يبدو أنه لا مفرّ من أن تجذبَ أعظمُ جريمة حربٍ في القرن الحادي والعشرين، والتي لا تزال فظائعها مستمرّة، اهتمام مؤرخّين ومثقفين، مع أن ماكينة القتل الموازية والمتمثلة في الإعلام الغربي، تُحبط هذا الاهتمام، أو تحاول ذلك، إلا أنه من المُحزن النظر إلى هجوم "إسرائيل" الإبادي على الفلسطينيين في غزّة والضفّة الغربية، بعين التحليل ومحاولةِ وضع الطرفين كضحيتين.
يتناول بانكاج ميشرا، وهو مؤرّخ ومفكرٌ بارعٌ، في كتابه "العالم ما بعد غزة"، واحدةً من أفظع انتهاكاتِ حقوق الإنسان في القرن الجديد. يكتب ميشرا عن الأب الذي يحمل جثّة طفله مقطوعة الرأس في رفح، وعن اشمئزازه من "الترفيه الإعلامي" على تيك توك، حيث يسخر المدنيون والجنود الإسرائيليون من القتل والمعاناة التي ارتكبوها بحق الفلسطينيين، أو يتعمّدون إغماض أعينهم عنها.
ويكتبُ أن مجرّد مشاهدة هذا من بعيد قد سببت "محنة نفسية" لملايين الأشخاص الذين أصبحوا "شهودًا لاإراديين" على أفعال "الشر السياسي". ويذكر حرمانهم من الطعام والدواء؛ وتعذيب السجناء العراة؛ وتدمير المدارس والجامعات والمتاحف والكنائس والمساجد وحتى المقابر؛ وكذلك عن صبيانية الشر المتمثلة في رقص جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بملابس النساء الفلسطينيات القتيلات أو الهاربات.
في تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنّت حماس هجومها المُفاجئ، مما أثار ردًا إسرائيليًا أسفر عن مقتل أكثر من 46 ألف شخص، وفقًا للتقديرات، معظمهم من النساء والأطفال. وكما يقول ميشرا في المقدّمة: "شعرتُ وكأنني مُجبر على كتابة هذا الكتاب، لتخفيف حيرتي المُحبطة أمام انهيار أخلاقي واسع النطاق". إنه اتهامٌ لاذعٌ وخطير للغرب عن دوره في إقامة إسرائيل وكل ما نتج عنه.
إذاً، تُشكل شرور الاستعمار الغربي أسس بناء هذا الكيان في قلب الوطن العربي. وقد عملتْ جميع القوى الغربية معًا لدعم نظام عرقي عالمي، كان من الطبيعي فيه تمامًا أن يتم الإشراف على إبادة سكان هذا البلد الأصليين. وكل هذا كان مترافقًا مع الدعاية الغربية بحدوث هولوكوست غربي في حق اليهود.
هولوكوست
يُجادل ميشرا، مستشهدًا بحنا أرندت وآخرين، بأن الهولوكوست لم يجسد الحُجة السياسية للصهيونية إلا خلال محاكمة أيخمان عام 1961، حيث صُورت "إسرائيل" الدولة الوحيدة التي تضمن سلامة اليهود. في الوقت نفسه، صوَّر القادة الإسرائيليون العربَ باستمرار كمتعاونين مع النازيين الذين يهددون بإبادة جماعية جديدة. ويشير ميشرَ إلى أن الذاكرة الجماعية للهولوكوست لم تنبثق تلقائيًا مما حدث بين عامي 1939 و1945 فحسب، بل بُنيت متأخرةً، وغالبًا ما كان ذلك متعمدةَ للغاية، ولأغراض سياسية محددة". والآن، كما يقول ميشرا، يرى الكثيرون أن ذكراها "حُرّفت لتمكين القتل الجماعي" ومنح إسرائيل الحصانة. ومع كل هذا فإن هناك دائرةً متناميةً من الناس حول العالم "تُوجّه تهمةً إلى إسرائيل بأنها نظامٌ استعماريٌّ استيطانيٌّ قاسٍ، ونظامٌ متعصبٌ لليهود، يدعمه سياسيون غربيون من اليمين المتطرف وليبراليون آخرون".
لا شكّ أن مؤيدي "إسرائيل" سيُوجّهون تهمة معاداة السامية إلى فكرة التلاعب "عمدًا" بالمحرقة، حتى إن حكومة الاحتلال المتطرفة تعتمد سياسيًا على تخليد ذكرى المحرقة أكثر من أي وقت مضى.
تواطؤ المثقفين
"قضت حماس نهائيًا على هالة مناعة إسرائيل"، يقول ميشرا، واصفًا هجوم السابع أكتوبر، ويستعرض الخيوط المتشابكة للتاريخ والذاكرة والهوية والسياسة، ويُلقي الضوء على أهمية الحرب بين إسرائيل وحماس. ويرى أن العنف في الشرق الأوسط كان دائمًا أكثر من مجرد صراع طائفي ضيق في جزء واحد من العالم. فهو مرتبط بإرث الحروب الكبرى، وانهيار الاستعمار، وظلال الهولوكوست.
الأسئلة التي يبحث فيها كتاب "العالم ما بعد غزة"، والتي تُلخّص في استكشاف "كيف أصبحت "إسرائيل" ما هي عليه؟"، تتجاوز بكثير مجرد رسم خرائط للاستيلاء المتزايد على الأراضي الفلسطينية للاستخدام اليهودي الحصري، أو توثيقاً للحروب والقيادة؛ فهي تسبر أغوار الإطار الفكري للمشروع، وأساليب صياغة السرد، واستغلال معاناة المحرقة الجماعية لتبرير وجود دولة إسرائيل، بالإضافة إلى قمع أي معارضة لها بالقوة. لقد حدّدت القومية العرقية ونوع "العدوانية" بشكل متزايد هوية الدولة الإسرائيلية.
يكتب ميشرا أنه بحلول منتصف القرن العشرين "مكّنت التكنولوجيا، والتقسيم العقلاني للعمل، والخضوع للسلطة التي تضع المعايير، الناس العاديين من المساهمة في أعمال الإبادة الجماعية بضمير مرتاح، حتى مع شعور بالفضيلة". ويولي ميشرا اهتمامه الأكبر لهذه "السلطة التي تضع المعايير". كيف تواطأ الكُتّاب والمثقفون في إرساء هذه المعايير والتغاضي عن معاناة الفلسطينيين، عندما تعلق الأمر برؤية أدلة ما آل إليه المشروع الصهيوني؟ ما دور هذه العقول المثقفة والمستنيرة في تجريد الفلسطينيين وغيرهم من "شعوب الهامش، الأضعف والأقل تأثيراً في تاريخ العالم" من إنسانيتهم؟
إغواء الكاتب
قائمة الكُتّاب الذين أغواهم مشروع بناء الدولة الإسرائيلية الجديدة طويلةٌ. فقد انحازت روايات سول بيلو عمليًا إلى الدعاية الإسرائيلية الرسمية. وشعرت مارثا غيلهورن بحريةٍ تامةٍ في التعبير عن ازدرائها للفلسطينيين تحديدًا، وللعرب عمومًا. أما ماري مكارثي، فقد اعتبرت عرب ليبيا "بغيضين"، والقائمة تطول. ويتطلب الأمر مجلداتٍ عديدةً لرصد وتحليل أولئك الكُتّاب الذين رموا شعباً إلى مصير التهجير والحرمان من الحقوق والإبادة الجماعية.
بالنسبة إلى الكتّاب الذين عانوا من "المحنة النفسية" لمشاهدة العدوان على غزة، فقد نجحوا في إدراك الصلة بين معاناة الشعوب، مهما كانت كمية الميلانين في بشرتهم، أو التراث الديني الذي ولدوا فيه. هنا، منح ميشرا حياتهم وأعمالهم مكانةً تاريخيةً مستحقةً: بواز إيفرون، وناتاليا غينزبرغ، وأحاد هاعام، وهؤلاء ينضمون إلى سيمون ويل وحنا أرندت في قدرتهم على رؤية ما وراء جاذبية تراثهم الديني للتحدث علناً عن معاناة الشعوب كلها.
يتعامل ميشرا مع كلٍّ من هؤلاء المفكّرين بعناية. كانت مشاعر بريمو ليفي، العالم والكاتب والناجي من أوشفيتز، تجاه "إسرائيل" معقدة ومتضاربة. يُقال إنه شعر بالفخر عندما تطابق غلاف أحد كتبه مع غلاف العلم الإسرائيلي، ومع ذلك، يخبرنا ميشرا أنه تساءل ذات مرة في رسالة إلى صديق له عمّا إذا كان "ينتمي إلى الشعب اليهودي أصلاً".
لم يكن الكاتبُ اليهوديُّ الوحيد الذي ازداد انتقاده للدولة الإسرائيلية بعد عام 1948، بعد احتلال الضفة الغربية وغزة عام 1967، وعقب الكشف عن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وغزو لبنان عام 1982، كان جان أميري كاتباً آخر وجد هذه التطورات السياسية عبئاً عليه، فلم يستطع التوفيق بينها وبين الحلم الذي أغواه. رفضا أن يغمضا أعينهما. أدرك كلاهما إلى أين قد يؤدي هذا وما ينطوي عليه من عنف وألم ومعاناة.
دعم لامحدود
ستُصبح الحرب في نهاية المطاف من الماضي، لكن علامات الكارثة ستبقى في غزة لعقود: في أجساد الجرحى، والأطفال الأيتام، وأنقاض مدنها، والمشردين، وفي الحضور والوعي الشاملين للحزن الجماعي. وأولئك الذين شاهدوا من بعيد، عاجزين، قتل وتشويه عشرات الآلاف على شريط ساحلي ضيق، وشهدوا أيضاً تصفيق أو لامبالاة الأقوياء، سيعيشون بجرح داخلي، وصدمة لن تزول لسنوات.
لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة أحداًثا كثيرة: كوارث طبيعية، وانهيارات مالية، وزلازل سياسية، وجائحة عالمية، وحروب غزو وانتقام. ومع ذلك، فإن كل هذه الانهيارات لا تُضاهي كارثة غزة - لم يُخلّف لنا شيءٌ مثل هذا القدر الهائل من الحزن والحيرة وتأنيب الضمير. لم يُقدّم شيءٌ مثل هذا الدليل المُخزي على افتقارنا للحماسة والسخط، وضيق أفقنا، وضعف تفكيرنا.
إن تدمير "إسرائيل" لغزة بدعم من الديمقراطيات الغربية، فرض هذه المحنة النفسية لعدّةِ أشهر على ملايين البشر، الذين سمحوا لأنفسهم بين الحين والآخر بالتفكير في أنه من الجيد أن يكونوا على قيد الحياة، ثم سمعوا صراخ أم تشاهد ابنتها تحترق حتّى الموت في مدرسة أخرى قصفتها "إسرائيل". لقد تأكدوا من أن إسرائيل هي الموت. وأي قول آخر هو مجرد هراء.
ولكن كان من الواضح منذ البداية أن القيادة الإسرائيلية الأكثر تعصبًا في التاريخ لن تتردّد في استغلال الشعور السائد بالانتهاك والحزن والرعب. ادّعى قادة إسرائيل الحق في الدفاع عن النفس ضد حماس، ولكن كما أقرّ عمر بارتوف، المؤرخ البارز للهولوكوست، في آب/أغسطس 2024، فقد سعوا منذ البداية إلى "جعل قطاع غزة بأكمله غير صالح للسكن، وإضعاف سكانه إلى درجة تدفعهم إما إلى الانقراض أو إلى اللجوء إلى جميع الخيارات الممكنة للفرار من القطاع".
لقد تنبأ الضحايا في غزّة بموتهم على وسائل التواصل الاجتماعي قبل ساعات من إعدامهم، وبثّ قاتلوهم أفعالهم بسهولة على تيك توك، ومع ذلك، كانت عمليات التصفية التي تُبثّ مباشرةً لغزة تُطمس يوميًا من قِبل أدوات الهيمنة العسكرية والثقافية الغربية: من قادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذين هاجموا المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، إلى محررّي صحيفة نيويورك تايمز الذين أصدروا تعليمات لموظفيهم، في مذكرة داخلية، بتجنب مصطلحات "مخيمات اللاجئين" و"الأراضي المحتلة" و"التطهير العرقي".
في كل يوم كان مئات من الناس العاديين يُقتلون أو يُجبرون على مشاهدة مقتل أطفالهم. وزادت من إذلال العجز الجسدي والسياسي نداءات سكان غزة، الذين كان بعضهم كتابًا وصحفيين معروفين، محذرين من أنهم وأحبائهم على وشك القتل.
أما أولئك الذين دفعهم شعورهم بالذنب إلى تفحّص وجه الرئيس الأميركي جو بايدن بحثًا عن أيّة إشارة للرحمة أو أيّة علامة على انتهاء إراقة الدماء، فقد وجدوا صلابة هائلة بشكل مخيف، لم تكسرها سوى ابتسامة ساخرة عندما تفوه بأكاذيب إسرائيلية مفادها أن الفلسطينيين قطعوا رؤوس أطفال إسرائيليين. فيما الحقيقة المريعة والتي لا يريد الغرب أن يعترف بها، فتقول: إن غزة عبارة عن مشهدٍ ملحميٍّ من البؤس الفظيع، والألم الذي لا يمكن تخيّله.





