في أواخر عام 1990، بدأ موضوع الشتات العالمي يبرز في سياق اهتمام واسع النطاق. بعد استقرار النظام الدولي بشكله الحالي، بوصفها نتيجة للحرب العالمية الثانية، وحتى عام 1990؛ كانت الهجرة تتم وفق فئات تُصنف ما بين "هجرة العمل"، و"الهجرة العائلية"، و"هجرة العقول". لكن فيما بعد، أصبحت هناك حركة انتقال جماعي، وهجرة لاجئين جماعية، وبات هذان النوعان يشكّلان المحور الأساسي لمسألة الهجرة.
وعبر التاريخ، وُصفت حالات الهجرة الجماعية بمسميات مختلفة، ما بين "اقتلاع جماعي"، و"تشتت جماعي"، و"انتقال جماعي"، قبل أن يُطلق عليها "الهجين الاندماجي". أما مصطلح "diaspora"، المنحوت من الكلمة اليونانية "speiro" التي تعني "انتشار" أو "توزع"، فقد بدا أكثر انسيابية وملاءمة لوصف حالات الهجرة الجماعية التي تُفضي إلى نشوء هويات جديدة وأنماط اندماج مستحدثة لمجموعات بشرية تستوطن بلادٍ غير وطنها الأم. وبهذا، تشكّل جاليات ذات هجين هوياتي - ثقافي يُعتبر نتيجةً ملموسة للشتات العالمي الجماعي. ورغم أن موضوع الشتات العالمي قبل عام 1990 كان يرتبط بالشتات اليهودي والأرمني والإفريقي، إلا أنه بعد هذا التاريخ اكتسب تنوعًا عميقًا شمل أممًا أخرى.
بعد 11 أيلول/سبتمبر، بدأت الكثير من الأمور تتغير، وكان لنقاشات الشتات والأجندة الأمنية نصيبها من هذا التغير وما دار حوله من نقاشات متنوعة. تمحور التساؤل الأساسي حول مسألة الشتات الجماعي: هل هويات الشتات الجماعي تعني عدم الوفاء للدول التي انتقلت إليها وتشكّلت في أحضانها؟ أم أن تجمعات الشتات الجماعي تتبنى الانتماء للدول التي انتقلت إليها ومن ثم تنخرط في العمل ضمن وكالات التنمية العالمية وحكومات الدول الغنية ما ينعكس بالإيجاب على التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأوطانها الأم وبالتالي تعم الفائدة عالميًا؟
تساؤلات تحتاج إلى الإجابة، لكنها لا تكفي لفهم حالة الشتات العالمي، لا سيما بعد ظهور مصطلحات أخرى ناتجة عن هذا الشتات، من قبيل: الهوية العابرة للحدود الوطنية، الهوية الهجينية، تعدد الثقافات، المجمعات الفسيفسائية، العولمة، وغيرها.
في هذا الإطار، يقدّم كتاب روبن كوهن "Global Diasporas: An Introduction" (الشتات العالمي: مقدمة) توضيحات مبسطة وشافية حول التساؤلات المطروحة والمصطلحات المذكورة، خاصةً أنه يتناول الموضوع من خلال طرح نماذج لشتات شعوب عدة عبر التاريخ. وهنا يظهر الهدف الأساسي من المقال، حيث السعي لفهم مسألة الشتات الجماعي من خلال تلخيص الكتاب نفسه.
الأهمية والمنهجية والهدف
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدّم فهمًا عميقًا وشاملًا للتطور التاريخي لمسألة الشتات العالمي منذ نشوئها وحتى وقتنا الحالي، بما يشمل التعريف بحالة كل مجموعة شتات على حدة: يهود وهنود وصينيين ولبنانيين وأفارقة وفلسطينيين وغيرهم.
وتتضاعف أهمية هذا الكتاب في تناوله لتصنيفات ظهور الشتات، مع تقديم أمثلة لكل مجموعة، مثل شتات الحروب والكوارث (اليهود والفلسطينيين)، وشتات الاسترقاق المتبوع بالتوطين كما في حالة الأفارقة في الكاريبي وأوروبا وأميركا الشمالية، وشتات الدافع التجاري مثل الصينيين واللبنانيين، والشتات النابع من الحاجة للأيدي العاملة في ظل الحكم الإمبراطوري، وقد طال ذلك الهنود والبريطانيين، وهذا ما يجعله مهمًا بصورة لافتة في فهم قضية الشتات العالمي.
وتزداد أهمية الكتاب عند تطرقه إلى التطور الحاصل في مفهوم الشتات، جراء تغيّر معادلات النظام/الدول، وتغيّر حالة عدد من الدول المصدِّرة لمجموعات الشتات، حيث تتغير خلفية مجموعات الشتات بتطور دولها أو انتكاسها. وبالإضافة إلى ذلك، يعرض لأهمية الدورين الاقتصادي والسياسي لمجموعات الشتات العالمي، مع تحديد طبيعة توجهاتهم السياسية تجاه الدول التي يعيشون فيها، وتلك التي تعدّ وطنهم الأم.
يعتمد الكتاب على المنهج الوصفي الذي يتناول موضوع البحث كما هو على أرض الواقع، من خلال جمع البيانات والمعلومات التي أضافها الكاتب بجهد واضح، أظهر أعداد مجموعات الشتات العالمي ومناطق توزعهم. وبهدف تنقيح البيانات والمعلومات المدونة في فترات ماضية ونقدها بحياد وموضوعية، سعيًا للوصول إلى معلومات مقبولة ومُدعمة بالبراهين، مال الكتاب إلى المنهج التاريخي. كذلك، ينتهج الكتاب منهج المقارنة بهدف رصد أسباب ظهور مجموعات الشتات المختلفة للسطح.
وبهدف تأسيس قاعدة بيانات ومعلومات، وتدشين قاعدة تحليل حيادي لتناول موضوع الشتات العالمي، بهدف إيجاد مدخل تعريفي يشبه الوثيقة العلمية، ركّز الكاتب على طرح تساؤلٍ مهم: ما هي مراحل وأسباب تشكّل مجموعات الشتات عبر التاريخ؟ وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار الكتاب وثيقة تاريخية علمية في الإجابة على هذا التساؤل، الذي حاول الكتاب الإجابة عليه بواقعية تكاد تخلو من الحسابات السياسية التي يسوقها بعض الباحثين، مدفوعين بعواطف الانتماء لمجموعة شتات معينة.
وبهذه الواقعية، يحاول الكتاب رصد التغيّرات التي طرأت على مجموعات الشتات بمحاولة بعضهم العودة إلى الوطن الأم حسب وصفهم، مشيرًا إلى الفكر الصهيوني، وإلى حدوث انزياح لدوافع الشتات. فبعض مجموعات الشتات لم تعد قائمة بدافع العمالة فقط، بل بدافع الاستفادة من خبرتهم القوية، وأبرز مثال هو الشتات الهندي.
ولتحقيق تغطية شبه كاملة لمسألة الشتات، تناول الكتاب الوضع الحالي لمجموعات الشتات بتفحص طبيعة أدوارهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول التي يقيمون فيها، وعلى صعيد عالمي. ولتحقيق الهدف المرصود، لم يغفل الكتاب شرح مصطلحات طارئة ذات علاقة بمسألة الشتات، من قبيل التنوع العابر للثقافات، والهوية الوطنية، والوطن الأم، والعولمة، وغيرها.
الشتات بوصفه مفهومًا شاملًا
يتألف الكتاب من 9 فصول. في الفصل الأول المعنون بـ"أربع مراحل لدراسات الشتات"، يُشير الكاتب إلى أن المرحلة الأولى من الحديث عن الشتات العالمي كانت مقيدة بالحالة اليهودية، مع تناول جزئي للشتات اليوناني. لكن في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، اكتسب مصطلح "الشتات" انتشارًا واسعًا نتيجة ظهور الشتات الإفريقي والأرمني والإيرلندي إلى السطح.
وبعد ذلك، رغم عدم التوافق الفكري حول الأمر، إلا أن الشتات الفلسطيني تم تناوله في المرحلة الأولى ضمن مفهوم الشتات. وحول سبب شتات هذه المجموعات، فقد شاع تصور مفاده أن شتات هذه المجموعات نتج عن صدمات كارثية حلت بهم. أما المرحلة الثانية بحسب الكاتب، فقد برزت في ثمانينيات القرن الماضي، وشملت المغتربين والمنفيين واللاجئين السياسيين، وقد أدى ذلك إلى استخدام مصطلح "الشتات" كصفة مجازية لوصف تجمعات عرقية أو قومية شكّلت شتاتًا أكثر تنوعًا مقارنةً بالمرحلة الأولى (P 1,3).
وحول المرحلة الثالثة، يرى الكاتب أن تسعينيات القرن الماضي شهدت تطورًا فكريًا في تناول المصطلح من منظور اجتماعي بنيوي لما بعد الأفكار الوضعية المادية. بمعنى أنه جرى تناول المصطلح في سبيل تفحص حالة الشتات من خلال إعادة تعريف الهويات القائمة في دولة لا عبر مفهومي الوطن الأم والتجمعات الدينية أو العرقية، وإنما عبر التوجهات الفكرية الظرفية. وبالتالي، لم يعد الشتات مفهومًا قائمًا نتيجة بروز هويات ثقافية - فكرية متداخلة على السطح، وفق كثيرين من مفكري المنظور الاجتماعي البنيوي.
لكن المرحلة الرابعة "مرحلة التعزيز أو التوحيد"، وفق الكاتب، أعادت مفهوم الشتات للساحة بحيوية، حيث بدا واضحاً أن هناك أقليات صغيرة لا تزال تتمسك بهوية وطنها الأم وثقافته. واتسمت الأدبيات الفكرية للمرحلة الرابعة بتناول الشتات والتصنيفات ذات العلاقة به عبر الاستناد إلى عنصرين: الصفات المشتركة، ومرجعيات المثالية. أي أن المجموعات التي ينطبق عليها هذين العنصرين تعتبر مجموعات شتات. وتُسمى المرحلة الرابعة بمرحلة التعزيز لأنها أعادت تعريف الشتات العالمي وثبتت قواعده انطلاقًا من واقعية وضعه القائم حول العالم (P 10،14).
في الفصل الثاني المعنون بـ"الأمم الأولى في الشتات: تجاوز التقليد اليهودي"، قام المؤلف برصد المسيرة التاريخية لتكون الشتات اليهودي عالميًا، بدءًا من سيطرة البابليين على مملكة يهوذا في فلسطين، وما أعقب ذلك من موجات هجرة بعد وصول المسيحية ومن ثم الإسلام إلى فلسطين، وهو الأمر الذي انتهى بتكوّن الشتات العالمي المعروف باسم "الأشكناز"، وهم يهود الشتات الذين تجمعوا في الإمبراطورية الرومانية المقدسة نهاية الألفية الأولى (P 33,35,39,43).
وتحت عنوان "ضحايا الشتات: الأفارقة والأرمن"، عنوان الفصل الثالث، يعود الكاتب إلى جذور نشوء الشتات العالمي الإفريقي تحت وطأة الاستعباد والاسترقاق، مستعرضًا محاولات عدد كبير من الأفارقة العودة إلى أوطانهم. لكن الكاتب يوضح أن الشتات الإفريقي في وقتنا الحالي اختلف عما كان عليه، حيث بات له أوجه ودوافع عدة ما بين اقتصادية ودينية (p 57).
أما فيما يتعلق بالأرمن، فيستعرض الكاتب أيضًا المراحل الأولى لظهور الشتات الأرمني نتيجة حدوث مذابح، على حد وصفه، تحت ظلال الدولة العثمانية (P 72)، ويقارن بين حالة الأرمن الذين غادروا وطنهم الأم وتفرقوا في أصقاع الأرض وما بين الأرمن الذي آثروا البقاء. وأخيرًا، يتناول الكاتب وضع الأرمن تحت حكم الاتحاد السوفيتي، ويعقب على بواعث مغادرة بعض الأرمن وطنهم الأم في تلك الحقبة التي اتسمت بالحكم القاسي على حد وصفه.
الشتات والتجارة وحُلم الوطن الأم
يتناول الفصل الرابع المُعنون بـ"العمل والشتات الإمبراطوري: الهنود والبريطانيون المتعاقدون"، جهود الكاتب لتوصيف دوافع شتات مختلفة نبعت من انتشار حكم الإمبراطوريات وأنشطتها الاقتصادية على نطاق واسع، ما أوجد الداعي الملح لتوظيف عدد كبير من الهنود والبريطانيين للعمل في مناطق عديدة، لا سيّما تحت حكم الإمبراطورية البريطانية، ما نتج عنه شتات انتشر في أكثر من منطقة حول العالم. ويجادل الكاتب بأن الشتات الناتج عن الإمبراطوريات انتهى باندثار الاستعمار (P 99)، لكن بتوج اجتهادي ربما من الجيد إعطاء مثال لما أورده الكاتب بالإشارة إلى أن هناك شتات بريطاني في جنوب إفريقيا وناميبيا وكينيا، وغيرها، بالإضافة إلى الشتات الهندي في ماليزيا وسنغافورة، وغيرهما.
وبالوصول إلى الفصل الخامس الذي خصصه الكاتب لتناول الشتات اللبناني والصيني، بعنوان "التجارة والأعمال في الشتات: الصينيون واللبنانيون"، يُعطي الكاتب مثالاً لشتات عالمي يمكن أن يتشكّل بدافع التجارة والأعمال، ومثاله على ذلك وجود شتات صيني كبير في ماليزيا، وشتات لبناني في غالبية دول أميركا اللاتينية (P 123, 141).
أما في الفصل السادس، الذي يحمل عنوان "الشتات وأوطانهم: الصهاينة والسيخ"، فيقف الكاتب على فكرة بحث أعضاء بعض مجموعات الشتات إلى وطن أم من خلال إعطاء الفكر الصهيوني كمثال لذلك، مؤكدًا أن الفكر الصهيوني القائم على إعادة اليهود من الشتات إلى أرض فلسطين بادعاء أنها الأرض الموعودة، وأنها احتضنت الممالك اليهودية في السابق؛ لا يعني أن جميع مجموعات الشتات تبحث عن وطن أم، خاصةً أن فكر عودة الشتات كما الحال عند الفكر الصهيوني يعد ظلمًا لأهل الأرض الأصليين (P 153, 155, 156).
ويتناول الكاتب شتات السيخ بالحديث عن سبب هذا الشتات الذي بات متوزعًا اليوم على أوروبا وأميركا الشمالية والشرقين الأقصى والأدنى. ويُشير الكاتب إلى أنه على العكس من اليهود، لم يستطع السيخ تأسيس وطنهم الأم المرجو أن يكون في بنجاب تحت اسم "خاليصتان" (P 168).
في الفصل السابع "الشتات الإجباري: المحيط الأطلسي الأسود وإغراء بومباي"، يتطرق الكاتب إلى أن نشوء مجموعات شتات في منطقة الكاريبي نابع من رغبة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهولندا، بالإضافة إلى فرنسا، في استعمار هذه المنطقة، مبينًا أن الشتات في منطقة الكاريبي متنوع بانحدار مجموعاته من إفريقيا وأوروبا والهند والشرق الأوسط.
وقد تشكلت مجموعات الشتات هناك بفعل الانجذاب إلى بريق الحضارة الغربية التي سيطرت على تلك المنطقة، وجعلتها منطقة حيوية جاذبة للباحثين عن فرص عمل في الزراعة والتجارة، فضلًا عن الاسترقاق الذي طال ذوي الأصول الإفريقية تحديدًا.
ويستعين الكاتب هنا بنظرية المفكر الأمريكي باول غيلروي "Paul Gilroy" المعروفة باسم الأطلسي الأسود "Black Atlantic"، حيث تُشير النظرية إلى أن الشتات الإفريقي في الكاريبي هو الأكثر شيوعًا نظرًا لاعتماد من أحضرهم فكرة توطينهم هناك، والشتات الإفريقي في الكاريبي بات خليطًا لهوية عابرة للهويات والثقافات بتبني أفراده خليطًا ثقافيًا واجتماعيًا مرجعه ثقافات أفريقية وأوروبية وأمريكية (P 192).
الشتات والسياسة الدولية
في الفصل الثامن المعنون بـ"تعبئة الشتات في عصر العولمة"، يناقش الكاتب حالة الشتات اليوم بما تلعبه مجموعات الشتات من دور في الاقتصاد المتعولم، معرجًا على أشكال الهجرات العالمية الجديدة الناتجة عن انتقالات جماعية بدافع البحث عن مستقبل أفضل، أو بفعل الحروب (P 214. وفي النهاية، يجادل بأن الانفتاح الثقافي لم يؤدِ إلى محو الهوية الدينية لكثير من مجموعات الشتات التي لا تزال تعرف نفسها انطلاقًا من الدين، مثل: الشتات اليهودي والإسلامي والهندوسي.. إلخ (P 223).
ويخصص الكاتب الفصل التاسع "دراسة الشتات: الأساليب القديمة والمواضيع الجديدة "، لتوضيح منهجيات مفهوم الشتات العالمي والمواضيع الجديدة ذات العلاقة به. وفي هذا السياق، يوضح الكاتب أن تصنيفات مجموعات الشتات العالمي قائمة على الشتات بدافع التجارة أو العمل أو بسبب الانتشار الإمبراطوري، إضافةً إلى الهروب من الحروب أو الكوارث، وأخيرًا التوطين.
لكن مع تطور وتغيّر المعادلات العالمية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وتحسن أو انتكاس ظروف عدد من الدول، تغيّر مفهوم الشتات العالمي عند بعض المجموعات، فالشتات اليهودي لا يمكن اليوم النظر إليه على أنه شتات نتيجة حالة الحروب، بل أصبح شتات بفعل العمل والتجارة والتوطين. وكذلك الشتات الهندي لم يعد شتاتًا قائمًا على العمالة وحسب، بل أضحى شتاتًا يحتضن رجال أعمال وذوي خبرة قوية في عدة مجالات نتيجة تطور الهند التي أصبحت من الدول الكبرى في العالم (P 237).
لذلك، يرى الكاتب التنميط في قراءة الشتات العالمي لم يعد واقعيًا. وعطفًا على التطور الحاصل في وقتنا الحالي، يقول الكاتب إن الشتات بات يلعب دورًا مهمًا على اعتبار أنه يحمل بين طياته أدوات تطوير انعكست بظهور علماء استفادوا من مقدرات الدولة التي فيها، وبتطوير قطاع الزراعة عبر توفير الشتات الأيدي العاملة، وبإدارة عدد من الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني التي ساهمت في تطوير وتنمية الدول الفقيرة التي ينحدر منها أفراد الشتات، عدا عن الحوالات المالية التي يرسلونها لذويهم في الوطن الأم. وبالتالي، المساهمة في تحقيق توزيع عادل نسبيًا لرأس المال العالمي، وغيرها من الأدوار الإيجابية الأخرى P 247).
ويخوض الكاتب أيضًا في الدور الذي يمكن أن تلعبه مجموعات الشتات في السياسة الدولية، ملخصًا هذا الدور بالاستناد إلى ما أورده غابرييل شيفر المصنف للشتات ما بين الشتات ذوي الدولة الأم، والشتات معدوم الدولة الأم. فبينما يتراوح تفكير معدومي الدولة ما بين الانفصال أو الوحدة، ينصب تفكير ذوي الدولة على فكرة تطوير مستوى الحياة في بلادهم.
وبهذا المعيار، تختلف أنماط ولاء مجموعات الشتات وتوجههم ومواقفهم السياسية وطبيعة علاقاتهم مع الفواعل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ووفق هذا المعيار أيضًا، يغلب على مجموعات الشتات التوجه نحو الانتظام لخدمة هدف جمع الأموال والسلاح لمساعدة ذويهم في تأسيس دولة مستقلة، ومثال ذلك الشتات الكردي والتاميلي. لكن، في الوقت نفسه، هناك أيضًا فرصة كبيرة لأفراد الشتات للعب دور مهم للغاية في تعزيز الوساطات، ولعب دور سياسي نشط في المناطق التي ينحدرون منها.
ويختتم الكاتب الفصل بحديثه عن نشوء واتساع نطاق تيارات في أكثر من دولة حول العالم، لا سيما في الغرب، تنادي بضرورة حماية الهوية الوطنية بما تشمل من ثقافة وعادات وتقاليد ومعتقدات أمام تعدد الثقافات. ويُعيد الكاتب تنامي هذا التوجه إلى زيادة عدد مجموعات الشتات نتيجة لتطور حالة العولمة، وفي الوقت ذاته نشوب حروب في أكثر من بقعة جغرافية (P 251, 252).
في سياق النظرة النقدية، تناول الكتاب الشتات الفلسطيني على استحياء. ومع أنه أشار إلى أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 أسفر عن كارثة لجوء ضخمة، لكنه زعم عدم وجود إجماع علمي على أن الفلسطينيين يشكّلون هوية شتات، وترك هذه المسألة دون تعمق مقارنةً بنظرته إلى مجموعات الشتات الأخرى.
واجتهد الكتاب، بشكل ملموس، في سرد البعد التاريخي ورصد البيانات والمعلومات المُعززة لفهم قضية الشتات الجماعي، لكن ربما كان من الجيد الإسهاب قليلًا في مناقشة المسائل المعاصرة التي تواجهها هذه المجموعات، خاصةً أن المسألة باتت إحدى العناصر الرئيسية للشؤون الدولية. لكن، في العموم، يشكّل الكتاب وثيقة علمية حيادية محكمة في فهم مسألة الشتات العالمي بكثير من تفاصيلها وسياقاتها.