نحن ندرك تمامًا أن النظام السوري استخدم كلّ هذا العنف اللامحدود لكي يستمرّ في الحكم، ولو أنه كان سيضطرُّ إلى قتل ِالمعارضين مع الموالين مع الحياديين؛ فالنظام بعقليته المريضة مكشوفٌ لكل باحث ومؤرّخ، ولكن هناك دراسات كثيرة تعتمد على التكهّن في الإجابة عن سؤال محوري: ما الذي يُقاتل من أجله العديد من الأطراف المتصارعة؟
تعدُّ الحرب الأهلية في سوريا صراعًا معقدًا للغاية. ومما يزيد من تعقيدها أن العديد من المشاركين فيها يفهمون الحرب ويفسّرونها بطرق مختلفة؛ فبالنسبة إلى البعض، هي معركة من أجل الكرامة والديمقراطية، وبالنسبة إلى البعض الآخر، هي صراع طائفي أو عرقي، بينما يرى آخرون أنها معركة ضدّ الإرهاب أو نتيجة للتدخّل الأجنبي.
كان للصراع السوري آلاف المشاركين من كلا الجانبين؛ وكما لاحظت أورا سيكيلي في كتابها "سوريا منقسمة: أنماط العنف في حرب أهلية معقدة"، فقد كان هناك انفصامٌ بين ما ادعت الجماعات المسلّحة أنها تقاتل من أجله، وبين ما كانت ترغب فيه، وهذا ما يجعل فهم الدوافع الحقيقية للمقاتلين أمرًا صعبًا للغاية. وحسب سيكيلي، فإن الحرب الأهلية السورية تتمحور حول خمس نقاط انقسام: الصراع بين الديكتاتورية والديمقراطية، والصراع الطائفي، والصراع بين العلمانيين والأصوليين، والصراع العرقي بين الأكراد والعرب، والصراعات المعقدة بين السعودية وإيران وبين روسيا والولايات المتحدة.
أفلام للدعاية
تتتبع سيكيلي انتشار القوى والفصائل المقاتلة، ولكلٍ منها روايته الخاصّة التي تبرر المشاركة في الحرب؛ ومع انضمام جماعات جهادية وقوميين أكراد إلى النظام السوري ومعارضيه في ساحة المعركة، انقسمت المعارضة نفسها، وازداد نفوذ الرعاة الأجانب؛ وسرعان ما نمت مجموعة الأعداء المحتملين بشكلٍ كبير، وازدادت الروايات حول من يقاتل من ولماذا؟ وتشير إلى أن هذه الفوضى شكّلت استخدام العنف، فلم تعد إراقة الدماء مجرد أداة أو نتيجة للقتال، بل أصبحت أيضًا أداة للعلاقات العامة؛ فأفلام قطع الرؤوس التي أنتجها ما يسمى بـ "تنظيم الدولة الإسلامية" ونشرها بعناية، كان لها نظراء قلائل في فيديوهات المعارك الشبيهة بألعاب الفيديو التي أنتجتها الفصائل المحلية، ومقاطع "صُنعت للتلفزيون" التقطتها وسائل الإعلام الرئيسية بسهولة.
شمل البحث الميداني الذي أجرته سيكيلي أكثر من خمسين مقابلة مطولة مع نشطاء وصحفيين ومنشقين وعسكريين سابقين وممثلين رسميين، وقد أجرت مقابلاتها في جميع أنحاء العالم وباللغتين العربية والإنجليزية. كما حضرت أيضًا الفعاليات العامة والحركات الاحتجاجية التي قام بها المشاركون في الحرب السورية، خاصّة في برلين؛ وهذا ما يجعل كتاب سيكيلي فريدًا من نوعه بين أعمال الحرب الأهلية السورية في استخدامها للبيانات الشخصية من المشاركين في الصراع.
ديناميات الصراع
يحتوي الكتاب على خلفية عن أصول الحرب ودينامياتها، ويبين كيفية تحولها من انتفاضة ضد نظام بشار الأسد إلى حرب أهلية، وكيف شكّلت الجماعات القائمة مثل تنظيم القاعدة والشبكات الجهادية ذات التفكير المماثل هويّتها الأيديولوجية في الصراع.
وقد اندمجت الميليشيات التي تشكّلت على عجل مثل الجيش السوري الحرّ في قوة تحدَّت في البداية قوات الأمن التابعة للأسد إلى درجة أن النظام كان في خطر حقيقي بحلول عام 2013، ومع ذلك، كانت للأسد أوراقه الخاصة للعب، حيث انضمت إلى قواته جماعة حزب الله اللبنانية وميليشيات أخرى تابعة لإيران والعراق، كما تمكَّن نظام الأسد من الاستفادة من الانقسامات التي بدأت تعصف بالمعارضة. وكانت قوى المقاومة تأمل في أن تتدخل الولايات المتحدة إما عسكريًا أو على الأقل تقدم لها الدعم، إلا أن ردّ إدارة باراك أوباما الضعيف على هجوم النظام بغاز السارين في آب/أوت 2013 في منطقة الغوطة أحبط المعارضة.
الضربة الكبرى التي تلقتها الحركات المناهضة للأسد كانت دخول روسيا في الحرب في خريف عام 2015، على الرغم من أن سيكيلي لا توضح دوافع روسيا، فقد جلبت روسيا قوة نارية فتاكة هائلة للمساعدة في إنقاذ الأسد من معارضيه الذين كانوا يفتقرون إلى الدعم المباشر من قوّة كبرى تحمل القناعات نفسها التي تحملها روسيا.
يستكشف كتاب "سوريا منقسمة" سرديات المدنيين والمقاتلين في الحرب الأهلية السورية، ويبحث في كيفية تشكيل هذه الروايات المتنافسة لديناميات الصراع، لا سيما من خلال العنف الأدائي. يركز الكتاب على النزاع المسلح الذي بدأ في عام 2011 مع انتفاضة المدنيين ضد نظام بشار الأسد، ولا يتتبع الكتاب رواية النظام فحسب، بل يتتبع أيضًا روايات الفاعلين البارزين الآخرين، بما في ذلك القوات الكردية وداعش والمعارضة المسلحة.
عنف موجه
إن استخدام جزءٍ من المقاتلين للعنف الموجّه ضد المدنيين والأهداف المسلحة على حدٍّ سواء، يمُكن أن يكون وسيلة للتواصل مع جمهورهم، ليصبح "نوعًا عنيفاً من رواية القصص"، إذ استُخدمت وسائل التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وفيسبوك وتيليغرام كأدوات لنشر دعاية الجماعات على نطاق واسع لتجنيد الأفراد، وجذب المانحين الدوليين وبغرض تهديد الخصوم، وهذا يفتح النقاش حول العنف الأدائي وصنع القرار العسكري.
يتألف كتاب "سوريا مقسمة" من أربعة فصول تقدم المشاركين وأدوارهم في الحرب الأهلية السورية، تليها دراسة شاملة للأسباب التي تجعل كل مشارك منخرطًا في الصراع وكيف تتجلى هذه الأسباب كأداء في موادهم الدعائية. ويدرس الفصلان الثالث والرابع، الأكثر ابتكارًا ودقة، العلاقة بين سرد المجموعة وأهدافها العسكرية، موضحين كيف أن "حرب اليوتيوب" بين الجهات الفاعلة العنيفة من الدولة وغير الدولة، تهدف إلى "إثبات جدارة القضية ووحدة الحركة وأعدادها والتزام أعضائها".
وتوثق أورا سيكيلي، بالاعتماد على بيانات الصراع، العنف ضد المدنيين من قبل الحكومة السورية والمعارضة، وداعش، والقوات الكردية، موضحةً كيف، وخاصة في حالات النظام وما يسمى بـ "تنظيم الدولة الإسلامية"، إذ كانت أهداف العنف تخدم أغراض الدعاية لإضفاء الشرعية على سردياتهم الشاملة. وفي حين يتعارض استهدافهم العسكري مع هذه السرديات، فإن المواد الدعائية يتم إنشاؤها وتهدف إلى تعزيز صورة معينة، حتى لو كانت تعرض الانتصارات العسكرية للخطر أو تكشف عن موقع مجموعة لخصمها.
ويتم فحص هذه الملاحظة بمزيدٍ من التفصيل في الفصل الرابع، مع تركيز وسائل التواصل الاجتماعي على ساحة المعركة، وإبراز كيف يتم استخدام العنف كدعايةٍ لنقل الرسائل، على سبيل المثال، تؤكّد مقاطع الفيديو التي أنتجها ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية على "قوّة داعش مقارنة بخصومه"، ومن بين أقوى إنجازات الكتاب هو كشف الاستخدام السياسي والاستراتيجي لمقاطع الفيديو الدعائية من خلال وضع رواية كلّ مجموعة في سياق الصراع.
وبالنسبة إلى كذب النظام، فقد لجأ بشكلٍ متكرّرٍ إلى العنف العشوائي، كما اعترفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها، وفي مناقشته هجوم النظام على إدلب، لاحظ هذا التقرير: "إن الهجمات المتكرّرة التي شنّها التحالف السوري الروسي على البنية التحتية المدنية في المناطق المأهولة بالسكّان والتي لم يكن فيها هدف عسكري واضح، تشير إلى أن هذه الهجمات غير القانونية كانت متعمّدة. ربما كان القصد حرمان السكّان المحليين من الوسائل اللازمة لإعالة أنفسهم، وإجبار السكان المدنيين على الفرار وتسهيل سيطرة القوات البريّة السورية على الأراضي، أو ببساطة بث الرعب في نفوس السكان المدنيين كوسيلة لتحقيق النصر"، ويبدو أن التحالف السوري الروسي كان ينوي تحقيق هذه الأهداف ضاربًا القانون الدولي عرض الحائط.
في كتاب "سوريا منقسمة" تُسمعُ أصوات السوريين، وتتسرّبُ أنّاتهم وآلامهم من بين الصفحات، وهم يحلمون بأن ينتهي العنف في هذا البلد، وأن يتوقف سحق العظام واغتصاب النساء وسلخ الأجساد، وبالتأكيد هذا لن يحدث إلا برحيل الأسد.. وقد رحل هذا الطاغية فعلًا.