن الأولى "تصور المظاهر في الواقع السياسي والاجتماعي معزولة عن الدكتاتور الفرد لتظهرها وكأنها من أفعال الدولة وأجهزتها السرية والعلنية". بينما تسلط الثانية الضوء على شخصية الدكتاتور، حيث "تُعنى بفردانية الشخصية، فلا تنشغل بالتصوير الجماعي للصراعات السياسية على السلطة والنفوذ".
وإذا كانت الرواية السياسية، بتعريف نادية هناوي، هي الأكثر انتشارًا عربيًا، مع محاولات قليلة نسبيًا لكتابة رواية الدكتاتور أبرزها روايات "بلاد للقائد" لعلي المقري، و"عالم صدام حسين" لمهدي حيدر، و"سفاستيكا" لعلي غدير.. على الرغم من أن جل البلدان العربية شهدت حكما دكتاتوريًا في فترة من فتراتها، فإن عوالم الدكتاتوريين احتلت حيزًا كبيرًا في أدب أمريكا اللاتينية، إذ اهتم أدباء بلدانِها بتناوله من زوايا مختلفة، مستلهمين مادة الكتابة من تجارب شعوبهم في قارة تعد مصنعًا للدكتاتوريين كما يراها غابرييل غارسيا ماركيز.
وفي الوقت الذي اختار فيه الكاتب الكوبي آلخو كاربنتييه في روايته "أسلوب المنهج" أن يغوص في نفسية الدكتاتور مهتمًا بتركيبته النفسية ومشاعره، اختار الكاتب الغواتيمالي ميغال إنغال أستورياس وصف حياة الشعب والجو المخيم في بلد يعيش الاستبداد والطغيان تحت حكم "السيد الرئيس" التي يعدها بعض النقاد أول رواية دكتاتورٍ حقيقية في التاريخ. بينما ذهب الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في "خريف البطريرك" إلى الأيام الأخيرة للدكتاتور فقدم لنا صورة شمولية عن الحاكم المستبد بنزواته وأوهامه وأحلامه وعزلته ولحظات ضعفه، وهو النهج نفسه الذي سار عليه ماريو فارغاس يوسا في روايته "حفلة التيس".
أسلوب المنهج: الدكتاتورية واحدة في كل مكان
صدرت رواية "أسلوب المنهج" للكاتب الكوبي آلخو كاربنتييه، بترجمة المترجم العراقي بسام البزاز، سنة 2021. هي التي لطالما وُضعت جنبًا إلى جنب مع أبرز الأعمال العالمية التي تناولت موضوع الدكتاتوريات.
وقد عمل آلخو كاربنتييه (1904-1980) في هذه الرواية على رسم السمات النفسية لشخصية الدكتاتور، إذ لم يكتفِ بتصرفاته وإنما ركز أيضًا على مشاعره وأحاسيسه في كل لحظة من لحظات حكمه حتى نهايته مطرودًا ثم لاجئًا فميتًا في منفاه.
ولأسباب يرجعها المترجم بسام البزاز لتشابه الدكتاتوريين في كل مكان، لم يحدد كاربنتييه زمن ولا مكان وقوع أحداث الرواية، واكتفى بالإشارة إلى المكان بـ"الجمهورية" أحيانًا، و"البلد" أحيانًا، ثم "هنا" في أحايين أخرى. وترك زمن الرواية لتخمينات القارئ، أما الدكتاتور فأشار إليه باسم منصبه: المستشار الأول.
دكتاتور كاربنتييه شخص مثقف ذو حس فني عالٍ، يفهم في الأدب والفكر، وفي اللوحات الفنية والمعزوفات، التي يكشف أخطاء إيقاعها بسهولة، بما في ذلك معزوفات شوبان وبيتهوفن، كما يملك دراية كبيرة بتاريخ الإمبراطوريات ولا يفوت عروض الأوبرا حين يزور باريس.. بل إنه دائم الحديث عن الحرية والإخلاص والاستقلال والسيادة والكرامة الإنسانية، وعن مسؤوليته تجاه الوطن. فيما يبدو أنها أسطوانته المفضلة. لكنه رغم ذلك شخص فاسد ومتمسك بالسلطة مثل كل الدكتاتوريين في العالم، ولا يهمه في سبيل تحقيق غايته أن يحوك المؤامرات ويرتكب المجازر ويقمع الثورات، ويقوم بأعمال وحشية تبقيه في منصبه.
يقول المستشار الدكتاتور في هذا السياق: "إن نزعتَ الصَّليبَ عنّي فماذا سيتبقّى منّي؟ من سأكون؟" ذلك لأنه يدري أنه بلا كرسي الحكم لا يساوي شيئًا.
وحين لاحت نهايته على يد شعبه، وفي إشارة إلى أن لكل طاغية سند خارجي يدعمه، خاطب المستشار الدبلوماسي الأمريكي المكلف بنقله إلى مكان آمن قائلًا: "أنا الذي كنت دائمًا على علاقة جيدة بكم.. وما أكثر ما قدمت لكم من خدمات!" فابتسم الدبلوماسي من وراء نظاراته وأجاب: "ومن دوننا، كيف كنتَ ستظل كل هذا الوقت في الحكم؟".
لقد أدرك المستشار في هذه اللحظة أنه قد خُدع، وأنه بالفعل بلا كرسي لا يساوي شيئًا، حتى في عين ابنته التي طردته من بيته الباريسي بعد اعتراضه على سهرة حضرها أصدقاؤها في البيت قائلة: "إن لم يعجبك أصدقائي فاحمل حقائبك واذهب". وأضافت فيما يشبه رصاصة أفقدت الدكتاتور كل هيبته وما بقي له من سلطة: "لذلك أسقطوك: لأنك تتفوه بالترهات".
ولأن نهاية الدكتاتوريات حتمية، فإنه من اللافت في نهاية دكتاتور كاربنتييه أنها تجسيد فعلي لإحدى مقولات الروائي اللبناني ربيع جابر عن الحياة باعتبارها تقلد الروايات، فمع هروب بشار الأسد، دكتاتور سوريا وطاغيتها بالوراثة، وما رافق ذلك من تحطيم لتماثيله وتماثيل والده حافظ الأسد، يقفز إلى الأذهان مشهد من الرواية كما لو أنه كُتب عن انتصار الثورة السورية اليوم، لا عن نهاية دكتاتورٍ متخيل في أمريكا اللاتينية، يقول فيه الكاتب: "الناسُ، يغنّون ويرقصون... يُنزلون كتلا كبيرة من الشاحنات ويلقون بها في البحر: تماثيل نصفيّة ورؤوس كانت، لسنواتٍ تحتل مكانًا بارزًا في المدارس والمعاهد والبلديات والدوائر الحكومية وساحات البلدات والضياع والقرى".
ويضيف: "ها هي اليوم تُحمل على ألواح وعلى عجلات وفي عرباتٍ تجرّها ثيران: تُحمل، تُسحل، تُنقل ليُرمى بها في الماء، الواحدة بعد الأخرى، على يد رجال ونساء، يرمون بها على إيقاع: واحد...اثنان...ثلااااااااااثة!".
السيد الرئيس: أن يحضر ظل الدكتاتور حتى في غيابه
اهتم الكاتب الغواتيمالي ميغال إنغال أستورياس (1899 - 1974) بتاريخ أميركا اللاتينية من خلال توثيق وصون ذاكرة شعوبها، وفي روايته "السيد الرئيس" التي استلهم أحداثها من فترة حكم مانويل استرادا كابريرا لبلده، والتي امتدت لعشرين سنة كاملة، يصور الكاتب الأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلاد التي ترزح تحت الاستبداد والقهر.
لقد حوّل "السيد الرئيس" وطنه إلى بلد يسيطر عليه اللصوص والقتلة ويسجن فيه المثقفون ورجال الدين، مثلما يسيطر الخوف والقهر على شعبه الذي تبكي فيه شريحة من الناس بردًا وجوعًا، لدرجة لا يملك فيها الإنسان إلا أن يحلم بالحق والرخاء.
ومثل كل طاغية، تأتي الأعياد الوطنية في هذا البلد لتمجيد "السيد الرئيس" الذي امتلأت السموات والأرض بمجده، هو محرر الشعب وحامي الشباب المجتهد، والذي تحرسه يد الله العليا، وفي الوقت الذي يمدحه فيه الناس ويتحدثون عن بطولاته، يصفهم هو بأوصاف قدحية تدل على مكانته الدونية عنده من قبيل البعوض والدمى.
ومما يثير الاهتمام في هذه الرواية التي قادت أستورياس للتويج بجائزة نوبل للآداب عام 1967، أن "السيد الرئيس" الطاغية، لا يظهر إلا في مشاهد قليلة، غير أن ظله يسيطر على كل المشاهد الأخرى من خلال ما رسّخه في البلد من قمع وخوف وفساد، فغاية الكاتب، على العكس من رواية "أسلوب المنهج"، ليس تصوير نفسية الدكتاتور، وإنما وصف حياة الشعب والجو المخيم في بلد يعيش الاستبداد والطغيان.
خريف البطريرك: قرارات متشابهة
أراد الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 – 2014) في روايته "خريف البطريرك" صنع توليفة من سائر طغاة أمريكا اللاتينية، غير أن شخصية الرئيس الفنزويلي السابق خوان بيسينتي غوميس فرضت نفسها بشدة، فاستمد منها أبرز سمات شخصيته الرئيسية في الرواية.
دكتاتور غابرييل غارسيا ماركيز حالة فريدة من نوعها، فهو لا يعرف الوجه من القفا في الحياة. لا يتقن الكتابة ولا القراءة ولا يوقّع القوانين والمراسيم بل يذيلها ببصمة إبهامه. يحيط به أساتذة متعلمون يعرفون كل شيء، ومتملقون يبشرون به مقوّمًا لأخطاء الرب في الأرض، حتى إن جموع البُرص والعميان يتوسلون إليه أن يمنحهم ملح العافية بيديه، في إشارة من الكاتب إلى الهالة المقدسة التي تحيط ببطل روايته، مثل أي دكتاتور في الأرض.
ولأن من طبيعة الدكتاتور ألا يتصور مستقبل البلد بعيدًا عن حكمه، يستعيد البطريرك في خريفه لحظات من حياته في تدبير أمور البلد وسعيه لتأبيد حكمه، إذ كان يجد وصفاتٍ وحيلٍ لإلهاء شعبه حتى لا يُمضي وقته في التفكير، ومنها أنه أعلن عن استئناف المهرجانات ومسابقات ملكات الجمال السنوية في لحظات عصيبة من حكمه، وشيد أضخم ملعب كرة عرفه الكاريبي، وجعل شعار فريقه إما النصر وإما الموت.. وغيرها من القرارات التي لا يبدو للقارئ أنها تختلف كثيرًا عن تلك التي تتخذ في البلدان التي ترزح اليوم تحت الاستبداد.
لقد تناول ماركيز في هذه الرواية عزلة السلطة في أيامها الأخيرة، بعدما اقتحم الشعب قصر المستبد، وبرع في وصف نزوات بطله وأوهامه وأحلامه، فقدم لنا شخصية الدكتاتور في صورة شمولية تصوره باعتباره صاحب سلطة مستبد، ثم باعتباره إنسانًا فوق كل شيء.
وكما يحدث في كل أنحاء العالم، إذ يعتقد كل شعب أن الطاغية لا يمكن إزاحته عن الحكم، يكتشف من يحكمهم البطريرك أن هذا الاعتقاد مجرد وهم ليتحرروا في النهاية من الاستبداد وينتهي زمنُ أبديةِ الطاغية.. نهاية انطلقت معها أناشيد الفرح ومفرقعات البهجة في ما يشبه ما شهدناه في الأسابيع الماضية في سورية.
حفلة التيس: ذاكرة الشعوب في مواجهة الطاغية
أثناء زيارته لجمهورية الدومينيكان لإنجاز فيلمٍ وثائقي، بدأت ملامح رواية "حفلة التيس" تتبلور في ذهن الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، حيث كان مذهولًا بالشهادات التي سمعها، خصوصًا عندما علم أنه خلال جولات رافائيل لونيداس تروخيو، الدكتاتور الذي حكم البلاد لأزيد من ثلاثين سنة، كان البسطاء من الناس يقدمون له بناتهم العذراوات كهدايا.
وهي الفكرة التي تجسدت من خلال شخصية أورانيا التي تعود إلى بلادها بحثا عن والدها الذي كان مقربًا من النظام، وقدّمها كهدية لتروخيو طلبًا للعفو، في إشارة من يوسا إلى أن الدكتاتور لا يكتفي باغتصاب ثروات البلاد، وإنما يسعى لاغتصاب الشعب كذلك.
وخلال سنوات حكمه وضع دكتاتور فارغاس يوسا كل ثروات البلاد في يده، فهو يملك كل شيء في الدومينيكان، من مزارع قصب السكر والبن والنخيل وتربية الأبقار، إلى شركات الطيران والتأمين ومصانع الخمور والتبغ والنفط... وكل ما يدر مالًا. إنه يملك البلاد بكل ما فيها، في تجلّ لعقد نفسية عميقة يعاني منها تتمثل في حاجته المفرطة للسيطرة على كل شيء، بما في ذلك الناس من حوله.
ومن الملاحظ في أحداث الرواية أن هذا الدكتاتور قد نجح في ترسيخ حضوره في أذهان مواطنيه، حيث لم يعد وجوده يقتصر فقط على محيطهم، ولكن بداخلهم أيضًا، فصاروا يؤمنون بأنه منقذ الوطن ومخلصه الأوحد، ليظهر في صورة إله غير قابل للمساس، صورة يعمل نظامه على تعزيزها عن طريق الإعلام والتعليم والشرطة السرية، وعن طريق تزييف التاريخ.
ومما يميز رواية يوسا هو تناوله النفسي المعمق لشخصية الدكتاتور وضحاياه على حد سواء، مع إبراز كيفية تحول الاستبداد إلى واقع يوميّ يؤثر في كل تفاصيل الحياة الاجتماعية ويرسخ ثقافة الخوف والرعب. هذا الدكتاتور الذي يؤمن بأن حكمه هو الأنسب للشعب، وفي نفسه يعامله كعدو يجب سحقه والتخلص من معارضيه وخصومه وكل من يشك في ولائه بطرق قذرة، فحفظ الأمن والهدوء بالنسبة له يمر عبر كثير من التضحيات والدماء.
خلاصات
ومن الاستنتاجات البارزة التي يمكن الخروج بها من "روايات الدكتاتوريات" في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى شخصية الدكتاتوريين المتشابهة كتشابه قراراتهم وحِيلهم الرامية إلى تأبيد حكمهم لبلدانهم، فقد تكررت الإشارة إلى الدور الخارجي في إسناد الطغاة ودعمهم، خاصة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي عُرفت بين كُتّاب القارة بدعم كل ديكتاتوريّ يخدم مصالحها.
وعلى العموم، قدم أدباء أمريكا اللاتينية تصويرًا دقيقًا ومتعدد الأبعاد لشخصية الدكتاتور، حيث يتداخل فيها النفسي والاجتماعي والسياسي، من خلال نماذج لا يبدو أنها تختلف كثيرًا عن تلك التي مرت على عالمنا العربي. ووجهوا نقدا لاذعًا لهذه الأنظمة الوحشية، مع رصد آثارها المدمرة على الأفراد والمجتمعات، بشكل تبرز فيه صورة الأنظمة الدكتاتورية لا كمجرد حكم فردي، بل كظاهرة شاملة تؤثر في جميع جوانب الحياة، وتترك خلفها آثارًا عميقة من الخوف والتبعية والفساد الأخلاقي.











