ultracheck

المرتزقة السيبرانيون.. قراصنة تحت الطلب

24 أبريل 2025
كتاب

خلال فترة رئاسته، وتحديدًا في العام 2015، وصف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الفضاء الإلكتروني بـ "الغرب المتوحش الجديد"، في إشارة إلى اتساعه وانعدام القانون فيه؛ إذ لا يوجد أيّ رجل بوليس في الأفق. ومع استمرار التقدّم التكنولوجي وتغييره المشهد السياسي والأمني، تبرزُ تحديات جديدة في هذا المجال غير المنظّم.

وبينما يزداد عدد الكيانات الحكومية وغير الحكومية العاملة في هذا المجال بشكلٍ ملحوظٍ، إلا أن المجتمع الدولي قد فشل في التوصل إلى توافق في الآراء حول قانونية بعض العمليات الإلكترونية. 

يُوصف مرتزقة الإنترنت بأنهم شخصٌ أو مجموعة أشخاص أو جهات خاصّة مُستأجرة لتنفيذ عمليات هجومية أو دفاعية إلكترونية بهدف مهاجمة شبكات وبنىً تحتيةً إلكترونية مُحددة.

يستكشف كتاب تيم ماورير الجديد "المرتزقة السيبرانيون: الدولة، القراصنة، والسلطة"، التداخل بين الفضاء الإلكتروني والجغرافيا السياسية. ويتناول ما كُشف مؤخّرًا من عمليات إلكترونية ترعاها الدول. ويصف ماورير مشهدًا من الجهات الفاعلة الحكومية التي تنشر القراصنة وترعاهم وتستغلهم للتعبير عن نفوذها على الساحة الدولية. وقد فتحت العلاقات بين الدول والقراصنة آفاقًا جديدةً للمسائل التنظيمية والقانونية المتعلقة بالقدرات السيبرانية الهجومية. ومن خلال دراسات هذه الحالة، يُظهر ماورير أهمية وضع إطارٍ لفهم إيجابيات وسلبيات استخدام العمليات السيبرانية كأدوات جيوسياسية.

يدرسُ تيم ماورير العلاقات السرية بين الدول والقراصنة. ويقول إنّ الفضاء الإلكتروني أصبح الحدود الجديدة للجغرافيا السياسية، وقد بدأت الدول في استخدام القراصنة كوكلاء لفرض قوتها. ويتزايد عدد الدول التي تستخدم قراصنة يُفترض أنهم مستقّلون كوكلاء، لفرض قوّتها داخليًا وخارجيًا. ووفقًا للبعض، تسعى أكثر من ثلاثين دولة الآن إلى امتلاك قدرات سيبرانية هجومية.

الأعداء المستهدفون

غالبًا ما يكون تحديد الأعداء المستهدفين من أي هجومٍ إلكتروني، أصعب جزءٍ في الأمن السيبراني. فالمرتزقة لا يجيدون إخفاء آثارهم فحسب؛ بل يمكنهم أيضًا زرع أدلةٍ تُورط طرفًا بريئًا. هذا العجز عن تحديد هوية المهاجم يجعل إيقافه أو منع مثل هذه الهجمات، أمرًا شبه مستحيل. تستغل الدول القومية هذا التحدي بشكلٍ متزايدٍ من خلال تنفيذ عمليات سيبرانية عبر مجموعات خارجية - ما يُسمى بالمرتزقة السيبرانيين. لكن على الرغم من هذا التهديد المتزايد للأمن القومي لصانعي السياسات والقادة العسكريين والشركات على حدٍ سواء، يرى ماورير أننا لم نبذل جهدًا كافيًا للحماية منه.

تكمن المشكلة أيضًا في أن هؤلاء المرتزقة والقراصنة المعاصرين يمكن أن يُسببوا أضرارًا جسيمة، مما يُقوّض الأمن والاستقرار وحقوق الإنسان العالمية. كما يُمكن لشبكات القراصنة أن تظلّ نشطة وتنمو لفترة طويلة بعد انتهاء رعاية الدولة لها، ويمكنها الانتقال من بلد إلى آخر للتهرّب من الملاحقة الجنائية.

يستعرض المؤلف كيف تتبع الدول نماذج مختلفة لعلاقاتها بالوكالة، حيث تُواجه جميعها التحدي المشترك المتمثل في موازنة فوائد هذه العلاقات مع تكاليفها ومخاطر التصعيد المحتملة.

الضرر والمخاطر

ينقسم كتاب ماورير إلى ثلاثة أجزاء، ويتناول دراسات حالة في الولايات المتحدة وإيران وسوريا وروسيا والصين، بهدف وضع إطار عمل لفهم وإدارة تأثير ومخاطر الوكلاء السيبرانيين على السياسة العالمية بشكلٍ أفضلٍ. في الجزء الأول من الكتاب، يُركز المؤلف على الوكلاء والضرر الجسيم الذي يُمكن أن يُسببوه. يستكشف الكاتب قوّة وكلاء الإنترنت والأغراض المحتملة لاستخدام قدراتهم، بالإضافة إلى مشكلة نسب العمل السيبراني الخبيث إلى مصدره. كما يُحدّد الأطر التحليلية المُفيدة في دراسة وكلاء الإنترنت، بما في ذلك استعراض مختلف مظاهر علاقات الوكالة عبر التاريخ.

يقدّم ماورير كذلك لمحة عامة عن الجغرافيا السياسية للقوة السيبرانية ووجهات النظر المختلفة لروسيا والصين وإيران والولايات المتحدة. ويستخدم هذه الدول كمحورٍ لدراسات الحالة، التي تصف بالتفصيل الأنواع المختلفة لعلاقات الوكالة. يؤكّد هذا الجزء على الحجة الرئيسية الثانية للكتاب، وهي أن كيفية استخدام الدول للوكلاء السيبرانيين لا تختلفُ كثيرًا عن كيفية استخدام الدول للوكلاء التقليديين. يساعدنا ما يفعله الوكلاء على معرفة كيف يفكّر رعاتهم من الدول في التهديدات السيبرانية وكيف يُحاولون فرض نفوذهم عبر الإنترنت. لا تفكّر موسكو وبكين وطهران وحكومات أخرى من منظور الأمن السيبراني، بل من منظور أمن المعلومات - وهو مفهوم أكثر اتساعًا، يشملُ المحتوى والتحكم في المعلومات.

التأثير عن بعد

الخلاصة الرئيسية الثالثة من هذا الكتاب هي اتساع النطاق، مما يسمح للجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية بإحداث تأثيرات عن بُعد عبر مسافات شاسعة من خلال عمليات سيبرانية هجومية. في الجزء الثالث والأخير من الكتاب، يتناول المؤلف آثار الوكلاء السيبرانيين وكيفية إدارتهم بفعالية. 

إن ضمان عدم إفلات القراصنة الوكلاء من قبضتهم، والتصدّي لسلوكهم "الخبيث"، يُشكّلان تحديات سياسية جسيمة. يستعرض ماورير جدوى القانون الدولي وتمييزاته الدقيقة لاتخاذ إجراءات ضد "الأنشطة الخبيثة" التي يقوم بها وكلاء الإنترنت، ويناقش الأساليب المختلفة لإدارة الوكلاء الخاضعين لرقابة مشددة، وكذلك أولئك الذين لا يخضعون لرقابتهم.

عالم هش 

لقد أظهرت أحداث مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والاضطرابات خلال جائحة كوفيد-19، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، الطبيعة الهشة للعالم المترابط الذي نعيش فيه اليوم. تسبب الصراع في أوروبا، على وجه الخصوص، في اضطرابات هائلةٍ في سلاسل التوريد كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على الاقتصاد العالمي. وعلى خلفية هذه الاضطرابات، وحتى مع مساعدة الاتصال الرقمي وسلاسل التوريد الموزّعة للدول على التكيف، فقد أصبح يُنظر إليها الآن بشكلٍ متزايد من قبل الحكومات على أنها نقاطُ ضعفٍ يجب إدارتها.

شهدت الجرائم الإلكترونية كخدمة (CaaS)، وفقًا لمجموعات أبحاث استخبارات التهديدات المتعددة، ارتفاعًا هائلًا. ففي العقد الماضي، على سبيل المثال، كان هناك ارتفاعٌ في شركات "القرصنة مقابل أجر"، ومقّرها دول الناتو، وكذلك في دول أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة و"إسرائيل" والصين والهند، والتي تعمل بمستويات متفاوتة من التطور. 

يتم تعيين هذه الشركات من قبل عملاء عالميين، بما في ذلك الحكومات والقطاع الخاص، لاستهداف الخدمات المالية والاستشارات وشركات الرعاية الصحية والشركات القانونية والأفراد المتورّطين في النزاعات المدنية. ومن المؤكّد أن مثل هذه الجهات الفاعلة في التهديد ليست جديدة، وبعضها يعمل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. 

ما هو جديد بشأن الجهات الفاعلة في التهديد في الوقت الحاضر، هو النمو في عدد المرتزقة السيبرانيين - وهي فئة من المجموعات الخاصّة التي قد تكون أو لا تكون مرتبطة بدول محددة، وغالبًا ما يبدو أنها متورطة من قبل عملاء متعددين، حكوميين وغير حكوميين على حدٍّ سواءٍ، إذ يُشير تقرير صادر عن الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2021، إلى أن الفضاء الإلكتروني قد برز كمساحةٍ جيواستراتيجية رئيسية لكل من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، والتي تستخدم وكلاء بشكلٍ متزايد بطرق ضارة بحقوق الإنسان. وينطبقٌ هذا على دول الحوار الأمني الرباعي( الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة).

كانت هذه الدول في الجانب المتلقّي للهجمات الإلكترونية، حيث استُهدفت الحكومات والصناعات الحيوية والخدمات الأساسية ومؤسّسات البحث بشكل متكرّر. ونظرًا لأن الرباعي حدّد الأمن السيبراني كمصلحة أساسية، فيجب على المجموعة إعطاء الأولوية لوقف هذا السوق المزدهر لمرتزقة الإنترنت الذين يعملون كوكلاء للدول التي تسعى إلى تعطيل وتقويض مؤسسات الدول المعادية.

هجمات خبيثة

تحمّلت أستراليا والهند واليابان وطأة هجمات متكرّرة من مرتزقة مجهولين. في معظم الحوادث، استهدفت الجهات الخبيثة المرافق العامّة، ومقدّمي خدمات الإنترنت، ومقدّمي الرعاية الصحية، والخدمات المالية، كما تزايدت الهجمات على المؤسّسات التعليمية والبحثية، واتسعت مساحة هجوم مجرمي الإنترنت، وتزايدت كذلك أعداد "الجهات الخبيثة"، وخاصّة تلك التي ترعاها الدولة. 

في عام 2020، دفع اختراق SolarWinds العديد من وكالات حكومة الولايات المتحدة إلى الإسراع في الاستجابة لسلسلة من خروقات البيانات، وفي عام 2021، كانت هيئة التعريف الفريدة الهندية وهي الهيئة المسؤولة عن الهوية البيومترية الوطنية للبلاد، واحدةً من العديد من الكيانات التي استهدفتها مجموعة ترعاها الدولة الصينية، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2022، تعرض عشرين موقعًا إلكترونيًا تابعًا للحكومة اليابانية لهجمات حجب الخدمة الموزعة من قِبل مجموعة القراصنة الموالية لروسيا. 

تُقدم هذه الأمثلة لمحة عن مشهد التهديدات الحالي في الفضاء الإلكتروني. يرتبط عدد متزايد من الهجمات بالصراعات الجيوسياسية، وهناك خطرٌ كبير من أنه مهما بلغت درجة أمان أنظمة المرء، فإن هناك ثغرات أمنية حادة قد تنشأ في حال وقوع نقطة واحدة في سلسلة توريد خدمات البرمجيات فريسة لهجوم إلكتروني. يُمثل هذا تحدّيًا هائلًا، نظرًا لاعتماد المؤسّسات والحكومات على مجموعة متنوعة من الموردين لخدمات مثل الرواتب والمعاشات التقاعدية والرعاية الصحية.

مرتزقة عبر التاريخ 

يعود استخدام الدول للمرتزقة إلى العصور القديمة. فخلال العصور الوسطى في أوروبا، كانت دول المدن تستأجر مجموعات المرتزقة لخوض الحروب، والحفاظ على النظام العام، وجمع الضرائب. وبالمثل، وعلى مدى ثلاثمائة عام، بدءًا من القرن السادس عشر، استعانت المحاكم بالمرتزقة الأوروبيين من ساحل مالابار وسلطنة الدكن وصولًا إلى راجستان. 

في الحروب المعاصرة، تؤدي شركات الأمن الخاصّة، مثل بلاك ووتر الأمريكية، ومجموعة يونيتي ريسورسز الأسترالية، ومجموعة فاغنر الروسية، مجموعةً من المهام في مناطق النزاع، بما في ذلك القتال المسلّح، وحراسة المنشآت الرئيسية، وتوفير الأمن الشخصي. 

ومؤخرًا، نفّذت مجموعة فاغنر ما يُسمى بهجمات "الراية الكاذبة"، ممهّدة الطريق لغزو روسيا لأوكرانيا في أوائل عام 2022، وفي هذا السياق، يُعرّف تيم ماورير المرتزق السيبراني بأنه "وسيط يدير أو يساهم بشكلٍ مباشر في عملية سيبرانية هجومية يتم تمكينها عن علم، بشكل نشط أو سلبي، من قبل جهة مستفيدة من تأثيرها". 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

رواية "خيانات لم يرتكبها أحد".. تيه الواقع السوري عبر ثلاثة أجيال

عن رواية خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو الصادرة عام 2025

2

"حادثة عيش السرايا" لحمور زيادة.. مساخر مدينة مجهولة في بلاد منسية

حمور زيادة الروائي السوداني البارز في روايته الرابعة "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مُسلية"، موقعها في مسيرته الأدبية، وحمولاتها السياسية والاجتماعية إزاء الواقع السوداني

3

"أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل".. مرآةُ ذاتٍ قلقة في مواجهة العالم

قراءة في المجموعة الشعرية أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل، للشاعر السوري حسين الضاهر

4

كتاب "مرويّات الحرب.. فوكوياما يسقط في غزة": تاريخ يولد من بين الأنقاض

تكتب بيسان عدوان روايتها عن الحرب كما تُعاش لا كما تُحلّل. ففي مرويات الحرب: فوكوياما يسقط في غزة، تقول إن التاريخ لا ينتهي، بل يولد من جديد كل يوم من بين الأنقاض

5

"ملحمة الحرافيش".. تأملات في الخلاص المؤجّل

حارة الحرافيش مصرية حدّ النخاع، بتعطل الزمن فيها، بأسماء قاطنيها وجبّاناتها وقرافاتها وتكايا متصوفة مجهولين

اقرأ/ي أيضًا

الخيانة العظمى

الخيانة العظمى: الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط

يقدم فواز جرجس في كتابه "الخيانة العظمى" تحليلًا لتشابك الاستبداد والتدخلات الخارجية، موضحًا كيف حُرمت شعوب الشرق الأوسط حق تقرير مصيرها

عقبة زيدان

إبادة جماعية متنبأ بها

كتاب "إبادة جماعية متنبأ بها".. هيدجيز يطلق نداء لوقف الموت في غزة

من رام الله إلى غزة، ومن تقارير الحرب إلى ضمير الإنسانية، يكتب الصحفي الأمريكي الشجاع كريس هيدجيز شهادة نارية عن الجريمة الجارية في فلسطين

عقبة زيدان

البلشفي الأسود

نضال "البلشفي الأسود" من أجل الجمهورية الإسبانية

توصّل صاحب كتاب "البلاشفة السود، إلى استنتاجٍ مفاده أن الأفارقة الأميركيين ليسوا مجرّد أقلية عرقية، بل هم أمة مضطهدة

آمنة بعلوشة

المزيد من الكاتب

عقبة زيدان

كاتب ومترجم وصحافي سوري

كتاب "شيطان الاضطرابات".. سنوات الفوضى الأميركية

يتناول الكتاب الفترة الحرجة بين انتخاب أبراهام لينكولن رئيسًا للولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 1860، وبداية الحرب الأهلية الأميركية

أنماط العنف في حرب أهلية معقدة

يستكشف كتاب "سوريا منقسمة" سرديات المدنيين والمقاتلين في الحرب الأهلية السورية، ويبحث في كيفية تشكيل هذه الروايات المتنافسة لديناميات الصراع

العالم ما بعد غزة.. المدينة التي ماتت على الهواء مباشرةً

إن تدمير "إسرائيل" لغزة بدعم من الديمقراطيات الغربية، فرض هذه المحنة النفسية لعدّةِ أشهر على ملايين البشر

رواية "قلب الظلام".. جوزيف كونراد في مواجهة الجشع الإمبراطوري

رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد 1902 أول رواية تناولت عنف الاستعمار البريطاني في إفريقيا

كتاب "إبادة جماعية متنبأ بها".. هيدجيز يطلق نداء لوقف الموت في غزة

من رام الله إلى غزة، ومن تقارير الحرب إلى ضمير الإنسانية، يكتب الصحفي الأمريكي الشجاع كريس هيدجيز شهادة نارية عن الجريمة الجارية في فلسطين

الخيانة العظمى: الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط

يقدم فواز جرجس في كتابه "الخيانة العظمى" تحليلًا لتشابك الاستبداد والتدخلات الخارجية، موضحًا كيف حُرمت شعوب الشرق الأوسط حق تقرير مصيرها