أتذكر أنني، منذ عقدين من الزمن، رأيت رؤيا في منامي. وبعد استيقاظي، هرعت مسرعًا إلى جدتي لأحكي لها تفاصيل تلك الرؤيا، وقالت لي بعد انتهائي من قصِّها: "جميل جميل، أخبرني لو رأيت رؤيا جديدة في نومك".
جدتي رحمة الله عليها كانت شديدة التعلق بالأحلام والرؤى، وأتذكر أن سورة يوسف كانت من سور القرآن المفضلة لها، بل إنها من السور القليلة التي كانت تحفظها وتتلوها دائمًا. فالسورة محورها الرؤيا التي يراها نبي الله يوسف، والتي تصبح في نهايتها حقيقة بعد سنوات طويلة تعرض لها النبي يوسف لاختبارات إلهية عديدة.
أعتقد بل أكاد أجزم، بأن في حياة كل واحد منا شخصًا يؤمن بالرؤى إيمانًا عميقًا. فالأحلام والرؤى لها مكانة كبيرة في المجتمعات الإسلامية، تصل إلى حد التغلغل والسيطرة لدرجة أنها كانت السبب في الكثير من الأحداث في تاريخ الإسلام والمسلمين. فمنذ بداية النبوة وعلى مدار تاريخ المسلمين، كانت للرؤيا أهمية ودلالات عميقة، وتركت بصمة ملحوظة في مجريات هذا التاريخ الثري.
قبل الخوض في الحديث عن الفكرة الأساسية لهذا المقال، يجب علينا في البداية الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك فرق بين الحلم والرؤيا؟
اختلف العلماء اختلافًا واسعًا بشأن الفرق بين الحلم والرؤيا، وما إذا كانت هناك اختلافات بينهما أم لا. لكن بعضهم أكد بأنه لا يوجد فرق بين الحلم والرؤيا، وأن الكلمتين هما لمعنى واحد، وهو ما يراه الإنسان خلال نومه. وقد أخرج لنا الإمام البخاري في صحيحه وكذلك الإمام مسلم، حديثًا رواه الصحابي أبو قتادة الحارث بن ربعي، حيث قال إنه سمع النبي يقول: "الرؤيا الصالحةُ من اللهِ، والحلمُ من الشيطانِ".
في شرحه لهذا الحديث، يقول المحدث ابن حجر العسقلاني، في كتابه "فتح الباري بشرح البخاري"، ما يلي: "وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ الَّتِي تُضَافُ إِلَى اللَّهِ لَا يُقَالُ لَهَا حُلُمٌ وَالَّتِي تُضَافُ لِلشَّيْطَانِ لَا يُقَالُ لَهَا رُؤْيَا وَهُوَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَكُلٌّ يُسَمَّى رُؤْيَا".
وفي موضع آخر، يورد لنا ابن حجر ما قاله الحكيم الترمذي، وهو أحد علماء التصوف وليس صاحب "سنن الترمذي": "الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ أَصْلُهَا حَقٌّ تُخْبِرُ عَنِ الْحَقِّ وَهُوَ بُشْرَى وَإِنْذَارٌ وَمُعَاتَبَةٌ لِتَكُونَ عَوْنًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ".
ونختم بما قاله الفقيه المالكي القاضي عياض في هذا الشأن، ونقله لنا العسقلاني أيضًا: "يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ وَالصَّالِحَةُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُسْنِ ظَاهِرِهَا أَوْ صِدْقِهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ أَوِ السُّوءُ يَحْتَمِلُ سُوءَ الظَّاهِرِ أَوْ سُوءَ التَّأْوِيلِ". إذن، الفرق بين الرؤيا والحلم هو أن الرؤيا هي ما يراه المسلم من خير أو بشارة، على عكس الحلم الذي يحتوي على أمور مزعجة وأباطيل قد لا تصح.
الرؤيا وأهميتها في الإسلام
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه دائمًا عن مناماتهم، بل كان يطلب منهم أيضًا أن يقصوها عليه ليفسرها لهم. وقد أورد البخاري في صحيحه حديثًا عن سمرة بن جندب قال فيه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم من رؤيا قال فيقص عليه من شاء الله أن يقص". وعن هذا الحديث، يقول ابن عبد البر في كتابه "الاستذكار": "وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها".
أما الحديث الذي منح الرؤيا أهمية بالغة، فقد نقله لنا البخاري في صحيحه، وكذلك مسلم في صحيحه: "لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدق الناس حديثًا أصدقهم رؤيا، والرؤيا جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة". وقد جعل هذا الحديث الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة، لأن فيها اطلاعًا على الغيب كما قال القاضي أبو بكر بن العربي، فتكون صادقة قابلة للتحقق. وهذه الأحاديث هي ما جعل العلماء يهتمون بالرؤيا اهتمامًا كبيرًا.
أفرد الإمام البخاري في صحيحه بابًا خاصًا بالرؤى سمّاه "باب التعبير"، وتحت هذا الباب هناك 47 بابًا بدأت بالرؤى التي كان يراها النبي، وكانت تتحقق بعد ذلك، وهي من علامات النبوة، مرورًا برؤية المسلم للنبي في المنام، وغيرها من الأبواب المختلفة. وإلى جانب البخاري، هناك الكثير من العلماء الذين اهتموا بالرؤيا في كتبهم، مثل الإمام مسلم، والإمام الترمذي في سننه، وابن حبّان في صحيحه.
أما الكتب المتخصصة في الأحلام وتفسيرها، فنذكر من بين المؤلفات القديمة كتاب الفقيه والمحدث الشهير أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المعنون بـ"تعبير الرؤيا". ومن المؤلفات الحديثة، هناك "كتاب الرؤيا" للشيخ حمود بن عبد الله التويجري. لكن أشهر كتب تفسير الأحلام في الإسلام على الإطلاق، هو "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" المنسوب إلى الفقيه محمد بن سيرين البصري. وهناك كتابًا آخر ذكره ابن النديم في كتابه "الفهرست" ونسبه إلى ابن سيرين، وهو كتاب "تعبير الرُّؤْيَا"، ولا نعلم هل هو الكتاب نفسه، أم أنه كتاب آخر مختلف لم يصلنا.
ويذكر ابن النديم مجموعة أخرى من كتب الرُّؤْيَا، بينها كتاب "تعبير الرؤيا" لمؤلفه الكرماني، و"تعبير الرؤيا"، للفيريابي، و"تعبير الرؤيا على مذاهب أهل البيت" الذي لم يذكر اسم مؤلفه.
بعد كل ما ذكرناه من أهمية وقيمة لعلم الرؤيا وتفسيرها، يمكننا القول إن الرؤى/الأحلام حفظت لنفسها مكانة مرموقة ومؤثرة للغاية في مجريات تاريخ الإسلام والمسلمين، وهذا ما سنوضحه لاحقًا.
كيف أثرت الرؤى والأحلام في تاريخ الإسلام والمسلمين؟
رؤيا الأذانِ
بعد استقرار دولة النبي في المدينة وبنائه للمسجد وتمكّن المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية بحرية، ظهرت مشكلة وجب على المجتمع الناشئ حلها، وهي: كيف سيتم جمع الناس لكل صلاة؟ بدأ المسلمون حينها يطرحون أفكارًا مختلفة مثل استخدام البوق، أو رفع راية عاليًا لكي تكون علامة على وقت الصلاة، أو الناقوس. لكن تلك الاقتراحات قوبلت بالرفض من النبي، غير أن هذه المشكلة حُلّت برؤيا رآها أحد الصحابة.
يقول الحديث الموجود في كتاب "سنن أبي داود": "فانصرف عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ بنِ عبدِ ربِّه وهو مهتمٌّ لهمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأريَ الأذانَ في منامِه قال فغدا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبره، فقال له يا رسولَ اللهِ إني لبين نائمٍ ويقِظانٍ إذ أتاني آتٍ فأراني الأذانَ، قال وكان عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قد رآهُ قبل ذلك فكتمهُ عشرينَ يومًا قال ثم أخبر النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال له ما منعك أن تخبرَني، فقال سبقني عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ فاستحييتُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يا بلالُ قمْ فانظرْ ما يأمرُك به عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ فافعله، قال فأذَّن بلالٌ".
زواج النبي من أم المؤمنين السيدة عائشة
أما زواج النبي من السيدة عائشة، فكان بأمر إلهي كما يقول بعض العلماء الذين نقلوا أنه رأى زواجه منها أكثر من مرة في المنام. وأورد الإمام البخاري هذا الحديث في صحيحه عن السيدة عائشة نفسها، حيث قالت إن النبي قال: "أريتك في المنام ثلاث ليالٍ. جاءني بك الملَك في سرقةٍ - أي قطعة - من حرير. فيقول هذه امرأتك؟ فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه". بعد ذلك، تقدم النبي لخطبة السيدة عائشة من أبيها أبي بكر الصديق، وتم الزواج.
رؤيا الرسول قبل معركة أحد واستشهاد عمّه حمزة
قبل معركة أحد، التي حدثت في العالم الثالث للهجرة، رأى النبي رؤيا لها دلالات خطيرة للغاية، حيث يروي ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري بشرح البخاري": "رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي بَقَرًا تُذْبَحُ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَرَأَيْتُ سَيْفِي ذَا الْفَقَارِ انْقَصَمَ مِنْ عِنْدِ ظُبَّتِهِ - أَوْ قَالَ: بِهِ فُلُولٌ - فَكَرِهْتُهُ وَهُمَا مُصِيبَتَانِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَأَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا. قَالُوا: وَمَا أَوَّلْتَهَا؟ قَالَ: أَوَّلْتُ الْبَقَرَ بَقْرًا يَكُونُ فِينَا، وَأَوَّلْتُ الْكَبْشَ كَبْشُ الْكَتِيبَةِ، وَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ، فَامْكُثُوا، فَإِنْ دَخَلَ الْقَوْمُ الْأَزِقَّةَ قَاتَلْنَاهُمْ وَرُمُوا مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ. فَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَتَمَنَّى هَذَا الْيَوْمَ، وَأَبَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْخُرُوجَ، فَلَمَّا صَلَّى الْجُمُعَةَ وَانْصَرَفَ دَعَا بِاللَّأْمَةِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ، فَنَدِمَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ امْكُثْ كَمَا أَمَرْتَنَا. فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا أَخَذَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِلَ".
شاور النبي أصحابه بعد أن حدثهم بهذه الرؤيا، التي كانت إشارة له بالبقاء في المدينة والتحصن بها في حربه ضد قريش وحلفائها، لكن جزءًا كبيرًا من صحابة النبي كانوا يميليون إلى الخروج لملاقاة لقريش مثلما حدث في غزوة بدر الكبرى، وتحمسوا لذلك الرأي، فوافقهم النبي الذي كان معروفًا عنه مشورته لأصحابه بكثرة فيما يتعلق بأمور الحرب وأحوالها.
وكما يقول ابن القيم: "ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان". فكانت رؤيا النبي هو ما وقع في معركة أحد، حيث قتل عمّه حمزة بن عبد المطلب، الذي حزن عليه النبي أشد الحزن، وقال: "لن أصاب بمثلك أبدًا". كما أصيب النبي وكسرت رباعيته - وهي السن التي بين الثنية والناب - وشجّ وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف.
الرؤى والتبشير بالموت
كان للرؤى دور مهم في إعلام أصحابها بقرب وفاتهم، ويزخر تاريخ المسلمين بأمثلة عديدة على ذلك، ونكتفي بذكر مثالين فقط.
رؤية عمر بن الخطاب قبل مقتله
قبل وفاة الخليفة الثاني للمسلمين بعد النبي، عمر بن الخطاب، الذي وافته المنية في عام 23 للهجرة، صعد المنبر وقص على أهل المدينة رؤية كان قد رآها. وذكر تفاصيل هذه الرؤية ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف"، حيث قال: "عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خطب عمر بن الخطاب الناس فقال: إني رأيت في منامي ديكًا أحمر نقرني ثلاث نقرات، فاستعبرتها أسماء بنت قيس، فقالت إن صدقت رؤياك قتلك رجل من العجم".
ويُقال إنه بعد أسبوع فقط من هذه الرؤية، قام أبو لؤلؤة - وكان مولى عند المغيرة بن شعبة - بطعن عمر بن الخطاب بخنجر مسموم عدة طعنات وهو يصلي صلاة الفجر، ليموت بعد ثلاثة أيام من الواقعة. وكان اغتيال عمر من مصائب المسلمين الكبرى، حيث بدأت بعدها الفتنة التي ظلت قائمةً لعشرات السنين بين المسلمين على شكل حرب أهلية طاحنة.
الحسين بن علي ورؤيته للنبي قبل مذبحة كربلاء
استعد الحسين بن علي بن أبي طالب للخروج من مكة والتوجه إلى العراق، بعدما وصلته رسائل من كبار أهل الكوفة وأشرافها، عقب وفاة معاوية بن أبي سفيان، يخبرونه فيها بأنهم لن يبايعوا غيره، ويطالبونه بالتوجه إليهم، مشددين على أنه الأحق بالخلافة، بل وأنهم سوف ينقلبون - بلغة عصرنا - على حكم يزيد بن معاوية.
بدأت في حينها عدة شخصيات بارزة من بني هاشم بمقابلة الحسين بن علي، لمحاولة ثنيه عن خروجه من مكة، من بينهم ابن عم الحسين، عبد الله بن جعفر، الذي أرسل إليه أكثر من مرة يطلب منه عدم الخروج إلى العراق: "فإني أسألك بِاللَّهِ لما انصرفت حين تنظر فِي كتابي، فإني مشفق عَلَيْك من الوجه الَّذِي توجه لَهُ أن يكون فِيهِ هلاكك واستئصال أهل بيتك".
يقرر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب التوجه فورًا إلى والي مكة، عمرو بن سعيد، وطلب منه أن يكتب هو كتابًا إلى الحسين فيه الأمان، ظنًا منه بأن هذا الكتاب سوف يقنعه بالبقاء في مكة، بدون أي خوف على حياته. يوافق عمرو على طلب عبد الله بن جعفر، الذي يذهب بالكتاب ومعه شقيق عمرو بن سعيد، في محاولة لزيادة اطمئنان الحسين، حتى يشعر أن الرسالة من الوالي فعلًا.
ونقل الطبري في تاريخه رد الحسين على ابن عمه ورسالة الوالي، قائلًا: "إني رأيت رؤيا فيها رسول الله، وأُمرت فِيهَا بأمر أنا ماض لَهُ، فقالا لَهُ: فما تِلَكَ الرؤيا؟ قَالَ: مَا حدثت أحدا بِهَا، وما أنا محدث بِهَا حَتَّى ألقى ربي".
لا نعلم ما هي الرؤيا التي رآها الحسين، هل كانت أمرًا من النبي لحفيده بالمضي قدمًا مهما واجه من تحديات؟ هل كانت بُشرى من الرسول إلى الحسين باستشهاده قريبًا، ويحثه على المسير لكي يلقاه، مثلما حدث مع الخليفة الراشدي عثمان بن عفان، الذي رأى قبل مقتله بليلة النبي في المنام، وقال له: "يَا عُثْمَانُ، أَفْطِرْ عِنْدَنَا"، فأصبح صائمًا حتى قُتل.
هل لو لم يحلم الحسين بمثل هذا الحلم، على افتراض صحة الرواية؛ هل كان سيقتنع بعدم ذهابه إلى العراق، وسيقبل نصائح أهل بيته بالبقاء في الحجاز؟
أحلام ورؤى الفتوحات
أما الفتوحات، فشاركت فيها الرؤى وكانت عاملًا إيجابيًا في بعض الأحيان حيث عملت على رفع الروح المعنوية للمسلمين لأنها كانت تُعتبر علامة إلهية، أو إشارة على النصر والفتح، تشد من عزيمة الجيش.
رؤيا أبي عبيدة الجراح قبل معركة اليرموك 15 للهجرة
كانت معركة اليرموك هي المعركة الحاسمة بالنسبة للمسلمين في معاركهم ضد الدولة البيزنطية، حيث حسم المسلمون المشهد وسيطروا على الشام بعد هذه المعركة، لتتساقط المدن والقلاع تباعًا بعدها.
استعد الروم بجيش وصل عدده في بعض الروايات إلى 600 ألف مقاتل، لكننا نراه عددًا مبالغًا فيه، وقد يكون الرقم الصحيح لجيش الروم في معركة اليرموك هو حوالي 350 - 400 ألف مقاتل. بينما وصل عدد جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح إلى 40 ألف مقاتل فقط.
أصيب جيش المسلمين بالقلق والخوف والرهبة بعد التأكد من عدد جيش الروم الضخم حتى قال الواقدي في كتابه "فتوح الشام": "وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر لديه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبات قلقًا لم تغمض له عين خوفًا على المسلمين".
في صباح أول يوم للمعركة، وبعد صلاة الفجر، جمع أبي عبيدة الجيش ليقص عليهم رؤية سوف تكون عاملًا مهمًا في رفع الروح المعنوية للجيش، ويقينهم بالنصر على جيش الروم.
ينقل لنا أبو الربيع الكلاعي، في كتابه "الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء"، تفاصيل هذه الرؤيا قائلًا: "فلما قضى أبو عبيدة صلاته، أقبل على الناس بوجهه، وقال: أيها الناس أبشروا، فإني رأيت في ليلتي هذه فيما يرى النائم كأن رجالًا أتوني فحفوا بي وعليهم ثياب بيض، ثم دعوا إليّ رجالًا منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم، فإنكم الأعلون، وكأنا مضينا إلى عسكر عدونا، فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا، وجئنا حتى دخلنا عسكرهم، وولوا مدبرين. فقال له الناس: أصلحك الله، نامت عينك، هذه بشرى من الله، بشرك الله بخير".
لم يكن أبو عبيدة الوحيد الذي رأى رؤيا تبشره بالنصر، حيث ذكر أبو ربيع الكلاعي أيضًا أن أحد التابعين ويدعى أبو مرثد الخولاني، والذي كان حاضرًا عندما قص أبو عبيدة حلمه، قال: "وأنا أصلحك الله قد رأيت رؤيا، إنها لبشرى من الله، رأيت فى هذه الليلة كأنا خرجنا إلى عدونا، فلما تواقعنا صب الله عليهم من السماء طيرًا بيضًا عظامًا لها مخالب كمخالب الأسد، وهي تنقض من السماء انقضاض العقبان، فإذا حاذت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخر منها متقطعًا".
تفاءل المسلمون بهذه الرؤى لدرجة أن أبو عبيدة أمرهم بأن يتناقلونها فيما بينهم، لكونها تشجع أفراد الجيش: "فإن مثلها من الرؤيا ما يشجع المسلم ويحسن ظنه وينشطه للقاء عدوه". وقد كُتب النصر للمسلمين حينها، وكانت هذه الرؤى من أسباب النصر، حيث شكّلت لدى المقاتلين قناعةً بأن هذه المعركة ستنتهي بالنصر.
رؤية طارق بن زياد وفتح الأندلس عام 92 للهجرة
يخبرنا الطبري بأن طارق بن زياد تمكن من فتح الأندلس بـ12 ألف مقاتل. لكن قبل هذا الفتح، أثناء توجه طارق إلى الأندلس، تغفل عيناه قليلًا، فيرى النبي في المنام ومعه صحابته، ويبشره بالفتح.
يذكر المؤرخ ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، تفاصيل هذه الرؤيا قائلًا: "ولمّا ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبي (ص) ـ في نومه ـ ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلّدوا السيوف وتنكّبوا القسّي، فقال له النبي: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي. وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشرًا وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر". كانت هذه الرؤية حافزًا قويًا لطارق وجيش المسلمين على القتال بشراسة من أجل بلوغ النصر وفتح الأندلس، والتي ظلت تحت حكم المسلمين حتى عام 897 للهجرة.
الرؤى وقيام الدول وسقوطها
لم تقتصر الرؤى وتأثيرها على الأشخاص والحروب والفتوحات فقط، بل كان لها أيضًا وجود في قيام الدول ونشأتها، وسقوط أخرى واندثار معالمها. ومن الأمثلة على ذلك سقوط الدولة الأموية عام 132 للهجرة.
عانت الدولة الأموية في أيامها الأخيرة من فوضى عارمة وحروب عنيفة تزامنت مع ظهور الدعوة العباسية، التي ظلت تعمل في السر لمدة 25 عامًا حتى تمكنت في النهاية من القضاء على آل مروان وحكمهم، لتنتهي بذلك الدولة الأموية في عام 132 للهجرة.
يورد ابن خلّكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، في الجزء الذي خصصه لسيرة أبو مسلم الخراساني، الرؤيا التي كانت علامة وإرهاصة بزوال دولة بني أمية: "وقال أبو عثمان التيمي قاضي مروان بن محمد، آخر خليفة أموي: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين مراقي، والمرقى هو الدرجات التي يستخدمها من يريد الصعود للمنبر، منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص:
أين الشباب وعيشنا اللذّ الذي
كنا به زمنا نسر ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره
حزنًا يعل به الفؤاد وينهل
فقال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر".
تغلب معالم الحزن على الرواية، سواء في وصف مظهر عاتكة بنت عبد الله وهي ناشرة شعرها، وهي من علامات الحزن بسبب وفاة الأهل أو المصائب، أو في أبيات الشعر التي ألقتها عاتكة تعبيرًا عن الحسرة وفوات الأوان على أمر حكم عليه بالقضاء.
الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله ورؤية زوال ملكه ودولته عام 567 للهجرة
أما المثال الثاني على الرؤى وزوال الدول، فيتعلق بآخر خليفة فاطمي، العاضد لدين الله، الذي رأى منامًا في أواخر أيام خلافته التي صادفت نهاية الدولة الفاطمية، وله في ذلك قصة عجيبة للغاية.
يرى العاضد في منامه أنه تعرض للدغة من عقرب خرج من أحد المساجد، فطلب شخصًا خبيرًا في تفسير المنامات، أخبره بأنه سيتعرض لمكروه على يد شخص مقيم في هذا المسجد. وعلى الفور، أمر بالقبض على هذا الشخص، وهو شيخ صوفي، وإحضاره للتحقيق معه، لكنه وجد بعد انتهاء التحقيق أنه شيخ ضعيف لا يستطيع إيقاع الضرر بشخص مثل الخليفة، فقرر إطلاق سراحه.
الغريب هو أنه بعد استيلاء صلاح الدين الأيوبي، آخر وزير للدولة الفاطمية، على الحكم في مصر، كان يعتزم القبض على العاضد فطلب فتوى من الشيوخ، فكان منهم هذا الشيخ الذي يدعى نجم الدين الخبوشاني، والذي كان أكثر الشيوخ مبالغة في الهجوم على العاضد، وأفتى بالقبض عليه، وبذلك صحّت رؤيا العاضد.
أما المنام، فقد أورده لنا المؤرخ المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء"، حيث قال: "وقال ابن خلكان: وأخبرني أحد علماء المصريين أيضًا أن العاضد رأى في آخر دولته في منامه كأنه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغته، فلما استيقظ ارتاع لذلك وطلب بعض معبري الرؤيا وقص عليه المنام، فقال ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فطلب والي مصر وأمره يكشف عمن هو مقيم في المسجد المذكور، وكان العاضد يعرفه. فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلًا صوفيًا، فأخذه ودخل به على العاضد، فلما رآه سأله من أين هو، ومتى قدم البلاد، وفي أي شيء قدم، وهو يجاوبه عن كل سؤال. فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئًا وقال له: يا شيخ ادع لنا، وأطلق سبيله؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد. فلما استولى صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ذلك. لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة، وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد وهو نجم الدين الخبوشاني فإنه عدد مساوئ القوم وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك؛ فصحت بذلك رؤيا العاضد".
يمرض العاضد لدين الله، ويستغل صلاح الدين الأيوبي مرضه ليقطع الخطبة باسم الخليفة الفاطمي العاضد، ليحل محله في الخطبة الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله. وبعد أيام، يموت العاضد وعمره 21 عامًا، لتنتهي الدولة الفاطمية وأيامها.
أبو جعفر المنصور ورؤيته للنبي وقيام دولة بني العباس عام 136 للهجرة
أما بخصوص نشأة الدول، فهناك منامًا للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، نقلته لنا بعض المصادر، مثل كتاب "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي، و"تاريخ الخلفاء"، لجلال الدين السيوطي. وما يميز هذا المنام هو أن المنصور حكاه لمن معه في مجلسه وقت خلافته، لكنه أكد على أنه كان قد رآه قبل قيام دولة بني العباس.
يروي لنا ابن الجوزي الواقعة بتفاصيل أكثر، عكس السيوطي، قائلًا: "قال المنصور يومًا ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها ونحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها، فغضب من ذلك، وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان، فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر الله يا أمير المؤمنين، فليحدثنا أمير المؤمنين بها، قال: نعم، رأيت كأني في المسجد الحرام، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح والدرجة موضوعة، وما أفقد أحدًا من الهاشميين ولا من القرشيين، إذا مناد ينادي: أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس فتخطى الناس حتى صار على الدرجة، فأخذ بيده فأدخل البيت، فما لبث أن خرج علينا ومعه قناة عليها لواء قدر أربعة أذرع وأرجح، فرجع حتى خرج من باب المسجد، ثم نودي: أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة، فجلس فأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعه أبو بكر وعمر وبلال. فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني، وكان كورها ثلاثة وعشرين كورًا، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة".
الرؤيا مليئة بتفاصيل عديدة، فالمكان هو بيت الله الحرام، وبوجود رسول الذي يمنح بنفسه البيعة للخلفاء، وكان أولهم عبد الله السفّاح، وهو الذي دخل الكعبة أولًا، ثم يذكر المنام الخلاف الذي وقع بين المنصور وعمه عبد الله بن علي، بعد أن رفض الأخير بيعة المنصور لأنه رأى أنه أولى بالخلافة منه، وانتهى الخلاف بمقتل عبد الله بن علي.
ثم ينتهي المنام بدخول المنصور للكعبة واجتماعه مع الرسول وصحابته أبي بكر وعمر وبلال، وعقد النبي له علمًا، وتعميمه بعمامة وهي رمز للخلافة.
هل اختلق المنصور هذا المنام ليمنح نفسه ودولته مزيدًا من الشرعية الدينية؟ إذ إن الرؤيا في أقدس مكان للمسلمين، وفي حضرة النبي وصحابته، حيث يتسلم المنصور الراية والعمامة، وهي رموز للخلافة، من النبي نفسه. هناك احتمال على ذلك.
كان المنصور شاهدًا على مدى هشاشة شرعية دولة بني أمية، وقد يكون الأمر شغل باله لدرجة أنه اختلق هذا المنام ليعطي انطباعًا للمحيطين به بأنه لم يصل إلى خلافة المسلمين إلا بأمر إلهي وبرضى نبوي. وقد عانت دولة بني العباس لاحقًا من ثورات عديدة من أفراد البيت العلوي، لأنهم رأوا أنفسهم الأحق من الأمويين والعباسيين أيضًا.
لطالما كانت الأحلام والرؤى نافذةً إلى الماورائيات ومحورًا هامًا في الثقافة الإسلامية، حيث لعبت دورًا محوريًا في تشكيل قرارات الأفراد والمجتمعات. من رؤى الأنبياء التي حملت رسائل إلهية، إلى أحلام الشخصيات التاريخية التي أثرت في مجريات الأحداث، كانت الرؤى أداةً للتوجيه والإلهام. ومع تطور الزمن، لا يزال علم تفسير الأحلام يحتفظ بمكانته بين العلوم الإنسانية، مما يعكس استمرارية تأثير هذه الظاهرة في فهمنا للعالم من حولنا.