في كتابه "سيرة مولع بالهوانم"، يسترجع طلال فيصل مشاهد من طفولته الأولى، حيث لا يتذكّر يومه المدرسي الأول إلا من خلال يد "مس هالة" الناعمة التي امتدت إليه، وابتسامتها الأنثوية التي ملأت قلبه بالأمان. فحكايته مع النساء بدأت من هذه اللحظة الصادقة التي فتحت في قلبه بابًا مخصّصًا لعشقهنّ وللتعلّق بهنّ، ولرؤيتهنّ بوصفهنّ ملاذات آمنة تتبدّل باختلاف الأمكنة والأزمنة.
يحكي فيصل في سيرته عن تعلقه المتجدّد وولعه غير المستقر بالنساء، ويأتي كمن يصوغ ويختصر ملامح الرجل "الدنجواني"؛ هذا الرجل الذي يحبّ نساء كثيرات، دون أن يعرف الاستقرار، وينتقل بينهنّ، لأن كلّ واحدة منهنّ تمنحه لحظة من الشعور بتجدّد الحياة. فهو يعيش على البدايات والشرارات الأولى، ثم ينسحب حين تهدأ الرغبة وتبدأ العلاقة في التشكّل. يجري وراء النساء، ثمّ يهرب من التورّط العميق الذي قد تأتي به العلاقة معهنّ، رغم أنّه قد يكون مشتهى.
يبدأ هذا المقال من اللحظة التي وُلدت فيها أسطورة "الدنجوان" في الأدب الغربي، ثم ينتقل إلى تفكيك صفات الرجل الدنجواني وأبعاده النفسية، ويختم برصد حضوره في الرواية العربية، حيث تتقاطع صورته مع الهموم والخصوصيات المحلية العربية.
ولادة أسطورة الدنجوان في الأدب الغربي
بدأت أسطورة "الدنجوان" في الفولكلور الإسباني خلال القرن السابع عشر، حيث ظهرت شخصية "دون خوان" في مسرحية بعنوان "مغوي إشبيلية" للكاتب تيرسو دي مولينا عام 1630. وتمثّلت هذه الشخصية في شاب وسيم ذي مكانة اجتماعية مرموقة، يعيش حياةً ملؤها المجون والغواية، ويقيم علاقات نسائية عديدة، دون أن يكترث للقيود الأخلاقية أو الدينية. وقد أُطلقت عليه صفة "المغوي"، وارتبط اسمه بالفساد الأخلاقي الذي كان يعكس حالة اجتماعية وسياسية أوسع في إسبانيا آنذاك.
مع مرور الوقت، انتقلت شخصية دون جوان من الأدب الإسباني إلى بقية أوروبا، فقد أعادها الكاتب الفرنسي موليير إلى الحياة في مسرحيته الشهيرة عام 1665، مضيفًا أبعادًا فلسفية واجتماعية جديدة، حيثُ صوّر دون جوان كشاب مخادع يحاول إخفاء حقيقته ويبرر أفعاله بحجج عقلانية، مما جعله رمزًا للتمرد على التقاليد الدينية والأخلاقية. ولم يقتصر الأمر على المسرح فقط، بل توسّع حضور الشخصية في الشعر والموسيقى والسينما، واستُخدمت كرمز للحرية، والشهوة، والتمرّد.
لم تكن شخصية دون جوان مجرد رمز أدبي، بل أصبحت موضوعًا للدراسة النفسية، إذ ربطها علماء النفس مثل كارل غوستاف يونغ بالرغبات اللاواعية التي تعود إلى الطفولة، مثل البحث عن الأم في كل النساء. فالدنجوانية –وفقًا لهذا التحليل النفسي– قد تكون تعبيرًا عن ألم عميق وحرمان عاطفي، يُعوَّض عنه من خلال إقامة علاقات عابرة ومؤقتة. وهكذا، تحوّل دون جوان عبر الزمن من مجرد شخصية أسطورية إلى رمز معقّد يجمع بين التمرد، والعاطفة، والألم النفسي.
صفات وسلوكيات الرجل الدنجوان
تقوم الشخصية الدنجوانية على حاجة مستمرة لإثبات شعورها بالرجاحة والجاذبية من خلال علاقات متعددة مع النساء. فالدنجوان يُمارس سلوكًا محددًا يعزز من إحساسه بأنه مرغوب فيه. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الدنجوان هو بالضرورة رجل وسيم، إلا أنّ الواقع يكشف عن نمطين مختلفين: الأول الدنجوان الوسيم الذي يستخدم جماله في جذب النساء، والثاني الذي قد يكون أقل وسامة ولكنه يعوّض ذلك بذكائه وجرأته وقدرته على تخطي الحدود، مما يمنحه جاذبية خاصة تكسبه القدرة على التغلغل في حياة النساء بشكل واسع.
لا تُعد الدنجوانية صفة فطرية، بل هي نتاج سعي دائم لتطوير المهارات الاجتماعية والقدرة على التأقلم مع مختلف الشخصيات النسائية، حيثُ يتقن الدنجوان استخدام الحيلة والخيال والتقمص المسرحي لأدوار متعددة تتيح له التسلية واللعب على أوتار النساء المختلفة. كما يتبع أساليب متقنة في التبديل بين الحضور والغياب، والاهتمام واللامبالاة، والمديح والتقليل، كلّ ذلك بهدف تحقيق سيطرة نفسية تجعله يحتفظ بمكانته وتأثيره.
يتميّز الدنجوان بحساسية فائقة، فهو لا يقبل بأن تكون المرأة التي يغويها خاضعة أو طائعة، بل يطمح إلى كسب قلبها من خلال انتصار حقيقي يناله عبر طرق الغزو العاطفي. كما أنّه يجد في التحدي والمفاجآت والمتغيرات مصدرًا لإحياء حبه المتقلّب بين التورط والابتعاد. ورغم قسمه المتكرر بالوفاء، يظلّ موقفه معاديًا للقيم الزوجية والتقليدية، حيث يرفض الثبات في علاقة واحدة، ويعتبر أن حرية التعدد والاستكشاف جزء لا يتجزأ من حياته العاطفية.
يورد ابن حزم الأندلسي في كتابه "طوق الحمامة في الألفة والأُلاف" عن طبيعة الدنجوان: "أهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة، وأقلهم صبرًا على المحبوب.. وانقلابهم على الود على قدر سرعتهم إليه"، وبحسبه، فإنّ هذه الطبيعة المتقلبة والعاطفة المتذبذبة التي يتميّز بها الرجل الدنجوان، تجعله دائم التأرجح بين التعلق والهروب، وبين الحضور والغياب، وبين التوق والاستبعاد، ليبقى دائمًا في حالة مغامرة عاطفية مستمرة لا تهدأ.
الدنجوان في الرواية العربية.. تمثيلات متعددة لرجولة متقلبة
برزت شخصية الدنجوان في الرواية العربية بوصفها مرآةً للتحولات الاجتماعية والنفسية التي طرأت على مفهوم الرجولة والهوية في سياقات مختلفة. فهي لم تعد مجرّد رمز للإغواء أو نموذج للرغبة الذكورية الجارفة، بل تحولت إلى كيان متشظٍ يعكس صراع الذات مع السلطة، والحضارة، والهوية، والآخر.
أعاد الروائي العربي تشكيل صورة الدنجوان وجعله يتخطى حدود المغامر العاطفي، ليُصبح شخصية مأزومة، تعاني من فقدان المعنى، أو تحاول استعادته عبر أجساد النساء، أو عبر تفكيك البنى الاجتماعية من حوله.
في هذا السياق، يُمكن الوقوف على ثلاث نماذج للدنجوان العربي وردت في روايات مختلفة، وحملت صفات معينة تعكس أزمات الزمان والمكان المحلي التي وُجدت فيه، وهذه النماذج هي: دنجوان الانتقام في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ودنجوان المتعة في "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، ودنجوان النفي في "عشيقات النذل" لكمال الرياحي.
*مصطفى سعيد.. الدنجوان المنتقم باسم الشرق
في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، لا يظهر البطل مصطفى سعيد بوصفه مجرّد رجل عاشق، بل باعتباره مقاتلًا على جبهة الحضارة، فهو يُسخّر جسده في حرب خفية ضد الغرب، مستثمرًا الجنس كسلاح مضاد للاستعمار.
يقيم سعيد علاقات متعددة مع النساء الأوروبيات، تتجاوز في صفتها علاقات الحبّ، وتكون أشبه بمشاريع انتقام رمزية باسم الشرق المغلوب. ففي منطقه يتحوّل الجنس إلى معادل للموت، وإلى أداة قتل باردة تختبئ خلف ابتسامة المثقف القادم من الجنوب.
يصف سعيد غرفته التي كان يُقيم فيها علاقاته النسائية بأنّها لم تكن إلا "وكرًا للأكاذيب"، مصممة من أوهام الشرق الساحر، لتكون فخًّا للنساء الأوروبيات الباحثات عن تجربة روحية أو فحولية بديلة.
وبذلك، يجسّد مصطفى سعيد نموذجًا لدنجوان مثقف، يغزو بعقله أولًا، ثم بجسده، وينتقم باسم ذاكرة استعمارية ما تزال حية فيه، فالجنس في تجربته ليس علاقة، بل ساحة صراع على هوية حضارية.
*زكي الدسوقي.. الدنجوان المتألم من الزمن
يُمثل زكي الدسوقي في رواية "عمارة يعقوبيان" نموذجًا مختلفًا لدنجوان من نوع آخر، أكثر حنينًا وأقل عنفًا، فهو رجل من زمن مضى، يُحاول أن يستعيد مجده الشخصي وذكورته وسط عالم يتغير بسرعة ويُضيِّق عليه الخناق. ويتخذ من النساء ملاذًا، ومن الغواية متنفّسًا للخيبة السياسية والاجتماعية التي لحقت بعائلته الأرستقراطية بعد الثورة.
لا يؤذي الدسوقي الآخرين، بل يتورط في علاقة إيذاء ذاتي مستمر، ورغم وعيه بأن حياته عبثية، وأنّ شهواته لم تمنحه السكينة، فإنه لا يستطيع الانفصال عن هذا النمط من العيش، حيث يرى في المرأة عالمًا كاملًا من التنوع والإغواء، لا مجرد موضوع للرغبة.
يُجسّد الدسوقي نموذج الدنجوان المنهزم أمام الزمن، الباحث عن عزاء هشّ في حضن امرأة، والمحمَّل بذاكرة رجل كان يمكن أن يكون شيئًا آخر، في زمن آخر.
*كمال اليحياوي.. الدنجوان الرافض لكل شيء
يَظهر كمال اليحياوي، في رواية "عشيقات النذل"، بصفته دنجوانًا معاصرًا، مفككًا، ساخرًا، ورافضًا لكل أشكال المؤسسة الاجتماعية، فهو لا يبحث عن الحب، ولا يرى في المرأة سوى لحظة من المتعة العابرة التي تنتمي إلى منطق الغريزة أكثر من انتمائها إلى العاطفة أو الأخلاق.
يُجسِّد اليحياوي نموذجًا لدنجوان فوضوي، يمارس الجنس خارج أي إطار قيمي أو اجتماعي، ويعبّر عن رفضٍ عميق لقيم الزواج، والعائلة، والارتباط. فعلاقاته لا تقوم على الحب، بل على نفيه، إذ يقول: "لا أريد أن يمتلكني أحد، ولا أريد امتلاك أحد"، مُعلِنًا بذلك فلسفة فردية صارخة، تُشبه تمرُّد الحيوان البري على محاولات الترويض.
فهذا الدنجوان لا يجرّ خلفه شعورًا بالذنب، بل يعيش نذالته باعتبارها شكلًا من أشكال الحرية، ورفضًا لأخلاقيات زائفة يرى فيها قيودًا خانقة.
في هذا السياق، تُظهر النماذج الروائية الثلاثة تماهي الرجل العربي مع صورة الدنجوان بوصفها أداة مقاومة، أو عزاءً ذاتيًا، أو تمردًا على المنظومة الاجتماعية. ففي "موسم الهجرة إلى الشمال"، يتخذ الدنجواني هيئة مثقف منتقم يستخدم الجسد لمجابهة الحضارة الغربية، بينما يتجلّى في زكي الدسوقي بوصفه بقايا برجوازية تبحث عن دفء مفقود في زمن قاسٍ، أما كمال الرياحي فيمثل صورة العصيان التام، ورفض كل أشكال التقييد الاجتماعي. وهكذا، تتقاطع هذه الشخصيات في تمثيلها لرجل مأزوم، تتوزّعه الرغبة والخذلان، وتكشف عن بعد مركّب للدنجوان في السياق العربي، لا يُختزل بالإغواء بقدر ما يعكس وجع الذات في مواجهة عالم مأزوم.
الرجل الدنجوان في مرآة الثقافة العربية
في أغلب الأحيان، تنظر الثقافة العربية إلى الرجل الدنجوان بعين الاحتفاء لا المحاسبة، ويُقدّم بوصفه رجلًا ساحرًا، فحلًا، يتقن فن الإغواء، لا بصفته متورطًا في تلاعب عاطفي. في المقابل، تُقصى صورة المرأة الدنجوانة من الفضاء الثقافي أو تُدان أخلاقيًا.
يُظهر هذا التفاوت أنّ المنظومة الثقافية العربية تميل إلى غض الطرف عن الدنجوانية الذكورية، وتكرّسها كجزء من ملامح الرجولة بدلًا من مساءلتها، مما يكشف ازدواجًا في المعايير لا يمكن تجاوزه دون مراجعة جذرية للمفاهيم المرتبطة بالسلطة والنوع الاجتماعي.