هناك بعض الأماكن التي نشعر بفضول كبير نحوها. وهذا الفضول تحديدًا هو يدفعنا في الغالب إلى تقصّي سيرتها وإماطة اللثام عن تاريخها والأفكار التي دفعت بمؤسّسيها إلى إنجازها. لا أدري لماذا أشعر بهذا الفضول كلما مررت بمبنى معهد الموسيقى العربية في القاهرة. وعندما بدأت البحث والتفتيش في الأرشيف والوثائق، وجدت أن قصة إقامته تضاهي جمال الهندسة المعمارية والزخرفية التي حظي بها مبناه.
بدأت حكاية هذا الصرح من الاجتماع في بيت صغير لعازف القانون مصطفى بك رضا، وذلك قبل أن تتبدل الأحوال نتيجة أمور عديدة يطول شرحها، فقرر مصطفى رضا وأصدقاؤه الانتقال إلى طابق صغير كانوا في بعض الأحيان يعجزون عن دفع إيجاره، فشرعوا في إشراك صاحب البيت معهم في اجتماعاتهم، لكي يخفض لهم من إيجاره عشرين قرشًا شهريًا.
بذرة الفكرة الأولى
في مقالة رائعة نشرتها مجلة "الدنيا المصورة" بتاريخ الخامس من حزيران/يونيو عام 1929، يستكمل الأستاذ مصطفى بك رضا تفاصيل تلك اللقاءات، فيقول: "واستمر الحال على ذلك إلى سنة 1911، وفي هذه السنة توفيت عمتي وأبطل العزف في المنزل حسب عوائدنا. وانتقلنا إلى منزل الشيخ أبو العلا (يقصد أبو العلا محمد) ولكننا بدأنا نشعر أن مُكثنا عنده فيه تكاليف كثيرة. وبدأنا نفكر في حلٍّ للمشكلة".
وأضاف: "في هذه الأثناء كانت شركة الجرامافون تستأجر حجرة في طابق بعمارة المؤيد لملء الأسطوانات. فاتفقنا مع مديرها المرحوم يوسف العظم على أن نجتمع فيها في وقت فراغها وبعد قليل تركت الشركة الحجرة. وعثرنا نحن على طابق بعمارة حسين أفندي العمري بجوار عمارة المؤيد. فاستأجرناه بمبلغ ثلاثة جنيهات ونصف. ودعونا الغواة الذين كنا نجتمع بهم في منازلنا. ولبى الدعوة 27 شخصًا. وخطب فيهم الأستاذ عبد الخالق أفندي عياد. ووافقوا على الفكرة ودفع كل منهم اشتراكه وقدره عشرون قرشًا. واشترينا بالمبالغ المجموعة أدوات للطابق مثل: كراسي ومصباح غاز وأنفقنا فيها جميعًا 540 قرشًا. والباقي قسطناه على النادي وكان ذلك في يناير (كانون الثاني) سنة 1914 وبعد خمسة شهور بدأ المشتركون ينقطعون".
لقد عُرف هذا النادي في البداية باسم "نادي الموسيقى الشرقي"، وكان يضم بين الأعضاء كوكبة من كبار الأعيان ورجال المجتمع. وقد اهتدوا في النهاية إلى ضرورة إحياء حفلات موسيقية ساهرة لتأمين نفقات هذا النادي. كان ثمن التذكرة حينها ستة قروش صاغ. فنجحت الحفلة الأولى وجمعوا منها مبلغ خمسة جنيهات. ثم كرورها مرة تلو الأخرى، فتوافد عليهم الجمهور أفواجًا ومن بينهم بعض الوزراء والأعيان. وشجعهم هذا النجاح على الانتقال لعمارة حسن بك عيد بشارع البواكي سنة 1916.
وكان أجر الطابق الجديد في البداية ثمانية جنيهات، قبل أن يصل إلى خمسة عشر جنيهًا. وازداد عدد الحفلات مع الوقت حتى طافت شهرة النادي الآفاق. فوصل الأمر إلى الملك فؤاد الأول والذي طلب من سعيد باشا ذي الفقار أن يُحضر الأعضاء لإقامة حفلات سمر للأعيان وكبار الموظفين، وذلك رغبةً في بث روح الموسيقى بين الأفراد.
حجر أساس الصرح
يقول مصطفى رضا: "وأقيمت الحفلة في السراي ونجحت نجاحًا كبيرًا. وكان من نتائجها أن أصبح النادي تحت رعاية صاحب الجلالة الملك ابتداءً من يناير سنة 1918 وفكرنا بعد ذلك أن نطلب من الحكومة قطعة أرض من أراضيها لنقيم عليها بناءً مستقلًا للنادي. وقابلنا المستر أنطوني وعرضنا عليه الأمر، وطلبنا أن نقيم بناءً في حديقة الأزبكية. ولكن وزارة الأشغال رفضت طلبنا الخاص بحديقة الأزبكية. ووقع اختيارها على قطعة أرض مساحتها 2000 متر في شارع الملكة نازلي للنادي وأعطتها لنا مقابل أجر سنوي قدره جنيه لمدة خمسين عامًا وأضيف إليها بعد ذلك 1300 متر لتكون حديقة".
حينها، أمر الملك فؤاد، السيد بروتشي بك مهندس السراي أن يعمل رسميًا للنادي الجديد، فأخرج رسمًا متقنًا للمبنى؛ اشترك معه فيه كل من المسيو باستور وفرج بك أمين ومحمود باشا سامي وتوفيق باشا أفندي. وفكروا جميعًا في إقامة ذلك البناء في نهاية سنة 1923، لكنهم وجدوا أن الأساس وحده يحتاج إلى 2600 جنيه. لكن النادي لم يكن حينها يمتلك شيئًا من هذه الأموال، ففكروا من جديد في إقامة حفلة في دار الأوبرا الملكية. كانت أول حفلة من نوعها ونجحت نجاحًا باهرًا وبلغ إيرادها لخزينة النادي 500 جنيه. ومن جهته قام الملك فؤاد بمنح النادي مبلغ 500 جنيه. فجاءت الخطوة الأولى لوضع أساس النادي بالخرسانة المسلحة.
لقد تردد على هذا النادي العديد من الأسماء التي لعبت دورًا بارزًا في ازدهاره وتوسيع نشاطاته الفنية. وأبرز هؤلاء: مصطفى بك رضا، وعبد الخالق عياد، وحسن مراد الملا، وحسن أنور، ومحمد زكي سري، والشيخ محمد عبد المطلب، ومحمد حامد بك، ومحمد كامل رشدي، ونجيب ماضي، وصفر علي، وتوفيق عمران، ومحمد المرجوشي بك، ومحمود حمدي، وحسن والي بك.
وقد عمل هؤلاء الأعضاء بجد في البدايات حتى بدأت ثقافة النادي الموسيقية تنتشر بين العموم. أما الحفلات التي كان النادي يقيمها بحسب الكتاب التذكاري "معهد الموسيقى العربية" الصادر سنة 1970، فكان يحييها كبار المطربين آنذاك، مثل إبراهيم عثمان، وإبراهيم حسن، وعزيز عثمان، ويشترك بها مصطفى رضا بالعزف على القانون، وحسن الملا بالضرب على العود، ومصطفى ممتاز بالضرب على الكمان، ومصطفى العقاد بالضرب على الإيقاع.
وبحسب "الدنيا المصورة"، فإن سنة 1925 شهدت إنشاء مدرسة موسيقية تحت إشراف وزارة المعارف، وكان مقرها دار النادي مقابل مكافأة سنوية تدفعها له الوزارة. وسرعان ما تم تنفيذ هذا المشروع، وخصصت إدارة النادي قسمًا خاصًا بالطابق العلوي منه لحضور التلاميذ. وكان أول أعدادها في بداية الأمر 80 فردًا من المدارس الابتدائية وأبناء الهواة من أعضاء النادي وكذلك الملاجئ.
إسهامات متواصلة
ومع الوقت، تغير الاسم من نادي الموسيقى الشرقي إلى معهد الموسيقى الشرقية سنة 1929 قبل أن يصبح المعهد الملكي للموسيقى العربية في 1933، وذلك حسبمـا أشار محمود عفيفي مدير المعهد في حوار له مع جريدة "الأهرام" بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2015. وقد لعب هذا المعهد دورًا خطيرًا في نشر الثقافة الموسيقية، حيث أشرف على إصدار المجلة الموسيقية وعهد برئاسة تحريرها إلى د. محمود أحمد الحفني، فصدر عددها الأول عام 1935. وقد دأبت هذه المجلة على نشر الثقافة الموسيقية بين القراء، وكذلك العاملين بالحقل الموسيقي كما أنها أولت اهتمامًا واسعًا بسيَر كبار المطربين والموسيقيين الذين أثروا الحياة الفنية في مصر والعالم العربي.
ولم يتوقف شأن المعهد فيما يتعلق بالثقافة الموسيقية عند هذا الحد، بل نجد أن مؤتمر الموسيقى العربية الأول المنعقد في القاهرة سنة 1932 ارتبط بهذا الصرح. وبحسب برنار الموصلي، فقد انعقد في الفترة من 28 آذار/مارس إلى 3 نيسان/أبريل 1932، بعد أن اجتمعت لجانه من 15 إلى 27 آذار/مارس، وترأسه حينها وزير المعارف محمد حلمي عيسى باشا والذي اشترك فيه كوكبة من كبار الموسيقيين مثل بيلا بارتوك وبول هندميت وآخرين.
كما دُعي إليه علي الدرويش، وسامي أفندي الشوا، وتوفيق الصباغ، ومحمد كامل الخلعي، وصفر بك علي، ومصطفى بك رضا، بالإضافة إلى رؤوف يكتا بك، ومسعود بن جميل بك من تركيا. ناهيك عن أمير الشعراء أحمد شوقي والدكتور محمود الحفني. كما حضره لفيف من الفنانين والجوقات من شتى أنحاء العالم العربي.
ومن جهتها، قامت شركة جرامافون بتسجيل مجموعة من أعمال الفنانين والجوقات أثناء جلسات المؤتمر، حيث تعاون في هذا الأمر كل من روبير لاخمان ومنصور عوض. وصدر كتاب مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة عبر المطبعة الأميرية في طبعته الأولى سنة 1933.
لا أظن أن مقالة واحدة تكفي للحديث عن قصة هذا الصرح الكبير والقصة المثيرة وراء إنشائه منذ البداية. ويكفينا أن هذا المعهد أسهم في إنشاء فرع مدرسي في داره لتعليم الموسيقى العربية والتقليدية وفيه تخرج المطربون والعازفون والملحنون. كما نجح في تشييد مكتبة كبيرة تضم الكثير من الكتب العلمية الموسيقية والتاريخية التي تحيط بالموسيقى العربية وتاريخها. وسعى من البداية إلى شراء المخطوطات النادرة في علم الموسيقى والنغم. وكذلك أنشأ المعهد متحفًا اشتمل على سلسلة كبيرة من الآلات الموسيقية النادرة سواء من دول الشرق أو البلدان العربية وكذلك أجهزة التسجيل الأولى لإيديسون. كما خصص قاعة لحفظ التراث الموسيقي غناءً وعزفًا.
تاريخ مهدد بالنسيان
ربما لا يعرف كثيرون أن هذا المعهد كان مهددًا بالإغلاق الدائم نتيجة لنزاع قام بين وزاتي الثقافة من جهة والتربية والتعليم من جهة أخرى في نهاية سنة 1960، وذلك بحسب ما نشرته مجلة "الكواكب" في عددها الصادر في 27 كانون الأول/ديسمبر 1960 تحت عنوان "مطلوب سبب مقنع لإلغاء معهد الموسيقى". وقد نجحت المجلة في استطلاع آراء بعض الفنانين والفنانات حينها للوقوف على طبيعة هذا الأمر وخطورته. فكان رد فريد الأطرش: "لا يمكن أن يكون هناك سبب معقول لإلغاء هذا المعهد. إنه تراث فني للموسيقى العربية يجب المحافظة عليه. فضلًا عن حاجتنا الشديدة إلى مزيد من المعاهد الموسيقية لخلق وعي موسيقي متطور إلى مزيد. لا إلى إغلاق معهد عمره أكثر من أربعين عامًا. وله نتائجه الناجحة مائة في المائة".
ولم يختلف هذا كثيرًا عن رأي المطربة فايدة كامل والتي قالت بعد دهشة شديدة: "أنا مدينة لمعهد الموسيقى العربية بدراستي للموسيقى الشرقية على أسسها السليمة. وإذا كان المسئولون يبررون إلغاءهم لمعهد الموسيقى العربية بوجود معاهد عليا مستحدثة، فإنني أقول بأن المعاهد العليا لا تدرس الموسيقى العربية مع أنها تراثنا. إنني أطالب بإعادة فتح معهد الموسيقى فقط".
ويتضح من كلام فايدة كامل الإشارة إلى معهد الموسيقى المسرحية الذي كان قائمًا وكذلك المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار). واتضح ذلك من خلال كلام الملحن محمد الموجي الذي قال: "أي مانع في أن يقف معهد الموسيقى العربية مع أشقائه الجدد، المعهد العالي للموسيقى المسرحية، ومعهد الكونسرفاتوار؟ إنني أطالب بعودة معهد الموسيقى العربية وتطويره إلى الأحسن".
واختتم التحقيق الموسيقار أحمد فؤاد حسن عضو هيئة إدارته حينها بالقول: "إن إلغاء معهد الموسيقى العربية يشبه تمامًا قتل مريض الأمل في شفائه 90%. وأنا باعتباري خريج المعهد، وعضو مجلس إدارته، أؤكد أن المعهد لا يمكن تعويضه باعتباره مصنعًا نشيطًا لإنتاج فنانين شرقيين. ولا يمكن تعويض هذه الدار باعتبارها مدرسة نموذجية لتدريس الموسيقى العربية بالذات".
الموسيقار شاهد على عصر
بقي أن نقول إنه في ثمانينيات القرن الماضي طالب نقيب الموسيقيين أحمد فؤاد حسن بتحويل المعهد إلى مركز قومي للموسيقى العربية يتبع مباشرة رئيس المجلس الأعلى للثقافة، لكن محاولاته جميعًا باءت بالفشل. قبل أن تصدر رئاسة الوزراء في التسعينيات قرارًا باعتباره أثرًا يجب الحفاظ عليه وتبعه قرار آخر من وزارة الثقافة المصرية بضمه للهيئة العامة للمركز الثقافي القومي (دار الأوبرا). فقد نشر الكاتب الصحفي محمد رمضان تحقيقًا بمجلة "المصوّر" بتاريخ 14 تموز/يوليو 2002، جاء فيه أن المعهد خضع لأعمال ترميم بلغت قيمتها ستة ملايين جنيه.
وقد تم بناء مبنى إداري يضم مخازن ومكاتب وأربع قاعات تدريب بالإضافة إلى أربع غرف للفنانين لم تكن موجودة من قبل وغرفة للمكياج وغرفتين لتبديل الملابس. ناهيك عن إنشاء متحف خاص بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب على مساحة 350 مترًا مربعًا. واليوم كلما مر أحد من شارع رمسيس في وسط القاهرة، يطالعه تمثال عبد الوهاب في حديقة المعهد كشاهدٍ على عصور الطرب والفنون ومرآة لتاريخ هذا المكان العريق.












