في عصر خدعة الإعلام الغربي لشعوب العالم، وفي عصرٍ امتزجت فيه الشعارات بالدماء، يتقدّم أمير نور ليكشف زيف فضائل هذا العصر المستعارة وأقنعته الأخلاقية، ويُظهره على حقيقته. إنه يكشف ما خلف المانشيتات البراقة التي تطلقها الدوائر الغربية حول الحريات وحقوق الإنسان، بينما تقوم باستغلال الشعوب الأخرى، وفي الوقت نفسه تضطهد داخل بلادها من يناهض قراراتها التي تدعم ارتكاب المجازر، حتى إنها تدافع عن القاتل، وتحمّل طفلًا صغيرًا، مدفونًا تحت الأنقاض، مسؤولية العنف.
الآن، ترتكب إسرائيل أبشع الإبادات في غزة وجنوب لبنان. وهنا نجد النفاق الغربي يلعب دورًا رئيسيًا في هذه المعركة غير المتكافئة. وتتصدّر الولايات المتحدة المشهد بالدفاع عن حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وبأن على الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بأسلحة، وبأنها ملتزمة بضمان أمن إسرائيل ومساعدتها على التطوير والحفاظ على قدرة دفاعية قوية وفعالة.
يقدّم كتاب "وحشية عصرنا: الحرب على فلسطين والإنسان الغربي الأخير" لأمير نور، سردًا مطوّلًا عن الهجوم الإسرائيلي الهائل على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وصولًا إلى تصوّر التحوّل الكبير الذي يشهده العالم بعد أكثر من ثلاثة قرون من الهيمنة الغربية الكاملة.
يقول أمير نور: "في هذه الدراسة، سعيتُ جاهدًا، بكل ما أوتيت من جهدٍ ووضوح، لكشف وجهٍ آخر للحضارة الغربية، وجهٌ لطالما افتخر بالإنسانية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. هذه هي القيم التي يدّعي ما يُسمى بـ"الغرب الجماعي" أنه ابتكرها ورعاها ودافع عنها. لكن اليوم، يبدو هذا الصرح برمته وكأنه ينهار في خزي أمام الاختبار الأخلاقي لفلسطين".
الكتاب عبارة عن سرد تاريخي وإدانة حضارية لعصر بأكمله، وتتبع لتحوّل الغرب من منارة للحرية إلى شاهدٍ صامتٍ، إن لم يكن متواطئًا، على الإبادة الجماعية، "من مناصر لحقوق الإنسان، إلى جلاد صامت أمام جرائم مروعة تتجاوز الفهم والغفران والنسيان".
عصر التحرر من الغرب
من خلال عمله الدؤوب وقراءته وتحليله للواقع المعاصر، يتوصّل الكاتب إلى أنّ ما نشهده اليوم هو نقطة تحول تشير إلى انهيار الهيمنة الغربية التي سيطرت على العالم لثلاثة قرون. وقد أطلق على هذا التحوّل اسم "عصر التحرر من الغرب"؛ ذلك الغرب الذي احتكر الكلام المعسول والمقصلة معًا.
ويعلن الكاتب أن هدف هذا العمل هو "تفكيك الروايات الغربية السائدة، من خلال فضح زيف الخطاب الإعلامي الذي قلب الواقع رأسًا على عقب، مصورًا الضحية على أنها معتدٍ، والمعتدي على أنه ضحية". ولهذا الغرض، فقد استشهد نور بشهادات وتقارير من داخل الغرب نفسه، وأثبت أن ما يجري في فلسطين يمثل "وحشية عصرنا"، حسب وصف فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، والتي تمت مهاجمتها وتهديدها ومحاولة تشويه صورتها.
في الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، دأبت العديد من المنظمات غير الحكومية والمفكرين وعلماء السياسة والناشطين الاجتماعيين، على مدى عقدين على الأقل، على التحذير من أن اتساع الفجوة الاجتماعية والتآكل المطرد للمؤسسات الديمقراطية سيؤديان حتمًا إلى الشعبوية، والدول الاستبدادية، وبشكل أعم إلى ما يسميه لاري دايموند، من جامعة ستانفورد، بـ"التراجع الديمقراطي". وقد فضحت الحرب على فلسطين القوى الغربية والنظام الدولي، وشككت في نفوذ القوى الغربية، وأظهرت مدى تآكل قيم ونفوذ الشمال العالمي.
لم يعد بإمكان القوى الغربية فرض شروطها على بقية العالم؛ إذ بدأت قوى ناشئة تفرض نفسها على الساحة الدولية، وتخلق توازنات جديدة، تفضي إلى زعزعة الفكرة الإمبراطورية للهيمنة الغربية.
النفاق الأميركي
يعتمد الخطاب الأميركي على النفاق والتضليل، حيث تتصرف الولايات المتحدة بما يخالف قيمها المعلنة. فمثلًا يصرح المتحدث باسم الأمن القومي الأميركي بأن "الولايات المتحدة تدين قصف مدرسة تابعة للأونروا في غزة، والذي أسفر، بحسب التقارير، عن مقتل فلسطينيين وإصابة أبرياء – بينهم أطفال – وموظفين في الأمم المتحدة". تبع ذلك بعد ساعات قليلة من التصريح إعلان متحدث باسم البنتاغون أن الولايات المتحدة زوّدت إسرائيل بأسلحة، وأن "الولايات المتحدة ملتزمة بضمان أمن إسرائيل.. وتتوافق صفقة الأسلحة مع هذه الأهداف". وفي الوقت نفسه، تتجاهل الإدارة الأميركية خطب جميع الشخصيات البارزة في إسرائيل، والتي تعلن أن هدفها هو القضاء على "حماس"، وأن جميع سكان غزة، بمن فيهم الأطفال، هم في الواقع من "حماس".
رصدت تقارير كثيرة ما يجري في فلسطين: قطع التيار الكهربائي عن حاضنات الأطفال، وقتل الأطباء والصحفيين، وتعذيب وسجن آلاف الفلسطينيين، وتفجير سيارات الإسعاف، وقتل عمال الإغاثة الإنسانية، واستدراج الفلسطينيين الجائعين بالطعام ليتمكن جنود إسرائيل من إطلاق النار عليهم وحصد أرواحهم، وتوزيع علب يظنها الأطفال طعامًا لتنفجر عند التقاطها، وغيرها الكثير من الأعمال الفظيعة.
كيف يمكن أن يبرر الإعلام الأميركي كل هذه الجرائم على أنها دفاع عن النفس؟ هل هناك تعريف أدقّ من "وحشية عصرنا"؟ أليس هذا التعريف قاصرًا عن وصف ما يجري من جرائم؟
ضد من؟
تتبنى الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون سرديتي "الحرب على الإرهاب" و"نحن ضدهم"، وكأن كل "الآخر" إرهابي، وهم القديسون الوحيدون الذين كلّفتهم العناية الإلهية بتطهير الأرض. ويتحدى أمير نور هاتين السرديتين، ليبرهن على أن العنف والقسوة والتطرف والإرهاب، منتجات غربية، تسعى من خلالها هذه الدول لإبقاء سيطرتها واستغلالها لشعوب العالم. إن هذا النهج الغربي المهيمن ذي النزعة العرقية، يستدعي إنتاج شكل آخر من التاريخ، شكل بديل عن الهيمنة الغربية، يكون منصفًا حضاريًا وهادفًا للتعايش وليس للصراع.
يكتب أمير نور بتفاؤل كبير، فهو يقرأ تاريخ الإمبراطوريات جيدًا، ويدرك أن ما قاله فرانسيس فوكوياما عن سيطرة "الإنسان الأخير"، أي الفرد الغربي المعاصر، ليس صحيحًا، لأن الإنسان الغربي اليوم لم يعد رمزًا لانتصار الحضارة الغربية وهيمنتها، بل هو رثاؤها: إنسان فقد روحه، واستبدل القيم بالجشع، والضمير بالهيمنة، والرحمة بالاستكبار.
يقول نور: "ولحسن الحظ، فإن الأمور تتغير وتبدأ الخطوط في التحرك في سياق جيوسياسي عالمي متغير، وذلك بشكل رئيسي تحت التأثير المشترك لنهاية الحقبة القصيرة الكئيبة للهيمنة الأمريكية أحادية القطب، وعودة روسيا والصين إلى الساحة العالمية، والظهور التدريجي لجنوب عالمي، الذي يطالب بشكل مشروع بالحق في المشاركة في إدارة شؤون "قريتنا الكوكبية" المترابطة بشكل متزايد، وبشكل أكثر وضوحًا تحت رعاية دول البريكس". وهذا بالتأكيد ما يؤدي إلى انتهاء فترة الانزلاق نحو هاوية الفوضى وانعدام المساءلة والإفلات من العقاب، خشية أن تفقد شعوب العالم ثقتها بشكل لا رجعة فيه، فيما يُسمى بالقيم والمعايير الليبرالية الغربية المتمثلة في الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون.
فلسطين البوصلة
إن محور هذا الكتاب هو القضية الفلسطينية، وقد بدأ أمير نور دراسته من الحرب على غزة وعلى فلسطين عمومًا، ليقدّم "رؤية شاملة لواقعنا العالمي المعاصر". وخلال هذا السرد، يستعيد نور تاريخ القضية الفلسطينية كاملًا، والعوامل التي تراكمت لتشكّل النظرة العالمية للمجتمع الإسرائيلي، بدءًا من "الدولة اليهودية"، مرورًا بأطروحة تيودور هرتزل عن الصهيونية، وصولًا إلى وعد بلفور والثورة العربية، وخطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، والحرب العربية الإسرائيلية، وحرب الأيام الستة، وانتهاءً بأهوال العصر الحديث.
فلسطين هي البوصلة بالتأكيد، لأنها لم تفضح العقل السياسي الغربي فحسب، بل أنتجت وعيًا جديدًا في الشارع الغربي وحتى الأكاديميات الغربية، وخصوصًا في الولايات المتحدة نفسها. حتى إن الكاتب ريتشارد فورير يتساءل: "أليس من الجنون الاعتقاد بأن عالمنا المتحضر عاجز عن إيجاد سبيل آخر غير السبيل المؤدي إلى الدمار؟".
ومن أجل فلسطين اندلعت احتجاجات واسعة بسرعة البرق في عشرات الجامعات الأميركية، وقد غطت ثلثي الولايات المتحدة، وتصدّرت المشهد الإعلامي الدولي. وكانت تندّد بالإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين، والتي يتحمل مسؤوليتها الغرب بأسره، ولكن راعيها الرئيسي وحاميها ومصدر تسليحها ومهندسها، هي الولايات المتحدة. وهذه الاحتجاجات قوبلت بالقمع العنيف، نتيجة تبرؤ الطلاب من الجرائم التي ترتكبها بلادهم في فلسطين ومن مؤسساتهم التعليمية التي لم تحرّك ساكنًا، بينما نظّمت هذه الجامعات نفسها مظاهرات ضد روسيا وتأييدًا لأوكرانيا، ومظاهرات ضد الصين بشأن شينجيانغ، ولم تسجل أي اعتقالات بحق الطلاب.
وما إن بدأوا – كما يقول شهيد كينغ بولسن – بالمطالبة بأن "تكفّ مؤسساتهم عن التواطؤ مع إسرائيل في الإبادة الجماعية، حتى انفجرت الأوضاع". ويؤكد بأن أرقى الجامعات الأميركية أصبحت أراضي محتلة. ويصل إلى نتيجة أن هذا يعتبر "انهيارًا كاملًا للنظام. إنه تحوّل جذري. مركز الزلزال في غزة، لكن تداعياته تهز أركان القوة الأميركية".
إن الحرب على فلسطين تقدّم صورة دقيقة لمسار الحضارة الإنسانية، وتحديدًا لمصير "الإنسان الأخير"، وهو في الواقع، حسب أمير نور، آخر إنسان غربي، قد تقوده عدميته الروحية، وانعدام تعاطفه، وإرادته الجامحة للسلطة إلى دمار العالم.
فلسطين هي الحالة الفريدة في العالم التي أرّقت سادة السياسة الغربية، وقضّت مضاجعهم، وجعلتهم يدركون أن القوة الغاشمة لا يمكن أن تطمس قضية وجودية، جعلت شوارعهم نفسها تهتف باسمها. ففلسطين "ليست مجرد قضية شعب مضطهَد ومحتلّ؛ إنها مرآة ضمير العالم".