بكلمات مُفجعة عن القمع والاحتلال والعنف الذي تشهده فلسطين اليوم، يُطلق الصحفي كريس هيدجيز نداءً للتحرك، ويحثّنا على أن نكون شهودًا على الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة ونتفاعل معها. كتب كريس القسم الأول من كتابه "إبادة جماعية متنبأ بها" عندما كان في رام الله في تموز/يوليو 2024، معتمدًا على خبرته في إعداد تقارير موسعة من الشرق الأوسط، لصحيفة نيويورك تايمز.
"إبادة جماعية مُتنبأ بها" كتاب صارخ عن الواقع الحياتي تحت الحصار في غزة، والجهود البطولية التي يبذلها الفلسطينيون العاديون للمقاومة والبقاء. ومع ذلك، يبدو العالم عاجزًا عن وقف الموت والتهجير والإبادة، وحتى القدرة على إيصال الغذاء لسكان غزة الذين يموتون جوعًا أمام كاميرات العالم.
يتضمَّن الكتاب فصولًا تتناول الحياة في مدينتي غزة ورام الله وسط دويّ القنابل وإطلاق النار. هذه الهمجية الإسرائيلية المدعومة من أعتى قوة في العالم، لا تقف عند حد، لأنها تضع أمام عينيها الأيديولوجيا الصهيونية: إما أن ترحلوا، أو أن نبيدكم!
ويُقدم هيدجيز حماس كحركة مقاومة وليست جماعة متطرفة معادية للسامية، كما توصف غالبًا في وسائل الإعلام الغربية. في الواقع، فإنَّ تصور الغرب لإسرائيل وعلاقته بها هو محور تركيز هيدجيز - فهو يتعمق في تحالف السياسيين الأمريكيين مع جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل "آيباك" وقمع الحركة المناهضة للحرب في حرم الجامعات الأمريكية. ويشير إلى أنَّ المتظاهرين في الجامعات يرون أنَّ الصراع له أهمية عالمية بدلًا من كونه القضية الفريدة والمعقدة التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية، مع الإشارة إلى أن الطرق التي تنتهجها إسرائيل في المراقبة تعتبر امتدادًا لتاريخ الغرب الطويل من الاستغلال الاستعماري. على سبيل المثال: تُستخدم الآن في أوروبا طائراتٌ بدون طيار، صنعتها شركات أسلحة إسرائيلية لمراقبة الفلسطينيين، والمهاجرين.
تاريخ من الكذب
يقدم هيدجيز لائحة اتهام لاذعة لإسرائيل، ويرى أن "الإبادة الجماعية هي الخاتمة المتوقّعة لمشروع إسرائيل الاستعماري الاستيطاني".
يُجري مقارنات مباشرة بين تصريحات الحكومة الإسرائيلية و"كذبة هتلر الكبرى"، حيث استخدم أدولف هتلر هذا التعبير الألماني لأول مرة في كتابه "كفاحي" لوصف كيفية إقناع الناس بكذبة ضخمة كهذه، لأنهم لن يصدقوا أن شخصًا ما قد يمتلك الوقاحة لتشويه الحقيقة بهذه الطريقة المشينة.
يُعلن هيدجيز: "لقد بُنيت إسرائيل بشكل كبير على أكاذيب"، بما في ذلك "كذبة أن الجيوش العربية هي التي بدأت حرب عام 1948 التي شهدت استيلاء إسرائيل على 78% من فلسطين التاريخية". ويضيف: "الشعب الإسرائيلي مريض بالعنصرية"، إلى درجة أنه يتسامح مع خطة إسرائيل الرئيسية لتوسيع مساحة العيش في غزة، وهو ما يُعيد مصطلح "المجال الحيوي" النازي إلى الأذهان.
إن الإبادة الجماعية، التي تموّلها الولايات المتحدة وتدعمها بشحنات الأسلحة، لا تعرّي إسرائيل فحسب، بل الحضارة الغربية. وكما يقول هيدجيز: "إنها تكشف أن كل ما يفاخرون به من أخلاق واحترام لحقوق الإنسان مجرد كذبة".
هذه الكذبة – أي أن الحضارة الغربية تقوم على "قيم" احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون - هي كذبة عرفها الفلسطينيون، وجميع سكان الجنوب العالمي، وكذلك السكان الأصليون والأمريكيون السود والسمر منذ قرون. ولكن مع بث إبادة غزة مباشرةً على الهواء، يستحيل تصديق هذه الكذبة.
حتمية المقاومة
"نحن لا نوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية لأننا إسرائيليون، مصابون بمرض تفوق العرق الأبيض، وثملون بهيمنتنا على ثروات العالم وقدرتنا على إبادة الآخرين بأسلحتنا الصناعية" يقول هيدجيز ساخرًا من الغرب.
ويصر على تغطيته للحرب، لأن الكتابة والتصوير في زمن الحرب عملان مقاومان. يؤكدان الإيمان بأنه في يوم ما ستثير الكلمات والصور التعاطف والتفهم والغضب، وتُنمّي الحكمة. هذا ليس توثيقًا للحقائق فحسب، مع أهميتها، بل أيضًا جوهر وقدسية وحزن الأرواح والمجتمعات المهددة بالفناء.
المقاومة بالكلمة تُخبر العالم ما هي الحرب، وكيف يصمد من وقعوا في براثن الموت، وكيف يوجد من يُضحّي من أجل الآخرين ومن لا يُضحّي، وكيف يكون الخوف والجوع، وكيف يكون الموت. إنها تنقل صرخات الأطفال، وأنين وألم الأمهات، والكفاح اليومي في وجه العنف الصناعي الوحشي. الكُتّاب والمصورون والصحفيون شهود على شرٍّ يُريد المعتدي دفنه ونسيانه. إنهم يكشفون الأكاذيب. إنهم يدينون قاتليهم حتى من القبر.
التخطيط المسبق
لم تكن هناك مفاجآت في غزة. فكل عمل مروع من أعمال الإبادة الجماعية الإسرائيلية كان مُخططًا له مسبقًا، منذ عقود. إنَّ سلب الفلسطينيين أراضيهم هو الهدف الجوهري للمشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي. شهد هذا السلب لحظات تاريخية مأساوية – في عامي 1948 و1967 - عندما استولت إسرائيل على أجزاء شاسعة من فلسطين التاريخية، وطُهّر مئات الآلاف من الفلسطينيين عرقيًا. كما حدث السلب تدريجيًا - سرقة بطيئة للأرض وتطهير عرقي متواصل في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
محو الفلسطينيين تمامًا هو الهدف الإسرائيلي. تدكّ طائرات إسرائيل الحربية وصواريخها وطائراتها المسيرة ودباباتها وقذائفها المدفعية ومدافعها البحرية يوميًا غزة - التي لا يتجاوز طولها 20 ميلًا وعرضها خمسة أميال - في حملة أرض محروقة لم يشهدها العالم منذ حرب فيتنام.
أسقطت 25 ألف طن من المتفجرات - ما يعادل قنبلتين نوويتين - على غزة. العديد من الأهداف اختارها الذكاء الاصطناعي. كما ألقت ذخائر غير موجهة "قنابل غبية" وقنابل "خارقة للتحصينات" زنة 2000 رطل على مخيمات اللاجئين والمراكز الحضرية المكتظة، بالإضافة إلى ما يسمى "المناطق الآمنة". 42% من الفلسطينيين الذين قُتلوا كانوا في هذه "المناطق الآمنة" حيث أمرتهم إسرائيل بالفرار. نزح أكثر من 1.7 مليون فلسطيني من منازلهم، واضطروا للبحث عن ملاذ في ملاجئ الأونروا المكتظة، وممرات وساحات المستشفيات، والمدارس، والخيام، أو في الهواء الطلق جنوب غزة، وغالبًا ما يعيشون بجوار برك مياه الصرف الصحي. استُشهد ما لا يقل عن 58 ألف مدني فلسطيني، نصفهم من النساء والأطفال، وأصيب 138 ألفًا. ولا يزال القتل والتدمير مستمرًا، رغم الضغوط العالمية الشعبية لوقف المجازر والإبادة الجماعية.
يُجبر الأطباء على بتر الأطراف دون تخدير. أما أولئك الذين يعانون من حالات طبية خطيرة - كالسرطان والسكري وأمراض القلب والكلى - فقد ماتوا أو سيموتون قريبًا بسبب نقص العلاج. يعاني أكثر من 90% من الفلسطينيين في غزة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، إذ يضطرون لتناول علف الحيوانات والأعشاب. يموت الأطفال جوعًا. وتعرّض كتاب وأكاديميون وعلماء فلسطينيون وأفراد عائلاتهم للتعقب والاغتيال.
كتبت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بقضية حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، في تقريرها الصادر في 25 آذار/مارس: "سبعون بالمائة من الوفيات المسجلة كانت من النساء والأطفال. لم تُثبت إسرائيل أن نسبة الثلاثين بالمائة المتبقية، أي الذكور البالغين، كانوا مقاتلين نشطين في حماس".
تستخدم إسرائيل حيلًا لغوية لحرمان أي شخص في غزة من صفة "مدني"، ومن حماية أي مبنى - بما في ذلك المساجد والمستشفيات والمدارس. يُتهم جميع الفلسطينيين بالمسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر، أو يُنظر إليهم على أنهم دروع بشرية لحماس. تُعتبر جميع المباني أهدافًا مشروعة من قبل إسرائيل، لأنها تزعم أنها مراكز قيادة لحماس، أو تدّعي أنها تؤوي مقاتلين من حماس.
وتكتب ألبانيز أن هذه الاتهامات والتي تستخدمها إسرائيل "ذريعة لقتل المدنيين تحت ستار من الشرعية المزعومة، ما هي إلا بِنيّة الإبادة الجماعية".
دعم لامحدود
لم يكن الاحتلال والإبادة الجماعية ممكنين لولا الولايات المتحدة التي تمنح إسرائيل 3.8 مليار دولار كمساعدات عسكرية سنوية، وترسل الآن قنابل بقيمة 2.5 مليار دولار أخرى، وطائرات مقاتلة إلى إسرائيل. ويقول هيدجيز عن هذا الدعم: "هذه أيضًا إبادة جماعية نرتكبها".
الإبادة الجماعية هي الخاتمة المتوقعة لمشروع إسرائيل الاستعماري الاستيطاني. إنها متأصلة في هوية دولة الفصل العنصري الإسرائيلية. والقادة الصهاينة صريحون بشأن أهدافهم. فقد نشرت عضوة الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود، ريفيتال غوتليب، على حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي: "اهدموا المباني! اقصفوا بلا تمييز!... دمروا غزة بلا رحمة! هذه المرة، لا مجال للرحمة!". ولم يتأخر وزير التراث، عميخاي إلياهو، في دعم استخدام الأسلحة النووية ضد غزة، معتبرًا إياه "أحد الاحتمالات".
رسالة القيادة الإسرائيلية واضحة لا لبس فيها. أبيدوا الفلسطينيين. ويعترف هيدجيز: "لا يمكننا ادعاء الجهل. نعرف ما حدث للفلسطينيين. نعرف ما يحدث لهم. نعرف ما سيحدث لهم. لكن من الأسهل التظاهر. التظاهر بأن إسرائيل ستسمح بدخول المساعدات الإنسانية. التظاهر بوقف إطلاق النار. التظاهر بعودة الفلسطينيين إلى منازلهم المدمرة في غزة. التظاهر بإعادة إعمار غزة. التظاهر بحلّ الدولتين. التظاهر بعدم وجود إبادة جماعية".
إن الإبادة الجماعية، التي تمولها الولايات المتحدة وتدعمها بشحنات الأسلحة، لا تكشف عن إسرائيل فحسب، بل تؤكد على أن الغرب يعمل على توطيد الهيمنة العالمية من خلال العنف العنصري. وتصف إسرائيل الاستيطان اليهودي على الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنه "أولوية وطنية". وترفض إسرائيل ادعاءات الفلسطينيين بتقرير المصير باعتبارها تهديدًا أمنيًا، وتستخدم هذه الادعاءات لإضفاء الشرعية على الاحتلال الدائم. لكن حماس تحظى أيضًا بدعم شعبي بفضل مقاومتها العنيدة للهجمات الإسرائيلية على غزة. في الواقع، منذ الإبادة الجماعية، أصبحت فلسطين صوت الأحرار في جميع أنحاء العالم. المقاومة الفلسطينية لا تملك سوى أسلحة خفيفة وقذائف صاروخية لمواجهة أحد أفضل الجيوش تجهيزًا وأكثرها تقدمًا من الناحية التكنولوجية في العالم. قد تتمكن إسرائيل من مطاردة قادة حماس وقتلهم، لكن ذلك لن يُحدث فرقًا، لأن حركات المقاومة مبنية على دماء الشهداء.