تتغير الفلسفة التي تعتمدها الإمبراطورية الأميركية في تعاملها مع الحلفاء والأعداء (على السواء)، وفقًا لمصالحها الخاصة في الهيمنة والإخضاع، وليس في العيش المشترك بين دول العالم، أو الدفاع عن الشعوب المقهورة كما تدعي. ففي 27 شباط/فبراير 2026، صرّح وزير خارجية عُمان، خلال مفاوضاته بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، قائلًا: "اتفاق سلام بات في متناول أيدينا". إلا أن إيران استيقظت في صباح اليوم التالي على ضربة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفرت عن اغتيال مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد كبير من رجال الصف الأول من السياسيين الإيرانيين. وقد أدى ذلك إلى وضعٍ لا يزال فيه السلام بعيد المنال، بتداعيات تمتدّ إلى مناطق واسعة في غرب آسيا.
قرنان من محاولات الهيمنة
يقدّم أفشين ماتين أصغري في كتابه "محور الإمبراطورية: تاريخ العلاقات الإيرانية–الأميركية" رؤى جديدة حول مواضيع مألوفة: صعود أميركا كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة، العلاقة الخاصة بين واشنطن والشاه، الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، الحرب الإيرانية العراقية، نزعة الجمهورية الإسلامية الفريدة المناهضة للإمبريالية، عقود من العقوبات الأميركية القاسية، تدخّل إسرائيل في العلاقات الإيرانية الأميركية، صعود ترامب، ومحاولة الولايات المتحدة وإسرائيل تغيير النظام في طهران عام 2025.
يروي أصغري قصةً معقدةً عن مغامرات الإمبريالية الأميركية الفاشلة، مقدمًا سردًا متقنًا وسلسًا لتاريخ العلاقات الإيرانية–الأميركية. يستعرض الكتاب قرنين من اللقاءات بين الإيرانيين والأميركيين، رابطًا بين فن الحكم والثقافة والحياة اليومية في سردٍ شامل وإنساني في آنٍ واحد.
القوة العمياء
في مقدمة الكتاب، يستشهد أصغري بمارك توين الذي قال في أعقاب الحرب الإسبانية– الأميركية عام 1898: "لقد رأيت أننا لا ننوي تحرير شعب الفلبين، بل إخضاعه. لقد ذهبنا إلى هناك للغزو، لا للتحرير، ولذا، فأنا مناهض للإمبريالية. أعارض أن يمدّ النسر مخالبه على أي أرض أخرى".
الولايات المتحدة لم تتقن عبر تاريخها الإمبراطوري سوى القتل والتهميش والاحتلال وتدمير الدول، وليس من قيمها وأخلاقها تعزيز السلم العالمي، أو ترك الدول الأخرى تعيش بأمان. صرّح أوباما هام 2015، معترفًا بمظالم إيران، بما يلي: "أعتقد أنه يجب أن تكون لديك القدرة على وضع نفسك أحيانًا مكانهم، وإذا نظرنا إلى التاريخ الإيراني، فالحقيقة هي أننا شاركنا بشكل أو بآخر في الإطاحة بنظام منتخب ديمقراطيًا في إيران. لقد دعمنا في الماضي صدام حسين رغم علمنا باستخدامه الأسلحة الكيميائية في الحرب بين إيران والعراق، وبالتالي، لديهم مخاوفهم الأمنية الخاصة، وروايتهم الخاصة".
خلال معظم أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، افتقرت علاقة إيران بالولايات المتحدة إلى أي بُعد سياسي حقيقي. وبينما كانت الإمبراطورية الروسية وبريطانيا تتنافسان على النفوذ في البلاد، كانت الولايات المتحدة، بالنسبة إلى العديد من الإيرانيين، قوة بعيدة، غير متورطة إلى حد كبير في الاضطرابات التي هزت البلاد في العقود الأولى من القرن العشرين.
تغير هذا الوضع خلال الحرب العالمية الثانية. احتلت قوات الحلفاء إيران لإنشاء "ممر فارسي". وتم إيصال المساعدات العسكرية إلى الاتحاد السوفييتي عبر خط سكة حديد "ترانس إيران". وتولى محمد رضا، نجل الشاه الذي أُطيح به في الغزو، الحكم كملك دستوري. وخلال سنوات الحرب، بدأ حزب "توده" الاشتراكي يكتسب زخمًا. وقد خاض حملته الانتخابية على أساس برنامج يدعم الإصلاح الزراعي وتأميم النفط. إلا أنه بسبب تقاربه الوثيق مع الاتحاد السوفييتي، بدأ الحزب يفقد الدعم.
أسطورة البدايات
يتتبع الكتاب التاريخ المعقّد للتفاعلات بين إيران والولايات المتحدة منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى العصر الحديث، جامعًا بين وجهات النظر السياسية والثقافية والاجتماعية. ويعنون أصغري الفصل الأول "القرن الأول: أسطورة البدايات المبشرة"، محللًا نحو 100 عام من اللقاءات الأولى بين الأميركيين والإيرانيين. ما يُميز هذه الفترة هو أن العلاقات كانت تتألف أساسًا من تفاعلات بين أفراد أميركيين وإيرانيين، وليس بين حكومتين. وكان الأميركيون المعنيون في الغالب عبر جيلين أو ثلاثة أجيال من المبشرين البروتستانت الذين كانوا يعيشون في إيران ويسعون لنشر المسيحية. بعد فشلهم في التبشير الديني، ركز هؤلاء المبشرون بدلًا من ذلك على توفير ما يحتاجه سكان البلد المضيف، وتحديدًا خدمات مثل التعليم الحديث والرعاية الصحية. وهكذا، أصبح المبشّرون، وبعض الأفراد الذين دافعوا عن قضية الثورة الدستورية الإيرانية (1906–1911)، روادًا للنوايا الحسنة الأميركية.
ويُذكر أن الحكومة الأميركية رفضت دعم إيران ضد التدخل الإمبريالي الأنغلو–روسي خلال الثورة الدستورية والحرب العالمية الأولى، ودعمت في المقام الأول المصالح التجارية الأميركية الساعية للوصول إلى التجارة الإيرانية وامتيازات النفط في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وخلال هذا القرن الأول بأكمله، كان الوجود الإيراني في الولايات المتحدة شبه معدوم، وبحلول عشرينيات القرن العشرين، كان يتألف في معظمه من بضعة آلاف فقط من المسيحيين الآشوريين، الذين ساعدهم المبشرون الأميركيون على الهجرة والاستقرار في منطقة شيكاغو بالولايات المتحدة.
الأولويات الأميركية
يبدأ الفصل الثاني المعنون "تحديد الأولويات الأميركية في إيران: النفط والنظام العسكري الاستبدادي"، في استعراض القرن الثاني من العلاقات الأميركية–الإيرانية. ويشرح أصغري كيف تغير كل شيء جذريًا عندما انضمت الولايات المتحدة إلى الاحتلال الأنغلو–سوفييتي لإيران خلال الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، اتسمت العلاقات بين إيران وأميركا بالتذبذب. ومن خلال تعزيز العلاقات مع القوات المسلحة الإيرانية، أصبحت واشنطن الداعم الرئيسي لملكية بهلوي خلال بدايات الحرب الباردة، متدخلةً لإعادة الشاه إلى السلطة والإطاحة بحكومة رئيس الوزراء محمد مصدق القومية عام 1953.
وبالاعتماد على سجلات الاستخبارات الأميركية التي رُفعت عنها السرية مؤخرًا، وعلى النقاشات الأكاديمية الجارية، يُعيد هذا الفصل بناء تاريخ هذه الفترة من منظور مختلف، مشيرًا إلى مساهمة الطبقة العاملة في حملة تأميم النفط، وإلى غياب المبادرة من جانب الحزب الشيوعي (توده) والاتحاد السوفييتي. ويشير التقرير أيضًا إلى خطأ رئيس الوزراء مصدق الاستراتيجي في ثقته بحسن نية إدارتي ترومان وأيزنهاور، اللتين كان هدفهما الحقيقي هو تفكيك احتكار النفط البريطاني بذريعة إنقاذ إيران من الشيوعية. وفي سياق أوسع، يستعرض الفصل الثاني فترة انتقالية، خلال السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، حين حلت الحكومة الأميركية محل المبشرين الأميركيين لتصبح قوة دافعة في التحديث الاقتصادي والتعليمي لإيران، وهو اتجاه ازداد حدة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
دولة تابعة
حاولت الولايات المتحدة أن تبني دولة تابعة في إيران، فقامت بتمويل وتسليح وتدريب الأجهزة العسكرية والاستخباراتية التابعة للشاه بهدف قمع المعارضة السياسية في إيران ما بعد انقلاب عام 1953. ترسخت الشركات الأميركية في الاقتصاد الإيراني، وتزايد تأثير "القوة الناعمة" الأميركية على التنمية الثقافية والاقتصادية للبلاد. من مشروب "بيبسي" إلى البرامج التلفزيونية وأفلام هوليوود، هيمنت المنتجات الأميركية على أسواق المستهلكين الإيرانية الناشئة، بينما تكيَّف التعليم على جميع المستويات مع المعايير الأميركية.
ابتداءً من إدارة كينيدي، تحولت إيران إلى حقل تجارب لنظرية التحديث، وهي الخطة التي وضعتها واشنطن للتحول الاجتماعي والاقتصادي العالمي في ظل الحكم الاستبدادي، وهو تحديدًا ما تمحورت حوله الثورة البيضاء التي قادها الشاه عام 1963. طوال ستينيات القرن الماضي، أشادت وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية بالشاه بالإجماع ووصفته بالديكتاتور المستنير، بينما تجاهل الرئيسان كينيدي وجونسون الانتقادات التي وجهها الكونغرس أو وزارة الخارجية بين الحين والآخر للعلاقات مع إيران. كما لم يُعر أحد في واشنطن اهتمامًا جديًا للمشاعر المتنامية المعادية للشاه التي عبّر عنها آلاف الطلاب الإيرانيين في الولايات المتحدة.
العصر الذهبي
منذ منتصف الستينيات وحتى عام 1978، وصل التدخل السياسي والاقتصادي والثقافي في إيران ذروته، وانتهى بمطالبة الرئيس كارتر لشاه إيران بالتنازل عن العرش. في أوج هذه الفترة، واصلت المؤسسة السياسية الأميركية ووسائل الإعلام إشادتها بالشاه وتقدّم إيران في ظل ثورته البيضاء المتنامية.
أطلق أصغري على هذه الفترة "العصر الذهبي للعلاقات الإيرانية–الأميركية"، وخلالها واجه الشاه معارضة متزايدة في الداخل، قادها مقاتلون ماركسيون ويساريون إسلاميون، بدعم أساسي من طلاب جامعيين متطرفين في إيران وخارجها. وفي النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، ومع تزامن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في إيران مع أزمة ما بعد حرب فيتنام في السياسة الخارجية الأميركية، بدأت وسائل الإعلام و"الكونغرس" في التساؤل عن "العلاقة الخاصة" مع الشاه ونظامه القمعي. إلا أن إدارة كارتر واصلت مبيعات الأسلحة الأميركية الضخمة ودعم الشاه، متجاهلةً أزمة ثورية تلوح في الأفق في إيران، إلى أن أُجبرت على قبول انهيار النظام الملكي واستبداله بالجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. ويختتم الفصل بدراسة متعمقة لتورط أميركا المعقد والمثير للجدل في النهاية المنتصرة للثورة الإيرانية في خريف عام 1978 إلى شتاء عام 1979.
هوية جديدة
يستكشف أصغري سبب وكيفية كون العلاقات مع الولايات المتحدة حاسمة في تحديد هوية الجمهورية الإسلامية؛ إذ يركز على محاولة الدبلوماسية السرية إعادة بناء العلاقات العسكرية والأمنية مع حكومة مؤقتة منفصلة عن تطرف الثورة. وفي خريف عام 1979، استغلّ آية الله الخميني أزمة الرهائن الإيرانية لإطلاق "ثورة ثانية"، مستغلًا المشاعر المناهضة للإمبريالية المكبوتة للتغلب على اليسار، وتوطيد الديكتاتورية الدينية، وقمع أي معارضة.
في غضون ذلك، أدى التدخل الأميركي إلى إطالة أمد الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)؛ إذ سعت الولايات المتحدة إلى منع أي من الطرفين من تحقيق النصر، مع معاقبة إيران المنهكة من الحرب بعقوبات اقتصادية مدمرة. ولم يتغير نظام العقوبات الأميركية الصارم خلال عقد التسعينيات الذي أعقب الحرب، حين أصبح اللوبي الإسرائيلي العامل الحاسم في مواجهة جهود الشركات الأميركية لرفع العقوبات عن طهران.
الاتفاق النووي
يتحدث أصغري في الفصل السادس عن العلاقات الإيرانية–الأميركية خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، تعاونت الجمهورية الإسلامية مع الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان ودعمت الإطاحة بصدام حسين في العراق. ومع ذلك، وبتحالف مع اللوبي الإسرائيلي، صعّد فريق السياسة الخارجية المحافظ الجديد للرئيس جورج دبليو بوش حالة الحرب الفعلية مع إيران، وزاد من حدة العقوبات، متهمًا طهران بتحويل برنامجها النووي إلى صنع قنبلة ذرية.
في البداية، اتبع الرئيس أوباما السياسة نفسها بحزم، ثم غيّر مساره خلال ولايته الثانية ليدخل في مفاوضات سرية ثم علنية مع طهران، ما أدى إلى اتفاق عام 2015 وافقت بموجبه إيران على مراقبة صارمة لبرنامجها النووي مقابل تخفيف كبير للعقوبات الأميركية. شكّل ما يُسمى بـ"اتفاق أوباما" نكسةً كبيرةً للوبي الإسرائيلي وحلفائه الأميركيين، إذ تمكنوا من إلغائه فور وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتصعيده حالة الحرب، وانضمامه إلى الضربات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية واغتياله لعسكريين إيرانيين. وفي عهد الرئيس جو بايدن، استؤنفت المفاوضات مع طهران، لكنها تعثرت بينما انغمست الجمهورية الإسلامية في مستويات غير مسبوقة من الاضطرابات الداخلية. فقد فشلت قرابة نصف قرن من العقوبات الأميركية القاسية في تغيير سلوك نظام بات على أعتاب امتلاك السلاح النووي.
وبدلًا من التغيير، ازدادت الجمهورية الإسلامية تمردًا في العلاقات الدولية وقمعًا داخليًا، مُلقيةً باللوم على العقوبات الأميركية في تدهور أدائها الاقتصادي وتزايد السخط الشعبي. وقد أقامت إيران علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين وتعاونت عسكريًا مع روسيا، ودعمت بشكل مباشر المقاومة العسكرية للتدخل الأميركي والإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق. في نهاية المطاف، وكما كان الحال مع نظام الشاه، مُنيت السياسة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية بفشل ذريع على جميع الأصعدة، إذ شنت حربًا على الشعب الإيراني فعليًا، بينما عززت في الوقت نفسه قبضة حكامه المستبدين. ومع خروج السياسة الخارجية الأميركية عن السيطرة عالميًا، تُعد إيران دولة أخرى تبدو فيها آفاق العلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة أكثر قتامة من أي وقت مضى.