ultracheck
مشروب الشاي

جلسة "الأتاي" في المغرب.. كيف تحول الشاي إلى طقس اجتماعي؟

3 يونيو 2026

يحيل مشروب الشاي أو "الأتاي" بالنعناع على عادة مرتبطة بالهوية المغربية، بالنظر إلى شعبية المشروب الواسعة اليوم لدى كل فئات المجتمع المغربي، حتى إنه يصعب أن تقنع مغربيًا بأن البلد الأصلي للشاي هو الصين، وأن استهلاكه لم يكن متجذرًا في ماضي المغاربة.

فعلًا، الوقائع تؤكد أن استهلاك هذا المشروب، الذي يسميه المغاربة بـ"الأتاي"، لم يتجذّر على نطاق واسع بالمغرب إلا منذ ما يزيد قليلًا عن قرن من الزمان. ومن ساعتها لم ينقطع المغاربة عن شرب الشاي أو "الأتاي"، بل لم ينتقل دوره إلى إغراءات المشروبات الأجنبية الجديدة التي وصلت للأسواق المغربية منذ الحرب العالمية الثانية؛ وفي طليعتها مشروب الكولا والمشروبات الغازية.

الواضح أنه خلال مسار التحول هذا من الشاي إلى "الأتاي"، تشكلت مُحركات ثقافية ووجدانية واقتصادية وجهت عملية تملك المشروب الجديد واستيعابه من قبل السكان المغاربة، والطريقة التي انتقل بها من مشروب أجنبي في الأصل إلى مشروب قومي لشعب بأكمله، وأصبحت له طقوس وعادات، حتى إن الحرفيّين والصنّاع المغاربة أبدعوا في صنع أدوات تحضير "الأتاي".

دواءُ الأمير محلّ الخمر

قبل القرن 18 لم يعهد المغاربة مشروبًا مثل الشاي في موائدهم ومطابخهم، إذ تفيد مجموعة من المؤشرات بأن المشروب دخل إلى البلاد خلال عهد السلطان المولى إسماعيل، مطلع القرن المذكور (حكم البلاد لمدة نصف قرن من 1672 حتى 1727)، واستعمل حينها بكميات محدودة كدواء قبل أن يستهلك كشراب. يذكر عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي، في كتابهما "من الشاي إلى الأتاي.. العادة والتاريخ"، أن عبد الكبير الفاسي (توفي سنة 1879)، أشار إلى أن أول من شرب الشاي بالمغرب هو عم السلطان العلوي محمد بن عبد الله (1757–1790)، زيدان بن إسماعيل.

ويروي عبد الكبير الفاسي، في كتابه "تذكرة المحسنين بوفيات الأعيان وحوادث السنين"، أن الأمير زيدان ابن السلطان إسماعيل، الذي كان خليفة لوالده بثغر آسفي، أصيب بمرض نتيجة لإفراطه في تناول المُسكرات، فتمكن طبيب نصراني من إشفائه بفضل تناول "الأتاي" محل الخمر.

جاء في كتاب تذكرة المحسنين: "(كان زيدان) شريبًا حتى أكسبه الشرب ألمًا عجز الأطباء عن معالجته، فجيء بحكيم نصراني، فأمعن النظر فيه فقال: لابد من تخليه عن الشرب. فلم يجد إليه سبيلًا، فأتاه بشرب الأتاي. ولم يزل يحسنه إياه حتى استغنى به عن الشرب فعوفي بقدرة الله". يضيف الفاسي، في "تذكرة المحسنين بوفيات الأعيان وحوادث السنين"، أن مشروب الشاي شاع وذاع في أيامه، وعم جميع المجالس والبقاع. ولم يزل في زيادة الظهور، والولع به في البوادي والحواضر على ترادف الأعوام والشهور.

موالين أتاي في بلاط السلطان

ظلّ الشاي طيلة القرن المذكور مادة ينحصر استعمالها في البلاط السلطاني والوسط المخزني، حيث كان الشاي ولوازمه من بين الهدايا التي اعتاد السفراء الأوروبيون أن يقدموها للسلطان وممثليه المحليين، إلى جانب سكر القالب والثياب الرفيعة. لهذا، ظهرت في قصر السلطان هيئة "موالين أتايْ"، ويقصد بهم خدمٌ يتكلفون بإعداد الشاي فقط. يوضح مؤلفا كتاب "من الشاي إلى الأتاي" أنه "يوجد على رأس موالين أتاي مسؤول يدعى مُولْ أتاي، ويبدو أن أول من تقلد هذا المنصب هو أحمد بن المبارك، وصيف السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي وحاجبه".

يقول الإخباري ومؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن بن زيدان: "أما شغل أصحاب الأتاي فوضع أوانيه بالمحال المعدة لها وحفظها سفرًا وحضرًا، وتنظيفها وصقل ما يحتاج للصقل وتهيئتها وتسخين الماء ليكون معدًا للغليان في سائر الأوقات، إذا شاء الأمير شرب الأتاي أمر أحد الطواشين بواسطة إحدى الإماء بإحضارها، فيخرج الطواشي وينادي بأعلى صوته قائلًا: "مواعين سيدي قال سيدي أ مول أتاي"، يجيب القائد وأصحابه: "نعم سيدي"، ثم يتقدم رئيسهم حاملًا على كفه الأيمن طبلة الكؤوس والأباريق".

في كتابه "العز والصولة في معالم نظم الدولة"، أسهب الإخباري في وصف طقوس تقديم الشاي على طريقة السلاطين، مبرزًا كيف تتوزع الأدوار بشكل سلس ومتناسق بين من يحمل صينية بها كؤوس وإبريقان، ومن يحمل أخرى بها أواني السكر والشاي وتوابعهما، ومن يحمل المجمر وإبريق الماء، ثم يتسلمها الطواشين في باب القصر ويضعونها أمام السلطان الذي يؤذن لصاحبة النوبة من الإماء صواحب الأتاي بإقامته.

أبهة المخزن وسلاح الإخضاع

يُرجّح أن طقس الشاي انتقل من القصر السلطاني بكل تلك الطقوس، إلى أوساط أخرى عن طريق أسلوب محاكاة النموذج المخزني. ويشير عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي، في كتابهما المذكور، أن السلطان "اعتاد أن يتنقل رفقة حاشيته بين عدة عواصم، كما أن خلفاء من أمراء الأسرة الحاكمة كانوا ينوبون عن السلطان في الحواضر الرئيسة، وإلى جانبهم هيئات تماثل الهيئات التي يستعين بها السلطان".

بل إنه في إطار السياسة التي اتبعتها الدولة المخزنية إزاء القبائل، عمد السلاطين إلى استعمال الشاي كسلاح الإخضاع الأطراف. يلفت كتاب "من الشاي إلى الأتاي" إلى أنه "إلى جانب عمليات استعراض القوة في الحركات (خرجات سلطانية تأديبية للقبائل) عمد الحسن الأول إلى إهداء الشاي والسكر والأواني الضرورية للرؤساء المحليين الذين يرفضون الخضوع للسلطنة أو يترددون في الإعلان عن ولائهم (...) وقد أعطت هذه السياسة ثمارها المنتظرة مع مرور الزمن".

تحيل هذه السياسة إلى الأسس الرمزية للمخزن المغربي، والتي تعكس بالدرجة الأولى آليات ممارسة سلطة المخزن، والتي تعبّر بشكل جلي عن مدى أبهته وعظمته، ودرجة وجوده داخل المجتمع عبر ركائزه الأساسية المادية والرمزية، لأن الفصل بين الجوانب المادية والرمزية للحضور المخزني يبقى فصلًا منهجيًا ليس إلا.

يؤكد محمد جادور، مؤلف كتاب "المخزن.. المؤسسة وأشكال الحضور"، أنه ما دامت "الرمزية باعتبارها شكلًا من أشكال تمظهر السلطة أضحت علامة إيحائية، بحيث لا يتم الاعتراف بهيبة الدولة وبحكمها وبماهيتها وبتصوراتها إلا من منظور رمزي، فإنه من اللازم التذكير بأن الأمر يتعلق بمظاهر ثابتة، وأخرى متغيرة في الزمن". على هذا الأساس، وظف المخزن المغربي رموزًا مختلفة، تجسدت في مظاهر الاحتفالية والبروتوكول، امتدت لتشمل التقاليد المتعلقة بعادات اللباس والأكل والشرب. وهي مهام تستدعي ممارستها التدرّب عليها بهدف إتقانها على يد العارفين والعارفات بها.

مشروب الزوايا والأعيان والكبراء

في تطور استنساخ طقوس "الأتاي" المخزنية، عمدت كبريات الزوايا في المغرب هي الأخرى إلى إحداث منصب "مُولْ أتاي"، أو الخدم المتخصص في تهيئة الشاي، إلى جانب قاعة مخصصة لطقس هذا المشروب. خصوصًا أن هذه الزوايا كانت تتوصل بهدايا سلطانية في إطار السياسات المخزنية لاحتوائها، لأنها كانت مؤسسات دينية فاعلة ومهيمنة تجاوزت الوظيفة الروحية القائمة على الزهد والتصوف.

يسجل عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي أن "الشاي اقترن إذن بلغة الهدية والهدية المضادة، حيث يسعى الطرف الأعلى إلى إلغاء الحواجز وتيسير التواصل، بل يسعى في بعض الحالات إلى إبطال المقاومة وترسيخ روابط التبعية". والراجح أن "فقراء" الزوايا نالوا حظًا كبيرًا من جلسات الشاي التي كانت تُعدّ في هذه المؤسسات الدينية والروحية في مختلف مناطق المملكة، خصوصًا أن الزوايا كانت من خصائصها الإيواء وإطعام المساكين واستضافة المريدين والفقراء.

إلى جانب هؤلاء، انتشر الشاي وسط أغنياء المغرب، ثم بقي مدة محتكرًا في مربع البلاط، وممثلي السلطان والمقربين له، ومؤسسات الزوايا، والأغنياء وعلية القوم في البلاد. فهذا المشروب الجديد، كان منذ البداية، يكشف في تكوينه واستعماله وتدبيره عن الانتماء الطبقي لمنتجيه أو مموليه.

فاللافت في تاريخ الشاي أنه في بدايته كان حكرًا على فئة معنية من المجتمع المغربي، كما أشرنا سابقًا، ليصير بعد ذلك اختصاصًا للفقراء. يذكر عبد الرحيم العطري، في كتابه "قرابة الملح.. الهندسة الاجتماعية للطعام"، أن "الشاي مثلًا لما ظهر في المجتمع المغربي كان مشروبًا خاصًا بالأعيان والكبراء والأملياء والأشباع، لكنه في تطوره سيغدو مرتبطًا بالفقراء من خلال لازمة: الخبز وأتاي". يضيف العطري أن الشيء نفسه "حدث للسُّكر الذي كان يحتكره الأغنياء ويصنعون منه تماثيل في إطار إبراز تفوقهم الاجتماعي، لكن الذي سيحدث بعد ذلك هو إقبال الفقراء عليه، إلى الدرجة التي تجعلهم يفرطون في استعماله، فالقهوة والشاي لا يستقيمان إلا بالمزيد من السكر".

استهلاك الشاي مقرون بالسكر

تثبت الوقائع التاريخية أن إقبال المغاربة على استهلاك السكر تنامى بشكل مقرون بالشاي منذ القرن 19، عندما أدخلته إنجلترا، وهي القوة التي هيمنت على التجارة الخارجية المغربية طيلة ذلك القرن، إلى السوق المغربية عبر محطة جبل طارق الذي كان آنذاك من الموانئ الرئيسة بحوض البحر الأبيض المتوسط.

أفاد مؤلفا كتاب "من الشاي إلى الأتاي" أن الشاي والسكر كانا "بمثابة الجواز الذي سهل التغلغل التجاري الأوروبي، وهو أمر تعبر عنه الأرقام. فالشاي والسكر شكلا عُشر مجموع الواردات خلال الثلاثينات (من القرن 19)، ثم ارتفعت النسبة إلى ما بين الثلث والربع خلال العقود الأخيرة من نفس القرن، حيث مثل الشاي والسكر والأقمشة القطنية أكثر من ستين في المئة من مجموع الواردات".

يضيف الكتاب، أنه "خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عرف الشاي حركة الانخفاض العام في أوروبا. وفضلًا عن ذلك، عمد الإنجليز إلى تزويد السوق المغربية بأنواع رديئة من الشاي لتخفيض الأثمان، وهو ما يفسر الارتفاع الذي عرفه استيراد الشاي في ظرف الأزمة التي شهدها المغرب في نهاية السبعينات من القرن التاسع عشر، بحيث تضاعف استهلاك المشروب ثلاث مرات فيما بين سنتي 1874 و1884".

لذلك، وصل المشروب الجديد، الذي قدّمه الإنجليز للمغاربة، إلى البوادي المجاورة بين 1860 و1878، واتسع نطاق استهلاك الشاي داخل مجموع البوادي بين 1880 و1892، وفي مستهل القرن العشرين، كاد المشروب أن يعم الوسط الجبلي بكل ربوع المملكة الشريفة، حتى إن المغاربة ساروا على خطى الإنجليز الذين عمدوا إلى تحلية المشروب الذي تعوّد الصينيون على تناوله بدون سكر.

يقول أحمد مكاوي، في مقاله "استهلاك الشاي والسكر في المغرب: المتعة والضرر": "أما اكتساح هذه المادة (الشاي)، في ارتباط وثيق بالسكر، للحواضر والبوادي بما فيها القاصية، فحدث بعد عقد المعاهدة المغربية الإنجليزية سنة 1856، وما تلاها من معاهدات إثر انكسار المغرب في حرب تطوان، حيث أدخل المغرب قسرًا ضمن الحركية العامة للتجارة الدولية وأصبحت وارداته من المادتين تعرف نموًا مضطردًا".

يجب الإشارة هنا إلى أن السكر كان معروفًا كمنتوج يصنع في المغرب، خصوصًا في عهد السعديين في القرن السادس عشر عندما أولوا اهتمامًا كبيرًا لهذا القطاع منذ نشأة دولتهم، لكنه لم يكن يستهلك داخليًا، بل كان يُصدّر للخارج، ثم انتكست هذه الصناعة التي رافقت تطور المشروع السياسي للسعديين، بانتكاسة هذه الدولة. لهذا، لم يتعوّد المغاربة على استهلاك مادة السكر في غذائهم، ولم يعتبروه مادة أساسية في موائدهم ولو عند الفقراء، لأن العسل كان مُفضلًا عليه منذ القديم، علاوة على أن مادة العسل كانت متوفرة بكثرة في الغابات والبراري.

لقد تمخّض عن عادة "شرب السكر" أو "شرب الشاي"، ترسيخ تقاليد وأعراف وطقوس خاصة، تليق بـ"حدث"، بل بـ"ثقافة" شرب الشاي، التي تُشكل فيها كفاءة "الصَّنعة" لدى "مْعلّم الصينية" أو "مُول أتاي" ركنًا أساسيًا بين أركان ذلك "الحدث" أو "الثقافة"، وذلك كله من كثرة إقبال المغاربة على هذا المشروب المُحلّى، وولعهم به إلى حد "الإدمان".

فتاوى تحريم لرفع التكلف

لم ينتصر الشاي إلا بعد اختفاء فتاوى الفقهاء المغاربة التي اتخذت في البداية موقف التحريم، رغم أن النفور من تعاطي الشاي والسكر ظل قائمًا لدى الفقهاء للسبب نفسه الذي أثير في أوائل القرن التاسع عشر؛ أي الطهارة. لكن فقهاء آخرين خافوا المشقة على المغاربة في استهلاكهم للشاي والسكر، إذ تنبّه أحمد الفاسي (توفي سنة 1799م) في وقت مبكر إلى خطورة استهلاك الشاي والسكر على القدرة الشرائية للناس واستنزافه للنقود، ما جعله يذمه.

كتب أحمد مكاوي، في مقال "استهلاك الشاي والسكر في المغرب: المتعة والضرر"، أن الفاسي تحدث عن "تبذير الأموال في سبيل شراء الشاي خلال فترة كان الاستهلاك ما يزال محصورًا في إطار ضيق: الشرائح العليا بالحواضر الكبرى فقط". الأمر تنامى مع مرور الأيام، و"تأكد الإسراف والتبذير مع توسع استيراد الشاي والسكر خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، ما حذا محمد بن حم التازي إلى وضع تأليف في الموضوع "الآي في تحريم الأتاي"، إذ انتقد فيه المخزن بسبب اعتكافه على الشاي"، يردف أحمد مكاوي في مقاله.

في فتوى فقهية أخرى، ودون أن تُحرّم شرب الشاي، نصح الفقيه الصوفي الشيخ علي الإلغي الدرقاوي بعدم شرب الشاي، لأنه رأى الناس، خصوصًا في منطقة سوس (جنوب)، غير قادرين على تغطية مصاريف نفقاته. لقد لاحظ هذا الشيخ الصوفي أن حالة العوز وما يقابلها من إدمان على شرب الشاي شكلت عبئًا ثقيلًا، ما يجعل شراء الشاي والسكر نقمة على الناس الذين يتكلفون كثيرًا بسببه، رغم أن استهلاك هذه المادة يقوي الروح وينشط الجسم لذكر الله والسهر.

لم يقتصر أمر التكلّف في شرب الشاي على مغاربة القرن التاسع عشر، بل حتى بعد أن أضحى الشاي أو الأتاي يعم الفئات الكادحة بالمدن في العقود الأولى من عصر الحماية الفرنسية للمغرب، فإن الأمر كان مستعصيًا على ساكنة البوادي، ولا سيما المناطق الجبلية على مستوى مواعين تهيئة المشروب. يذكر عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي، في كتاب "من الشاي إلى الأتاي"، أن "بعض المسنين في القرى الجبلية وفي واحات الجنوب يتذكرون أنه في "الدوار" أو "القصر"، كانت لوازم الشاي لا تتوفر سوى عند عائلات تُعد على رؤوس الأصابع، تلجأ إليها العائلات الأخرى للتزود بتلك اللوازم عند الحاجة".

جلسة الشاي وطقوسه

في رحلة تجذره داخل المجتمع المغربي، ظل مشروب الأتاي لصيقًا في جزء منه بسيرة السجال بين الطرف المُحرم وبين من دعا إليه كبديل للخمر، وكلها مؤشرات تدل على أن جلسة الشاي كانت في المغرب، في مستواها الطقوسي، امتدادًا لجلسة الخمر المحرّمة. يقول صاحبا كتاب "من الشاي إلى الأتاي": "يقترب الشاي إذن بلغة الدعابة والرغبة والمتعة. فيُحال على فضاء محجوب، مثلما تعودت المجتمعات الإسلامية على تحريم الشراب المسكر، وحضوره في فضاءات غير معلنة. إنه ليس تماثلًا نظريًا، فالمصادر تؤكد ظاهرة استهلاك المشروبات المسكرة في المغرب منذ العصر الوسيط".

ويورد الكتاب نفسه أنه "في بداية القرن العشرين، كان الزوج الشاب، في بعض الحواضر، يشتري الشاي والسكر ويدخلهما خلسة إلى البيت، وينتظر أن يختلي بزوجته ليشرب معها كؤوس الأتاي، بعيدًا عن أنظار الأبناء والأقرباء والمسنين". بل إن الرجل كان يتناول الشاي بمعزل عن زوجته، أو قد يقترن بمجالسة امرأة سواء كانت عشيقة أو بائعة الهوى، وتصبح أحيانًا هذه الكلمة المستحدثة "الأتاي" مرادفًا للعبة الجنس والإغراء والرغبة، خاصة أن النصوص التي دافعت عن المشروب الجديد وعدّت منافعه، أكدت أنه منشط جنسي يثير الشهوة. وهذا الحديث عن الشهوة قد يعني التوجه إلى الرجل كذات، والتعامل مع المرأة كموضوع.

تغير وضع الشاي ضمن العائلة المغربية، حتى إنه أصبح يحيل ذكر المشروب على كأس الأتاي، وجلسة الأتاي بالنعناع، ويحيل أيضًا على اجتماع الأسر والعائلات والصداقة، والضيافة والكرم، وإمضاء الوقت في السمر والحديث. إنه طقس يضمن عددًا من المكونات مثل زمان شرب الشاي ومكانه، والحركات الجسدية والمواقف والكلمات، وأيضًا لوازم تحضير الشاي.

الصينية ركيزة الطقس وقبلته

لا يستقيم الفهم الأعمق لطقس جلسة الشاي بالمغرب من دون المرور حتمًا عبر دراسة الطريقة التي اكتسبت بها الأواني المستخدمة لإعداد الشاي وتقديمه مكانة سيادية في المغرب. والأكيد أن هناك تشابكًا في العلاقات بين صناعة الأواني المرتبطة بـ"الأتاي"، والذين يتملكونها، في سياق سوسيو–اقتصادي ينشط فيه هؤلاء الفاعلون.

لعل صيرورة تغلغل أواني الشاي رافق انتشار المشروب في تفاصيل الحياة اليومية بالمغرب؛ وهو الذي يعكس في بدايته نوعًا من التمايز الاجتماعي بين الأغنياء وعلية القوم وباقي فئات المجتمع المغربي. وقد كانت هذه الأواني في بدايتها من ضمن السلع التي ولجت إلى الموانئ المغربية، وخاصة من إنجلترا على غرار نبتة الشاي ومادة السكر.

يقول مؤرخ المملكة الراحل عبد الحق المريني: "وقدم عندهم الإنجليزي ريتشارد رايت من مدينة منشيستر لعرض أوانيه الفضية الخاصة بالشاي أمامهم، فاستحسنوا صنعه وبدأوا يستوردون هذه الأواني الفضية من منشيستر حتى شاع أمرها في المغرب، ودخلت البيوتات المغربية، وأصبحت تدعى أواني الرايت (أي الأواني الفضية نسبة إلى السيد رايت) وهي على الخصوص: الصواني، والربايع (أواني يوضع فيها السكر والشاي) والبراد والبابور (هما إبريقان مخصصان للشاي ولغلي الماء)".

ويشير المريني، في كتابه "الشاي في الأدب المغربي"، إلى أنه لم يفت شعراء أثناء انتشار الشاي بالمغرب، من أن ينشدوا بقريضهم الأواني التي تستعمل في تهيئة مشروب الأتاي، وخصوصًا البراد والصينية والكؤوس. لكن المغاربة لم يدرجوا على هذا المنوال كثيرًا، إذ صنعوا لجلساتهم أواني مغربية لشرب الشاي، وكانت "الأغلبية الساحقة من الأواني المستعملة لإعداد الشاي والموجهة للمغاربة تُصنع بأيدي حرفيي "الصْوَايْنِية" في مدينة فاس العتيقة، وهو اللقب الدال على صانعي الصواني"، يورد الباحث بابتيست بوب.

يضيف في مقال بالفرنسية: "صينية الشاي في سياق الثقافة المغربية: التاريخ، والصنعة، وطقوس العيش" أنه "في مطلع القرن الماضي، لم تكن صناعة النحاس (الصّفارين) تضم سوى ستين شخصًا تقريبًا؛ أما اليوم، وفي ذروة مواسم الإنتاج خلال أشهر الصيف، يصل عدد الصناع نحو عشرة آلاف حرفي، يتوزعون على ما يقارب ستمائة فضاء إنتاجي في قلب فاس القديمة، مكرسين جهدهم لصنع أدوات متعددة تأتي في طليعتها البراريد وصواني الشاي".

يلفت الباحث نفسه، إلى أن الصينية المصنوعة من النحاس أو النيكل الفضي أو الفضة، ليست "بحملها الكؤوس والبراد، مجرّد إناء جامد؛ بل ركيزةُ الطقس وقبلته التي تمنحه ثباته واستقراره. إنها أشبه بموصل رمزي لسطوة الحضور ومكانة صاحبه، حتى استعصت على الاختزال في مجرد أداة لخدمة عابرة".

لا غرو أن تكون هذه "الصينية" نقطة انطلاق شهرة الفرقة الغنائية الشعبية "ناس الغيوان" مع أغنيتهم الأولى؛ وقد وظفت صينية الشاي، في هذا النص، كاستعارة للتحسر على ضياع قيم العشيرة والجماعة وما يرافقهما من أنس وتعاضد وتآزر. إنه شعور الفرد بالعزلة أمام مجتمع يتطور في اتجاه قيم البضاعة والسوق. 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

المزيد من الكاتب

عبد المومن محو

صحافي مغربي

مستشفى على ظهر دبابة.. سيرة الطب الحديث في المغرب

لم يُدِرْ الأوروبيون يومًا ظهرهم للمغرب، بل ظلت أعينهم تراقب هذا البلد الشمال إفريقي المطل على ساحلي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من خلال مستكشفين

"الحاج فرانكو" وجنوده المغاربة.. من تطوان إلى مدريد في الحرب الأهلية الإسبانية

أخفى الخطاب الإسباني التبسيطي أن المغاربة الذين قاتلوا إلى جانب فرانكو في الحرب الأهلية جُنِّدوا قسرًا، بل وكانوا ضحايا الاستعمار الإسباني للمغرب

الإسلام المغربي في إفريقيا.. جسور روحية من فاس إلى تمبكتو

عمل المغرب على نشر الإسلام الصوفي في دول غرب إفريقيا، مما جعل الزوايا والطرق الصوفية مع الوقت فاعلًا رئيسيًا في استمرارية الروابط الروحية والثقافية بينه وبين عدة دول إفريقية

التجربة الحزبية في المغرب.. سيرة التفكك والانشقاق

كيف تحولت الزاوية الدينية من أداة للتعبئة السياسية إلى نواة لتأسيس الأحزاب؟ وكيف أسهمت الدولة في تشكيل مشهد حزبي متعدد لكنه مأزوم بالانشقاقات؟

العدالة الانتقالية في المغرب.. هكذا طويت صفحة الانتهاكات

نصوص الاعتقال السياسي هذه، التي أنجزها أساسًا بعض معتقلي يسار السبعينيات ومعتقلي الانقلابين العسكريين في الفترة نفسها، ظهر في شكل أعمالٍ أدبيةٍ وفنيةٍ

قبل أن يصبح الكسكس أيقونة.. كيف تفاوضت المائدة المغربية مع المجاعات؟

لعبت المجاعات والكوارث الطبيعية دورًا محوريًا في تشكيل الذوق الغذائي للمغاربة، بعيدًا عن الصورة الرومانسية المروّجة عن "الكسكس" و"الأتاي" كرموز ثقافية فقط