شاب يلف عنقه بها، صبية تحوّلها إلى وشاح حول رأسها. يتكرر المشهد في مدن متباعدة من العالم، في برلين ومدريد وكيب تاون، وفي مكسيكو سيتي وملبورن. في الجامعات والمقاهي والساحات العامة. الكوفية في كل مكان، وفي أمكنة لا تنتمي جغرافيًا إلى فلسطين، إلى درجة أنها باتت جزءًا من مشهد شوارع عالمنا اليومي المألوف، لأنّ قطعة القماش البيضاء المرقطة بالسواد لم تعد مجرد لباس فلكلوريّ يخص الشعب الذي أنتجه، بل صارت لغة مشتركة تُرفع في وجه الاستعمار والظلم والاستعلاء العرقي، وتُعلَّق على الأجساد كاحتجاج لا يحتاج إلى ترجمة.
منذ بدايات التاريخ والإنسان يلجأ إلى ابتكار الرموز لتكون وسيلة يعبّر بها عن أفكاره وانتماءاته، أو لتكون وسيلة سريّة للتملص من الرقابة والتضييق، ذلك أن الرمز يختصر المعاني الكبيرة في صورة صغيرة، ويجعل الذاكرة الجمعية قادرة على حملها وتداولها بمنتهى السهولة، لقد رأى البشر في الرمز لغة قائمة بذاتها تختزل التجارب والأحداث، وتربط ما بين الأجيال وتؤسّس لهويات لا يقوى الزمن على محوها، ولهذا غدت جزءًا أصيلًا من أشكال التعبير.
هكذا وُلدت أعلام الدول وشعارات الأحزاب، وتجلّت الرموز في نقوش الكهوف، وفي اللغات التصويرية كالهيروغليفية، وفي الطوابع والعملات التي تحوّلت إلى وسائط تحمل المعنى السياسي والثقافي، ووسيلة لحفظ الذاكرة وتكثيف التجربة الإنسانية، ومفتاحًا لفهم العالم وهويات البشر.
وللوقوف على بداية ارتداء الكوفية قبل وصولها إلى فلسطين وارتباطها بالثورة ضدّ الاستعمار، علينا أن نعود إلى الأصول، حيث يعتقد أن السومريين هم أول من ارتدى الكوفية قبل أكثر منه ثلاثة آلاف سنة من الميلاد، وذلك حماية لرؤوسهم من عوامل الطبيعة، ويعتقد أن اسمها مأخوذ من اسم مدينة الكوفة في العراق.
تقول الحكاية القديمة إن صيادي بلاد ما بين النهرين الذين بحثوا عن الحماية من الشمس كانوا يضعون شباك صيد فوق رؤوسهم، وتطوّرت مع الوقت إلى غطاء رأس مميز بنقوش تشبه شكل الشباك وخطوط المياه، ويقول البعض إنها تعبّر عن مسارات خطوط التجارة، وإن النقاط العريضة تعني أصداف البحر، والرموز الجانبية تمثّل أوراق الزيتون.
كانت الكوفية قديماً أشبه بتعويذة تحمي صاحبها وتطرد عنه الشرّ، قبل أن تنتشر بشكل واسع بين البدو والفلاحين، وتتحول لاحقاً في كثير من المجتمعات العربية إلى جزء من الهوية.
يشار إلى أنه في العقود الأولى من القرن العشرين، وُضع الأساس للهوية المعاصرة للنسيج الشهير، وكانت الألوان التقليدية للكوفية تتنوّع بين الأبيض والأسود بدون نقوش، ثمّ انتشرت لاحقاً الكوفيات ذات التصاميم المطرّزة آليا، وأشهرها تلك المرقطة باللونين الأحمر والأسود على خلفية بيضاء، تعدّدت الأسماء لها، فهي "الشماغ" و"الحطّة" و"القضاضة" و"الغترة"، وغالبًا ما تلبس مع عقال أسود لتثبيتها فوق الرأس، وما زالت جزءًا أصيلًا من زيّ الرجال في الخليج العربي والعراق وبادية وريف الشام.
تحوّلت الكوفية إلى رمز للمقاومة السياسية أثناء ثورة فلسطين التي بدأت في العام 1936 من الريف، حيث قرّر زعماء الثورة ارتداء الكوفية كنوع من التمييز الذي صار ترميزًا بعد ذلك، لكنه في حينه كان طريقة للتشويش، حيث تمّ الاستغناء عن العمامة والطربوش لإحداث نوع من خلط الأوراق والتضليل على سلطات الانتداب البريطاني آنذاك، التي كانت تلاحق الثوّار لاعتقالهم.
تصنع الكوفية الفلسطينية بخامات متعددة من الحرير أو الصوف، والقطن، ويعد مصنع "الحرباوي" التاريخي في مدينة الخليل هو أول وأشهر المصنعين لها، ويحكي الابن عابد حرباوي قصّة افتتاح المصنع واصفاً كيف أن والده، الذي كان تاجر قماش على طريق الشام، بدأ العمل بماكنتين في مطلع الستينيات من القرن الماضي، قبل أن يزيد العدد بعد ذلك عقب نجاحه وازدياد الطلب.
بعد قيام دولة الاحتلال عام 1948، برزت الحاجة إلى استعادة الهوية الجمعية، رمزيًا ثم سياسيًا. ومع انطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني، لعبت الكوفية دورًا مركزيًا في تشكيل صورة "الفدائي"، لا بوصفها مجرد لباس، بل بوصفها علامة سياسية مرئية.
في العام 1965، مع انطلاقة حركة فتح، ظهرت الكوفية السوداء على أكتاف مقاتليها الأوائل، الذين جاؤوا من المخيمات والشتات، ليرسموا بها وجه "الفلسطيني الجديد": لاجئ يحمل السلاح ويحلم بالعودة. لحقتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967، فارتدى مقاتلوها الكوفية ذاتها، وبدت الكوفية هنا كأنها توحّد فصائل الكفاح المسلّح تحت راية المقاومة، رغم اختلاف البرامج السياسية.
الكوفية هي الهوية البصرية للفدائي الفلسطيني، تظهر في الصور الأولى للكمائن، وفي تسجيلات العمليات عبر الحدود، وعلى كتف المقاتل في الأغنية والملصق والقصيدة. رسمها الفنانون على الجدران، وخلّدها المصورون في صور الأبيض والأسود التي انتشرت في الصحافة العالمية. كان العالم يرى الكوفية، فيراها "رمزًا" ويقابلها بمزيج من الخوف والاحترام.
ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، انتقلت الكوفية من كتف الفدائي إلى رأس الطفل الذي يرشق الحجارة. وازدادت عالميتها إذ ظهرت في جامعات الغرب، وعلى المنصات الحقوقية، وفي المظاهرات المناهضة للاحتلال. ثم تابعت الكوفية حضورها في الانتفاضة الثانية عام 2000، لتكرّس موقعها كرمز دائم لا ينكسر. واليوم في مواجهة حرب الإبادة المستمرة التي أكملت عامها الثاني، تترسّخ الكوفية في الميادين معلنةً من جديد أن فلسطين لم تنكسر، حيث يرتديها النشطاء والنواب في برلمانات العالم، ويرفرف بها متظاهرون وهم يصدحون بشعارات: "من البحر إلى النهر"، "فلسطين حرة"، "أوقفوا المذبحة".
بهذا الالتفاف العالمي، لم تعد الكوفية مجرّد إرث فلسطيني، بل صارت تعبيرًا حيًا عن انحياز أخلاقي متجدد، ورايةً مضادة تُرفع في وجه القمع، وتعلن أن غزة ليست وحدها، وأن الرمز لا يُقهر حين يتجذر في الضمير العالمي.
ومع اتساع حضور الكوفية في الفضاء العالمي، تواجه الرموز الفلسطينية اليوم امتحانًا جديدًا: كيف تحافظ على معناها التحرّري وهي تُستهلك تجاريًا في الأسواق والمتاجر، وتُحوّل إلى موضة أو زينة تُباع في متاجر الغرب؟ لقد صارت الكوفية تُطبع على القمصان، وتُستعاد في عروض الأزياء، وتُدرَّس في متاحف الفن المعاصر بوصفها “تراثًا بصريًا” أكثر منها راية مقاومة.
هذه المفارقة تُعيدنا إلى سؤال أعمق عن الرمز في زمن العولمة: هل يمكن لرمز وُلد من الجرح أن يظلّ وفيًّا لمعناه الأول حين يدخل دائرة التبادل التجاري؟ وهل يتحوّل تضامن العالم مع فلسطين، أحيانًا، إلى استهلاك رمزي خالٍ من الفعل؟
هنا، تُختبر الكوفية كفكرة لا كقطعة قماش. فحين يرتديها ناشط في جامعة أمريكية أو متظاهر في برلين، لا يعود السؤال فقط: "مع من يتضامن؟"، بل "هل يفهم ما تحمل هذه الخيوط من تاريخ دمٍ وذاكرة؟". إنها معركة المعنى بعد معركة البقاء. فكما قاومت فلسطين محوها المادي، عليها اليوم أن تقاوم تمييع رموزها في عالم سريع يستهلك كل شيء، حتى النضال.
كما لم تقتصر الرمزية الفلسطينية على الكوفية وحدها، بل امتدت إلى الأدب والفن. غسان كنفاني جعل من صرخته "لماذا لم يطرقوا الخزان؟" اختزالًا للهزيمة والمقاومة المؤجلة، وحوّل محمود درويش مفردات الحياة اليومية إلى إشارات كونية لهوية لا تُهزم. أما ناجي العلي، فحوّل "حنظلة" إلى توقيع شعبي للموقف الفلسطيني الصلب، لا يقل تأثيرًا عن الكوفية في أي تظاهرة أو صورة.
وهكذا، تشكّل أرشيف الرمز الفلسطيني: شعر، رواية، ملصق، قميص، وشال. كلها أدوات في معركة واحدة ضد المحو.
في السياق الفلسطيني، لم تكن الرموز مجرد أدوات تعبير، بل ضرورات وجودية في وجه استعمار يلاحق حتى الألوان والأقمشة والرسوم. فالهوية حين تُحاصَر، لا تعود تَسَعُها اللغة وحدها، فتبحث عن مخرج ماديّ تعبّر به عن نفسها. تحت الاستعمار، يتجذّر كل ما هو مرئي ويومي – قطعة قماش، ثمرة بطيخ، رسوم جدارية، مشية فدائي، أو اسم مخيم – في وجدان الناس، فيتحوّل إلى شيفرة جماعية لا يمكن نزعها. الكوفية، البطيخ، حنظلة، صبرا وشاتيلا، مخيم جنين.. كلها رموز وُلدت أو أُعيد إحياؤها لأن الاحتلال لم يصادر الأرض فقط، بل حاول نفي السردية ذاتها.
وهنا تحديدًا، تتقاطع فلسطين مع ما تشتغل عليه دراسات ما بعد الاستعمار، من تفكيك آليات محو الهوية، وكيف يُعاد إنتاجها عبر الترميز الشعبي والمادي. فالرمز في الحالة الفلسطينية ليس زينة نضالية، بل أداة مقاومة تُقابل المنع بابتكار، والقمع بالخيال، والرقابة بالتحوّل. ولهذا تلعب عناصر الفلكلور دورًا مزدوجًا: تحفظ الذاكرة وتحمي الحاضر. فما يُسمى "تراثًا" في بلدان مستقرة، يصير في فلسطين سلاحًا ناعمًا في معركة البقاء. هنا، تختلط الرموز المستعادة من الذاكرة الجمعية (كالكوفية أو الأغنية الشعبية) بتلك التي وُلدت في لحظة حصار أو مأساة (كحنظلة أو البطيخ)، لتشكل معًا جهازًا رمزيًا متحركًا يربط بين النكبة والانتفاضة والمقاومة المعاصرة.
بهذا، تفردت فلسطين، لا فقط بكمّ رموزها، بل بكيفية تَشكُّلها: رموز وُلدت من القهر، وتحوّلت إلى أيقونات للكرامة. رموز لا تُملى من الأعلى، بل تنبثق من الناس، من وجدانهم اليومي، ومن حاجتهم الملحّة إلى القول حين يُمنع القول.
في الحرب الأخيرة، رفرفَت الكوفية فوق أكتاف متظاهرين في مدريد ونيويورك وبرلين، وتسلّلت إلى برلمانات أوروبا، وإلى شاشات التضامن في الميادين، كما لو أنها تُسجّل، مرّة أخرى، شهادة الميلاد السياسية لفلسطين.
لقد أصبحت الكوفية الآن نوعًا من الحصانة الرمزية، وتذكيرًا دائمًا بأن الهوية التي قاومت التهجير والسجن والمذبحة، قادرة أيضًا أن تظلّ حية في ضمير العالم، حتى حين يخفت كلّ شيء.
إنها الرمز الذي عبر من الخاص إلى الكوني، ومن التراث إلى الوجدان العالمي، دون أن يفقد معناه الأول: فلسطين.
ربما لا نملك اليوم ما يكفي من العدالة لإيقاف المجازر. لكن الكوفية المرفوعة في كل مكان تقول: لن يُمحى هذا الوجه. لن تُنسى هذه الأرض. ولن تُبتر هذه الذاكرة.