منذ أن حمل الإنسان الأول حجرًا للدفاع عن نفسه أو عصًا لاصطياد أرنبٍ، فطن إلى إمكانية تحويل ما حوله إلى سلاح وبدأ رحلة طويلة مع الأسلحة. هذه الرحلة هي قصة تطوّر وتغيّر، لكنها أيضًا قصة عن تأثير القوة العسكرية في مسارات البشرية، فمن خلال تطوير الأسلحة، تمكّن الإنسان من التكيّف مع بيئته وتثبيت وجوده وتوسيع نفوذه وبناء الحضارات. وفي الوقت نفسه، كانت الأسلحة سببًا في دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.
هذه القصة المعقدة هي قصة عن علاقة الإنسان بالعنف والقوة مثيرة للسخرية بعض الشيء، لأن التطوّر والتقدّم ترافقا مع القتل بشكل أوسع وأكثر فتكًا.
في البدء كان العصر الحجري
يمثل العصر الحجري بداية الإنسانية، وهي فترةٌ شهدت أولى محاولات الإنسان لتشكيل الأدوات واستخدامها. كانت الأسلحة في ذلك العصر بسيطة للغاية، ومصنوعة من المواد المتاحة مثل الحجر والخشب والعظام.
في العصر الحجري القديم (2.6 مليون سنة إلى 10000 قبل الميلاد) ظهرت أولى الأسلحة البسيطة كالفؤوس والحراب وكانت هذه الأسلحة تستخدم للدفاع عن النفس والصيد وتحضير الطعام. مع نهاية هذا العصر تمّ اختراع "الأتلاتل" في شمال أفريقيا وهو عبارة عن سهم مرن يمكنه قتل الحيوانات من مسافة 40 مترًا.
تطوّرت هذه الأدوات في العصر الحجري الوسيط (10000 إلى 8000 قبل الميلاد) وظهرت الأقواس والسهام الخشبية والأدوات المصنوعة من عظام الحيوانات، كما تمّ تدجين الخيول للمرّة الأولى في سهول كازاخستان مما سيؤدي لاحقًا إلى استعمالها في الحروب ضمن فرق الخيالة. ومع وصول العصر الحجري إلى آخره (العصر الحجري الحديث، 8000 إلى 4000 قبل الميلاد) وبدء الزراعة والاستقرار في أحواض الأنهار تطوّرت الفؤوس والسكاكين الحجرية المصقولة وظهرت المدقّات الحجرية والهراوات الخشبية التي كانت تستخدم لسحق البذور والحبوب من اجل تحويلها إلى دقيق. أكتشف علماء الآثار الكثير من هذه الأسلحة في مواقع متعددة حول العالم.
ثم كان البرونز والحديد
تطوّر الإنسان وضاق ذرعًا بالحجارة، فاكتشف بعض المعادن مثل النحاس والقصدير وصنع منها بعض الأدوات، لكن التحوّل الكبير كان حين اكتشف البرونز والحديد. هذا الاكتشّاف شكّل تحولًا جوهريًا في مجال صناعة الأسلحة فبدأ الإنسان يهجر أدواته الحجرية ويصنع أدوات برونزية وحديدية. هذا الأمر كان حجر الزاوية في بناء الحضارات القديمة وبدء إنشاء الجيوش والتوسّع.
العصر البرونزي (3000 إلى 1200 قبل الميلاد)
تم اكتشاف البرونز عن طريق مزج النحاس والقصدير، مما أدّى إلى إنتاج معدن أكثر صلابة ومتانة من النحاس. فتمّت صناعة مجموعة متنوعة من الأسلحة كالسيوف والرماح والحراب والدروع الجلديّة المرصّعة بالبرونز والخوذات، كما تمّ اختراع العربات القتالية التي تجرّها الخيول. كانت هذه الأسلحة الجديدة أخفّ وزنًا من الأسلحة الحجرية، وأكثر فعالية مما أمّن قوّة عسكرية للحضارات التي امتلكتها مثل الحضارة المصرية والسومرية والمينوية.
العصر الحديدي (1200 قبل الميلاد إلى العصور الوسطى)
كان اكتشاف الحديد نقطة تحول أخرى في تاريخ البشرية. حيث تميز بقوته وصلابته العالية، مما جعله المادة المثالية لصناعة الأسلحة والدروع والخناجر. تميّزت هذه الأسلحة بقوتها ومتانتها مقارنةً بالأسلحة البرونزية، وأصبحت الحروب أكثر وحشية.
في هذا العصر تطوّرت الأساليب القتالية، وظهر ذلك جليًا مع الآشوريين الذين اخترعوا الأبراج الهجومية المتحركة وطوّروا عربات القتال. في هذا العصر أيضًا، تم اختراع المنجنيق، وقد اختلف شكله وحجمه بين الحضارات المصرية والآشورية والصينية والإغريقية لكن المبدأ كان متشابهًا.
ووصلت العصور الوسطى
بعد العصر البرونزي والحديدي، دخلنا في عصر جديد شهد تطورات كبيرة في مجال الأسلحة والحروب، وهو العصور الوسطى. كان هذا العصر عصر الفرسان والدروع الثقيلة في أوروبا، وعصر السيف الدمشقي في بلادنا. كانت الدروع مصنوعة من الحديد والجلد لتغطي كامل جسم الفارس، والسيوف متعددّة الأشكال والأحجام، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرماح والأقواس.
تطوّرت الآليات في هذه الأسلحة فتم اختراع القوس الآلي، الذي يرمي السهام بالضغط على زرّ والقوس الأنبوبي وغيرها.. كما تمّ ابتكار النار الإغريقية في هذا العصر، واستعملها العرب وطوّروها وأطلقوا عليها اسم "النار الحضرية".
في هذه العصور شُيّدت الكثير من القلاع والحصون فتمّ تطويرالمنجنيق. وفي نهاية هذا العصر تمّ اكتشاف البارود على يد الصينيين الذين استعملوه لإنتاج قنابل وألغام بدائية ضد الغزو المنغولي، كما اخترعوا رماح الحرائق الصينية -ما سيعرف لاحقًا بالمدفعية- بوضع كميّة من البارود داخل انبوب من القصب أو المعدن والتي، عند احتراقها، تقذف اللهب بإتجاه الإعداء. ثم ظهرت بعض الأسلحة النارية مثل البنادق البدائية وكان المماليك أول من استخدم المدافع اليدوية والأسلحة الصغيرة الأخرى في معركة عين جالوت عام 1260. ثم بدأنا نتجه الى حقبة أكثر دمويّة من تاريخ الإنسانية.
وحلّ العصر الحديث
في القرن الخامس عشر تم اختراع "القفل" وهو آلية إطلاق النار الخاصة بالبندقية، وتعدّ بندقية "القربينة" الفرنسية أول بندقية فعليّة، وهي عبارة عن سلاح ناري صغير الحجم ذي ماسورة قصيرة يمكن حمله على الكتف ويعمل باحتراق فتيل البارود من طرف المسدس ليشعل قطعة من مسحوق البارود التي تقذف بدورها كرة مشتعلة باتجاه العدو.
شهد القرن السادس عشر تطورًا سريعًا في الأسلحة النارية، وظهرت البنادق ذات الكبّاس "الكاليفر". ومع اندلاع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر انتقل مركز الثقل في تطوير الأسلحة إلى أوروبا حيث تطوّرت الأسلحة بشكل متسارع فبدأ ظهور الأسلحة الآلية والمدافع الثقيلة، ولعلّ معركة مرج دابق ما بين العثمانيين والمماليك هي خير مثال عن تأثير المدافع التي كان يملكها العثمانيون والتي ساهمت بإنهاء المعركة والمماليك، ما أدى إلى قيام إمبراطورية عثمانية دامت حوالي 600 عام.
دخلت الصواريخ كسلاح فتّاك في هذا العصر حين نجح السلطان الهندي فاتح علي تيبو في نشر المدفعية الصاروخية ضد البريطانيين، مما دفع المخترع السير ويليام كونغريف إلى تطوير صاروخ مضاد عُرف بصاروخ "كونغريف". وفي العام 1775 تم اختراع أوّل غواصة على يد الأمريكي ديفيد بوشنيل وأطلق عليها أسم "السلحفاة". لكّن هذه الغواصة بقيت بدائية وخطرة وانتظرت عقودًا إلى أن تمّ تصنيعها بشكل فعّال على يد جون هولاند في العام 1876.
أواسط العام 1836 اخترع الأمريكي صامويل كولت المسدس الدوّار، وفي العام 1862 كُشف النقاب عن أوّل سفينة حربية مغلّفة بالكامل بالحديد في نيويورك، "يو أس اس مونيتور"، وفي العام 1884 اخترع هيرام ستيفنز ماكسيم أول مدفع رشاش أوتوماتيكي بالكامل، "مدفع ماكسيم"، وفي العام 1909 اخترع ابنه كاتم صوت البندقية.
وبدأت الحرب العالمية الأولى
الحرب الدمويّة التي راح ضحيتها الملايين من البشر كانت مسرحًا لأنواع جديدة من الأسلحة، مثل الدبابات التي اخترعها الجيش البريطاني، والطائرات والسفن الحربية والمناطيد والغازات السامّة والأسلحة الكيمائية، خصوصًا الخردل والكلور.
ثم أتت الحرب العالمية الثانية
تطوّرت الأسلحة ما بين الحربين العالميتين بشكل كبير ومتسارع مع سباق التسلّح الضخم الذي حصل حينها، فكانت الصواريخ البالستية (خصوصًا الصاروخ الألماني V-2والذي استعمل في قصف لندن) أبرز هذه الاختراعات، الجديدة بالإضافة إلى القنبلة النووية التي استعملتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان، وخلّفت مئات آلاف القتلى والضحايا واستمّر تأثير اشعاعاتها الى عقود لاحقة.
في العام 1960، تمّ إدخال أشعة الليزر إلى المجال الحربي، حيث يتم استعمالها في استهداف الصواريخ وبديلًا للرادار. وفي العام 1997، أجرت الولايات المتحدة اوّل اختبار لسلاح ليزر مضاد للأقمار الاصطناعية. وفي العام 2002، تم تطوير سلاح ليزر يستطيع إسقاط الأشخاص دون قتلهم (PEP)، وفي العام 2008، تمّ إطلاق الليزر المحمول جوًّا على طائرة لأوّل مرّة.
في العام 1974، تمّت صناعة أوّل جهاز صاعق كهربائي من قبل جاك كوفر (باحث في وكالة ناسا)، وما زال هذا السلاح مستخدمًا إلى اليوم بواسطة الشرطة بإعتباره سلاح غير قاتل.
عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
شهد العصر الحالي تطوّرات كبيرة في مجال الأسلحة، فقد لعبت التكنولوجيا دورًا كبيرًا في اختراع "الأسلحة الذكية" كالصواريخ والقنابل الذكية، التي توجّه بدقّة إلى الهدف مهما كانت الظروف القتالية. كما دخل نوع جديد من الأسلحة هو الأسلحة الإلكترونية والسيبرانية، حيث يتم استخدام برمجيات معيّنة لمهاجمة أنظمة الإتصال والتحكّم، مما يعطّل منظومة القيادة والسيطرة لدى العدو.
شهد هذا العصر قفزة نوعية في استخدام الروبوتات القتالية القادرة على تنفيذ مهمات بشكل شبه مستقل، بالإضافة إلى الطائرات من دون طيّار والتي تستعمل على نطاق واسع لأغراض الاستطلاع وتنفيذ ضربات جويّة دقيقة، وقد شهدنا في الحرب الآذرية-الأرمينية الأخيرة والحرب الروسية الأوكرانية فعالية وقدرات هذه الطائرات.
هذا العصر شهد أيضًا تطويرًا هامًا لأنظمة الدفاع الجوي التي باتت أكثر تعقيدًا ودقّة وبدأت معظم الدول في انتاجها او استيرادها من أجل حماية مجالها الجوي.
نظرة إلى المستقبل
من دون أدنى شكّ سيسعى البشر في المستقبل لامتلاك أسلحة جديدة متطورة وأشدّ فتكًا، والتسريبات تشير إلى أنه ثمّة عمل دؤوب على تطوير الروبوتات بدمج الذكاء الاصطناعي في وحدة تشغيلها وجعلها قادرة على القتال بصورة مستقلّة، هذا بالإضافة إلى تطوير أسلحة تستعمل تقنيات "النانو" ومحاولة امتلاك أسلحة مناخية يمكنها التلاعب بالمناخ لتحقيق أهداف عسكرية.
تعتبر رحلة الأسلحة من الحجر إلى الروبوت ملحمة طويلة ومعقدة، تعكس تطور الحضارات وتغيّر أساليب الحرب. وإذا كانت الأسلحة محركًا للتقدّم والتطوّر، فهي كانت أيضًا سببًا في الحروب والمعاناة.
في الختام، يمكننا أن نؤكّد من جديد على ما قاله آينشتاين: "لا أعلم بما سنقاتل به في الحرب العالمية الثالثة، لكني أضمن لك أن الحرب العالمية الرابعة سنقاتل فيها باستخدام العصا والحجارة".