ultracheck
القضاة المستنيرون

من زمن مختلف: سيرة ثلاثة قضاة رفضوا محاكمة الفكرة

4 مايو 2025

"الاستنارة ليست حركة فكرية فحسب، وإنما هي– فضلًا عن ذلك- مؤسّسات مادية تجسّد الحضور الفكري لهذه الاستنارة كالجامعات، التي هي لازمة من لوازم الدولة الديموقراطية الساعية إلى التقدّم، والقضاء الذى هو مؤسّسة موازية، تتولّى تدريب القضاة وإعدادهم ليكونوا حماة للدستور والقانون، وحرّاسًا للعدل"

  • جابر عصفور

 

عَرف التاريخ الأدبي قضاةً مستنيرين، انحازوا، وهم ينظرون إلى قضايا شغلت الرأي العام، إلى العدالة والتنوير، فسجّلوا صفحات بيضاء في تاريخ القضاء وتاريخهم الشخصي. فصارت أسماء هؤلاء لا تقل أهمية عن القضايا التي نظروها.

لا يُغفل التاريخ الأدبي اسم نائب عام مصر في أزمة كتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي" 1926 محمد نور بك، الذي جاء تقريره لطشة من البيان الأدبي، وهناك عبد العزيز باشا فهمي (1870-1952) القاضي الوزير الذى استقال من منصبه؛ احتجاجًا على محاكمة على عبد الرازق مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" (1925)، الذى أكّد فيه أن الإسلام لم يفرض على المسلمين مذهبًا بعينه في الحكم، وترك لهم حرية اختيار النظام السياسي الذى يرونه أهلًا لهم. 

غضب الملك فؤاد وطالب بإقالته من وزارة الحقانية، وعندما أرسل شيخ الأزهر قرار عزل على عبد الرازق إلى عبد العزيز فهمي باشا، وزير الحقانية آنذاك، طالبًا التصديق عليه رفضه وكتب قائلًا: "أحضرت هذا الكتاب وقرأته مرة أخرى، فلم أجد فيه أدنى فكرة يؤاخذ عليها مؤلفه". 

سأتوقّف في هذه المقالة عند ثلاثة من الأسماء التي لمعت وهي تدافع عن حرية الرأي والتعبير، أوّل هؤلاء هو القاضي محمد نور بك، الذي سجّل موقفًا مشرفًا في أزمة طه حسين، وانحاز للتفكير العلمي، وإعمال المنهج في الدراسات العلميّة. والثاني هو القاضي حافظ سابق الذي دافع عن كتاب "من هنا نبدأ" للمفكّر خالد محمد خالد، وقدّم عريضة دفاع في المحكمة برّأت الكاتب، لا تقل أهميّة عمّا فعله القاضي محمد نور بك، أما القاضي الثالث فهو لبناني ويُدعى راجي الراعي، وهو الآخر قدم عريضة دفاع عن الأديبة ميّ زيادة، وأسهم دفاعه في تبرئتها من التهم التي نسبها إليها أقاربها في محاولة منهم للاستيلاء على أملاكها.

استدعاء هذه الشخصيات غرضه الأساسي الأوّل هو استعادة فترة زمنية زاهية بكتابها وعلمائها ومفكريها، وأعلامها المستنيرين، استعادة لحقبة كانت ثرية في كل شيء، وما زال عطاء روّادها هو المصباح الذي ينير عتمة الطريق.

 القاضي المستنير

محمد بك نور رئيس نيابة مصر، كما كان يُطلق عليه صاحب أشهر تقرير قُدّم للمحكمة بعدما تَلقى النائب العمومي عِدّة بلاغات تفيدُ كلّها بأنّ طه حسين قد تعدّى بكتابه "في الشعر الجاهلي" على الدين الإسلامي، أولها بتاريخ 30 أيّار/ مايو 1926 من الشيخ خليل حسين الطالب بالقسم العالي بالأزهر، اتّهم فيه الدكتور طه حسين بأنّه ألَّفَ كتابًا ونشره على الجمهور وفيه طَعْنٌ صريح في القرآن العظيم حيث نَسَبَ الخرافة والكذب للكتاب السماوي. 

وبتاريخ 5 حزيران/ يونيو 1926 أرسل شيخ الجامع الأزهر للنائب العمومي خطابًا مع تقرير رفعه علماء الجامع الأزهر عن كتاب طه حسين، وقال التقرير إنّ الكاتب كذّب القرآن الكريم وطعن على النبي (صلى الله عليه وسلم). وطالب الشيخ تقديم طه حسين للمحاكمة. وفي 14 أيلول/سبتمبر سنة 1926 تقدّم عبد الحميد البنّان أفندي عضو مجلس النواب ببلاغٍ آخر ذكر فيه أنّ الأستاذ طه حسين نشر ووزّع وعرض للبيع كتابًا طعن وتعدّى فيه على الدين الإسلامي.

بعد هذه البلاغات، قام النائب العام محمد بك نور، بالتحقيق في الاتهامات الموجّهة للخصم الدكتور طه حسين، وانتهى بعد تحقيقات ومواجهات بين أطراف القضية إلى تقريره الذي رفعه للمحكمة في 30 آذار/مارس 1927، والذي كان بمثابة بحثٍ علمي رصين، حسب توصيف خيري شلبي. 

لم ينفِ النائب العام التهم عن طه حسين وفقط، بل دحضها بآراءٍ علميّةٍ مُبحرًا فيها في كتب وفكر طه حسين، حتى إنه في أكثر من موضع في وثيقته أو مذكرته يثبت تناقض فكر طه حسين، فيبحث ويستقصي عن فكر الدكتور، فيستشهد بمقالة كتبها الدكتور طه حسين في جريدة السياسة الأسبوعية بالعدد 19 الصادر في 17 تموز/ يوليو سنة 1926. تحت عنوان "العلم والدين"، ويستخلص منها رأيًّا للدكتور عن الشخصية وموقفها من الأفكار حيث يرى الدكتور طه أن كلَّ إنسانٍ إذا فكَّر وجد نفسه شخصيتيْن متمايزتيْن إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلّل وتغيّر اليوم ما ذهبت إليه الأمس وتهدم اليوم ما بَنَتْهُ أمس. والأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترغب وترهب في غير نقد ولا بحث ولا تعليل.

لم يقتصر دفاعه على كتابات طه حسين، بل يستعين بكتابات أخرى تتصل بالموضع؛ ليهتدي إلى القرار الصائب كما فعل باستعانته بكتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي الذي اعتمد عليه طه حسين، لكن الجميل هو أنّه رأى أن المُبَلِّغين قد انتزعوا العبارات من موضوعها والنظر إليها منفصلة وأنّها جاءت في الكتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها مُتعلِّقة بالغرض الذي أُلِف من أجله الكتاب‏.

منذ بداية التحقيق يلتزم النائب محمد بك نور بأُسس المنهج العلمي الرصين في القضية دون إغفال لمواد القانون، فسعى للعمل على جانبيْن؛ أحدهما علمي (نقدي) حيث البحث عن أصل الاتهامات الواردة في عريضة الدعوى، والتي أجملها في أربع اتهامات في حقّ طه حسين، والثاني قانوني محضّ حيث وضع مواد الدستور في مواجهة لهذه الاتهامات، فمارس دور الناقد ودور القانوني في آنٍ واحدٍ، عامدًا في الموقفيْن إلى سَداد الفكر ورجاحة العقل وأيضًا تفعيل واحترام مواد الدستور التي تصون حرّية الفكر وتكفلها وفقًا لمواده التي التزم النائب بها وفعّلها عندما أراد أن ينتصر لحرية الرأي ضدّ هؤلاء الذين جاؤوا لمُصادرة الفكر، وَحَجْر الإبداع، بوصفهم حُرَّاسًا للأخلاق والدين.

المنهج في القضايا الفكرية

لم يأتِ تعامُّل محمد بك نور مع القضية على أنها قضية عادية يجب مطابقتها بنصوص القانون الجامدة، وإنما قضية فكريّة ومِن ثمّ جاءت مذكّرة النيابة حاويةً لفكر مَرن مُستوّعِب رحابة الأفكار، وجنوحها في بعض منها، وأيضًا طواعيتها في الخضوع لتجريب المناهج الجديدة، وهو ما عكس وعيًّا معرفيًّا ونقديًّا لدى سعادة النائب جعلت خيري شلبي يرى أنّ محمد بك نور، يمتلك أدوات الناقد المتخصّص، ويتساءل في تعجُّب: "لماذا لم يُمارس النقد؟" وكأنه يتهمك من الواقع الآني حيث يشتغل في النقد أنُاس لا علاقة لهم به، وهم أبعد عن فكرة البحث والتقصي، بعكس النائب الذي أورد حيثيات حُكمه والتي لم يكن يصل إليها إلا ناقد متخصّص لا رجل قانون عاديًّا. 

انقسمت مذكرة الحيثيات إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأوّل منها فَنَّدَ فيه الاتهامات نقديًّا وعلميًا، كما دعمّه بتجوّل سيادة النائب في فكر طه حسين على تنوّعه ومحاورًا له، وناقضًا بعض ما رآه غير مستقيمٍ دون أن ينحرف أو يسقط في أحكام عُجلى أو حتى أحكام لا علاقة بها بموضوع الكتاب، بل كانت أحكامه في صميم الكتاب وتفنيدًا لمحور الشكوى في حقّ المشكوى في حقّه الدكتور طه حسين وكتابه في الشّعر الجاهلي. 

ثمّ جاء القسم الثاني، فكان حجّة فقهية مشفوعًا بالرأي القانوني إلى جانب الرأي الفنيّ (النقدي) فقد أشفع مذكرته بالمادة 12 من الأمر الملكيّ رقم 42 لسنة 23 التي نصّت بوضع نظام دستوري للدولة المصرية على أن حرّية الرأي مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون. 

ثم المادة 149 منه، التي نصت على أن الإسلام دين الدولة: فلكلّ إنسانٍ حرية الاعتقاد بغير قيدٍ ولا شرط، وحرية الرأي في حدود القانون، فله أن يعرب عن اعتقاده وفكره بالقول أو بالكتابة بشرط ألا يتجاوز حدود القانون. 

ثم يورد كذلك المادة 139 من قانون العقوبات الأهلي التي نصّت على عقاب كلّ تعدٍ يقع بإحدى طرق العلانية المنصوص عليها في المادتيْن 148ـ 150 على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علنًا. فهو لا يورد مواد القانون مُجرّدة؛ بل شارحًا لها ومُوضِّحًا ما يضمن حقّ المشكوى فيه، وما ينطبق عليه، وهل تجاوز أم لم يتجاوز؟ وبعد تقصيه وبحثه في جريمة التعدّي التي اتهم بها طه حسين في ظلّ توافر الأركان الأربعة لها، التعدي أو وقوع التعدي بإحدى الطرق العلانية في المادتيْن 148، 150، أو وقوع التعدي على أحد الأديان التي تؤدِّي شعائرها علنًا. ثمّ القصد الجنائي. 

بعد كلّ هذا يَخْلُصُ إلى حُكْمِهِ أو نتيجته المنطقية التي اهتدى إليها بعد دراسة الجانبيْن الفني (النقدي) والقانوني، وهو الحكم الذي لم يكن مُنْصِفًا للدكتور طه حسين أو كتاب "في الشعر الجاهلي"، بقدر ما كان بمثابة الحكم الذي انتصر فيه القاضي الواعي صَاحب العقلية النقدية الثاقبة، لحرية العقل والتفكير.

كان هذا الحكم هزيمةً لـ"خفافيش الظلام" التي تتخذ مِن ستار الدين والمحافظة على الأخلاق والقيم خلفية لممارسة مصادرتها للعقل وهو ما تكرّر بعد غياب عقلية محمد بك نور، في نماذج كثيرة أبرزها قضية الدكتور نصر حامد أبوزيد، وهو ما عكس بالفعل أن عصر الدكتور طه حسين ومجايليه من حملة مشعل التنوير الفعليّ أَثْمَرَ فِي هذا الوعي الذي حَمَلَهُ النائب محمد بك نور، وكان ثمرة هذا التنوير، فضرب المثل فيما يجب أن يتسلّحَ به رجل القانون عند مُجابهة قضايا فكرية، لا أن يُخضعها للتعامل العادي كما يتعامل مع القضايا اليومية، وإنما يجب أن توضع في سياقها الفكريّ، وفي الوقت نفسه، لم يغفل أن يُعطي للمُفكِّر والأديب المرونة في البحث.

ويخلص إلى: "أن ما ذكره طه حسين بشأن القرارات لا غبار عليه من الوجهة العلميّة والدينيّة أيضًا ولا شيء فيه يستوجب المؤاخذة لا من الوجهة الأدبيّة ولا من الوجهة القانونية. أما مسألة الطعن ـــ الركن الثاني ـــ فلا تعليق للنائب عليها، لأنّ الطعن قد وقع بطريق إعلانية إذْ أنّه أورد في كتاب الشّعر الجاهلي الذي طُبع وَنُشر وبيع في المحلات العمومية والمؤلف مُعترفٌ بهذا".

وأما عن الركن الثالث فيقول: "إنّه لا نزاع فيه أيضًا لأن التعدي وقع الدين الإسلامي الذي تؤدى شعائره علنًا وهو الدين الرسمي للدولة". أما الركن الأخير وهو القصد فيقول النائب. "إذن على المؤلف أن يثبت أنه أراد بما كتبه أن يتعدّى على الدين الإسلامي، فإذا لم يثبت هذا الركن فلا عقاب. كما يذكر النائب في مذكرته ماهو حقّ بأنّ المؤلّف أنكر في تحقيقات النيابة التي أجراها معه: أنه يريد الطعن على الدين الإسلامي، وقال إن "ما ذكره في سبيل البحث العلمي وخدمة العلم لا غير".

الانتصار لحرية الرأي والفكر

الشيء الآخر الذي أفرزه هذا الحكم التاريخي إلى جانب إنصاف طه حسين وكتابه هو الانتصار للمنهج النقدي الذي استخدمه الدكتور طه، فالنائب محمد نور بك، يقول: "إن للمؤلف فضلًا لا يُنْكَرُ في سلوكه طريقًا جديدًا للبحث حَذَا فيه حذو العلماء مِن الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم تورط في بحثه حتى تخيّل حقًا ما ليس بحقِّ أو ما لا يزال في حاجة إلى إثبات أنه حق". 

وإنْ كان عَتب على طه حسين في ظلّ إيمانه ووعيه بصعوبة المسلك الذي سلك دربه طه حسين فيقول دون انتقاص من قيمة ما فعله: "إن المؤلّف قد سلك طريقًا مظلمًا فكان يجب أن يسير على مهل وأن يحتاط في سيره حتى لا يضلّ ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة".

دروس المحاكمة

في سياق هذه المذكرة، ألمح القاضي المستنير في توصية مُهمّة إلى المنهج الذي يجب أن يُتعامل به مع المفكّرين والمبدعين قائلًا: "أما من الوجهة العلميّة فإن أستاذ الجامعة المصرية كغيره في الجامعات الأخرى من واجبه أن ينشر نتيجة أبحاثه ولا يحكم علي أعماله إلا النقاد المتخصّصون‏، وأن مجلس الجامعة بصفته الهيئة التأديبيّة للجامعة هو الذي يُحاكم الأستاذ المخطئ وليس غيره"، لكن مع هذه التوصية البالغة الدلالة التي مرّرها القاضي في سياق حكمه لم يلتفت إليها أحد، وهي ما تعد بمثابة القسم الثالث في وثيقة الدفاع حيث أعقب قراره بتوصيات لو أُخذ بها أو حتى فُعِّل بعضًا منها، لما حَدَثَ ما نشاهده الآن، لكن مع الأسف مازال مسلسل محاكمات الفكر والإبداع مستمرًّا رغم مرور أعوام طوال على هذه الوثيقة التاريخية المهمة قبل أن تكون وثقية.

مثلما ثار حُرّاس الدين على كتاب طه حسين، ثاروا وهاجوا وماجوا على كتاب المفكر خالد محمد خالد "من هنا نبدأ" الذي صدر عام 1950، ومثلما انتصف القاضي محمد نور بك لكتاب طه حسين، وبالأحرى للعلم، انتصف كذلك القاضي حافظ سابق رئيس محكمة استئناف القاهرة الابتدائية للعلم، وحرّية الفكر، وقدم هو الآخر وثيقة رفيعة تبثت وعي القاضي من جهة، ومن جهة ثانية تؤكد على قيمة إعمال العقل، وتشجع على الفكر الخلاق. 

الحكاية بدأت عندما أصدر خالد محمد خالد كتابه "من هنا نبدأ" عام 1950 وقدّم فيه رؤية جديدة للكثير من المسائل المتعلقة بالفكر الإسلامي، وما إن صدر الكتاب حتى واجهته مشكلة التوزيع، فلجأ إلى حيلة، حيث طلب من صديق له يدعى محمد حسن البري، أن يكتب نقدًا لاذعًا للكتاب، حتى يلفت الانتباه  إليه، وبالفعل حدث ما أراد، ونشرت المقالة في صحيفة "منبر الشرق" لصاحبها على الغاياتي، بل وضعه في صدارة الصفحة الأولى ليلفت الانتباه، وإذا بمشايخ الأزهر يثورون ثورةٍ عارمةٍ على الكتاب وصاحبه، وتحرّكت لجنة الفتوى بالأزهر مطالبة النيابة العامة بمصادرة الكتاب والتحقيق مع مؤلفه.

وقد واجه الكتاب تُهمتين واحدة من لجنة الأزهر بالخروج عن الدين، والثانية عن من قبل النيابة حيث اتهام مؤلفه بالشيوعيّة؛ فالكتاب من وجهة نظر لجنة الأزهر "قد وُضع بروحٍ تناصب الدين العداء السافر، وتعمل جهدهم على هدم كيانه، وتسلبه أخصّ وظائفه وهي الهيمنة على شؤون الحياة وتدبريها وإقامة أمور الناس فيها على أسس العدل والاستقامة، وسياستهم بكل ما فيه من إصلاح.

لم تكتفِ لجنة الفتوى، بهذا بل رأت أن المؤلّف صوّر الحكومة الدينية بخصائص وغرائز من شأنها أن تبعث في النفوس محاربة هذا النوع من الحكم. ورماها بالغموض المُطلق، وأن دستورها الذي تخضع له وتقوم به وتفرّ إليه، هو الدين.. هو القرآن، وأن القرآن والسنة فيهما من الغموض والاحتمالات، ما يجعل في الآية والحديث متمسكًا للمتخاصمين والمتعارضين في الرأي.

وأن المؤلّف يعني بهذا ذلك الغموض، يجعلهما غير صالحين لأن يكونا أساسًا صالحًا للحكومة، وغيرها من اتهامات. وبالفعل مثل المؤلف أمام وكيل النيابة، وتم التحقيق معه، وانتهت النيابة إلى تأييد الرأي بضبط الكتاب، وبرّرت قرارها بارتكاب المؤلف للجرائم الآتية: أولًا، أنه تعدّى علنًا على الدين الإسلامي، الأمر المعاقب عليه بالمادتين 161، 171 عقوبات. ثانيًا، إنه حبذ وروّج علنًا مذهبًا يرمي إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوّة والإرهاب، ووسائل أخرى غير مشروعة. الأمر المعاقب عليه بمقتضى المادة 174 عقوبات.

ثالثًا: أنه حرّض علنا على بغض طائفة من الناس وهي طائفة الرأسماليين، والازدراء بها تحريضًا من شأنه تكدير السلم العالمي، الأمر المعاقب عليه بمقتضى المادتين 171، 176 عقوبات. 

دافع المؤلف عن نفسه وردّ التهم عنه، فقال إنه ليس شيوعيًّا، فالشيوعية تعتبر الدين ظاهرة، والظواهر تروح وتأتي، تظهر وتختفي، أي أن الدين مرشّح للزوال، أما عنده فالدين ضرورة اجتماعية، والضرورات باقية ما بقيت الحياة، ورغم إجاباته المقنعة إلا أن وكيل النيابة حولته إلى المحكمة، لكن القاضي الذي تولّى القضية، وكتب تقريرًا، وضع كلمة الفصل في نهاية التقرير.

ومثلما قرأ قاضي طه حسين الكتاب بوعي، دون انحياز للآراء السلبية والمحرّضة على إعدام الكتاب والاقتصاص من مؤلفه، فعل قاضي كتاب خالد محمد خالد "من هنا نبدأ"، فقرأ الكتاب بروية وتدبّر، وأعاد قراءة الكتاب في ضوء الاتهامات التي وجهتها النيابة للكتاب ومؤلّفه، وراح يفند كل اتهام على حدة، مبينًا قصد المؤلّف من وراء هذه الرؤية، وذلك الرأي، بل لم يكتف بهذا؛ بل نراه في بعض أدلته لتفنيد الآراء ينحاز إلى رأي المؤلف، ويرى أن ما قصده هو عين الصواب. كما راح يستعين بوقائع من التاريخ، وبآراء كُتّاب ومفكرين آخرين للاستدلال على رأيه والاطمئنان على صواب ما انتهى إليه المؤلّف، فيحضر رأي محمد مصطفى المراغي، وكتاب حياة محمد لمحمد حسين هيكل.

ومن الآراء التي فنّدها القاضي وانحاز فيها لرأي المؤلّف، ما أخذ على الكتاب من أنه يهاجم الحكومات الدينية، ووصفها بأنها تحكم بهوائها، ثم تزعم أنها تحكم بما أنزل الله، وأن غريزة الغموض وغيرها من الغرائز التي تستمد الحكومة الدينية منها سلطتها بعيدة كل البعد عن حقائق الدين وفضائله، وإن الحكومات التي حكمت باسم الدين سواءً في المسيحية أو الإسلام كانت أسوأ مثل للحكم ما عدا قلة نادرة، فاضلة لا تكاد العين تقع عليها في زحام الكثرة الباغية. والحكومة التي ينتقدها المؤلف هي تلك "التي تعتمد على سلطة مبهمة غامضة، ولا تقوم على أسس دستورية واضحة، والتي تمنح نفسها قداسة وعصمة مدعاة".

ويتخذ من اعتراض الداعين بوجوب إقامة حكومة دينية، بأنهم يبررون ذلك بفكرة القضاء على الرذائل وإقامة الحدود، بقول المؤلف "إن الدين وحده من غير أن يكون دولة هو الذي يهدي إلى الفضيلة عن طريق الترويض والإقناع، وأن نفوذ الدين وأثره في مكافحة الرذيلة يكونان أرسخ قدمًا وأقول سبيلًا حين يسلك طريقه إلى النفوس بالتسامح والرفق والحجاج الهادئ والمنطق الرصين".

ومن الأشياء التي وقف عندها القاضي مسألة الحدود، وهي التي هيّجت الدنيا من قبل رجال الأزهر، خاصّة أن المؤلّف طالب بتوقيفها، فيقول إن المؤلف ذكر أنها "موقوفة عن العمل وليس هناك مجال لإقامتها فقد وقف عمر حد السرقة في أيام المجاعات، وصارت سنة رشيدة من بعده"، والشرق الإسلامي في مجاعة ما دام الناس لم يستوفوا ضرورات الحياة، فحدّ السرقة (عند المؤلف) موقوف حتى ينزل الرخاء مكان الجدوب، ويوم الرخاء فلن تحصل سرقة وإذا وجد السارق رغم الرخاء قطعت يده، على أن قطع بضع أيد سارقة لن يحتاج إلى قيام حكومة دينية خاصة". 

أما حد الزنا فإن أمر إقامته يجمل موانع تنفيذه، فقد شرط الله أن تثبت الخطيئة بإقرار مقترفها أو بالبينة، واشترط أن تكون البينة أربعة شهود، وأن يروا العملية الجنسية نفسها رؤية سافرة، وهذا أمر يكاد يكون مستحيلًا مما يجعل الثبوت بالبينة متعذرًا كما أنه لن يُثبت بالإقرار، فإن أحدًا لن يذهب من تلقاء نفسه ليقدم ذاته للعار والفضيحة والميتة الشنيعة رجمًا بالحجارة أو جلدًا بالسياط، ولم يحدث في خلال عهد الرسول وخلفائه سوى وقائع معددودة أقيم فيها حد الزنا. وينتهي إلى أن المؤلّف لم ينكر ما أمر الله به من حدود، وإنما قال "إنه لا ضرورة لقيام حكومة دينية من أجل إقامة هذه الحدود خاصّة، ولا سيما أن هذه الحدود نادرة التطبيق عملًا". 

أما مسألة الصدقة التي اعتبرها المؤلف تسوّلًا، وهو ما أهاج رجال الفتوى، فالمؤلّف يرى أن "سدنة الكهانة يدعون باسم الدين إلى اشتراكية الصداقات، وهم حين يدعون إلى ذلك إنما يجعلون الصدقة نظامًا اقتصاديًّا مشروعًا، ومعنى ذلك أنهم يفتحون باب المسألة (أي السؤال) على مصراعيه مع أن الدين يحقر المسألة ويمجد العمل ويأمر بأن يأخذ العامل حقّه فيما عمل دون أن ينتقص من حقه شيء، والدين لا يمكن أن يعالج حقوق الشعب في الحياة بالصدقات، كما تحاول الكهانة اليوم أن تفعل".

وعن اتهامه باستعراض الحالة الاجتماعية في البلد، بنقد الرجعية والرأسمالية المتطرفة؛ فالقاضي يرى أنه "أفصح عما تعانية غالبية الشعب من فقرٍ وحرمانٍ، وما بدا عليها من تذمّر، بينما قلّة من الشعب تنعم بالثراء الوافير، علاوة على ما بدر من هؤلاء السادة من تعالٍ على الفقراء، فهو بقوله لم يخرج عن حدود النقد المُباح وليس فيه تحريضٌ طائفة على بغض طائفة أخرى، أو قصد إلى شيء من هذا، بل بيّن من ثناياه أنه قصد إصلاح هذا البلد، وإسعاد الشعب وهناءته.

وقد أورد المؤلّف في كتابه ما يراه من ضروب الإصلاح ودعا إلى اشتراكية رشيدةٍ وديعةٍ معتدلةٍ، وقال إن هذه الاشتراكية هي التي تحقق العدالة الاجتماعية ولا شيء سواها، وفي الوقت نفسه هو لم "يحبذ الشيوعية ومبادئها أو أي مذهب من المذاهب التي تنطوي على استعمال القوة والعنف لتحقيق هذه المبادئ، بل صرّح بما ينقض ذلك ودعا الشعب إلى التماس العقل والحكمة والنظام والرفق والتسامح والحنان والأناة والإنصاف ودعا الحكومة إلى العمل على تحقيق ما ارتآه من وجوه الإصلاح.

وينتهي القاضي المستنير إلى أن المؤلّف يفصل بين الدين، ودعاة الدين والحكومات الدينية، ومن ثم فالطعن في هؤلاء الدُعاة أو في هذه الحكومات ليس طعنًا في الدين، فحسب رأي القاضي المستنير "الدين حقائق خالدة ثابتة، أما هؤلاء الدعاة ومتولو شؤون هذه الحكومات فهم بشر من الناس يصيبون ويخطئون".

وإذ يفصل المؤلف بين الحكومات التي تحكم بالدين، والحكومات التي حكمت في عهد الرسول، فهو يشيد بها، فقد توافر لها كل عناصر النجاح والتقدّم. فالمؤلف وجّه نقده للحكومات الدينية التي كانت تحكم بهواها وتزعم أنها تحكم بما أنزل الله وتفسر وجودها بأنها ظلّ الله في الأرض، وإذ تسأل عن دستورها الذي تخضع له وتقوم به، تفر وتهرب إلى الغموض الذي لا تستطيع أن تعيش إلا فيه، وتقول "هو الدين، هو القرآن". فدعاةُ هذه الحكومات كانوا يستغلون القرآن استغلالًا سيئًا "ويسفكون دم المسلمين متسلحين ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة".

وعن تهمة تعريضه بالقرآن الكريم والحديث الشريف، بسبب قوله "إن القرآن حمّال أوجه"، فيرى القاضي أنه لم يقصد التعريض بالقرآن ولا بسنة رسوله، بل على العكس مجدّ الله وكرّم الرسول في أكثر من موضع فقال مثلًا: "إنه يجب تقديم الدين للناس وضيئًا متألقًا كيوم نُزل من لدن عزيز حكيم". 

فالمؤلف نسب القول إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، ولجنة الفتوى لم تنكر صدور القول عن الإمام علي، كما يستدل بآراء كثيرة تؤيّد الإشارة إلى أن القرآن حمّال أوجه. وعن اعتراض لجنة الفتوى بأن المؤلف عرّض بركن من أركان الدين، وهو الزكاة، فيرى القاضي أن المؤلف لم يجحد الزكاة، ولم ينف أنها ركن من أركان الدين. كما إنه لم يحقر الصدقة ذاتها، بل حقّر المسألة، فالمؤلِف يرى أن "الصدقة نظام اقتصادي وافٍ، ووسيلة ناجحة لمحاربة الفقر وإسعاد الشعب. لكن لا يمكن معالجة حقوق الشعب في الحياة بالصدقات، والإسلام حينما دعا إلى العدل والتكافل الاجتماعي لم تكن الصدقة في حسابه قط، كوسيلة تنهض بها حياة الشعوب. فما جاء في الكتاب من ذم المسألة والتعفّف عنها، فهو صحيح، ويورد القاضي العديد من الأدلة التي تؤكد وجهة نظر المؤلف بأحاديث وردت في فتح الباري.

وينتهي إلى أن المؤلف بما أن حرية الرأي مكفولة في حدود القانون، والكتاب المضبوط لا ينطوي على جريمة ما، فالمؤلِّف لم يخرج فيما كتب عن حدود البحث العلمي والفلسفي، ومن ثم قرّر بإلغاء الأمر الصادر بضبط الكتاب، والإفراج عنه. هكذا انتصف القاضي المستنير بوعيه وحسه لحرية الرأي والتفكير من ناحية، ولحرية البحث العلمي، فحكمه بمثابة تحفيز للتفكير والبحث العلمي، ودعوة إلى إعمال العقل والنقد المُباح لمشاكل المجتمع.

محاضرة تاريخية 

القاضي الثالث هو راجي الراعي النائب العام اللبناني، ويختلف هذا القاضي عن السابقين أنه مؤلف، وله العديد من الكتب النثرية، وكذلك الدواوين الشعرية، وكان صاحب فكرٍ بمقالاته التي كان ينشرها في جريدة السياسة، والهلال وغيرهما. قدم الراعي وثيقة مهمة دفاعًا عن مي زيادة أثناء أزمتها العائلية، التي انتهت بها إلى وضعها في مستشفى للأمراض النفسيّة من قبل أقربائها للاستيلاء على ميراثها. لكن للقاضي كان له رأيًّا آخر، انتصف فيها لمي وأخرجها من قبو المستشفى إلى النور، وردّ لها الاعتبار. بأن أزاح عنها التهمة التي ألصقها أقرباؤها بها. 

حكاية مي طويلة ومعقّدة، خاصة أن أطرافًا عديدة شاركت فيها، والخذلان جاء من جانب الأقرباء قبل الجميع. ميّ كانت ضحية لكل من وثقت فيهم، واستغلوا أزمتها بعد وفاة جبران الذي تعلقت به، ثم أعقبه وفاة والديها، وقد كان حزن ميّ عليهما بالغًا، فآثرت العزلة عن مخالطة الناس، واستمرّ الحال هكذا لمدة عامين حتى استأنفت نشاطها من جديد.

استغلّ ابن عمها حاجتها إلى سند ومعين، فأقام دعوى حجرٍ عليها في بيروت بتاريخ 17 شبّاط/ فبراير 1938، ولم يكتف بهذه الدعوى، وإنما أقام دعوى مماثلة في القاهرة أمام المجلس الحسبي، لأن ابنة عمه المجنونة - حسب وصفه - من الرعايا المصريين. 

وفي محكمة بداءة ببيروت أقام أقرباؤها ونسباؤها دعوى، وكان يرأس المحكمة عندئذٍ القاضي بشارة الطبّاع، وكان مشهودًا عنه أنه بضيق صدره، واعتداده برأيه، وتبحّره في القانون، دون معرفة بالحركة الأدبية وأعلامها وآثارها، ومن ثم كان يجهل ميًا ومكانتها الأدبية، وهو ما انعكس على إدارته للمحكمة، فظهر متعصبًا في ملاحظاته، مما أثار وكيلي مي، الأستاذ حبيب أبو شهلا وبهيج تقي الدين، وحدث تصادم أكثر من مرّة أثناء المحاكمة،  في مقابل هذا كان النائب العام في المحكمة آنذاك هو الأستاذ راجي الراعي، وهو معروفٌ بعلمه وكتاباته الأدبية، ونظرًا لتوتر أجواء المحاكمة رأى وكيلا مي نفي التهمة عن مي باختبارها، فاقترحا إلقاء مي لمحاضرة في الجامعة الأميركية، يُدعى فيها هيئة المحكمة وممثل النيابة العامة، وبالفعل تم تحديد تاريخ المحاضرة ومكانها في الثاني والعشرين من شهر مارس/آذار في الجامعة الأميركية ببيروت، وعندما عرض الأمر على مي، فكرت في الأمر، ووافقت لأنها وجدت في المحاضرة دحضًا لكل الاتهامات عن سلامتها العقلية، وبالفعل حدّدت موضوع المحاضرة بعنوان "رسالة الأديب إلى المجتمع". 

وجاء يوم المحاضرة، وهو الامتحان في نظر الجميع، وكانت مي استعدت استعدادًا كبيرًا لهذه المواجهة، مواجهةٌ مع ذاتها ومواجهة مع مجتمعها، ووقفت مي ثابتةً شامخة أمام الحشد الكبير من مختلف الأطياف الذين جاؤوا للاستماع إلى مي، وليس لاختبارها كما أرادت هيئة المحكمة، ونجحت ميّ أيما نجاح، وأشاد الجميع بمحاضرتها، ونقلت الصحف في اليوم التالي مقتطفات من المحاضرة، وكأنّ المحاضرة انتصارٌ الحق على الظلم.

ونشر الشيخ خليل تقي الدين مقالا في "المكشوف" من وحي محاضرتها بعنوان "العبقرية تدافع عن نفسها"، ومن شدّة الإعجاب بالمحاضرة تناقلتها الصحف العربية، ونشرها أحمد حسن الزيات في الرسالة، وكتب تعليقًا على المحاضرة مُبديًّا إعجابه بميّ وبمحاضرتها. بل لاقت المحاضرة قبولًا في كافة الأقطار العربية، وكل المقالات التي كتبت كإشادة بها وما جاء فيها، اتفقت أن مي جنت بعبقريتها، أو أن العبقرية تدافع عن نفسها.

وكان من ضمن الحضور الذين وُجهت لهم الدعوة، النائب العام راجي الراعي، واستمع مثلما استمع الآخرون إلى محاضرتها، وأعجب بطلاوة حديثها، وثقتها بنفسها، واتخذ من بيان المحاضرة دليلًا على براءتها، فقدم مرافعة تاريخية أثبت، أجلى الحقائق، وفند كافة الاتهامات التي روّجها أقاربها للاستيلاء على ميراثها، بل أثبت نُضجها، وتمتعها بنبوغ وذكاء. وراح يشدو داخل المحكمة بمرافعة بلغة عربية ناصعة، وبدأ مرافعته هكذا: 

"إن هذه القضية المبسوطة أمامكم هي قضية خطيرة جدّا، تختلف عن غيرها من القضايا التي يتناولها اختصاصكم، فهي لا تدور حول سند يطلب الحكم بقيمته، أو إثبات حجزٍ أو صك بيع، بل هي قضية حجر، والحجرُ هو حجر الدماغ والروح، وموت أدبيّ، ويد هائلة تضغط على الإنسان الذي بلغ من العمر عتيًّا، فتخلع عنه ثوب الأربعين أو الخمسين الذي ألبسته إياه السنون، وتعيده غلامًا قاصرًا، وتقيم له وصيًّا. 

ويزيد في خطورة هذه القضية من حيث موضوعها ونتائجها، أن من يُطلب منكم الحجر عليه فتاة ليست كسائر الفتيات، وثبت بها العبقرية إلى قمم الأدب والعلم والفن الخالد، وعلا نجمها في سماء العربية، ورفع لواءها الخفاق فوق كل قطر من الأقطار الناطقة بالضاد، وتجاوبت بأصداء آياتها أرجاء النيل، وجبال لبنان، وسهول سوريا، وصحاري العرب. هذه الفتاة النابغة هي حديث العرب في كل صقع ووادٍ، وهي بنفسها دولة في دولة الأدب، ونور من أنوار الشرق، وقلم من أقلام الخلود، وعجيبة من أعاجيب الوحي والإلهام! كانت دارها في وادي النيل كعبة الأدباء، ومحجّ العظماء، تكتب فيقال: كتبت ميّ".

ثم يصل إلى محاضرتها التي ألقتها في الجامعة الأميركية، وهي المحاضرة التي اتخذها دليلًا قاطعًا على اتقاد ذكائها، وحضور بديهتها، ورجاحة عقلها، ومن ثم انتفاء الاتهام الذي روّجه المغرضون عنها، فيقول: "أيها القضاة! بعد أن قرأت هذه القضية، وما فيها من لوائح وتقارير، وبينما أنا أقلّب كتب الشرع، وأبحث في الحجر وأسبابه ونتائجه، وبعد أن كنت حائرًا، مترددًا، لا أعرف أين، وكيف أضع رأيي وعقيدتي، وفي أيّة كفة في الميزان ألقي مطالعتي، طلع شهاب في سماء هذه القضية، وطرأ على هذه الأوراق طارئ قلبها بطنًا لظهر، وظهرًا لبطن، وطاح بكل شيء، في هذا الملف، فأعاد الحق إلى نصابه، والحقيقة إلى عرشها، فقد أرسلت البطاقات تدعو الناس إلى استماع محاضرة تلقيها الآنسة مي في نادي العروة الوثقى في وست هول، من على منبر الجامعة الأميركية، وأخذ الناس يتساءلون أتقوى ميّ على إلقاء محاضرة؟ 

هي إذن تقرأ وتكتب، فكيف قال عنها الأطباء في تقاريرهم أنها لا تكتب ولا تقرأ؟ وهي إذن ذلك الطائر الغريد، فكيف قيل إن قيثارتها تحطّمت؟وجاء موعد المحاضرة، البارحة في الـ 22 آذار/ مارس، فهرعت إلى قاعت الجامعة والواجب يستحثني، والضمير يلحّ عليّ بتلمس الحقيقة في مصدرها وينبوعها. هرعت إلى الجامعة وكلي شوق إلى جسّ النبض الذي تنبض به هذه القضية، ورؤية الوجه الذي قيل إنه وجه مجنون، وسماع الكلمة التي قيل إنها كلمة من اختل عقله، واضطرب شعوره، وفقد إرادته. ودقّت الساعة الثامنة، فإذا مي تطل على المسرح، وقد لعبت بها الأهوال، فلعب الشيب برأسها. 

ثمّ يصف هيئة مي وهي تلقي محاضرتها معددًا مزاياها وتأثيرها فيقول: "وقفت على المنبر وأخذت تتدفق بذلك البيان الساحر الذي تعوّد العالم العربي أن يسمعها تنقر على أوتارها، بريشة لو رآها رافائيل وروبنس لادّعيا أنها ريشتهما، وأن مي اغتصبتها! وحدثتنا عن رسالة الأديب إلى الحياة العربية طيلة ساعة كاملة حديثًا خلع عليه الاتزان والابتسامة، والعقل والمنطق، والفن والإبداع حُلالا فضفاضة فاخرة.

 كانت تتلو لنا آياتها بلغة موسيقية رنانة، وعذوبة ترقرقت فيها مياه النيل، وعبقرية ينبطح الجبل أمامها خشوعًا، وينقلب سهلًا، ويعتزّ بها السهل ويشمخ، فينقلب جبلًا. 

وانقضت الساعة الثامنة، الكاملة بدقائقها وثوانيها، وهي تُلقي الدرر والغرر، وترصع جيد اللغة العربية بجواهر من الزمرد والياقوت والماس، فقلد ضجّ كل من في القاعة ضجة الإكبار والتعظيم، ووثبت القلوب، واهتزت الجدران للتصفيق الداوي المستمر الذي لم تشأ الأيدي أن تكف عنه. وأخذ الناس يتساءلون: أتكون هذه الفتاة مجنونة، وقد جُننا بها، وإذا كانت هي المجنونة فهل نحن عقلاء؟" 

ويهتدي إلى قوله: "إن الحجر على هذه النابغة هو حجر على الأدب العربي، وعلى الأمّة العربية، وعلى العبقرية العربية، فلا تُعدموها بسطرين من قلمكم. هي عاقلة فلا تجعلوها بحكمكم مجنونة. إن على عنقها نيرًا، وهي السيدة الفريدة المبجلة، فاخلعوه عنها، ودعوها تتنشق الهواء الطلق، فوراءها الملايين من الخلق ينتظرونها!". 

واختتم الراعي مرافعته بقوله: "لا تُعدموها بسطرين من قلمكم. وهي عاقلـة فـلا تجعلوهـا بحكمكم مجنونة (...) أطلقوا سراحها وردّوها لمريديها الذين لا يُعَدّون، وللعبقرية والأدب". وبالفعل في الأول من حزيران/ يونيو 1938 حكمت المحكمة ببراءة مي زيادة. ولكن بفعل عراقيل طبيّة تأخّر رفع طلب الحجر عليها، وكان أمين الريحاني أكثر أصدقائها وقوفًا إلى جوارها، وتواصلًا معها. 

هكذا انتصر القضاة لحرية الفكر والتنوير والعقل، والانتصار في حد ذاته ثمرة من ثمار النهضة الثقافة التنويرية في العالم العربي. الصّورة بين الماضي والحاضر تنسحب للماضي بكل تأكيد.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

2

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

3

القطن المصري.. ذهبنا الأبيض الملطخ بالدماء

قاد توسّع زراعة القطن، في ظل بنية ري وصرف غير متوازنة وفوارق اجتماعية واقتصادية حادة، إلى تراجع ملحوظ في خصوبة التربة وتفاقم مشاكلها البنيوية في مناطق شاسعة من الريف المصري

4

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

5

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

اقرأ/ي أيضًا

الموسوعة البريطانية والتايمز

عن أوجه الاتصال بين الصحافة والعمل الموسوعي

يروي المقال نشوء علاقة تكاملية بين الصحافة والعمل الموسوعي عبر تحالف "التايمز" مع "الموسوعة البريطانية" عام 1898، مبيّنًا أن نجاح المشاريع المعرفية يعتمد أيضًا على قوة الصحافة في الترويج وبناء الجمهور

محمد زيدان

تاريخ الملل
تاريخ الملل

تاريخ الملل: من شيطان الظهيرة إلى ضجيج العصر الرقمي

يتناول المقال تحوّلات مفهوم الملل عبر التاريخ، من المجتمعات الزراعية واليونان القديمة إلى العصور الوسطى والثورة الصناعية والقرن العشرين، وصولًا للعصر الرقمي، بوصفه تجربة تعكس علاقة الإنسان بالزمن والمعنى والإبداع

جوليا الخطيب

تاريخ السكر

تاريخ السُّكر.. إمبراطوريات وعبودية وثورات

يتناول المقال تاريخ السكر متتبعًا مساره عبر ثقافات متعددة، من الهند القديمة والفتوحات الإسلامية إلى أوروبا الحديثة، بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، حيث اقترن بالعبودية ثم بثورات الحرية وإلغائها

باسم سليمان

أحلاف عابرة للدين

"أحلاف عابرة للدين".. مسلمون ومسيحيون حاربوا في خندق واحد

يناقش المقال صفحات منسية من التاريخ تُخبر بأن المسلمين والمسيحيين خاضا حروبًا مشتركة في أوروبا، تحت راية واحدة وضد عدو واحد، لكن في النهاية انتشى الطرفان بفرحة الانتصار وتجرعا آلام الهزيمة

محمد شعبان

القطن

القطن المصري.. ذهبنا الأبيض الملطخ بالدماء

قاد توسّع زراعة القطن، في ظل بنية ري وصرف غير متوازنة وفوارق اجتماعية واقتصادية حادة، إلى تراجع ملحوظ في خصوبة التربة وتفاقم مشاكلها البنيوية في مناطق شاسعة من الريف المصري

منى يسري

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

من التنوير إلى زمن السوشيال ميديا.. أفول المعارك الأدبية

معارك التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، سياقات مشتعلة ونتائج باقية

رؤوف مسعد.. حكاية لم تخضع للسلطة

رؤوف مسعد جعل من الكتابة فعل مقاومة، فواجه بالحرية والقلم قيود السلطة، والطابوهات، وسجون الجسد والفكر، والرقابة

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

يوميات أورهان باموق.. البحث عن ذات ضائعة

يُعدّ التدوين عند باموق تمرينًا أساسيًا على الكتابة، إذ يُنشّط الذاكرة تارةً، ويتيح تأمّل الكتابات الجديدة مقارنةً بالقديمة تارةً أخرى

صورة الزعيم.. بين الأدب الرسمي والمخيال الشعبي

هنا بحث في صورة جمال عبد الناصر كما رآها التاريخ الرسمي والأدب والنخب من جهة، وكما صاغها المخيال الشعبي والذاكرة الجمعية من جهة أخرى

صنع الله إبراهيم.. الروائي كاذب كبير ولو صدق

رجل الروائي صنع الله إبراهيم، بعد أن شكّل حالة استثنائية في الأدب العربي والمصري، خاصة ضمن "جيل الستينيات"، حيث تبنى كتابة صادمة وصادقة