أحيانًا لا يكفي التنفيس بمشاريع تنموية، رغم أهميتها، لنزع شوكة الغضب الشعبي وتعبيراته الاحتجاجية. هذا الأمر يبرز جليًا اليوم في السياق المغربي، حيث لم يشفع المسار الإصلاحي الذي اتخذه المغرب منذ سنوات، دون الحيلولة في تنامي شروط حركة احتجاجية جديدة.
هي اليوم حركة شبابية، فرضت نفسها من خلف منصات رقمية غير تقليدية، وأطلقت على نفسها اسم: "جيل زد 212"، ثم نزلت بعد التعبئة "الشاملة" من مختلف منصات التواصل الاجتماعي إلى الشارع العمومي يوم 27 أيلول/سبتمبر الماضي.
صدحت حناجر شباب "جيل زد" في شوارع كبريات المدن المغربية، ومنها العاصمة الرباط والدار البيضاء وطنجة، بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم وتوفير فرص الشغل، مع رحيل الحكومة، ومحاربة الفساد في المملكة.
انفتاح وتشبّث بالمستحق
هذه القدرة على المساءلة والضغط والتنبيه إلى ضعف الاختيارات التنموية للحكومة اليوم، تستعيد في طياتها مطالب الحركات الاحتجاجية لمغرب العقد الأخير من القرن العشرين على الأقل، مع ظهور فاعلين جدد أكسبوا فعل الاحتجاج هذا سلطة رمزية، على خلاف الفعل الاحتجاجي الذي عرفه المغرب بعد الاستقلال مباشرة.
خلال تلك الفترة، وهي سنوات الاحتجاج الممنوع في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قامت حركات احتجاجية سياسية، بخلفيات اجتماعية، برفض تمظهرات القهر والتحكم في السلطة وتوجيه دفتها، ما خلّف ردود فعل عنيفة للسلطة تجاه المحتجين، نتج عنها ما يُعرف اليوم إعلاميًا وحقوقيًا، وحتى أكاديميًا بـ"سنوات الجمر والرصاص".
منذ بداية الألفية، دخل المغرب "عهدًا جديدًا"، وكان أبرز مؤشراته إحداث "هيئة الإنصاف والمصالحة" عالجت إرثًا ثقيلًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بتلك السنوات من الجمر والرصاص، وهي تجربة غير مسبوقة إقليميًا للعدالة الانتقالية.
جاء ذلك تتويجًا لإشارات الانفتاح الإيجابية بين النظام والمعارضة، بعدما عيّن الملك الراحل الحسن الثاني في 4 شباط/فبراير 1998 الراحل عبد الرحمان اليوسفي الزعيم الاشتراكي والكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي حينها، وزيرًا أوّل في المملكة المغربية. الخطوة التي أعطت بوادر مهمة عن تدشين مرحلة مهمة في مجال حقوق الإنسان وتوسيع نطاق الحريات العامة.
شهدت البلاد، في ظل مناخ سياسي وحقوقي جديد، مشاريع تنموية كثيرة، يرى الباحث الحبيب استاتي زين الدين، أنها "عجزت عن الاستجابة الجيدة والدائمة لحاجات السكان المعيشية"، ما اضطرهم للنزول إلى الشارع للمطالبة "بقسط من الامتياز، بل فقط ضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية التي لا ترتبط بما هو مادي فقط".
الأكثر من ذلك، أن "المشاركة في الاحتجاجات لم يحرّكها دائمًا التطلّع إلى شيء جديد، إنما ارتبطت، في حالات كثيرة، بالتشبث بما هو مستحقّ قديم"، يردف الباحث استاتي زين الدين، في دراسته: "الممارسة الاحتجاجية بالمغرب- دينامية الصراع والتحول".
شروط احتجاج قديمة
الأكيد اليوم أن الحركة الاحتجاجية الشبابية لـ"جيل زد" في المغرب، التي تبدو كأنها موجة احتجاجية رقمية طارئة، وُلدت وتطوّرت في ظل رهانات ومُحفزات شديدة التركيب والتعقيد داخلية وخارجية، لكنها في المقابل لا تنفصل في كثير من مطالبها وشعاراتها عن سابقتها من الحركات الاحتجاجية، التي عرفتها المملكة المغربية خلال العشرين سنة الأخيرة على الأقل.
هذا ما يجعل الحركة الاحتجاجية بالتبعية، وفق السوسيولوجي عبد الرحيم العطري، "ظاهرة بنيوية منضبطة بالدرجة الأولى إلى محيطها الذي أفرزها وأنتج مسلكياتها ومعاييرها (...). فلكل حركة خصوصيتها ومحليتها التي تمتح منها".
تُلخَّص هذه الخصوصية، في السؤال حول أسباب الاحتجاج، أو الدوافع المركزية للخروج إلى الشارع في تظاهرات؟ يجيب عنها العطري في كتابه: "الحركات الاحتجاجية بالمغرب.. مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي"، بكون "الشرط الاجتماعي من أكثر الشروط قوة في إنتاج الاحتجاج. فعندما تضرب القدرة الشرائية ويتأكد بالملموس أن التنمية أخطأت طريقها إليهم، حينئذ يخرج المغاربة محتجّين".
فعلًا شرارة الوضع الاجتماعي واختلالاته في البلاد، خصوصًا على المستوى الصحي، بعد حادثة مأساوية إثر وفاة ثماني نساء أثناء ولادات قيصرية داخل مستشفى عمومي بمدينة أكادير (وسط)، أشعلت فتيل الغضب الواسع محليًا، ثم تحوّل إلى النقطة الأساس لبدء حركة احتجاجية شبابية.
الاحتجاجات قدّمت شعار "الصحة أولًا"، وبذلك أصبح العطب الصحي رمزًا لغضب هذا الجيل الذي عاش تراجعًا للخدمات الاجتماعية الأساسية. من ضمن المطالب كذلك لهؤلاء الشباب: "التعليم حقّ وليس امتيازًا".
يجزم الكاتب والأكاديمي المغربي، حسن أوريد، أن "خلفية مطالب اجتماعية تهم الصحة والتعليم" هي التي أشعلت فتيل الاحتجاجات الشبابية في عدد من مناطق المملكة، خصوصا أن الوضع الاجتماعي كان محتقنا عرّته سلسلة من الأحداث".
في مقاله: "لماذا غضب جيل زد في المغرب؟"، رصد أوريد تراكمًا طويلًا من الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية، أدّت إلى "التباين بين مغربين، والتناقض الصارخ بينهما"، وهو "ما عرّته وسائل التواصل الاجتماعي والتسريبات والثورة الرقمية"، فكان بحقّ "وصفة للتوتر" في المملكة.
يلفت الأكاديمي المغربي إلى أن ثنائية مجتمع بوتيرتين لم يكن وحدها علّة العطب، بل أصبحت هناك قطاعات إدارية فعالة بوسائل ضخمة وموارد بشرية مؤهلة بمعايير دولية؛ إذ "نجد مؤسسات تعليمية خاصة من آخر طراز، وأخرى عمومية تزجي ما قد نعتبره جزافًا "تعليمًا، ومصحات متطورة في مقابل مستشفيات عمومية تفتقر للوسائل المادية والبشرية".
الحراك وتفاعل المؤسسات
في كل الحالات شكل حراك "جيل زد" تحديًا غير مباشر لطريقة اشتغال النظام السياسي نفسه في المغرب، عندما أظهر هذا الجيل نفورًا من مؤسسات الوساطة (أحزاب، نقابات، جمعيات)، ورفعوا مطالبهم إلى الملك مباشرة من دون وسطاء، مع رفضهم لكل دعوات الحكومة إلى التحاور معها، بل أصرّوا على أن تُقدّم استقالتها ورحيلها.
في رده غير المباشر، بعد أسبوعين من احتجاجات "جيل زد"، وبنوع من الاحتواء الهادئ، دعا الملك محمد السادس، في خطابه في افتتاح البرلمان، إلى إعطاء الأولوية لبرامج التنمية المحلية لا سيما تلك المرتبطة بتوفير فرص الشغل والنهوض بقطاعي الصحة والتعليم.
أما الحكومة فوجدت نفسها في موقع دفاعي، إذ عبرت أحزاب الائتلاف الحكومي عن انفتاحها على أصوات الشباب، معلنة تفهمها للمطالب الاجتماعية واستعدادها للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها، عبر الحوار والنقاش داخل المؤسسات والفضاءات العمومية.
لكن على المستوى الأمني، ظلت الدولة تراوح بين منطق الضبط ومنطق الإصلاح المحدود. فقد تميزت الأيام الأولى للاحتجاجات السلمية باستخدام القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين بشكل ممنهج، مع اعتقال مجموعة من أعضاء الحركة، لكنها مقاربة سرعان ما تغيّرت بعد الأيام الأولى من الحراك.
الرقمي فضاء للتعبئة
هذه الحركة الشبابية أنشأت خادمًا على منصة "ديسكورد" تحت اسم "GENZ212"، في إشارة إلى رمز الاتصال الهاتفي الدولي للمغرب. وديسكورد منصة كانت مخصصة في الأصل للدردشة بشكل خاص بكل ما يتعلق بالألعاب الإلكترونية، لكن الشباب المغربي حوّلوها إلى فضاء "عام" للتعبئة والنقاش حول قضايا الصحة والتعليم والفساد في بلادهم.
مع تطور النقاش بين الشباب في "غرف" ديسكورد، كشفت الحركة عن وثيقة تتضمن أبرز مطالبها، أسمتها "ملف مطلبي لشباب المغرب: من أجل تفعيل العقد الدستوري وتحقيق طموح النموذج التنموي الجديد"، تعتبرها حلولًا عملية لمعالجة "الأزمات البنيوية" التي تعيق تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
في سياق هذه التعبئة، وقبل بدء الاحتجاجات، لم يفتِ شباب الحركة عرض مؤشّرات اقتصادية واجتماعية، التي تعكس الشعور الجماعي بانسداد الأفق الاجتماعي والاقتصادي، خصوصًا أن المغرب يعيش أزمة بطالة الفئات العمرية الشابة بشكل حادّ.
كشفت معطيات أخيرة للمندوبية السامية للتخطيط (هيئة رسمية)، أن معدل البطالة في المغرب ما زال يتجاوز 13 في المائة خلال الربع الثالث من سنة 2025، رغم تسجيل اخفاض طفيف بـ0.5 نقطة مقارنة بالفصل السابق. ورغم ذلك فعدد العاطلين لا يزال يفوق 1.6 مليون شخص على المستوى الوطني.
يبقى البعد العمري هو الأكثر حساسية في الأزمة، إذ بلغ معدل البطالة 38.4 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وهي نسبة تعتبر من بين الأعلى في المنطقة المغاربية. وتُظهر المعطيات أن هذه الفئة، التي تُشكّل النواة الأساسية لحراك "جيل زد"، تعاني من انقطاع صلة بين التكوين وفرص العمل، وهو ما ينعكس في شعاراتهم الاحتجاجية.
مطالب "جيل زد"، رغم مرور سبعة عقود تقريبًا على استقلال المغرب، لم تخرج عن ما طلبه أجدادهم، في سبعينيات القرن الماضي، من عدالة اجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات الاجتماعية، مع اختلاف في لغته التفاعلية اليوم والعابرة للأيديولوجيا، التي تعيد صياغة المواطنة على نحو أفقي وتشاركي.
مميزات احتجاج شبكي
يختلف حراك "جيل زد" عن الحركات السابقة في المغرب في طابعه اللامركزي والطبقي الرمزي؛ فهو ليس حراك الطبقة الفقيرة فقط، بل أيضًا يضم أبناء الطبقة المتوسطة. ولم يعد الحراك أيضًا مرتبطًا بمناطق محدّدة، بل يمتد على طول المملكة عبر الشبكات الاجتماعية.
لعل هذا من ميزات الحركة الاحتجاجية، التي وُلد أعضاؤها في زمن الشبكات، متجاوزين وسائط التنظيم التقليدية، عندما خلقوا تلك الآليات الخاصة غير مسبوقة للتعبئة عبر "ديسكورد" وباقي منصات التواصل الاجتماعي، إذ تحول الفضاء الرقمي إلى بديل عن الحزب والنقابة، وأضحى الشارع امتدادًا للمنصة لا العكس.
يرى الحبيب استاتي زين الدين أن هؤلاء الشباب "يبتكر طرقًا وأشكالًا جديدة في التواصل، تنهل من تسارع التطور التكنولوجي،للتعبير عن رؤيته للكرامة والعدالة الاجتماعية كما ينبغي أن تكون، دون المرور بالضرورة عبر القنوات السياسية التقليدية التي ينظرون بعين غير راضية إلى مصداقيتها وفاعليتها".
غياب الاستمرارية الميدانية
تراجع الوساطة التقليدية هذه لصالح "فاعلية رقمية"، يُعبّر عن قدرة الأفراد على خلق موجات احتجاجية دون انتماء مؤسساتي، لكن دائمًا داخل عالم رقمي افتراضي. بهذا الشكل يشتعل الحراك بسرعة في الافتراضي، ثم يخمد قبل أن يتخذ شكلًا مؤسساتيًا.
الملاحظ في سياق حراك "جيل زد" اليوم في المغرب، غياب التنظيم والاستمرارية الميدانية، إذ أوقف الشباب تظاهراتهم الميدانية منذ مدة، واعتبروا أنها "وقفة تنظيمية ليست تراجعًا عن المسار، إنما فترة لإعادة ترتيب الصفوف، والتفكير الجماعي، والنقد الذاتي البناء، استعدادًا لإطلاق الفصل الثاني من الحراك".
بالنظر إلى المسار الاحتجاجي لـ"جيل زد"، الممتد لأربعة أسابيع، شهد حراك "جيل زد" تعديلات في طريقة العمل؛ من مظاهرات يومية خلال الأسبوعين الأولين، ثم توقفت لفترة، وبعدها تقرّر تنظيمها كل يوم سبت فقط، قبل أن يعلن الشباب إنهاء الفصل الأول والاستعداد لانطلاقة جديدة.
مستقبل حراك زد
هذه المستجدات، طرحت أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الحراك الشبابي وقدرته على الاستمرار، رغم أن ديمومة المطالب (الصحة، التعليم، الشغل) تكشف أن جذور الغضب ليست موسمية، بل مرتبطة باختلالات هيكلية مزمنة في المغرب.
لهذا يطرح البعض أسئلة حول كيفية دمج هذا الحراك، أو بالأحرى مطالبه، في صياغة نموذج تنموي جديد يلبي الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشباب المغربي، دون أن يحوّل إلى مجرد "ضغط اجتماعي" ظرفي وقصير الأمد؟
فالتجربة المغربية السابقة، مع 20 فبراير وحراك الريف، توضح أن الاحتجاجات يمكن أن تحقق تأثيرًا على السياسات العمومية بشكل محدود، لكن تَحَوّلها إلى قوة مستمرة يتطلب مؤسسات وشراكات حقيقية، وهو ما يغيب حتى اللحظة في حراك "جيل زد" الشبابي الذي يعتمد على المنصّات الرقمية ويبتعد عن الوساطات التقليدية.
حراك بمظلومية تاريخية
يحيلنا موقف شباب "جيل زد" من مؤسسات الوساطة على موقف محفور في الذاكرة الاحتجاجية المغربية، عندما رفض "حراك الريف" (2016-2017)، حين وصف المحتجّون الأحزاب بـ"الدكاكين السياسية"، في إشارة من ساكنة منطقة الريف (شمال المغرب) إلى فقدان ثقتهم الكاملة في الأحزاب والنقابات باعتبارها مؤسسات تمثيلية.
عندما تفجّرت احتجاجات بمنطقة الريف شمال المغرب، عقب مقتل بائع سمك (محسن فكري) في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2016، رُفعت مطالب من الشارع العام إلى ملك البلاد، وبرزت "زعامات شابة، أبطلت زعامات الدولة وأحزابها (...)، وأعادت النظر في مفهوم الحوار السياسي بين المركز والريف"، يقول الباحث محمد الغلبزوي.
حينها، استثمر المحتجون بالريف، الفضاء العمومي حيّزا للفعل الجمعي وإنتاج المعاني المعبئة، وأبدعوا صيغا احتجاجية غير مسبوقة، عبروا فيها عن سخطهم الاجتماعي ورفضهم التهميش الذي طال منطقتهم لعقود طويلة.
يؤكد الغلبزوري في كتابه: "الدولة وتدبير حراك الريف.. تدبير أزمة أم أزمة تدبير"، أن واقعة "طحن" محسن فكري هي "النقطة التي أفاضت الكأس؛ حيث وجدت هذه الاحتجاجات نفسها في قلب تراكم طويل الأمد، من التهميش والفساد، امتد لأكثر من 60 سنة. بالإضافة إلى عوامل تاريخية، ظلّت حاضرة في ذهنية الساكنة الريفية تتوارثها أبًا عن جد".
في غضون ثمانية شهر من الزخم الميداني، و18 شهرًا في المجمل من التفاعلات العامة الممتدة، ورغم كثافة التأطيرات المضادة الراغبة في وأده، صار حراك الريف قضية رأي عام في مختلف مناطق الريف، كما حظي بتضامن واسع من طرف باقي مناطق المغرب ومغاربة المهجر.
لقد فرض حراك الريف نفسه، باعتباره فاعلًا جماهيريًا نموذجيًا، "أفلح منذ البداية، في صياغة ملف مطلبي متميز ومسطّر بشكل دقيق، بعدما قام بعدة جولات إلى مراكز وقرى ريفية"، يردف الباحث محمد الغلبزوري. وتضم القائمة 21 مطلبًا؛ على رأسها بناء مستشفى وجامعة بالحسيمة، وتفعيل مشاريع التنمية الموعودة.
بين تشرين الأول/أكتوبر 2016 وصيف 2017، ظلت الحسيمة تعيش على وقع مسيرات أسبوعية ضخمة، ووقفات رمزية، لكن عوض أن تستجب الدولة للملف المطلبي للحراك، زجّت بشباب الحراك في مختلف السجون المنتشرة في المدن المغربية، بعد أن صدرت في حقهم أحكام ثقيلة تراوحت بين سنة و20 سنة سجنا.
يلفت مُؤَلِّف كتاب: "الدولة وتدبير حراك الريف"، إلى كثير من المغاربة يرون أن "لِحراك الريف أبعادًا سياسية قويّة في دواخله، رغم ما قد يحمله مُحرّكوه من هموم المعيش اليومي، ومن معاناة اجتماعية خانقة. لكن من عيونٍ ريفية، الحراك محكومٌ بالمظلومية التاريخية وبالعزّة الذّاتية".
انحناءٌ لربيع مغربي
قد تبدو احتجاجات حراك الريف بطبيعة محلية، لكن في حقيقة الأمر لم تكن معزولة عن سياقها الوطني العام، بل مثّلت امتدادًا مَجاليًا لمطالب نبضٍ احتجاجي أعم سبقه بحوالي ست سنوات، تجسّد في حركة 20 شباط/فبراير سنة 2011، مع هبوب رياح الربيع العربي على المغرب.
جوهر المطالب، التي رفعها حينها شباب 20 شباط/فبراير بشكل سلمي واجتماعي؛ توزعت بين محاربة الفساد والعدالة الاجتماعية، والمساواة في توزيع الثروة، وإرساء دولة الكرامة والحقوق في البلاد.
يسجل الباحث عبد الرزاق أبلال أن "انفتاح النظام السياسي (...) بقدر ما غذى آمال كثير من شباب الجيل في التغيير السياسي والاجتماعي عبر مجموعة من الإجراءات والإصلاحات السياسية (...)، فإن إجهاض تجربة التناوب، والعودة إلى تجربة الأحزاب الإدارية، وعودة القبضة الأمنية، قد أطفأ فتيل الأمل بنفوس الشباب وجعل الخيبة والانكسار ملمحًا بارزًا لهذا الجيل الذي لم يتوان لحظة في الاستجابة لنداء الربيع العربي".
يضيف أبلال في أطروحته (غير منشورة): "الحركات الاحتجاجية بالمغرب-حركة 20 فبراير نموذجًا"، أنه "بقدر ما عرّت الأحداث والاحتجاجات عن زيف الخطابات، فقد كشفت عن تطوّر نوعي في بنية وأنماط الاحتجاج، وعن نضج كبير في الوعي لدى مواطن اليوم، ولدى فئة الشباب على وجه الخصوص".
لهذا، تُعرّف حركة 20 فبراير المغربية على أنها، حركة احتجاجية سياسية، تفاعلت مع حراك الربيع العربي مطلع سنة 2011، وتأثّرت بخصوصية الدولة والمجتمع، وشكّلت احتجاجاتها، مقارنة بالفعل الحزبي، المحك الحقيقي لمدى جدّية الإصلاحات التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة.
مرة أخرى، "شكّلت الإنترنت الحاضن الرئيسي لهذه الاحتجاجات، (...)، داخل هذه العوالم الافتراضية ناقش المحتجون مطالبهم،وتداولوا في مشروعيتها، وهيّأوا المشاركين فيها على المستوى النفسي لتعزيز حماستهم"، ينبه الحبيب استاتي زين الدين، في دراسته: "الممارسة الاحتجاجية بالمغرب.. دينامية الصراع والتحول".
قرار النزول إلى شوارع المملكة، جاء بعد أن نضجت فكرة الاحتجاج وعدالة مطالب حركة 20 فبراير، لكن هذ لا يعني أن مطلب الأرضية التأسيسية لهذا الفعل الاحتجاجي الشبابي حينها جاء دُفعة واحدة. بل يوضح عبد الرزاق أبلال، في أطرحته للدكتوراه، أن الحركة الاحتجاجية مرّت من سبع محطّات أساسية تؤرّخ للنقاشات الأولية التي خضعت لها الوثائق التأسيسية للحركة.
يقول المصدر ذاته: خضعت حركة 20 فبراير لترتيب زمني "يحيل على التعديلات التي جرت عليها، وفي نفس الوقت إلى النقاشات الدائمة التي صاحبتها، حتى بلغت نوع من الإجماع عليها والتوافق حولها بين مختلف مكونات الحركة".
على هذا الأساس، أضفت حركة 20 فبراير دلالات على قوة الشارع "النّاعمة"، بعيًدا عن المعارضة التقليدية، في إحداث التغيير، ما جعل النظام السياسي في المغرب يلتقط إشارات "الإرادة الشعبية"، المطالِبة بضرورة القيام بالإصلاحات الدستورية والمؤسساتيةاللازمة.
شقّ الفعل الاحتجاجي لشباب 20 فبراير، طريقًا سالكًا بدون عنف أو مواجهة، بالالتزام بالشعار المشهور: "سِلمية سِلمية، لا حَجرة لا جَنْوِية" (سلمية سلمية، لا حجر ولا سكين)، من منطلق أن أي حركة احتجاجية، هي "في الأصل ممارسة سلمية، (...)، ويفترض فيها دومًا أن تجنح إلى خيارات اللاعنف وألا تصير وسيلة لإنتاج العنف بكافة ألوانه"، وفق عبد الرحيم العطري، في مُؤَلَّفِه "الحركات الاحتجاجية بالمغرب".
رد فعل السلطات المغربية حينها، لم يكن سوى مجابهة الحركة الاحتجاجية بعنف مادي بدعوى الحفاظ على الأمن العام. رغم ذلك، أبان كان شباب حركة 20 فبراير، قد راكموا من الخبرة ما يجعلهم أكثر وعيا بأهمية النضال السلمي في إحراج الدولة والضغط عليها من أجل انتزاع مطالب أكثر.
تفاعل النظام السياسي فعلًا مع مطالب الشارع المحتج المرفوعة من حركة 20 فبراير، من خلال مخرجات دستورية وسياسية، متمثلة في الإعلان عن إصلاح دستوري يوم فاتح تموز/يوليو 2011، وانتخابات تشريعية مبكرة يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام.
استطاعت هذه الإصلاحات تحقيق نجاح نسبي، خصوصا في كبح تطوّر الحركة الاحتجاجية، لكنه نجاح سرعان ما سوف يتبدّد أمام ظهور مزيد من الحركات الاحتجاجية، ذات المطالب المتعلقة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية، أو مطالب سياسية تسعى إلى البناء الديمقراطي.
من الاستقلال إلى الانفجار
الشروط الموضوعية للاحتجاج لم تزل تُكرّر نفسها منذ استقلال المملكة، وإن بأشكال ووسائط مختلفة، مع تغيّر سياقات مغرب السبعينيات والثمانينيات عن مغرب القرن 21. ففي منتصف الستينيات من القرن الماضي، تحديدا يوم 23 آذار/مارس 1965، كانت الدار البيضاء على موعد مع أول مواجهة مفتوحة بين الدولة والمجتمع في مغرب ما بعد الاستقلال.
يرى السوسيولوجي عبد الرحيم العطري أن انتفاضة 23 آذار/مارس 1965 تعدّ "أول حركة احتجاجية تتجاوز مجال انطلاقها، (...)، فالانتفاضة انطلقت بالدار البيضاء بسبب مذكرة صادرة بتاريخ 19 شباط/فبراير 1965 عن وزارة التربية والتعليم ترفض إعادة تسجيل التلاميذ الذين فاقت أعمارهم 17 سنة في السنة الثانية من التعليم الثانوي، ليتوسّع مداها إلى العديد من المدن كالرباط وفاس ومكناس ومراكش".
التلاميذ، الذين قرأوا في خطوة الوزارة إغلاقًا لطريق الترقي الاجتماعي أمامهم، خرجوا للاحتجاج على هذه المذكّرة بدءًا من 22 آذار/مارس 1965، والتحق بهم العمال والعاطلون، خصوصًا وأن 18 شباط/فبراير عرف تسريحات جماعية للعمال في قطاعات عدة من الصناعة والتجارة، لتعرف الانتفاضة اندلاعها المباشر والعنيف في 23 آذار/مارس بالضبط.
واجهت الدولة الانتفاضة بعنف شديد، حين نزل الجيش إلى الشوارع وأطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، وقام حينها الجنرالمحمد أوفقير (ارتبط اسمه بسنوات الجمر والرصاص) بتولي مهمة استعادة التحكم بزمام الأمور في المدينة، حيث قاد العمليات منمروحية. ودام العنف ثلاثة أيام، وأسفر عن مئات القتلى.
يوضح العطري، في كتابه "الحركات الاحتجاجية بالمغرب" أن " النظام السياسي المغربي خلال زمن الستينيات بدا مأزوما للغاية، ولعل هذا ما جعل الاحتجاج يظهر بشكل عنيف وعفوي، ويقابل أيضًا من طرف صناع القرار بردود أكثر عنفا وضراوة".
بشكل مؤكد بدت انتفاضة التلاميذ في 23 آذار/مارس 1965 عفوية، لكنها "نتيجة موضوعية لسلسة من الاخفاقات والصراعات السياسية التي بصمت علاقة القصر بأحزاب المعارضة وجيش التحرير، (...) جاءت في أعقاب الإقالة المفاجئة لحكومة عبد الله إبراهيم وإنهاء حركة شيخ العرب فضلًا عن وصول التوتر والقمع إلى أقصى درجاته"، يردف العطري.
على إثرها، كانت العواقب السياسية للحدث في غاية الفداحة، فزيادة على خطابٍ شديد اللهجة للملك الراحل الحسن الثاني يوم 26 آذار/مارس من سنة 1965، أُعلن يوم 7 حزيران/يونيو عن حالة الاستثناء، وحلّ البرلمان بدعوى عدم الكفاءة، استرضاء للشعب ولقسم عظيم من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حاليا)، ثم انخرط فيها المغرب في مرحلة استفرد فيها الملك الراحل بالسلطة.
من يومها فُتحت الأبواب أمام الانكماش والتوتّر الدّائم بين الدولة والمعارضة، أجّجها تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة، وضعف القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتفشي البطالة، وتطبيق سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتتفجّر الاحتجاجات الشعبية المتفرقة في مدن كالدار البيضاء (1981)، والناظور وتطوان (1984)، وفاس (1990).












