تحول فضاء شبكات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة إلى نافذة مشرعة لتقييم المأكولات من هنا وهناك، بل وبات من المستحيل أن يمر اليوم دون أن يشاهد المتصفحون مقطعًا، على الأقل، لتجربة تقييم المأكولات سواء داخل أستوديو في البيت، أو في المطعم نفسه. والغريب في الأمر أن غالبية تلك الفيديوهات القائمة على تقييم الأماكن والمأكولات، باتت تتشابه فيما تقدمه وصولًا إلى اختيار الأماكن ذاتها خلال مدة زمنية متقاربة.
هكذا تحول الأمر إلى عملية آلية للحصول على أكبر عدد ممكن المشاهدات، بل وبات من المُلاحظ أيضًا أن ذلك المحتوى يفتقر إلى الحد الأدنى من المعلومة التي يمكن تقديمها إلى المشاهد بأسلوب بسيط يعتمد على الجذب ويخلو من التعقيد. ففي إحدى المرات، لاحظت اهتمامًا واسعًا بمأكولات المسمط وما تقدمه من مأكولات لها طابع شعبي متميز، مع التركيز على مذاق الطبق المقدم دون الدخول في تفاصيل هذا المكان وارتباطه بحركة التاريخ. ورغم أنني لست من مفضلي أكل المسمط، لكن دفعني الفضول للبحث عن تاريخه وطبيعة العمل داخله وعلاقته بالثقافة العربية.
من أين أتى المسمط؟
أغلب الظن أن كلمة "مسمط" مشتقة من كلمة "سماط" التي تشير إلى الموائد الممتدة التي تحفل بأنواع شتى من الطعام والشراب. بينما يوضح قاموس المعاني أن سَمْط الذبيحة يعني: "غمسها في الماءِ الحارّ، أو في مادة كيمياويةٍ، لإِزالة ما على جلدها من شَعر أَو ريش قبل طبخها، أو شيِّها، أَو دَبْغِ جِلْدِها"
وهذا التعريف إنما يدل على الطريقة التي تُطبخ من خلالها أجزاء الذبيحة قبل تقديمها إلى الزبائن. أما يونان لبيب رزق، فيشير في مقالة له بجريدة "الأهرام" بتاريخ 22 حزيران/يونيو 2000، نقلًا عن أحمد زكي باشا، إلى أن أول سماط بسيط عرفه المسلمون، كان في صدر الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). وقد تكوّن من الخبز والزيت والتمر. ومع مرور الوقت، بدأ السماط يتطور تدريجيًا ويأخذ أشكالًا مختلفة في عهد الخلفاء المسلمين. ويقال إن أول من ابتكر فكرة موائد الرحمن هو الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه). وتطورت فكرة السماط تدريجيًا في الدولة الأموية والعباسية وكذلك الطولونية في مصر. وبعيدًا عن الخوض في الكثير من التفاصيل الجانبية حول السماط ونشأته، فإننا سنركز حديثنا عن المسمط الشعبي في أرجاء المحروسة.
وقد حفلت أفلام السينما في مصر قديمًا بالعديد من مشاهد المسمط في الأحياء الشعبية، وكانت تلك المسامط، وخاصةً في ثلاثينيات القرن الماضي، عبارة عن "طبلية" من الخشب توضع فوق منضدة مغطاة بألواح من الزنك وعليها تناثرت أجزاء من لحم الرأس والكوارع وما يُعرف بالسقط، وهي مغطاة بقطعة من القماش المبلل بالماء. وفي المنتصف، كان المعلّم يقف وفي يديه ساطور ضخم يدق به على تلك الطبلية دقات متزنة. وإلى جانب الطبلية، يوجد إناء ضخم يُسمى (القزان) وهو يَفيض طوال الوقت بالحساء (الشوربة) التي تزدان بالدهون.
عالم المسمط العجيب
في مقالةٍ منشورة في مجلة "الدنيا المصورة"، الصادرة عن "دار الهلال"، بتاريخ 3 آب/أغسطس 1930 عن ثقافة المسمط، نعرف أن تلك المناضد الخشبية كانت تحمل أيضًا صاجًا من الملح والشطة ويجاورها "قُلة فخارية" للشرب. أما الحوائط، فكانت تزيّن برسومات لمشاهد من سيرة أبي زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغيرهما من بعض مظاهر الثقافة الشعبية والدينية.
ولأن الأسعار كانت بسيطة، فكان المسمط دائمًا ملاذًا للبسطاء ومحدودي الدخل من أفراد الشعب. فبضعة قروش كانت كفيلة بأن يأكل الزائر الثريد الحافل بالمرق والتوابل إلى جانب لحم الرأس. وإذا لم يكن بجيبه سوى بضعة مليمات، فكان يسد جوعه بالثريد فقط دون اللحم. وقد عرّف المؤرخ أحمد أمين المسمط في كتابه "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية"، يعرّف المسمط بأنه محلّ بيع حوائج الخروف ونحوه من لسان وفشة وكوارع ورأس.

كانت المسامط تعتمد على طائفة من العملاء الذين يقصدون السلخانات يوميًا، لشراء ما تبقى من رؤوس الماشية والأرجل، حتى يبيعوها بالسعر المناسب إلى أصحاب المسامط. وكانت عملية الشراء تشهد ذروتها عند الساعة الثالثة ظهرًا. ولم يكن المشهد يخلو من "الخطيفة"، الذين يستولون على تلك الرؤوس والسيقان في غفلة من الجزارين ويتوارون بها بعيدًا عن أماكن الذبح، قبل أن يعرضوها على عملاء المسامط. وبعيدًا عن طائفة العملاء والموردين، كانت هناك طائفة أخرى تعمل لحسابها الخاص وهي تجوب الشوارع يوميًا وتنادي بأعلى صوتها "جوز عجالي مصغر". وهذا يعني أن البائع يحمل زوجًا من الكوارع إما في "طِشت" فوق رأسه أو في "مقطف" على كتفيه، وهذه الطائفة تحديدًا، كانت تلعب دور المنقذ للعديد من المسامط التي نفد منها صنفٌ معين قبل الإغلاق.
ولعل أشهر ما في المسامط هي أسماء القطع التي تُقدم من زبون لآخر. فالرأس التي تحتل مساحة كبيرة في أغلب الأصناف المقدمة، تضم اللسان ولحمة الرأس والجوهرتين (العينين) والمخ وغيرها. كما أنه هناك من يفضّل الكرشة والمومبار البلدي والأباوة. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الأصناف تخلو من المقبلات التي تُقدم إلى جانبها من الطرشي (المخلل) والسَلَطة.
اعتاد المصريون أن يطلقوا على هذه المأكولات كلمة "حِرشة"، وربما يكون سبب التسمية وجود الشطة أو دسامتها، فهذه الأطباق – في الغالب – تمتاز بوجود الكثير من الدهون والسَمن. كما اعتاد أولاد البلد أن يطلقوا على أجزاء الذبائح اسم "الحلويات" أو "الفواكه". يقول الكاتب عبّاس الطرابيلي في مقالة له بجريدة "المصري اليوم" بتاريخ 10 آب/أغسطس 2019: "كثيرًا ما يعشق المصري أن يكون غداؤه أول أيام عيد الأضحى مشتملًا على حلويات المسمط.. أي حلويات المذبح.. ويطلق عليها المصري حلويات الذبيحة! وإن كان الاسم الأشهر لها هو سقط اللحمة.. وهذه نجدها على مائدته.. غنيًا أو ميسورًا.. وإن كان البسطاء يفضلونها لأسباب عديدة أغلبها أسباب مالية.. وهذه تضم: لحمة الرأس بالدمعة والحمص أو مشوية.. وبعضنا يأكل الجوهرة أي العين.. ثم هناك الكرشة، والفِشة، والممبار، والطحال، وهذه كلها من الأبقار والجاموس.. وليست من الجمال! ولن ننسى الإعلان الذي يعلن به صاحب عربة فواكه اللحوم بأن يلقي قطعة دهن معتبرة في طاسة القلي.. فما إن تسيح.. يلقي عليها كمية من المياه.. فيرتفع دخانها وبالتالي رائحتها.. لتجذب الجائعين. ويا سلام على رغيف السمين.. وهل منا من يرفضه؟!".
فنون المسمط المتجول
لم يقتصر بيع حلويات المسمط على المحلات فقط، بل كانت هناك طائفة من الباعة المتجولين الذين يسرحون يوميًا بطبلية خشبية ترتصّ فوقها أصناف الطعام المختلفة. واعتاد صاحب هذا المسمط المتجول أن يدخل من شارعٍ لآخر ومن حارةٍ لأخرى، بينما يجاوره صبيٌ صغير يمسك بيديه مروحة من الجريد. أما الفارق الوحيد بين أصحاب المسامط وبينه، هو تقديم المحلات لشوربة الثريد. وقد امتاز هذا البائع المتجول بعبارة يرددها طوال النهار: "يا جابر.. على الله". وهو المشهد الذي استعاده الأديب يحيى حقي في كتابه "كناسة الدكان" (1991) عندما كان يتحدث عن فزعه من طائر الحدأة بقوله: "بقي من ذراري الليلِ وأصواتِه شبحٌ أسود ضخم له صرخة حادة أيضًا، ما مرق مرةً أمام النافذة وقد فرد جناحيه العريضين إلا فزعت، إنها الحدأة، خطّافة الكتاكيت وبضاعة بائع جوال يحملها على رأسه وينادي في الطرقات: يا جابر! ... إنه بائع لحم الرأس، كل طائرة حديثة هي من سلالة الحدأة. وكنا نعجب لقول يردَّدُ علينا بلهجة التأكيد المؤيدة بالمشاهدة أن بالإسكندرية طلسمًا يُحرّمها على الحدأة، فسماؤها خلوٌ من هذا الطير الجارح. ولا أعرف إلى اليوم مبلغ الصدق في هذا القول. وإذا لم يَصدقْ فمن أين أتت هذه الشائعة وما سببها؟".
وإن دلت الفقرة السابقة على شيء، فإنما هي دليل على وجود فكرة المسمط المتحرك حتى خارج القاهرة وحواريها. فالشعب قد عرف هذه الأطباق البسيطة وجرّبها دون الحاجة إلى الوجود في مدينة بعينها، كما هي دليل على أن ذلك المشهد للمسمط المتجول، كان أحد المشاهد المألوفة في حياة المصريين اليومية وأن ذلك الشعار كان يتردد في آذانهم طوال النهار.

يمكن القول إن عادة بيع المأكولات في الشوارع، لم تقتصر على وجبات المسامط فقط، بل كان من المعتاد رؤية السمك واللحوم المطبوخة تطوف الأرجاء. وكانت الموالد الشعبية في مصر ساحة لكل ما لذ وطاب من هذه الأصناف. ولعل هذا ما عبّر عنه الشاعر الكبير صلاح جاهين في أوبريت "الليلة الكبيرة" بقوله: "السمك مقلي/ كُل وبرقلي/ صنف زي الفل/ استخار واختار/ فِشة أو ممبار/ يالا سمي وكُل". وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الحياة الاجتماعية ومفرداتها هي جزء لا يتجزأ من الثقافة الشعبية. فالمأكل والملبس والمشرب هي إحدى المفردات الأساسية المكونة لثقافة أي شعب. ولم يتوقف الأمر عند الأوبريتات، بل تم استحضاره في السينما أيضًا من خلال دويتو بديع جمع بين محمود شكوكو وسعاد مكّاوي بعنوان "يا مسمط العز يا غالي" من فيلم "أسمر وجميل" (1950)، ففيه أخذ كل منهما يعدد أصناف الأطباق التي تُقدم خلاله ومدى تفردها عن باقي الأصناف المعروفة في السوق.
لقد كان حضور المسمط واضحًا في القاهرة عبر فترات زمنية مختلفة ولم يقتصر وجوده على فترة دون غيرها. فالباحث نبيل السيد الطوخي صاحب كتاب "طوائف الحِرف في مدينة القاهرة: في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1841 – 1890"، الصادر عام 2009، يشير إلى أن الجمهور المصري كان مستأثرًا بأكل أرجل الخراف التي تُقدم في مسمط الكوارع خلال القرن التاسع عشر. وقد عرفت القاهرة أسواق بيع الحيوانات للذبح ومنها السبتية ببولاق وسوق الجمعة بجهة الإمام الشافعي. واعتاد الجزارون التردد على تلك الأسواق للحصول على الحيوانات اللازمة، لبيع لحومها للأهالي. ووصل عدد الجزارين في تلك الفترة إلى 1053 جزار.
مسامط نيولوك
ظلت المسامط تحتفظ بروحها الأصيلة عبر الزمن، لكن يبدو أن التطور أيضًا طالها ولو قليلًا. وطالت تلك التغيرات طريقة العرض والتقديم وكذلك الدعاية للمكان. ففي ظل تطور أساليب الدعاية وتشعب شبكات التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية، لم تعد مسألة المنافسة بالأمر الهين. وإذا أضفنا إلى ذلك تضاعف أعداد المسامط التي تقدّم للزبائن الأصناف ذاتها، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا. وبعيدًا عن كوْن المسامط ثقافة ارتبطت بالدولة الطولونية في مصر أو غيرها، فالمؤكد أنها أخذت من روح المكان والشعب وأصبحت من مفردات حياته الأساسية. فلم تقف هذه المسامط على شكلٍ بعينه أو طريقة بعينها، بل أخذت تتبع صيحات الموضة أحيانًا ومواكبة العصر. ويبدو أن الوقت بات كفيلًا، بأن تمتد ثقافة المسمط إلى طبقة الأغنياء المقتدرين على الشراء، إذْ بدأ أصحاب قنوات تقييم الطعام في التفنن في تقييم هذا المسمط أو ذاك من حي لآخر.












