ultracheck
ترامب والحرب الاقتصادية ضد الصين (ميغازين).

حروب أمريكا الاقتصادية: هل تسقط الصين في الفخ كما سقط السوفييت من قبل؟

21 أغسطس 2025

افتتحت الولايات المتحدة حربها التجارية ضد الصين في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى وتحديدًا في كانون ثانٍ/يناير من العام 2018، حيث فرض عددًا من التعريفات الجمركية على ألواح الطاقة الشمسية والمعادن مثل الصلب والألومينيوم وغيرها من الواردات، وهو ما قدره بنك مورجان ستانلي بـ 4.1% من مجمل واردات الولايات المتحدة، والتي تعرضت لتعريفات تتراوح بين 10% و50%، وهو ما برره ترامب وقتها بسرقة الملكية الفكرية والمعاملة الغير عادلة التي تتلقاها الولايات المتحدة من الشركاء التجاريين، حيث تقوم حكومة الحزب الشيوعي الصيني بدعم الصناعة والاقتصاد الصيني أمام صدمات السوق العالمي وتقلباته، ما يجعله أقوى في مقابل الاقتصاد الأمريكي، ما يجعل الميزان التجاري يختل لصالح الصين.

وبوصول الرئيس بايدن الي الحكم عام 2020؛ تأكد لجميع المراقبين أن لدى الولايات المتحدة استراتيجية في حربها الاقتصادية ضد الصين، حيث أبقى بايدن على التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب، ومنع وصول الصين للتقنيات الحديثة للشرائح الإلكترونية، بل إنه أضاف تعريفات لواردات أخرى منها السيارات الكهربائية، ومع بدء الفترة الثانية لترامب في الحكم، افتُتحت جولة جديدة من الحرب الاقتصادية، بدأت مع مطلع شباط/فبراير هذا العام بفرض 10% تعريفات جمركية على جميع واردات السلع من الصين، لتبدأ مرحلة من فوضى التعريفات العقابية المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة، وصلت فيها التعريفات الأمريكية ل 145%، فيما وصلت التعريفات الصينية ضد الواردات الأمريكية الي 125%، وفي 12 أيار/مايو تم التوصل الي اتفاق في جنيف لتخفيض التعريفات التبادلية بين الصين والولايات المتحدة لتصبح 30% على الصين و10% على الولايات المتحدة.

تتبلور الاستراتيجية الأمريكية في حربها الحالية حول نقطة أولية، وهي منع الصين ومنتجاتها من الوصول الي السوق الأمريكي، وبهذا يُفك الارتباط التجاري بين البلدين والذي بدأ مع دخول الصين منظمة التجارة العالمية WTO مع بداية الألفية، وهو ما قد يعرض الاقتصاد الصيني لضغوط كبيرة بوصفه اقتصادًا يعتمد على التصدير الفائق؛ ما يدفع قيادة الحزب الشيوعي للتراجع عن خططها لغزو تايوان، أو حتى منافسة الولايات المتحدة في الهيمنة العالمية بوصفها قوة صاعدة مؤثرة.

يتشكك العديد من المتخصصين في قدرة الولايات المتحدة على شن حرب اقتصادية فعّالة ضد الصين كما حاربت من قبل الاتحاد السوفيتي طول فترة الحرب الباردة، أو مثل حربها ضد اليابان في تسعينات القرن الماضي، وهما التجربتان الأكثر نجاحًا ضمن هذا النوع من الحروب الغير عسكرية، لكن كيف نجحت الولايات المتحدة في تلك التجارب؟ وما عوامل النجاح والفشل؟ ولماذا لن تنجح مع الصين؟

الحرب الاقتصادية التي أفلست الاتحاد السوفيتي

اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية بنهاية الحرب العالمية الثانية مجموعة من الخطط لاحتواء التهديد المتصاعد من قِبل الاتحاد السوفيتي، بدءًا من خطة مارشال 1947، ثم عقيدة ترومان 1947 وانتهاءً بـ"Point Four" التي أسسها جورج كينان، وهي استراتيجية اعتمدت شعار: "لفترة طويلة، وبمنتهى الصبر والثبات واليقظة؛ نعمل على احتواء التوسع الروسي، بحيث تنتهي إلى تفكك الاتحاد السوفيتي أو تلاشي قوته"، وهي الاستراتيجية التي اتبعتها المؤسسات السياسية والأمنية الأمريكية لما يقارب أربعين عامًا حتى آتت أكلها.

اختبر الاتحاد السوفيتي قدراته النووية في آب/أغسطس من العام 1949، وهو ما فتح الباب لميلاد عقيدة الردع النووي بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث أغلق توازن الرعب هذا كل احتمالات الحرب التقليدية المباشرة بين قوتين نوويتين من هذا الحجم؛ سرعان ما امتلكت كل واحدة منهما ألاف القنابل النووية، والتي تضاعفت قوتها التدميرية مع استمرار التجارب، ولذلك بدلًا من الحرب المباشرة اشتعلت حرب صامتة قادتها أجهزة الاستخبارات الروسية والأمريكية في عدد من بلدان الجنوب وأحيانًا بلدان الشمال العالمي، عُرفت باسم "الحرب الباردة"، لكن إلى جانب تلك الحرب قامت حرب من نوع أخر، هي الحرب الاقتصادية.

مع بداية العام 1950؛ أعد كل من بول نيتز مستشار السياسة الخارجية للرئيس ترومان وليون كيسيرلينغ مستشار الرئيس الاقتصادي، خطة تعرف بـ NSC-68 وهي تعتمد بشكل أساسي على ثلاثة محاور، أولها العمل على إفلاس الاتحاد السوفيتي وإفقاده الهيمنة على محيطه الاستراتيجي، والثانية تقوية الولايات المتحدة وأوروبا عسكريًّا واقتصاديًّا، وكانت التوصية الرئيسية لتلك الخطة هي الاستثمار في "سباق التسلح"، حيث تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل القطاع الخاص والعام الأمريكي وبرامج التعليم الجامعي ومؤسسات البحث العلمي والفضائي مثل NASA وغيرها، لأجل هدف نهائي هو تقوية الجيش الأمريكي وتزويده بأحدث الأسلحة والأدوات التكنولوجية.

قدمت الخطة دراسة مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الروسي، واعتبرت أن الهدف العام من سباق التسلح ليس خوض حربٍ مباشرة تقليدية، وانما دفْع الاتحاد السوفيتي لتوجيه قدر أكبر من موارده تجاه الإنتاج والصناعة العسكرية، وهو ما يُعد ضغطًا كبيرًا على قدراته الاقتصادية؛ لأن السوفييت بالفعل كانوا قد وجهوا قدرًا كبيرًا من الموارد لصالح إعادة بناء وتسليح الجيش منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبسبب صغر حجم الاقتصاد السوفيتي المركزي؛ فقد توقعت الدراسة أن تتأخر القدرات العسكرية الروسية عن نظيرتها الأمريكية خلال وقت قريب.

تحولت خطة احتواء الاتحاد السوفيتي الي خطة استنزاف بعد الحرب الكورية والدعم السياسي لتجارب التحرر الوطني وصعود الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، وتمثل هذا الاستنزاف في شكل اقتصادي بحت، فمقترح سباق التسلح يحرم الاقتصاد السوفيتي من توجيه موارده إلى القطاع الاستثماري Investment أو إلى القطاع الاستهلاكي Consumption أو الاثنين معًا، وعندما يُحرم القطاع الاستثماري من الموارد؛ يتباطأ الاقتصاد ويتقلص حجمه، ما يجعل الاتحاد السوفيتي يتخلف عن السباق مع الولايات المتحدة في المحصلة النهائية ويُجبر على التراجع حتى في المجال العسكري الذي استهلك أغلب الموارد.

وفي حالة حرمان الاقتصاد من توجيه الموارد لتشجيع الإنتاج والاستهلاك، يتوقع أن تنتشر حالة من عدم الرضا وتتنامي الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، باختصار أراد مقترح NSC-68 ان يحول الاتحاد السوفيتي إلى عدد هائل من مخازن السلاح القديم الصدئ غير المستعمل، ولملايين الجنود العاملين المستهلِكين للموارد المحدودة، بحيث تتراجع القدرة التنموية للخطط الخمسية التي اعتمدها الاتحاد السوفيتي في بداية ثلاثينات القرن العشرين.

كان الوضع الاقتصادي الأمريكي على العكس تمامًا من ذلك، فقد اعتمد بالأساس على استراتيجية "العسكرية الكينزية Military Keynesianism"، وهي منهجية اقتصادية استعملتها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية وأثبتت نجاحها، فاعتمدتها طيلة الحرب الباردة، من خلالها قامت الحكومة الأمريكية بدعم القطاع الخاص عبر تمويل مباشر يهدف في النهاية لتطوير برامج أسلحة وتكنولوجيات حديثة، فينمو القطاع الخاص ويتوسع الاقتصاد الأمريكي بشكل كامل، من خلال إضافة مشاريع وشركات وبراءات اختراع ووظائف جديدة طوال الوقت؛ لخدمة الهدف العسكري النهائي والمتوافق مع الدعاية السياسية وبروباغندا الحرب الباردة، حتى مع انتفاء إمكانية أن تقوم حرب تقليدية مباشرة بين القوتين، لكن العلم الكامل بطبيعة الاقتصاد السوفيتي ونقطة ضعفه الأساسية سمح بنجاح هذه الخطة.

بدأت الحرب الاقتصادية ضد السوفييت أولى نجاحاتها داخليًّا، حيث زاد الإنفاق الحكومي الأمريكي ثلاثة أضعاف، وتضاعفت ميزانية التسليح لتتراوح بين 40 و50 مليار دولار عام 1950. ومن خلال استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية والقطاع الاستهلاكي والتكنولوجي؛ انخفضت معدلات البطالة لأقل من 3%، واستقر التضخم عند معدلات مقبولة، وهي الظروف التي عُرفت فيما بعد بـ"العقود الثلاثة السعيدة"، التي نشأت معها ذروة التصنيع الأمريكي وولدت الأسر النووية واستقر المجتمع الأمريكي.

تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحت ثِقل دين خارجي يصل إلى حدود 66 مليار دولار، وعلى الرغم من أن برنامج التسليح السوفييتي نجح في تطوير قطاعات صناعية معينة مثل الإلكترونيات والطاقة النووية وتكنولوجية الفضا، فضلًا عن تخريج مهندسين وعلماء متخصصين، لكن بحسب وثيقة للمخابرات الأمريكية؛ فقد كانت تلك النجاحات مرتبطة بشكل وثيق بالقطاع العسكري وليس بالضرورة بالقطاع المدني، وفي المقابل كان عقد السبعينات في الاتحاد السوفيتي هو "حقبة الركود التضخمي" حيث استمرت برامج التسلح العسكري وخصوصًا مع أزمة أفغانستان فيما تراجع الإنتاج المدني ولم يستطع تغطية الاستهلاك المحلي أبدًا.

أمراء الين وهزيمة اقتصاد الرفاه الياباني

فرضت إدارة الرئيس رونالد ريجان عددًا من القيود والتعريفات الجمركية على البضائع والواردات اليابانية بنسب تقارب 60%، خاصة على واردات السيارات اليابانية وقطاع صناعة المعادن وغيرها من العلامات اليابانية المشهورة، فخلال عقدي الثمانينات والتسعينات كان الاقتصاد الياباني ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفي طريقه ليصبح الاقتصاد الأول في العالم، وهو ما دعى الكونغرس الأمريكي لعقد جلسة استماع بعنوان "الإنتاجية اليابانية: دروس تحتاجها الولايات المتحدة"، فخلال هذه العقود حققت التجارة اليابانية مع العالم وخاصة مع الولايات المتحدة فائضًا تراوح بين 20 و30 مليار دولار بحسب US Census Bureau، وأمام هذا الفائض الذي حققه الاقتصاد الياباني؛ ادّعت إدارة ريجان أن الحكومة اليابانية وتحديدًا وزارة المالية، تقوم بدعم هذه الصناعات ضد قواعد السوق الحرة وبالتالي تقوم باستغلال الولايات المتحدة، وهو الادعاء نفسه الذي يسوقه دونالد ترامب وإدارته الآن.

لكن كيف أصبح الاقتصاد الياباني بتلك القوة خلال ثلاثة عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية؟ وكيف تمكنت الولايات المتحدة من تحجيم اليابان ومنعها من أن تصبح القوة العالمية الأولى؟

بنهاية الحرب العالمية الثانية، خرج الاقتصاد الياباني محطمًا وكانت الولايات المتحدة في حاجة لإصلاح هذا الاقتصاد مرة أخرى على طريقة "خطة مارشال" التي اعتمدتها في أوروبا، لقطع الطريق على الاتحاد السوفيتي وأيديولوجيته، ومنعه من فرض أي هيمنة على اليابان بوصفها منطقة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة.

أرادت الولايات المتحدة أن تجعل من اليابان نموذجًا لدولة جديدة على صورتها، فدعمت خطة للقضاء على ملاك الأراضي الكبار، وتوزيع الأراضي الزراعية بين الفلاحين العاملين بها، واستدعت وزير المالية الياباني الذي خدم في حكومة توغو خلال الحرب؛ ليقوم بإعادة هيكلة الاقتصاد الياباني وإنشاء اقتصاد حرب مرة أخرى، ولكن هذه المرة لتوجيه موارد اليابان إلى خدمة الاقتصاد الإنتاجي والاستهلاكي لا للصناعات العسكرية.

اعتمد الاقتصاد الياباني بعد الحرب؛ على التخطيط الحكومي المركزي وتنفيذ شركات القطاع الخاص العاملة في كل المجالات، حيث تقدم الحكومة دعمها الكامل لقطاعات إنتاجية معينة، وتنظم التنافس بين الشركات وتمنع الاستحواذ والاحتكار المضر بالاقتصاد، وتحقق هذا التخطيط الحكومي على يد ثلاثة مكاتب بيروقراطية؛ وزارة المالية (MOF) ووزارة التجارة الخارجية (MITI) وبنك اليابان المركزي (BOJ)، فبينما تمتلك وزارة المالية القول الفصل والسيطرة الكاملة على الاقتصاد الياباني يقوم البنك المركزي الياباني بدور التابع المنوط به خلق السيولة في الأسواق وتحفيز الصناعة وتمويل الشركات بحسب توجيها الوزارة.

لم تتحقق معجزة الصناعة اليابانية بفضل اقتصاد السوق الحرة كما نعرفه اليوم، وإنما بفضل شكل مختلط من الاقتصاد، كان يعرف خلال خمسينيات القرن الماضي بالاقتصاد "الكينزي"، تعمل فيه الدولة والشركات الخاصة جنبًا إلى جنب بهدف تحقيق أكبر معدل نمو مستدام ممكن، فبينما تكونت الشركات من مديرين وعمال ومساهمين؛ اهتم هذا النموذج بدعم المديرين والعمال وتوفير حياة مستقرة لهم وإتاحة فرص للترقي الطبقي والوظيفي، فيما أهمل المساهمين وامتنع عن تقاسم أرباح الشركات معهم، وإنما اعتمد على إعادة استثمار هذه الأرباح في أصول الشركات بدلًا من الشراء الخلفي للأسهم Buy Backs وإثراء المساهمين على حساب الأصول.

حقق الاقتصاد الياباني نموًا مستدامًا بدايةً من خمسينات القرن الماضي ولمدة عقدين كاملين، حيث حقق نموًّا Real GDP بما يزيد عن 10% سنويًّا خلال الخمسينيات، ثم استقر عند 5% سنويًّا في عقد الستينيات، وفي عام 1980 أصبح الاقتصاد الياباني ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وجاء هذا النمو من خلال فلسفة استخدمها بنك اليابان المركزي تعرف باسم "Window Guidance" وفيها يقوم البنك المركزي بتوفير قروض وسيولة موجّهة لشركات وقطاعات بعينها في الاقتصاد الياباني من أجل تحفيزها ومساعدتها في تحقيق نمو وفائض تجاري عند تصدير منتجاتها للخارج، لكن مع بدايات عقد الثمانينيات حدث اختلال بين المكاتب البيروقراطية الثلاثة التي تدير الاقتصاد، ويتزعم المشكلة بنك اليابان.

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية حربها الاقتصادية ضد اليابان بعدد من القيود والتعريفات على الواردات من اليابان، تبعها تدخل مباشر في استراتيجية عمل البنك المركزي الياباني عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ لفرض إعادة هيكلة للاقتصاد الياباني وتحويله من اقتصاد موجه للتصدير الي اقتصاد سوق حرة مفتوح للاستثمارات الخارجية بلا دعم سياسي أو مالي حكومي او تخطيط مباشر، ولذلك بدأ بنك اليابان بمحاولة إغراق النموذج الاقتصادي التنموي القائم عن طريق طباعة كميات كبيرة من الين الياباني، وتوفير أكبر سيولة ممكنة للمقترضين الأفراد ممن لا يملكون أي ملائة مالية، وتوفير سيولة للمضاربين في البورصات العالمية، وفي أسواق العقارات في اليابان وحول العالم، بحيث بلغ سعر عدد من الأراضي في العاصمة طوكيو قيمة ولاية كاليفورنيا الأمريكية بالكامل.

بدايةً من تسعينيات القرن الماضي؛ وصل مقدار الديون التي وفرها بنك اليابان المركزي إلى 100 تريليون ين، أي أن ما يقدر بـ 20% من الاقتصاد الياباني هو عبارة عن قروض سيئة استخدمت في المضاربات وخلق فقاعات عقارية ومالية التهمت اليابان وتسببت في خلق حالة من التضخم غير المدعوم اقتصاديًّا، ما دعا البنك المركزي الياباني إلى التدخل والعمل تبعًا لتوجيهات صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، ومن ثم إلى تقليل مقدار السيولة التي تدخل الاقتصاد ومنع البنوك من إقراض عملائها، ما أدى في النهاية الي إفلاس المضاربين، وحدوث انكماش في الأسعار وتراجع الطلب الداخلي وزيادة معدلات البطالة وانخفاض معدلات النمو.

استمرت أزمة الركود الياباني لما يقارب العقد، وبرغم محاولات السياسيين وموظفي وزارة المالية تحفيز الاقتصاد بحُزَم مالية معينة أو تخفيض معدلات الفائدة المرتفعة من أجل تشجيع الأفراد والشركات على الاقتراض من البنوك، فإن البنك المركزي امتنع عن توفير أي سيولة تذكر ودأب مديروه على تقديم نفس الإجابة، بأن محاولة إصلاح الأزمة لن تؤدي إلى أي تغييرات جذرية في بنية الاقتصاد الياباني وتحويله من اقتصاد قائم على التصدير إلى اقتصاد مفتوح.

 بنهاية الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي والتي تسببت في إفلاسه وشارك فيها الاقتصاد الياباني، وجد موظفو البنك المركزي الياباني أنفسهم أمام حرب اقتصادية محتملة عليهم، ولذا قاموا بافتعال كارثة التضخم المصطنع ثم الركود الطويل لإعادة ضبط الاقتصاد، ما أدى إلى انهيار نموذج التصنيع الفائق واقتصاد الحرب والتحول إلى شكل جديد من اقتصاد السوق المفتوح أمام البضائع ورؤوس الأموال، وإنهاء المعجزة اليابانية مرة واحدة وللأبد، حتى لو تسببت تلك الخطوة في تدمير حياة ملايين اليابانيين وزيادة معدلات الانتحار والجريمة والإدمان وانخفاض معدلات المواليد لمعدلات غير مسبوقة.

الحرب ضد الصين ورحلة البحث عن عيوب النموذج الصيني

تعتمد الولايات المتحدة في حربها الاقتصادية ضد الصين على عاملين أساسيين، الأول هو منع الصين من الوصول لتكنولوجيات معينة سواء الرقائق الإلكترونية الحديثة أو تقنيات الذكاء الصناعي وحتى الصناعات الميكانيكية الدقيقة التي تدخل في صناعة الطيران والسيارات، والعامل الأخر هو تقييد وصول المُصنّعين الصينيين إلى السوق الأمريكي وحرمان الصين من مشتريات السوق الأكبر في العالم، وتأتي تلك الحرب في ظل أزمة اقتصادية تعاني منها الصين وخصوصًا في قطاع العقارات ما يجعلها أشد هشاشة أمام هذه الحرب.

على الجانب الأخر تمتلك الصين ثلاثة عوامل رئيسية تجنبها الهزيمة المباشرة في تلك الحرب كما حدث مع الاتحاد السوفيتي واليابان، أولها امتلاكها نظامًا سياسيًّا مستقلًّا لا يخضع للإملاءات ويُحكم قبضته على جميع القطاعات في الصين سواء المؤسسية مثل البنك المركزي الصيني أو القطاع الخاص الذي ينظم عمله ويفصل بين شركاته ويمنع الاحتكار. وثانيًا فمن ناحية التجارة مع الولايات المتحدة؛ فالصين حققت فائضًا تجاريًّا بمقدار 438.7 مليار دولار عام 2024 بزيادة تقدر بـ 5.7% عن عام 2023، وهذا الفائض يأتي في شكل أجهزة تكنولوجية معقدة وسيارات كهربائية وملابس ومعدات وكثير من السلع التي يعتمد عليها المستهلك والاقتصاد الأمريكي بشكل أساسي. أما ثالثًا فبالإضافة إلى واردات الولايات المتحدة من السلع الصينية فإنها تعتمد بشكل أساسي على المعادن النادرة التي تمتلك الصين منها حصة معتبرة.

تقرأ الصين الحرب الاقتصادية ضدها من منظور سياسي لا اقتصادي، فهي ترى أن محاولات التحجيم والاحتواء الاقتصادي تهدف في النهاية إلى منعها من أن تصبح قوة عالمية مهيمنة، لكن في المقابل تدرك أن تصعيد الحرب الاقتصادية مع الولايات المتحدة يمكنه أن يضر بالاقتصادين معًا؛ فيتسبب في ركود الاقتصاد الصيني، وتضخم يوازي التضخم الذي أعقب وباء كوفيد في الولايات المتحدة.

تحاول الصين إنهاء العيوب الكامنة في نموذجها الاقتصادي حتى تتفادى أضرار هذه الحرب، فهي تنوّع من الأسواق التي تعتمد عليها في تصدير منتجاتها بدلًا من الولايات المتحدة، فقد انخفضت صادراتها إلى الولايات المتحدة من 20% عام 2018 الي 10% فقط خلال الربع الثاني من 2025، وفي المقابل فقد زادت من صادراتها الي الأسواق العالمية بنسبة 11% عامًا بعد عام حتى وصلت لرقم قياسي يقارب 856 مليار دولار خاصة في الدول ذات الاقتصادات النامية ودول وسط آسيا وافريقيا.

وأما من ناحية التكنولوجيات الدقيقة التي تحتكرها الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، فقد أنفقت الصين على البحث والتطوير (R&D) ما يقارب 3.6 تريليون يوان أي 500 مليار دولار عام 2024 بزيادة قدرها 8.3% عن العام السابق، وهو ما يشكل 2.68% من مجمل الاقتصاد الصيني، وحددت قائمة من 14 تكنولوجيا لا تستطيع أن تنتجها بشكل مستقل وتحتاج إلى استيرادها بشكل عاجل، وتمثل نقاط اختناق وضعف في الاقتصاد والصناعة الصينية يمكن أن تتسبب مع الحرب الاقتصادية في ضرر حقيقي، ولذلك يتبنى الحزب الشيوعي الصيني سياسة الاعتماد على الذات وتطوير تلك الصناعات قدر الإمكان وإيقاف الاعتماد على الوارد الغربي، وبحسب دراسة أعدها مركز الأمن والتكنولوجيات الناشئة CSET وترجمها بن مورفي؛ فقد قامت الصين بتحقيق إنجازات كبيرة في قائمة نقاط الاختناق والضعف التي حددتها، ومن المتوقع أن تواصل تحقيق اكتفاء ذاتي من معظم التكنولوجيات خلال هذا العقد.

تكتسب الصين مناعة في مواجهة الحرب الاقتصادية وتزداد قوتها فيما تضعف قدرة الولايات المتحدة على تحجيم الاقتصاد الصيني، وبالتبعية تجد الولايات المتحدة نفسها في حاجة لمراجعة استراتيجيتها، فمثلًا سمحت مؤخرًا لشركة إنفيديا Nvidia بالعودة للسوق الصيني واستئناف بيع الشرائح المتطورة، وبالتبعية تحتاج الولايات المتحدة لعقد محادثات ومفاوضات مطولة مع الصين، بدأت مع مفاوضات جنيف خلال أيار/مايو وحزيران/يونيو من عام 2025، وحتى استئنافها في جولة جديدة في ستوكهولم، والتي لم تسفر حتى الآن عن أي تراجع من جانب الصين أو اتخاذ موقف أمريكي نهائي يمنع الاستيراد من الصين مِن دون ان يستثني النسبة الغالبة من تلك الواردات، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع إنتاجها.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

المزيد من الكاتب

مصطفى هشام

كاتب مصري

العزوبية الاضطرارية: كيف يصبح المحرومون من الجنس مصدرًا جديدًا للإرهاب؟

من هم الإنسيلز حقًا؟ متى بدأت هذه المجموعات نشاطها؟ ولماذا تنشط على الإنترنت تحديدًا؟ وما هي الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي ولدت تلك المجموعات التي تتبنى وجهة نظر عدوانية تجاه النساء حصرًا؟

أزمات أكثر أطفال أقل: كيف تشكل معدلات المواليد المنخفضة المستقبل؟

يهدِّد انخفاض معدلات المواليد مستقبل البشرية أكثر مما تفعل التغيّرات المناخية

الاستراتيجية الأميريكية مع روسيا.. هل خلقت عدوًا مُتخيّلًا؟

بدأت الحرب الباردة الثانية بعد احتلال جزيرة القرم، والتي أخذت في التطور بدعم رموز اليمين المتطرف في أوروبا والذي يسعى إلى هدم الاتحاد الأوروبي والخروج من الناتو

تيلور سويفت والاقتصاد العاطفي: كيف تعيد الموسيقى إنعاش المدن

في أعقاب وباء كوفيد ونتيجة للإغلاقات، تعرض الاقتصاد العالمي وخصوصًا الأميركي، إلى حالة شديد من الركود، انهارت على إثرها أسواق البورصة والأصول العالمية

ستيف بانون أو عقل ترامب: ما المشروع الشعبوي الذي يحمله ترامب للأميركيين وللعالم؟

قراءة في خلفيات الأجندة الاقتصادية لترامب، وجذورها منذ الأزمة العالمية عام 2008 وصولًا إلى تحَكُّمها في مشهد الاقتصاد العالمي

دمية لابوبو: كيف يمكن لاستراتيجيات التسويق أن تحطمنا؟

عن دمية لابوبو واستراتيجيات التسويق الخفية التي تخاطب لاوعي الإنسان ورغباته المكبوتة