ultracheck
لعب فنان خيال الظل دور البلوغر في عصره (ميغازين).

من خيال الظل إلى البلوغرز: صوت المهمّشين يصنع وسيطه في كل عصر

30 أغسطس 2025

في تاريخ الفنون الشعبية، يظل خيال الظل واحدًا من أكثر الوسائط البصرية تعقيدًا من حيث البنية والأداء، فقد جمع بين الفن التشكيلي (صناعة الشخوص) والفن المسرحي (الأداء الحي) وفن الحكاية (السرد والحوار). ولأنه قائم على الرمز والتمثيل البصري، فقد كان وسيلة مثالية للتعبير عن قضايا المجتمع، ونقد السلطة، وتفكيك العلاقات الاجتماعية والسياسية، دون الوقوع في فخ المواجهة المباشرة.

وإذا كان خيال الظل قد نشأ في الشرق الأقصى وانتقل إلى العالم الإسلامي في العصور الوسطى، فإن القاهرة المملوكية كانت مسرحًا حقيقيًّا لازدهاره، حيث تحول إلى أرشيف بصري شفهي للحياة اليومية، ووسيلة للتسلية والنقد في آن واحد. 

واليوم، نرى بعض ملامحه وقد انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يلعب البلوغرز دورًا شبيهًا بالمخايل القديم، لكن بوسائط جديدة، وسياقات اجتماعية وسياسية وأخلاقية مختلفة.

تشير الشواهد التاريخية إلى أن فن خيال الظل وفد إلى العالم الإسلامي عبر طرق التجارة والحج، من أواسط آسيا وشرقها، حيث ازدهر في الصين والهند وبلاد ما وراء النهر قبل أن ينتقل إلى بلاد الشام ومصر. وقد لعبت المدن التجارية الكبرى مثل بغداد ودمشق دورًا في نقل هذا الفن، لكن القاهرة المملوكية كانت المحطة التي شهد فيها خيال الظل تحوّلًا من عرض ترفيهي محدود إلى مؤسسة شعبية راسخة ذات تقاليد وجمهور دائم.

وفقًا لما أورده المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، وابن إياس في "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، كان خيال الظل حاضرًا في الأسواق الكبرى مثل بين القصرين، وفي الموالد والمواسم، وقد ارتبط في أذهان الناس بأوقات الترفيه بعد العمل أو بعد صلاة العشاء، وأصبح عنصرًا من عناصر المشهد الليلي للمدينة.

آلية العرض كانت تعتمد على عناصر تقنية وبصرية دقيقة:

  • ستارة بيضاء أو قماش شفاف مشدود بإحكام.
  • مصابيح زيتية أو فوانيس خلف الستارة لإسقاط الضوء.
  • شخوص جلدية مخرّمة وملونة، تُصنع غالبًا من جلد الجمل أو البقر، أو الحمير، وتُزخرف بالأصباغ الطبيعية وأوراق الذهب أو الفضة أحيانًا.
  • نظام تشغيل يعتمد على عصي رفيعة أو خيوط لتحريك الأجزاء، ما يتيح للمخايل إظهار تعبيرات وجهية أو حركات جسدية دقيقة.
  • مصاحبة موسيقية وإيقاعية أحيانًا على الربابة أو الطبل أو المزمار، لتعزيز المشهد الدرامي أو الكوميدي.

من الناحية السوسيولوجية، كان خيال الظل ساحة للتفاعل الاجتماعي والتفاوض الثقافي بين السلطة والجمهور. فالسلطات، وخاصة في العصر المملوكي، كانت تسمح بوجوده طالما ظل في حدود النقد الرمزي، لكنه كان عرضة للحظر أو التضييق إذا تحوّل إلى هجوم مباشر أو تحريض سياسي صريح. وهذا يعكس أن خيال الظل كان مساحة حرة مشروطة، تمثل نموذجًا مبكرًا لفكرة "الهامش المسموح" في التعبير.

في هذا السياق يبرز محمد بن دانيال الموصلي (ت 710هـ/1310م)، بوصفه نموذجًا مبكرًا للفنان متعدد المواهب، الذي جمع بين المهنة الحرفية كطبيب، والممارسة الإبداعية في المسرح الشعبي. وُلد في مدينة الموصل، وشهد أحداث الغزو المغولي العنيف الذي اجتاحها سنة 656هـ/1258م، قبل أن يضطر إلى الهجرة نحو القاهرة. كانت العاصمة المصرية آنذاك مدينة عالمية نابضة بالحياة، تعج بالأسواق المزدهرة، وتحتضن مجتمعًا متنوعًا إثنيًّا وثقافيًّا وطبقيًّا، وهو ما أكسبها لقبها التاريخي "أم الدنيا". وصل ابن دانيال إلى القاهرة في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، في ظل حكم الدولة المملوكية البحرية، التي وصفها المقريزي بأنها مركز للتجارة والثقافة على مستوى العالم الإسلامي. ومع ذلك، لم تكن المدينة بمنأى عن صراعات السلطة وتقلب الولاءات بين السلاطين والأمراء. كان عهد السلطان الظاهر بيبرس – الذي شهد ابن دانيال بداياته في مصر – يتميز بسياسة مركزية صارمة، وسيطرة وثيقة على الحياة العامة، مع توظيف مكثف للرموز الدينية، مثل إعادة إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، لتعزيز شرعية الحكم وترسيخ هيبته.

في هذا المناخ، كان المجال العام مسيّجًا بالرقابة الصارمة، حيث قد يجرّ النقد المباشر على صاحبه العزل أو النفي أو حتى القتل. ويكفي أن نستذكر حادثة الشاعر ابن الكازروني الذي صُلب في سنة 667هـ وهو سكران وقد علّقوا في عنقه جرّة الخمر، كما ورد في "شذرات الذهب" و"فوات الوفيات". وقد خلّد  ابن دانيال الموقف بأبيات مريرة ساخرة قال فيها:

لقد كان حدُّ السُّكر مِن قبلِ صلبِهِ  ** خفيفَ الأذى إذ كان في شرعِنا جلدا

فلمّا بدا المصلوبُ قلتُ لصاحبي  **  ألا تُبْ، فإن الحدّ قد جاوز الحدّا

وهنا تتجلى براعة ابن دانيال في توظيف مسرح الظل كأداة فنية شعبية قادرة على تمرير النقد تحت غطاء الفكاهة والتمثيل. فلم تعد عروضه مجرد وسيلة للتسلية، بل تحولت إلى مرايا ساخرة تعكس تناقضات المجتمع المملوكي.

تُعد "طيف الخيال" – وبقية البابات التي كتبها – أكثر من مجرد نصوص مسرحية للترفيه؛ فهي، كما يرى بعض الدارسين، سجل حي لملامح المجتمع من أسفله، بما في ذلك الأسواق، والحرف، وعادات الاحتفال، وأماكن اللهو، واللغة اليومية. وهي في هذا تشبه ما أورده الرحالة مثل ابن بطوطة وابن الوزان الفاسي من وصف للأحياء الشعبية في القاهرة، حيث تختلط المهن بالأنشطة الترفيهية، وحيث تقام حلقات الفرجة في الأسواق الكبرى كسوق بين القصرين ورحبة باب اللوق.

كما تعكس هذه البابات جانبًا مما يسميه المؤرخون "الثقافة المزدوجة" في العصر المملوكي: ثقافة رسمية مرتبطة بالبلاط والفقهاء، وأخرى شعبية حية تنبض في الحارات والمواسم، وتسمح بقدر من الانفلات الرمزي عن رقابة السلطة. وفي هذا الإطار، جاءت شخصيات ابن دانيال – من الأمير وصال إلى القوادة أم رشيد، ومن المخايل إلى البهلوان إلى الشيخ عفلق إلى هلال المنجم – رموزًا طبقية واجتماعية مشحونة بالمعاني، تُقرأ على أكثر من مستوى.

الرمز والمراوغة السياسية

اعتمد ابن دانيال على تقنيات المواربة التي عُرفت في الأدب المملوكي، مثل الإشارة التاريخية والإسقاط المجازي، لتجاوز خطوط الحظر. فالأحداث التي تبدو في ظاهرها مجرد "حكايات" عن أعراس أو مشاهد لهو، كانت في حقيقتها محملة بتعريض صريح بالسلطة أو بالدور الشكلي للخلافة العباسية المستحدثة في القاهرة. وهذا الأسلوب يجد جذوره في تراث المقامات مع بديع الزمان الهمذاني والحريري، لكنه عند ابن دانيال يتخذ بُعدًا مسرحيًا يتيح للجمهور التواطؤ مع الرسالة النقدية، على نحو يشبه ما يسميه الباحثون المعاصرون "المقاومة الثقافية الصامتة".

النصوص المكتوبة وبُعدها الأدبي

من هنا جاء إسهام ابن دانيال الأبرز، إذ أدخل إلى فن خيال الظل بُعدًا أدبيًّا ونصيًّا غير مسبوق. فقد كسر التقليد السائد الذي كان يعتمد على الارتجال شبه الكامل من قبل المُخايل، فجعل من النص المكتوب أساس العرض، دون أن يلغي مساحة الارتجال التي تمنح الأداء روح الحضور الحي. وبهذا الدمج بين النص الثابت والحوار المتجدد، منح ابن دانيال خيال الظل قوة أدبية مكّنته من منافسة النصوص المسرحية المكتوبة في بلاط النخبة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بروحه الشعبية.

وقد تجسّد إسهام ابن دانيال الأبرز في ثلاثيته الشهيرة التي صارت حجر الأساس في التراث المسرحي الشعبي العربي. ففي طيف الخيال قدّم عملًا استعراضيًّا يمهّد لعالم خيال الظل ويُدخل الجمهور إلى فضاء بصري سردي، حيث تتحرك الشخوص الجلدية بإيقاع موسيقي متنوع، ويستعرض المخايل مهارته في تحريكها وتلوين أصواتها، لتظهر شخصيات مثل الأمير وصال، والقوادة أم رشيد، والمخايل نفسه كبوابات رمزية لعالم العرض. ثم جاء نص عجيب وغريب ليقدّم بانوراما غنية للحياة اليومية في القاهرة المملوكية، عارضًا الباعة الجوالين، والحرفيين، والعرافات، والمتسولين، ورجال السلطة في صور هزلية تكشف جشع التجار وفساد المحتسب وتلاعب القضاة، وذلك عبر حلقات تمزج الفكاهة بالنقد الاجتماعي وترسم خريطة دقيقة للعلاقات الطبقية. وتطل شخصيات مثل البهلوان، والدلّالة، وقارئة الطالع، في مشاهد ساخرة تسخر من الطموحات المفرطة ومن النفاق الاجتماعي على حد سواء.

 أما المتيم والضائع اليتيم فكان أكثر درامية، إذ تناول قصص الحب والمكائد والحسد ضمن سياق فكاهي ساخر، حيث تظهر المفارقة بين المثاليات الرومانسية والواقع الاجتماعي القاسي، والبؤس الجنسي في مصر المملوكية. 

هذه النصوص لا يمكن بأي حال قراءتها بوصفها ترفًا خالصًا أو مجرد فرجة عابرة؛ فهي وثائق اجتماعية حيّة، تسجل ملامح الحياة اليومية للقاهرة المملوكية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري: من الأسواق المزدحمة إلى الحارات الشعبية التي تعج بالصغار والكبار في صخب دائم، ومن المقاهي والمجالس حيث يتلاقى الحرفيون والتجار، إلى دواوين السلطة حيث يتجلى التفاوت الطبقي والممارسات البيروقراطية.

كما تكشف هذه النصوص عن وعي سياسي حاد لدى ابن دانيال، يلتف على الرقابة السلطانية عبر استخدام الرموز والحيل الدرامية:  فيحوّل الحاكم إلى حيوان متأنق، أو المحتسب إلى عجوز متصابي، أو القاضي إلى شخصية مهووسة بالمال، بحيث يدرك الجمهور المغزى دون أن يجد المحتسب أو الوالي سببًا مباشرًا للمنع. هذا الأسلوب يضع نصوص ابن دانيال ضمن ما يسميه بعض الباحثين اليوم بـ "الأدب المقاوم المغلف بالفكاهة"، وهو أدب يستمد قوته من القدرة على تمرير خطاب نقدي من خلال قنوات الترفيه.

وإلى جانب قيمتها الفنية، تمثل نصوص ابن دانيال أرشيفًا لغويًّا وثقافيًّا، إذ تحفظ مفردات ولهجات وأساليب كلام كانت شائعة في القاهرة المملوكية، وتعرض طرائق التفاعل بين الأفراد والطبقات، بما يجعلها مصدرًا ثريًّا للباحثين في التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا الثقافية. فهي لا ترسم فقط صورة الحياة في زمنها، بل تكشف أيضًا عن آليات التعبير الشعبي في مواجهة السلطة، وهو ما يجعلها، إلى اليوم، نموذجًا لدراسة العلاقة بين الفن والجمهور والسلطة.

ابن دانيال لم يكن مجرد كاتب، بل كان مؤديًا بارعًا، قادرًا على تغيير نبرات صوته وإيقاعه، وتقليد لهجات متعددة، مما أتاح له إحياء الشخصيات على الستارة بأسلوب أقرب إلى فنون المونودراما الحديثة.

يمكن تشبيه ستارة خيال الظل بـشاشة عرض بدائية، حيث المخايل يقوم بأدوار:

  1. المخرج (يحدد حركة الشخوص).
  2. المحرر (يصوغ الحوار ويضبط إيقاع العرض).
  3. المعلق السياسي (يدمج النقد ضمن السرد).

وبهذا المعنى، كان خيال الظل ميديا بديلة في زمن ما قبل الصحافة المطبوعة، يتيح للجمهور سماع أصوات لا تجد طريقها إلى النصوص الرسمية.

أوجه الشبه مع البلوغرز المعاصرين

رغم الفارق الزمني والتقني الهائل، فإنّ هناك قواسم مشتركة واضحة بين المخايلين والبلوغرز:

التفاعل الحي مع الجمهور: في الأسواق قديمًا، وفي التعليقات والبث المباشر حديثًا.

تعدد الأدوار: كلاهما يؤدي أصواتًا أو شخصيات متعددة.

التعليق الاجتماعي والسياسي: السخرية من الفساد، جشع التجار، أو غلاء الأسعار.

لكن هناك اختلافات جوهرية:

  1. المخايل محمي بالستارة والشخوص الرمزية، أما البلوغر فهو مكشوف الوجه والصوت.
  2. جمهور المخايل كان محليًّا ومحدود العدد، بينما جمهور البلوغر عالمي وفوري.
  3. اقتصاديات المهنة اختلفت جذريًّا: من "القلّة" إلى الإعلانات، والرعايات، والدعم الرقمي.

في خيال الظل، كان النقد مشفّرًا بالضرورة داخل نسيج الحكاية والرمز. فالمخايل لا يهاجم السلطة أو النخبة أو القيم السائدة بصورة مباشرة، بل يبتكر شخصية أو موقفًا تمثيليًّا ويترك للجمهور مهمة "فك الشيفرة" وفهم المقصود. هذا النمط من النقد يحقق أمرين أساسيين:

  1. الحماية:  فالرمزية تمنح المؤدي غطاءً فنيًّا، إذ يمكنه الادعاء أن كل ما يفعله "مجرد لعب بالظلال".
  2. العمق والديمومة:  فالنص الرمزي يظل صالحًا لإعادة القراءة في أزمنة مختلفة، ويتيح طبقات متعددة من المعنى.

أما في الفضاء الرقمي، فإن البلوغرز كثيرًا ما يلجؤون إلى النقد المباشر والفوري، إما بدافع جذب الانتباه السريع، أو تحت ضغط الخوارزميات التي تكافئ المحتوى المثير للجدل. هذه المباشرة تجعل الرسالة أكثر وضوحًا، لكنها تعرض صاحبها لثلاثة مخاطر رئيسية:

  • الاصطدام المباشر بالقانون.
  • خلق جدل آني سرعان ما يتلاشى.
  • فقدان القدرة على إعادة توظيف المحتوى أو استمراريته التاريخية.

الدراسات النقدية – مثل أبحاث جون فيسك في الإعلام الشعبي – تشير إلى أن الجمهور يتفاعل مع الرمزية بعمق أكبر، لأن عملية التأويل تمنحه إحساسًا بالمشاركة الفكرية، في حين أن النقد المباشر يضعه في موقع المتلقي السلبي. وهذا يفسر لماذا بقيت نصوص ابن دانيال قابلة للحياة بعد سبعة قرون، بينما تختفي معظم فيديوهات النقد المباشر من ذاكرة الجمهور خلال أيام أو أسابيع.

في العصر المملوكي، كانت الرقابة على الفنون الشعبية سياسية وأخلاقية في آن واحد. المماليك سمحوا للمخايلين بالعمل، لكنهم وضعوا حدودًا صارمة لأي تلميح يمس السلطان أو طبقة الأمراء مباشرة، أو يتجاوز "الذوق العام" كما كان يُعرّف في ذلك العصر. وكان يمكن للمحتسب أو الوالي إيقاف العرض أو معاقبة المؤدي إذا شعر أن الجمهور تلقى الرسالة بشكل قد يثير القلاقل.

اليوم، يعيش البلوغرز تحت رقابة مزدوجة:

  1. رقابة الدولة، عبر قوانين الجرائم الإلكترونية، وقوانين حماية الخصوصية، وتشريعات الذوق العام، التي قد تختلف في تفسيرها من دولة لأخرى.
  2. رقابة المنصات الرقمية، التي تُمارس غالبًا من خلال خوارزميات ذكية تحدد مدى انتشار المحتوى، أو تحذفه، أو تغلق القناة بالكامل.

الفارق الجوهري أن الرقابة القديمة كانت واضحة المصدر والآلية، بينما الرقابة الخوارزمية الحديثة غامضة المعايير، إذ لا يعرف البلوغر بدقة سبب تقييد محتواه أو حجبه. هذا الغموض يخلق حالة من الرقابة الذاتية، حيث يبدأ المؤدي في تعديل خطابه تحسبًا لما قد تعتبره المنصة مخالفًا، تمامًا كما كان المخايل يضبط رسائله لتجنب سخط المحتسب.

أحد أعظم إسهامات خيال الظل أنه حفظ أصوات المهمشين في زمن لم تكن لهم فيه نصوص مكتوبة أو منصات تعبيرية. فالشخوص التي ظهرت على الستارة – مثل بائع الوهم لعلاج الضعف الجنسي، أو قارئة الطالع، والنشال، والبلّانة، وبهلوان الحبل، والقُرَداتي، وبائعة الهوى – تمثل سجلًا حيًّا للطبقات الدنيا ولثقافة الشارع.

هذه الشخصيات كانت تحمل دلالتين متوازيتين:

  • كوميدية: تثير الضحك بلهجتها، أو حيلها، أو سلوكها الغريب.
  • توثيقية: تسجل ممارسات وأساليب حياة لم تُكتب في سجلات المؤرخين الرسميين.

اليوم، يكرر بعض البلوغرز هذا الدور عبر تقديم محتوى يوثق الحياة اليومية في الأحياء الشعبية، أو قصص اللاجئين، أو معاناة الفقراء. لكن الفارق أن البلوغر غالبًا يظهر بوجهه وصوته الحقيقي، ما يجعله أكثر عرضة للمخاطر الأمنية والقانونية، كما أن المحتوى الرقمي يمكن نسخه وإعادة توزيعه بشكل خارج عن إرادة صاحبه، ما يضاعف هذه المخاطر.

من منظور دراسات الذاكرة الثقافية، يمثل خيال الظل "أرشيفًا شفهيًّا-بصريًّا" ذا مصداقية خاصة لأنه من إنتاج أهل الشارع ولأجلهم، بينما المحتوى الرقمي المعاصر يظل معرضًا للتحوير أو الاقتطاع الذي قد يغيّر سياقه الأصلي.

في النظام التقليدي لخيال الظل، كان اقتصاد العرض بسيطًا وشفافًا: الأداء الجيد الذي يضحك الجمهور أو يلمس قضاياه يجلب المزيد من "القلّة" – القطع النقدية التي تُلقى للمخايل في نهاية العرض. هذا النظام جعل المؤدي يوازن بين الإضحاك والنقد، لأن الإفراط في أحدهما قد يؤدي إلى خسارة الجمهور أو التعرض للعقوبة.

أما في عالم البلوغرز، فالاقتصاد الثقافي خاضع لقوانين أكثر تعقيدًا:

  • خوارزميات المنصات: تحدد مدى انتشار الفيديو بناءً على مدة المشاهدة، وعدد الإعجابات، ومعدل التفاعل.
  • الإعلانات والرعايات: تربط المحتوى بمتطلبات المعلنين، ما قد يدفع المؤدي لتجنب مواضيع حساسة حفاظًا على الدخل.
  • ثقافة الترند: تشجع على إنتاج محتوى سريع الاستهلاك، صادم أو مثير للجدل غالبًا، حتى لو كان سطحيًّا أو مخالفًا للقيم.

هذا الفارق يجعل النقد في خيال الظل أشدّ ارتباطًا مباشرًا بالجمهور الحي، بينما النقد الرقمي قد يكون أشد ارتباطًا بالخوارزميات ومتطلبات السوق الإعلامي، ما يخلق معضلة أخلاقية بين العمق والشهرة.

في خيال الظل، كانت السخرية أداة ذكية لتحفيز الوعي الجماعي، حيث يُستغل الضحك لتمرير رسائل سياسية واجتماعية ضمن قالب ترفيهي. هذه السخرية تقوم على التلميح لا التصريح، وعلى مشاركة الجمهور في إدراك المعنى الخفي.

لكن في بعض أشكال المحتوى الرقمي الحديث، تتحول السخرية من وسيلة نقدية إلى غاية استعراضية، هدفها جمع المشاهدات والاشتراكات. وهذا التحول يحمل مخاطر عدة:

  • انتهاك الخصوصية: عبر فضح الأفراد أو العائلات بهدف السخرية.
  • ضرب القيم الاجتماعية: حين يصبح الهجوم على المعتقدات أو العادات جزءًا من "الإفّيه".
  • إفقار الخطاب النقدي: حين تختفي الرسالة الجادة خلف الإضحاك المجرد.

من منظور فلسفة الإعلام، فإنّ الفرق بين السخرية كوسيلة والسخرية كغاية هو الفرق بين النقد البنّاء والهجاء الاستهلاكي. فخيال الظل يقدم نموذجًا للأول، حيث الضحك أداة لفهم العالم، لا للهروب منه أو الاستهزاء به.

يعلمنا خيال الظل أن:

  1. الرمز يحمي الناقد ويطيل عمر النص.
  2. تعدد الأصوات يخلق نصًّا أكثر ثراءً.
  3. معرفة الجمهور شرط أساسي لنجاح الخطاب.

البلوغرز الذين يدركون هذه المبادئ يمكنهم إنتاج محتوى ذكي، نقدي، مُسلٍّ، ويحترم القيم العامة في الوقت نفسه.

خيال الظل والبلوغرز وجهان لفكرة واحدة: التأثير في الوعي العام عبر وسيط جماهيري. لكن الفارق أن المخايل كان يعيش وسط جمهوره، كلاهما يعرف الآخر، بينما البلوغر يعمل في فضاء رقمي مفتوح، تحكمه خوارزميات بلا ذاكرة اجتماعية.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

تاريخ السلاح

من الحجر إلى الصاروخ الذكي: كيف طوّر الإنسان أدوات القتل؟

مضى الإنسان في حكايته مع السلاح، من حجرٍ في يدٍ مرتعشة، إلى صاروخٍ عابرٍ للقارات، ومن قنبلة يدوية إلى روبوتات قاتلة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن التجسّس بالأفراد إلى التجسّس الإلكتروني واستخدام الأكواد

هند جودة

تاريخ الجينز
تاريخ الجينز

سيرة الجينز: من مناجم كاليفورنيا إلى واجهات الرأسمالية العالمية

تاريخ الجينز ليس مجرد تاريخ قطعة لباس، بل سيرة اجتماعية وثقافية عن العمل والطبقة والتمرد والسلطة والعولمة. إنه حكاية عن الطريقة التي تستطيع بها الرأسمالية أن تبتلع حتى أكثر رموز التمرد شعبية

محمد العربي

تاريخ الرقابة

تاريخ الرقابة المنسي.. من الطوفان إلى الخوارزمية

تتجاوز الرقابة في الفضاء الأسطوري والديني حدود المنع الإجرائي أو الحذف الرقابي التقليدي، كما نعرفها الآن، لتصبح فعلًا بنيويًا عميقًا يساهم في هندسة الوجود ورسم الحدود الفاصلة بين الإلهي والبشري والمقدّس والمبتذل

باسم سليمان

أرنب ترامب

هل أرنب ترامب رمز سياسي أم طقس سحري؟ قراءة في سيميولوجيا الدمى

لم تكن دمية الأرنب بجوار الرئيس ترامب إلا امتدادًا لآلاف السنوات من العادات والتقاليد الثقافية والدينية والشعبية، وحتى رمزًا سياسيًا قد يعني الكثير لشعوب كافحت الاستعمار تارةً أو انتقدت تارةً أخرى قرارات السلطة الحاكمة

إيناس كمال

الوشم لا يقول الأشياء كاملة

قصة الوشم: من بطاقة تعريف إلى إعلان حرب

كان الوشم يومًا بطاقة تعريف، ثم صار زينة، ثم تحوّل إلى وسيلة إعلان، وأحيانًا إلى إعلان حرب. وبين هذه التحوّلات، لم تتغير حاجة الإنسان إلى أن يترك أثرًا يدلّ عليه، لكن المفارقة أن هذا الأثر، مهما بدا دائمًا، يظلّ هشّ الدلالة

هند جودة

المزيد من الكاتب

عمرو منير

كاتب وأكاديمي مصري

الإسكندرية المهمّشة والقاهرة المتخيَّلة.. في الحكاية الشعبية القبطية

عن الحكاية الشعبية القبطية في سيرة القس نصير الإسكندراني وابنه مرقس

من الطبول إلى الكاميرات: التجريس بين فضاءات الأسواق ومواقع التواصل

عن التجريس وعقوبات التشهير بالمذنبين قديمًا، وأشكالها الحديثة في وسائل التواصل الاجتماعي

مقابر اليونانيين في الزقازيق.. الصوت الأخير للموتى

حين تُجرف المقابر، لا يُهدم جدار من رخام أو عمود كورنثي فحسب، بل يُنتزع فصل كامل من كتاب التاريخ