على مدار التاريخ الثقافي العربي دارت معارك أدبية، كشفت أوّل ما كشفت عن عقليات أخذت تُفكر خارج الصندوق، أو ما رسمه سَدَنة المعتمد الأدبي، وحراس المنظومة الأزهرية، وراحت تُعمل العقل في كل شيء، وتُخْضع كل المسائل إلى حكم العقل ومنطقه، مبتعدة عن العاطفة والأهواء. وهو ما كان إيذانًا بأن يتصدى لهم أصحاب الفكر الأحادي، وملاك الحقيقة المطلقة، لكن النتيجة الأهم أن هذه المعارك التي شغلت الرأي العام ووصلت في بعضها إلى ساحات القضاء والمحاكم، أسفرت عن نتائج إيجابية مهمة، منها أنها أثْرت الحياة الثقافيّة، وأشعلت جذوة التفكير، فرأينا آثارها تمتد إلى مقالات متعددة في الصحف والمجلات والحوارات، وهو ما أسبغ حركية وديناميكية على الصحف والمجلات، فلم تكتف بنشر المتابعات والمقالات والقصص، وإنما خصصت قسمًا لهذه المعارك، والتعقيبات عليها، فصارت فضاءاتها أشبه بساحة سجال علمي حقيقي، ومنبر للرأي والرأي الآخر. ولو قارنا ما كان يحدث سابقًا وحالة السكون التي نعيشها الآن، لاكتشفنا أهم سمة تميز الجيل السابق عن الحالي، ألا وهي الوعي وسعة الاطلاع، فالمعارك الفكرية لم يكن هدفها الأشخاص الذين أشعلوا فتيلها، بقدر ما كان غرضها الدفاع عن قضايا مهمة، بعضها متصل بالدين، والبعض الآخر متصل بالتراث، والهوية، ومن ثم لم تكن المعارك بلغة اليوم بمثابة ترِند. فأحد أسباب تقلص المعارك الفكرية هو افتقاد طرفي المنافسة، فالمعركة قديمًا كانت بين متصارعين متكافئين، الكل يريد أن يثبت وجهة نظره، أما الآن فالمعركة بين الثقافة والجهالة، بين العقل والغيبوبة، كثير من القضايا خسرناها بسبب تغليب الكفة الثانية على الأولى، فهيمنةُ الجهالة والغيبوبة حجبت ستار العقل.
ليس الغرض من هذه المقالة إعادة حوادث قديمة، سبق أن تناولتها الأقلام، بل إن كثيرًا منها صارت كتبًا مستقلة كما فعل أنور الجندي في كتابه "المساجلات والمعارك الأدبية في مجال الفكر والتاريخ والحضارة" أو كتابه "المعارك الأدبية" (مكتبة الأنجلو المصرية: 1983)، أو تلك الكتب التي سجلت لأهم معركة في العصر الحديث، ولكن ليس بصيغة مباشرة على نحو ما فعل محمد شعير في كتابه "أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة" (دار العين، 2018)، أو تلك التي تناولت معركة نصر حامد أبو زيد وقصة الترقية كما وردت في كتاب "أنا نصر أبو زيد" لجمال عمر، وغيرها، بكل تأكيد هذا ليس واردًا بالمرة، وإنما غرض هذه المقالة هو قراءة السياقات التي أنتجت هذه المعارك، وبيان ردّة فعل المجتمع إثرها، ثم البحث عن الأسباب التي جعلت هذه الأفكار تُحارَب بهذا الشكل، وقد وصل الأمر إلى استتابة أصحابها كما حدث مع منصور فهمي باشا بعد أن اختفى في قريته قرابة السبع سنوات، وعندما عاد للجامعة لم يُقبل إلا بعد أن خضع لشروطهم، فأعلن توبته، هكذا: " يظهر أنني انحرفت قليلاً، حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة، وحين قوبلت في مصر بضجة كبرى ازددت عنادًا، ثم كتب الله أن أجلس طويلًامع بعض مشايخ العلماء من ذوي الأفق الواسع والصدر الرحيب، فبدأت أخلص من الزيغ لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله"، وهو ما تكرّر مع طه حسين الذي أرسل شهادة يُعلن فيها إسلامه في خطاب رسمي إلى رئيس الجامعة بكلمات صريحة: "أنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر".
السجالات مرآةً للواقع
من السمات البارزة والإيجابية للمعارك الأدبيّة أو السجالات الفكريّة أنها أعطت صورة حقيقيّة عن حيوية الجماعات الثقافيّة من جهة، وقدرة الثقافة ذاتها (رغم الرفض لكثير من الأفكار المطروحة) على استيعاب مساحات أشدّ من التعدّد والاختلاف من جهة ثانية، وهو ما يعكس حيوية الثقافة العربيّة وبعدها عن الثبات أو الجمود، وهو مع الأسف لم نعد نرى له انعكاسًا في عصر السوشيال ميديا والرقمنة، فالمعارك تحولت إلى صراعات شخصية، وتحيزات أيديولوجية، وعنصرية، على عكس ما كانت عليه سابقًا، فقد تخطت المعارك الحدود الجغرافيّة للدول، وتعاملت بمفهوم الجغرافيا الثقافية،فرأينا جورجي زيدان، ومحمد كرد علي، وعلى الطنطاوي وغيرهم، يلتحمون بهذه المعارك، لا من قبيل جغرافيتهم المكانية وانتماءاتهم إليها، وإنما بسبب غيرتهم على الثقافة الإسلاميّة بمفهومها الواسع، والغريب في الأمر أن أحدًا لم يتهمهم بأنهم منحازون إلى شخص دون آخر، تبعًا للطبيعة الجغرافية. فالانحياز الأكبر كان للتراث العربي الإسلامي، والثقافة العربية، والذود عنهما.
ولا ننسى أن طبيعة المعارك أيضًا كشفت عن حجم الهمّ الذي يشغل المثقف الحقيقي والعضوي بتعبير غرامشي، فالمعارك لم تكن شخصيّة أو حتى ابتغاء شهرة (على نحو ما أثار البعض)، أو وليدة أحقاد دينيّة أو عقائدية، وإنما كانت أشبه بحراك مجتمعي، فريق منه يرفع شعار حماية المجتمع والنشء من الأفكار السّامة، أو الأفكار المستوردة من الغرب على حد تعبيرهم. أما الفريق المقابل فكان يراها ضرورة مجتمعيّة، فهي أشبه بمطرقة نيتشه، لانتشال المجتمع من ركوده ونمطيته، وبمعنى آخر حتى يفيق أفراده من غفلتهم، ويكون معيار احتكامهم إلى مقياس العقل فقط، الذي رفع شعاره المعري بقوله: "لا إمام سوى العقل". ومن ثم غلب على هذه المساجلات الانشغال بالقضايا المجتمعيّة والإصلاح بكافة صوره (السياسي، والاجتماعي، والتعليمي، والديني)، كما تجلّى بصورة واضحة في معركة كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" (1925)، فالكتاب كان دعوة صريحة إلى الأخذ بمبادئ الديموقراطية، والتحرّر والإصلاح السياسي والتخلّص من سطوة الملك والعرش، وهو ما فطن إليه القصر وأنصاره، أو قضايا الهُوية وهو ما اتضح في معركة الشعر الجاهلي، واللغة العربية، والأخيرة أخذت مسارات متعددة، ما بين الكتابة بالحروف اللاتينيّة، أو إدخال الألفاظ الأعجمية في اللغة العربية، أوالكتابة بالعامية.
المثير حقًّا في أصحاب الأزمات الخطيرة أنهم كانوا يدركون عواقب مثل هذه الكتابات، ويشعرون بخطر مثل هذه الكتابات على واقعهم، أي أنهم كانوا يدركون أن البيئة الحاضنة (السياسية والاجتماعية والثقافية) غير مهيّأة، أو بالأحرى لن تستقبل مثل هذه الأفكار بالتأييد والقبول والتصفيق،وإنما بالمعارضة والرفض والاستهجان، فمنصور فهمي باشا يدرك خطورة الموضوع الذي يناقشه في بحثه "أحوال المرأة في الإسلام" (1913) فيمرّر في مقدمته ما يؤكد هويته الدينيّة قائلًا: "ولدت مُسلمًا، ونشأت في وسط مسلم، وبعدها جئت إلى باريس لإتمام دراستي، وفي باريس تحت إشراف الأستاذ القدير ليفي برول اكتسبت المناهج الضرورية للبحث الدقيق، وبحثنا هذا يتوخى الحقيقة ولا شيء آخر"، ثم يشير إلى ما يتوقعه من أصداء يُحدثها بحثه، فيعتذر مقدمًا لهؤلاء الذين قد يتضررون بنتائج أبحاثه، فيقول: "وقد يعتب البعض من أهلنا من دون شك لهذه الذهنية النقدية، هؤلاء المسلمون الذين يحفظون احترامًا دينيًّا للتقاليد، ونحن أردنا أن نكون صادقين في عملنا رغم إحساسنا بالتمزق من فكرة جرح أو أذى الضمير المقصود لهؤلاء العزيزين علينا". نفس الشيء نراه عند علي عبد الرازق ، حيث يفتتح كتابه بالإشارة إلى ما يتوقع أن يحدث من غضبة القصر لذا نراه يقول: : “أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، ولا أخشى أحدًا سواه، له القوة والعزة، وما سواه ضعيف ذليل”. وبالمثل طه حسين في افتتاحية كتابه "في الشعر الجاهلي" (1926) يُدرك صعوبة تلقي منهجه الذي بني عليه الكتاب، فيقول: "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وأن فريقًا آخر سيزوَرُّون عنه ازورارًا، ولكني على سخط أولئك، وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث".
حالة الجدل أو الصخب المعرفي التي أعقبت هذه الأفكار الجديدة، عكست في المقام الأول التكوين الفكري لهؤلاء الإصلاحيين والنقاد الكبار، فكانوا متسلحين بمعرفة وعلم جيديْن، جعلهم ينزلون ميدان المعركة غير آبهين، ولا خائفين، وهذا النوع من النقاد أمثال طه حسين والعقاد وزكي مبارك ومحمد مندور ومحمود شاكر ولويس عوض لم يعد له وجود بيننا، فآخر معركة أدبية كبيرة شهدتها الصحف كانت بين الدكتور جابر عصفور والدكتور عبد العزيز حمودة، وثانيًا فإنها كشفت عن طبيعة المناخ العام، أو البيئة الاجتماعيّة التي من المفترض أن تكون حاضنة لمثل هذه الثورات الفكرية، ومدى جديتها في استقبال مثل هذه الأفكار، ورغبتها في التغيير، ومن ثمّ اشتدّ النزاع بين طرفي الصّراع، فالحقيقة التي لا ينبغي إنكارها رغم قسوتها، أن البيئة الاجتماعية والثقافية والتعليمية وأيضًا السياسية التي وُلِدت فيها هذه الأفكار، لم تكن جاهزة أو مهيأة لمثل هذه الأفكار المضادة لما هو سائد، وهو ما أكده سعد زغلول في خطاب عتاب لأحمد لطفي السيد قائلًا: "يا أخي يعني طه حسين بتاعك ده.. مش كان لازم يفتكر إن البلد ما زال لا يتحمل بعد مثل هذا الكتاب"، وهو ما كان محقًّا فيه سعد زغلول، فالبيئة لم تكن جاهزة ومن ثمّ لم يتردد المعارضيون (دون تفكير) في محاربتها، ومحاربة أصحابها والمناصرين لها، حتى دون محاولة منهم لأخذ ما يمكن أن يكون نافعًا للمجتمع في وقته. فكان الهمّ الوحيد لهم هو وأد مثل هذه الأفكار دون النظر في جدواها أو فائدتها، حتى لا تخلق جيلًا يحمل مشاعل التغيير. فمعنى الأخذ بها من وجهة نظرهم هو موتهم جميعًا.
سأكتفي بالإشارة إلى بعض المعارك الكبيرة التي شغلت الحياة الثقافيّة، والعامّة في بعضها، وإن كنت لن أتوقف عند تفاصيلها، فهي معلومة لدى الجميع، وإنما سأتوقف عند خلفيات هذه المعارك، وكيف تحوّلت من معارك أدبيّة تخصّ فئة المثقفين إلى صراعات سياسية، استغلتها القوى السياسية لتحمي مصالحها الشخصية، ونفوذها دون اعتبارات لقيمة أصحاب المعارك، أو نُبل القضايا التي طرحوها، حتى ولو جانبهم الصواب في بعض وجهات نظرهم، لكن ما طرحه أصحاب هذه المعارك من أفكار، على الرغم من جسارته، ومغايرته للسائد والنمطي من الأفكار التي كانت تتردد في حلقات الدرس في المدارس والجامعات، وعلى صفحات الصحف والمجلات، وغيرها، كان ثورة بالمعنى الحقيقي للثورة، إذْ فتح نوافذ جديدة أمام الباحثين والدارسين، لسلوك طرق جديدة في البحث والتفكير، بعيدة كل البعد عن تلك التي كرّسها الشيوخ والأساتذة أصحاب مناهج النقل، ثورة رجّحت قيمة العقل على النقل، وقيمة الابتكار على التقليد.
الإسلام وأصول الحكم
أصدر علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلاقة والحكومة في الإسلام" عام 1925، قبل مائة عام من الآن، لكن مع صدور الكتاب حدثت أزمةٌ تجاوزت أفكار الكتاب التي رفض من خلالها المؤلف مفهوم الخلافة، بل نفاها تمامًا، فألحّ على أسئلته حول علاقة الدين والدولة، ومدنية الدولة في المجتمعات العربية - الإسلامية ، وهي أسئلة حاضرة إلى الآن، وتشغل كثيرين مهتمين بمدينة الدولة وإبعاد الدين عن السلطة، على نحو ما جاءت أسئلة النهضة وبلورها شكيب أرسلان في سؤاله الجوهري: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وكان كتاب الإسلام أصول الحكم بمثابة إجابة لهذا السؤال المحوري. وقد أجمع الليبراليون منذ رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وصولًا إلى علي عبد الرازق وطه حسين على أنّ الحل يكمن في الإصلاح الديني، وإبعاد الدين عن السلطة، وهو ما أثار المؤسسة الدينية ضد حركاتهم الإصلاحية التي أخذت أشكالاً مختلفة.
خلاصة الكتاب أن مؤلفه كان يطالب بدولة مدنية، بعيدة عن الكهنوت والتقديس، كان الكتاب نتيجة تأثير مدرسة الإمام محمد عبده الإصلاحية، فالخلافة ليست جزءًا من العقيدة، وإنما هي نظام سياسي دنيوي، والإسلام لم يعرف نظام الدولة الدينية، وعندما قامت الدولة الإسلامية بعد الرسول لم تقم على أساس ديني وإنما سياسي واجتماعي وإصلاحي. والدليل أن النبي محمد ﷺ لم يكن ملكًا ولا مؤسسًا لزعامة دينية. فالخلافة عنده من الأمور الدنيوية أكثر منها من الأمور الدينية "لذا ترك الرسول ﷺ أمرها إلى أمته، ولم ينصب خليفة له، ولم يوص به حين ارتحاله أيضًا".
لم يرُق ما كتبه عبد الرازق الذي كان ينتمي إلى الفكر الليبرالي الذي يؤمن به حزب الأحرار الدستوريين، للأزهر الشريف، فانتفض ضد الكتاب ومؤلفه، وعلى الفور طالب بمحاكمته، ونزع لقب شهادة العالِمية منه، وفصله من وظيفته. والملك فؤاد نفسه الذي كان يهيئ نفسه للخلافة انتفض، كما أدانه سعد زغلول واعتبر مؤلف الكتاب”جاهلًا بقواعد الدين”. وانهالت الصحافة وكُتابها هجومًا على المؤلف، وتمّ تكفيره ووصمه بالإلحاد والزندقة، كما ألفت كتب كثيرة للرد على مزاعم مؤلفه، منها كتاب "نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم" لمحمد الطاهر بن عاشور، وكتاب محمد الخضر حسين "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، والشيخ محمد بخيت المطيعي "حقيقة الإسلام وأصول الحكم". وهناك من رأى أن الكتاب دليل على الغزو العلماني أو الثقافي الغربي.
ووقف حزب الأحرار الدستوريين إلى جانب علي عبد الرازق، وأفردوا صدور صفحات جريدتهم "السياسة" و"السياسة الأسبوعية" للدفاع عنه، فكتب لطفي السيد، ومحمد حسين هيكل مدافعًا عنه، لكن كُتاب التيار الديني بقيادة محب الدين الخطيب، تصدوا للمؤلف وهاجموا السياسة، وخاصة عبد الباقي سرور نعيم، ولم ينته الهجوم ضد الشيخ على عبد الرازق إلا مع تجدد الأزمة مع طه حسين وكتابه في الشعر الجاهلي. وقد كان طه حسين واعيًا لما حدث لعلي عبد الرازق، فدافع عنه في جريدة السياسة الأسبوعية فقال: "وما نسي أحد أن قاضيًّا شرعيًّا فُصل من منصب القضاء، وأن وزيرًا أقيل من الوزارة في سبيل كتاب لم يرضَ عنه رجال الدين فأملَوْا على الحكومة إرادتهم فيه، وكانت إرادة قاسية مضحكة". والحقيقة أن الأحداث التي وقعت لصاحب الإسلام وأصول الحكم، كان لها بالغ الأثر فيما بعد مع صدور كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي.
الشعر الجاهلي والدعوة للتحرّر
لنتأمل على سبيل المثال معركة الشعر الجاهلي (1926) وبطل الحكاية كما هو معروف للجميع الدكتور طه حسين، الذي أخرج كتابًا للجمهور بعدما كان يدرسه مع الطلاب بين أروقة الجامعة عام 1925، وتناول في هذا الكتاب بعض القضايا التي أثارت جدلًا كبيرًا منها الشك في الشعر الجاهلي، وزعمه باختلاف لغة محمد عن لغة عدنان، وأن قصة إبراهيم وإسماعيل وأبوتهما للعرب أسطورة لفّقها العرب بغرض سياسي واستغلها القرآن لغرض ديني، وغيرها من مسائل هيجت معسكر المحافظين . كشفت الأزمة عن تيارين متباينين، الأول يُمثّله طه حسين، باعتباره حاملًا ورافعًا شعار أستاذه المعري "لا إمام سوى العقل"، حيث أعمل عقله في كثير من ظواهر الشعر الجاهلي. ولئن كان أصاب في نتائجه أو أخفق، فإنه حمل لواء المغامرة، ورقش المسلمات باعتباره رمزًا للجامعة بما تحمله من مرادفات التنوير والنهضة الثقافية والعلمية، وربما في ظني هو ما كان سببًا للهجوم العنيف على طه حسين من معسكر المحافظين (ولا أقول الأصوليين)، فطه حسين شق صف الجماعة أو المعسكر الذي ينتمون إليه، ومن ثم كانت الاتهامات طالت صحة دينه، ومحاولة إخراجه من الملّة كما فعل البعض، وقد توحدت آراء المتهمين في أن طه حسين منتحل لآرائه، وهو أشبه بالمقلّد، فنفي قصة إبراهيم وإسماعيل مردها كتاب "ذيل مقالة في الإسلام" لهاشم العربي (1891) فالمؤلف يرد القصة إلى التوراة، ويعرض عليها القرآن، فإن خالفها طعن عليها، أما طه حسين فيكذب بالتوراة والقرآن جميعًا. والانتحال الثاني متثمل في الشك وهو من بحث للمستشرق مرجليوث الذي صدر في مجلة الجمعيّة الملكية عام 1925.
في الكتاب الذي أصدره خيري شلبي بعنوان "محاكمة طه حسين"، وهو نص التقرير الذي كتبه النائب العام في ذلك الوقت محمد نور بك، وكانت نتيجته تبرئة طه حسين من التهم المنسوبة إليه، وإسدال الستار عن القضية، قدّم القاضي المحترم وثيقة أدبيّة تاريخيّة لنتاج فكر طه حسين الذي أنتج مثل هذا القاضي المستنير، الذي تعامل مع القضية بمنهجية رصينة، وأدوات نقدية سليمة، فخرج بمثل هذه الاستنتاجات، التي لم تُدِن الكتاب، أو تتهم المؤلف بمخالفة الشريعة على نحو ما نادى معارضوه. بل انتقد الأفكار التي طرحها حسين في الكتاب، وطريقة معالجتها، وفي نهاية الأمر أشاد بحرية الفكر، وإعمال العقل، وهي رسالة مهمّة في احترام العقل، فالمناخ الذي عاش فيه القاضي هو نتاج أفكار طه حسين وزملائه الذين أعملوا العقل، وانشغلوا بالتفكير وطَرْق المسكوت عنه، لا الاستسلام للمسلمات والأفكار العقيمة. تقرير محمد نور هو بمثابة مصباح ديوجين الكلبي وسط الظلام الذي عشّش بسبب الأفكار الراديكالية، ولولا أزمة كتاب الشعر الجاهلي، لما رأينا أثر المصباح الذي غطى ظلام ووحشية المحافظين، فالتقرير لم يقف في صف أفكار طه حسين كلية، وإنما فنّد هذه الآراء أولًا، ثم انحاز إلى إعمال العقل، حتى ولو انتهى صاحب الكتاب إلى نتائج مغلوطة، فالقضية من وجهة نظره ليست جنائية بالمرة.
كشفت أزمة كتاب طه حسين عن حالة القلق (وبالأحرى الذعر) التي انتابت السلطة السياسية والمستعمر البريطاني إزاء تطور الأحداث والمظاهرات التي قام بها طلاب الأزهر، فالملك فؤاد كان أكثر المتحمسين والمتعجلين في الوقت ذاته لإنهاء الأزمة بأقصى سرعة، حتى ولو على حساب طه حسين نفسه، خشية تسرب مثل هذه الأفكار الثورية إلى الجماهير، فتسعى إلى التقليد، والثورة عليه. وبالمثل هرول المندوب السامي البريطاني إلى رئيس الوزراء عبد الخالق ثروت كما تقول الروايات دون استئذان، ودخل عليه مكتبه، ليطلب منه أن تنتهي المسألة بأسرع ما يمكن. وتدخّل المندوب السّامي البريطاني لا لوأد الفتنة، وإنما خشية تأثير مثل هذه الأفكار الثورية على الناس، فيخرجون مطالبين بزوال الاحتلال، والدعوة إلى الاستقلال، وهو ما لا يريده، وبالمثل سعد زغلول الذي هادن من جانب، وشدّ من جانب آخر، خشية أن يفقد حزبه أغلبية البرلمان.
الغريب في الأمر أن طه حسين بعد إعادة نشر كتابه "في الشعر الجاهلي" (1926) بعنوان جديد "في الأدب الجاهلي" (1927) وإعلانه تغيير بعض من أفكاره، أشار في الفصل الجديد "الأدب وتاريخه: درس الأدب في مصر" إلى الخلل في بنية العملية التعليميّة، والفجوة بين طرق التدريس وفقًا للمناهج الحديثة، والمناهج السائدة، وكأنه دون إشارة صريحة منه، أراد أن يُبين أسباب حالة الرفض التي مُني بها كتابه "في الشعر الجاهلي" عند صدوره، بل الرفض لكل ما هو جديد، وهو ما حدث من قبل برفض دعوة منصور فهمي باشا في كتابه "أحوال المرأة في الإسلام" (1914)، وعلي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (1925)، ثم في مرحلة لاحقة إبراهيم مصطفى عندما دعا إلى "إحياء النحو" (1938). المعضلة الحقيقية كانت كما أشار طه حسين صراحة تكمن في مناهج التعليم التي كانت مهيمنة على قطاع عريض من المؤسسات التعليميّة آنذاك، فالخطأ كل الخطأ في تنشئة أجيال من المتعلمين على نفس الطريقة التي يسير عليها أساتذتهم في المدارس الثانوية والقضاء ودار العلوم والجامعة والأزهر، ومن ثم نراه يضع خريطة طريق للتدريس، بعنوان "سبيل الإصلاح"، وما ينبغي أن يكون بدءًا من تحبيب الطلاب قراءة النصوص العربية وتفهمها، ثمّ الشروط التي يجب أن تتوفر في المتعلّم الذي يؤتمن على تخريج أجيال قادرة على التحليل والنقد والاكتشاف لا التقليد والحفظ والنسخ.
الأزمة الثالثة التي تكاد تكون نتاجًا لأفكار طه حسين، وتأثرًا كبيرًا بمنهجيته في إعمال العقل حتى ولو اختلفت الأدوات، هي أزمة "الفن القصصي في القرآن الكريم" لمحمد أحمد خلف الله عام 1947، فقد تأثّر بأستاذه أمين الخولي، ومجال اهتمامه بالدراسات القرآنية، ومحاولة الخولي لدراسة القرآن دراسة أدبية، وهو المنهج الذي كان يروّج له الخولي في محاضراته وكتاباته، فكما كان يقول ويكرّر دائمًا "إن اللغويين درسوا القرآن، وكذلك الفلاسفة، وعلماء الكلام، ومن ثمّ فمن الضروري دراسته أدبيًّا، أي يجب أن يُدْرس من ناحية الجهة التي كان يفهمه عليها العرب، وقت نزوله من حيث فهم الألفاظ اللغوية والعبارات الأدبية". تفاصيل المعركة بدأت برفض الأستاذين المناقشين أحمد أمين وأحمد الشايب الرسالة، واعتبارها غير صالحة، فرفضها أمين لضعفها العلمي، أما الشايب فرأى أنها "تتضمن أفكارًا تتعارض مع العقيدة، خاصة الزعم بأن القصص القرآني مجرد سرد أدبي"، كما تردد أن خلف الله يزعم بأن القصص القرآني مأخوذة من مصادر توراتية وأسطورية. وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية أو المستترة وراء رفض الرسالة، فكما قال خلف الله نفسه إن أحمد أمين لم يقرأ الرسالة أصلا، وإنه أعطاها لغيره وكتب التقرير دون مراجعة، أما الشايب فقد كانت بينه وبين الخولي خصومة شخصية، فكان ضحيتها تلميذ الخولي.
الثأر من طه حسين
تبدو أزمة خلف الله في صورتها الشكلية أزمة داخلية، وخصومة قديمة بين أطراف المعركة، ولكن في الحقيقة هذه الأزمة كشفت عن حالة غليان في المجتمع المصري، ومحاولة الانتقام من فشل التصدي لمعركة طه حسين التي انتهت بغير النهاية المرغوب فيها من معسكر المحافظين، فوجدوا في أزمة "الفن القصصي في القرآن الكريم"، فرصتهم للثأر من خسارة معركتهم مع طه حسين وبالأحرى معاركهم مع طه حسين والتي بدأت مع رسالته للدكتوراه عام 1914 "ذكرى أبي العلاء"، والتي أخمدها سعد زغلول، ثم معركة "الشعر الجاهلي" والتي أخمدها تقرير وكيل النائب العام "محمد نور بك"، فتحينوا الفرصة لوأد مثل هذه الأفكار التي بدأت تتسرب إلى الأوساط الجامعيّة، فكان من الضروري اغتيال خلف الله، وتحقّق مأربهم مع الأسف بعدول خلف الله عن رسالته، وكتابة أخرى، وهو ما كان له نتائجه السلبية لاحقًا، فالشعور بالانتصار ووأد العقل، جعلهم يتمادون مع نجيب محفوظ، ويقفون له بالمرصاد عندما بدأ نشر رواية "أولاد حارتنا" على صدر جريدة الأهرام، ورغم إصرار هيكل باستكمال نشر الرواية، دون الاعتبار لصيحات المنع والمصادرة، فإنهم نجحوا في منع نشرها داخل مصر في كتاب ردحًا من الزمن، ولم يتم النشر إلا بعدما تمّ الحصول على صك الغفران من الأزهر، ومنح أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية حق كتابة مقدمة لها، ثم زادت حدة الأمر مع فرج فودة ونصر حامد أبو زيد، انتهت بالأول إلى اغتياله، والثاني برفع قضية حسبة عليه، والتفريق بينه وبين زوجته.
خرجت أزمة خلف الله من أروقة الجامعة، وطارت تقارير لجنة المناقشة إلى الصحافة، وهو ما أجّج الأزمة، فعلى الفور أرسل الاتحاد العام للمنظمات الإسلامية رسالة احتجاج إلى الملك فاروق، وفي نفس الوقت أرسلت منها نسخ إلى رئيس الوزراء وشيخ الأزهر ووزير المعارف ومدير الجامعة، يطالب فيها الموقعون بإحالة خلف الله والخولي إلى محاكمة أمام دائرة القضاء المستعجلة لجرائمهما في حق الإسلام والقرآن. قوة الخصم دفعت مدير الجامعة إلى تشكيل لجنة أخرى لتقييم الرسالة، ومع الأسف انتهت اللجنة الجديدة المكوّنة من الأساتذة عبد الوهاب خلاف، وزكي محمد حسن، وعبد المنعم الشرقاوي، إلى تناقض ما جاء في الرسالة مع القرآن، ووافقت على تقرير أحمد أمين والشايب. اضطرت الجامعة بعد قرار اللجنة إلى الاستسلام وأعلنت قرارها المجحف بحق خلف الله برفض رسالته، وتحويله إلى عمل إداري، ومعاقبة المشرف بمنعه من تدريس الدراسات القرآنية، وحرمانه من الإشراف على دراسات تتصل بالقرآن، وكمحاولة أخيرة من العقلاء للانتصار إلى العقل، أرسل وزير المعارف عبد الرازق السنهوري رسالة إلى شيخ الأزهر بكتابة رأيه في الرسالة، وجاء تقريره متسقًا مع تقرير أحمد أمين والشايب، وهو ما عقّد الأمور، وانتهى الأمر بتكليف وزير المعارف السنهوري باشا بتوجيه عميد كلية الآداب لأن يقوم الطالب بكتابة رسالة أخرى.
امتثال خلف الله لقرار العميد بالعدول عن رسالته، وكتابة أخرى، يتماثل مع امتثال طه حسين لتغيير كتابه من "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي" وحذف بعض فصوله على نحو ما أعلن في الطبعة الجديدة عام 1927. في الحقيقة هو انتصار لجماعة الفكر المناهض للعقل، وهو ما يعني أن الأزمة أخذت أبعادًا أخرى، تشير فيما تشير إليه إلى غلبة صوت الجماعة الأصولية، وقدرتها على فرض رأيها.
في أزمة طه حسين انتصرت الثقافة، وانحاز القضاء لصالح حرية البحث العلميّ وحرية الرأي، وهو ما لم يتحقّق فيما بعد كما حدث في أزمة محمد أحمد خلف الله "الفن القصصي في القرآن الكريم"، وصولًا إلى نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" ونصر حامد أبو زيد "مفهوم النص". المعارك الأدبية كان ظهيرها الأساسي الثقافة، أما في الأزمات اللاحقة فقد انتصر أصحاب الأفكار الأحادية، وهو ما يعد لغزًا حقيقيًّا! السؤال الذي يتردد هنا لماذا دافعت الجماعة الثقافية عن طه حسين وقبله مصطفى عبد الرازق، في حين وقفت موقف المتفرج (أو المشاهد) في الوقائع التي حدثت لاحقًا فيما بعد.
اختفاء المعارك الأدبية في الآونة الأخيرة، يكشف عن دلالات خطيرة، ومع الأسف ليست في صالح الثقافة العربية بصفة عامة، ولا في صالح المثقفين بصفة خاصة، على الرغم من توافر البيئة الاجتماعية والتعليمية والثقافية، حيث انتشار المدارس والجامعات، وتعدد وجهات المبتعثين إلى الخارج من أجل العلم والمعرفة، وتوافر المساحات لقيام مثل هذه المساجلات الفكرية والأدبية، كالندوات الكبرى التي تقام على هامش معارض الكتب التي تفتح أبوابها، وتمارس أنشطتها معظم أوقات السنة، أو في توافر المجلات الثقافية والصحف، وإن كانت الأخيرة لم تمارِس دورها المطلوب قياسًا بالدور التنويري والتثقيفي الذي مارسته المطبوعات الثقافية المختلفة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الربع الأخير من القرن العشرين، وهو الأمر الذي يدعو إلى التعجب والتساؤل، عن سبب هذا التراجع وتلك الإخفاقات، ويفتح القوس دون انغلاق لمحاولة بيان أسباب التراجع، على الرغم من التباين الشديد بين الواقع الآن، وما كانت عليه الثقافة في هذا العصر، وليس مجاله الآن.
من الدلالات الخطيرة التي يمكن استنباطها من غياب مثل هذه السجالات والمعارك الأدبية الآن، غياب الحرية قياسًا بما كانت عليه سابقًا، فرغم التعددية التي تبدو للعيان بكثرة الأحزاب، وانتشار الصحف، والانفتاح الإعلامي بعيدًا عن إعلام الدولة، فإن ثمة قيودًا غير معلنة تحول دون حرية التعبير ، والاختلاف في الرأي. واختفاء السجالات الثقافية من صفحات المجلات الثقافية، كان كفيلًا بإعلان موتها المعنوي، حتى ولو بقيت مستمرة في الصدور، بتتابعها الدوري كل شهر.