يختصر كثير من الطرابلسيين مطالبهم من الدولة اللبنانية في "ميماتٍ" ثلاث: المعرض والمصفاة والمرفأ. وقد يضيف البعض مطارًا في القليعات شمال المدينة إلى لائحة المطالب المعطّلة. لكن اللوم المستمر يتركز أساسًا على عدم تشغيل المصفاة التي كانت تنقل نفط العراق إلى أوروبا (حتى امتنع ذلك إثر خلافات فرعي حزب البعث الحاكمين في العراق وسوريا)، وعلى عدم حصر المعارض الدولية بمعرض طرابلس المعروف بـ"معرض رشيد كرامي الدولي"، وعدم تطوير مرفأ طرابلس رغم كونه، بحسب الطرابلسيين، أفضل موقعًا وإمكاناتٍ من مرفأ بيروت.
هذه ثلاث علاماتٍ على العلاقة بين الدولة اللبنانية وبين أهل المدينة الثانية في لبنان (أو المدينة الحقة فيه إذا ما أخذنا برأي احد شعراء الجنوب الذي يرى في بيروت "عنقود الضِّيَع"، تجمع قرى لا مدينة حقيقية بعمق تاريخي واجتماعي متواصل!)، أو للدقة علاماتٌ على تصور أهل المدينة للحرمان الذي فرضته الدولة عليها مانعةً إياها من استثمار مقدّراتها. غير أن الحقيقة ربما كانت أقل حسمًا في ذلك وأكثر دلالة على ارتباك الدولة في التعامل مع المدينة بالتوازي مع ارتباك طرابلس نفسها إزاء لبنانيتها، ويتضح ذلك بجلاء في تتبع قصة المعرض نفسه.
يذكر الأهلون أن أرض المعرض التي اشترتها الدولة أوائل الستينيات من القرن الماضي كانت، أو كان معظمها لآل كرامي، وأنها ما تسبب في منح العائلة التي كانت ذات صدارة ووجاهة نصيبًا من المال لم يكن لها من قبل. ويرتبط إنشاء المعرض عمليًّا بعهد فؤاد شهاب ومحاولاته لتحديث مؤسسات لبنان، وبمحاولات توسيع شبكات اهتمام الدولة بالمناطق بما يتجاوز عمليًّا محور "بيروت ـ جونيه" و"بيروت ـ طريق الشام" الذي انحصرت فيه طويلًا (أذكر مثلًا شكوى الكاتب الساخر العظيم مارون عبود من الحرمان المزمن الذي طال قرى بلاد جبيل ومنها قريته عين كفاع). فأنشئ المعرض قانونًا بمرسوم سنة 1960، وبعد ذلك بقليل أنجز البرازيلي أوسكار نيماير تصميماته المدهشة الأشكال آنذاك بالمقارنة مع الطابع التقليدي لمباني المدينة، قبل أن يبدأ تنفيذ المعرض في 1967، أي تقريبًا بالتزامن مع حرب حزيران/يونيو، وتوقفت أعماله مع مطلع الحرب الأهلية. ولعل التاريخين دالان في حد ذاتهما. فهزيمة 67 نتج عنها بالطبع انتقال الثقل من الجيوش الرسمية إلى الفدائيين الفلسطينيين، وما لبث أن تمخض عنها اتفاق القاهرة سنة 1969، أي مع نهاية عهد خليفة فؤاد شهاب، شارل حلو. وهذا الاتفاق نقل العمل الفدائي إلى الحدود اللبنانية معطيًا إشارات البداية لتفلُّت التسلح في لبنان من يد الدولة وانهيار "الشهابية" التي حاولت عزل لبنان وتحييده عن صراعات المنطقة بالاتفاق مع عبد الناصر.
لا شك أن اختيار نيماير نفسه، وهو المشهور بتصميماته للعاصمة البرازيلية المستحدثة، يعكس رغبة في إضفاء طابع حداثي على مدينة اشتهرت لبنانيًّا بمحافظتها وتقليديتها (كسائر المدن الثانية في معظم البلدان بالمقارنة مع العواصم، مثل حلب في مواجهة دمشق، مثلًا، حيث غالبًا ما تتركز محاولات التجديد الأولى في عاصمة غنية برأس المال وبالجاليات الأجنبية والعلاقات الدبلوماسية).
ورسم المعرض آنذاك حدود المدينة من ناحية الجنوب الغربي، وظل لفترة طويلة غير محاط إلا ببساتينها ثم بالمنطقة المرفهة الأغنى فيها (طريق المعرض كما عرفت لأنها بنيت إثرَه مطلة عليه). غير أن الناظر الآن إلى خريطة "البلد" على ما يقول الطرابلسيون عن مدينتهم، سيلاحظ توسع المدينة جنوبي المعرض وبزوغ منطقة مرفهة أحدث وأغنى (تعرف بـ"الضم والفرز" لما حصل فيها من ضم لقطع أرض صغيرة وفرزٍ للكبيرة، في عملية ضخمة لتسييل ملكية الأراضي الزراعية آنذاك في عملية مضاربة عقارية هائلة إبان الفورة بعد انتهاء الحرب وابتداء عهد الحريري الأب).
تبتلع المدينة معرضها، مثلما سبق لها أن ابتلعت مقابر باب الرمل. وقد كانت تلك المقابر بشواهدها الرتيبة اللون، المزينة بآي القرآن، حدّ المدينة زمنًا طويلًا. بل كان قربَها تلال من الرمال الحمراء، كانت الأسطورة المحلية تقول إنها يومًا ما ستتناثر مغطية المدينة في ريح صرصر عاتية تعلن زمن نهايتها.
مثل المقابر يصير المعرض شاهدًا على ما ليس هنا، أو ربما لم يكن، منطقة منسية داخل بطن المدينة، نقطة عمياء لا تُرى، فجوة زمنية نطل منها على عصر آخر متناهٍ في البعد.
محاولات التحديث.. وشعور الغبن
حاولت الدولة إذن أن تمد جسرًا من الحداثة نحو مدينتها الثانية، المتميزة منذ إنشاء دولة لبنان الكبير برفض الانتماء إليه، لأسباب تستحق أن نفهمها. فطرابلس كانت عاصمة ولاية عثمانية تمتد بشكل كبير إلى داخل ما نسميه اليوم سوريا، وامتداداتها العائلية والتجارية والطائفية تجعلها أقرب بكثير إلى حمص وحماه وحتى إلى حلب منها إلى المتن وكسروان، والقلب الجبلي لمتصرفية جبل لبنان التي سيسعى الفرنسيون إلى توسيعها بإنشاء دولة لبنان الكبير لحماية موارنة الجبل من هواجس المجاعة. وإنشاء لبنان الكبير هذا كان يعني، عدا قطع العلاقات بين طرابلس وامتداد مصالحها في سوريا، إخضاعًا لمدينة سُنية الطابع لدولة أنشأها الفرنسيون للموارنة في نفس لحظة إنشاء الدولة العلوية ودولة جبل الدروز ودولتي الشام وحلب السنيتين. وهي الدول الأربع التي سينشأ من رفض الجماعات السورية لها، عبر ثورتهم الكبرى سنة 1925، ما سيعرف بالدولة السورية الحديثة. هكذا بادرت طرابلس أصلًا إلى الاعتراض على إنشاء لبنان وعلى ضمها إليه حتى فرض الجيش الفرنسي ذلك عليها بالعنف. ورغم انخراط بعض نخب المدينة، لا سيما من رجال الدين، لاحقًا في المجتمع السياسي اللبناني (بداية بالشيخ محمد الجسر وانتقالًا إلى المفتي عبد الحميد كرامي ثم ابنه رشيد المسمى المعرض على اسمه بعد اغتياله) إلا أن الدولة العميقة قابلت موقف المدينة برفضٍ مماثل. ولعل مشروع المعرض كان عرض مصالحة من نوعٍ ما.
بعد الحرب، ازداد الموقف فصامًا، فأقرت الدولة "حَصْرية" المعارض الدولية بمعرض طرابلس، سنة 1995، إلا أنها في الوقت عينه حرمته تلك الحصرية إن لم ينظم سنويًّا معرضًا دوليًّا واحدًا على الأقل. وفي حين جرى تنظيم معرض أو اثنين كبيرين منذ ثلاثين عامًا لليوم، فقد توالت المعارض الدولية في نفس الفترة في بيروت، مضاعِفَةً شعور الغبن الطرابلسي.
ويبدو من عدم الاهتمام بتطوير مرفأ المدينة، بعد تدمير الانفجار لمرفأ بيروت، أن شعور الغبن هذا مرجح للاستمرار والتعمق. ولا يبدو من سبب لعدم تطوير المرفأ سوى كون طرابلس، بخلاف بيروت، أبعد عن أيدي الأطراف المتعددة في لبنان، إذ يصعب في مدينة يغلب عليها لون طائفي واحد بدرجة كبيرة أن تتحاصص الطوائف المتناحرة أرصفة مرفئها وتستخدمه ممراً لأسلحتها ومتفجراتها ومهرباتها.
لا أذكر أنني دخلت هذا المعرض يومًا. ولست أعرف أيًّا من أصحابي، أو من جيل أهلي ممن دخله. ظل هنالك، طللًا ربما، حتى غادرت المدينة عندما بلغت الخامسة والعشرين مسافرًا إلى باريس. لم ألحق حتى معرض الكتاب الذي نقلوه إليه، ولا أذكر أي معرض هامٍّ أقيم فيه.
بالمقابل، ما ترسخ في ذاكرتي مشاهد عابرة: ربما صُور في الفيسبوك لحفلات كورال قرب مسرح ينعكس على لوحة مياهٍ، وصور في الذاكرة أو في الحلم لمبانٍ غريبة الشكل نراها بينما نقود السيارة بسرعة ملتفين حول المعرض للوصول إلى الميناء أو إلى أوتوستراد بيروت.
ربما قديمًا، حين كانت بساتين الحمضيات ما تزال منتشرة حول المعرض، مانحةً المدينة عطرًا استحقت به نعت "الفيحاء"، أذكر بعض المتريضين صباحًا يركضون حول المعرض، وقد كنت مرات نادرة معهم. وأذكر حوادث وفيات قليلة حين تنقض سيارة شاردة على أجساد هؤلاء، مخلفة حزنًا وأسئلة وقصصًا لا تندمل جراحها.
بالفعل، كان مرآب المعرض، لا المعرض نفسه، مساحة حيوية في المدينة! ففيه تعلم معظمنا مبادئ قيادة السيارات، وفي مستطيلاته الفارغة كانت امتحانات رخصة القيادة، في أبسط صورها، بل في صورة اقتراحات ممثلي الدولة، بكل براءة واعتياد، على الشباب أن يعودوا إلى بيوتهم دون امتحانات ليجدوا، بمقابل أو حتى دون مقابل إذا كانت العلاقة وطيدة، رخص القيادة في أيدي الآباء!
وراء الأسوار، كان المعرض آثارًا تُطل علينا، نحن المتريضين، طلاب السواقة، ممثلي الدولة بوجوههم المعتادة على ذل الرشوة، الأصحاب الذين يهربون ليلًا مع صديقاتهم إلى مساحة مظلمة، مسعفي الصليب الأحمر المسرعين إلى حادث سير. ولم نكن نلقي بالًا لرسمٍ درس، ولم يستوقفنا أحد للبكاء عليه.
في تشرين الأول 2019، قبل الكوفيد والانهيار الاقتصادي، وفي لحظة من الأمل غير المسبوق، اجتمع عشرات الآلاف وربما أكثر. كنسوا الطريق، زينوا المباني التي تُركت غير مكتملة من زمنٍ بعثيّ سحيق، حين عاشت المدينة محكومة باحتلال الجيش السوري لها عشرين عامًا، وسطوة مخابراته. غنوا ورقصوا وابتهجوا، ووضعوا شرعةً للمتظاهرين، وأنتجوا مونولوجات ساخرة من السياسيين بلهجة غارقة في محليتها. فرح اللبنانيين بطرابلس فاق المتوقع، بعد أن كانت تُصوّر تكرارًا "قندهار" لبنان التي لا يرد عنها سوى ذكر الاشتباكات المتكررة بين باب التبانة (السنة) وبعل محسن (العلويين) على خلفية الثورة السورية ضد نظام الأسد.
حين بدأت "الثورة" في لبنان، مكررة مشاهد انتفاضات سابقة (14 آذار/مارس، طلعت ريحتكم) بفولكلور الأغاني والأعلام والبهجة العامة والأناقة في الملبس والكلام، انضمت طرابلس إليها بوضوح وقتما بدا أن مناطق أخرى، لا سيما بيروت، ترزح تحت وطأة التهديد بتكرار أيام أيار "المجيدة" فيها.
أعلنت طرابلس انتماءها للوطن، وأعلنها الآخرون عروس الثورة وعاصمتها. كان مفارَقةً إعلان الانتماء إلى البلد، بعد قرن كامل على إنشائه، وفي لحظة احتضاره، في لحظة اختفاء ما كان تبقى من ذلك اللبنان، وانفتاح المجال على مجهول ما نزال حتى الآن بلا بصيص أملٍ في التعرف على ملامح مستقبله.
لكن حتى في تلك اللحظة، في حرارة الانتماء إلى الوطن، ظل المعرض غريبًا، فقد كانت الساحة القديمة متعددةُ الأسماء (التمثال، النور، الله)، مسرح الاحتجاج والتجمع. أما المعرض فظل خاويًا مهجورًا مهددًا، معرضًا للخطر كما تقول اليونسكو "نظرًا لحالة صونه المثيرة للقلق ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته والمخاطر الكامنة في مقترحات تطوير المجمَّع التي قد تضر بسلامته" (2023).
بين العاصمة والمدينة العريقة
أقِر مشروع معرض طرابلس في زمن فؤاد شهاب. وكان هذا الأخير راعيًا لعملية تحديث ومأسسة ضخمة في لبنان (إنشاء مصرف لبنان، ومجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي، والضمان الاجتماعي وغير ذلك). ويبدو أنه كان واعيًا تحديدًا لأهمية ربط طرابلس بالدولة اللبنانية الناشئة آنذاك، فتذكر منى فياض (موقع الحرة، 4 آب 2019) أنه لم يقم بزيارات لمناسبات أو افتتاح مؤسسات طيلة عهده، كي لا يُتهم بالمحاباة أو نسيان المناطق الأخرى على ما يقال. وتورد فياض أن شهابًا لم يستثنِ من ذلك إلا مناسبتين، واحدة إلى الجنوب عند وفاة رئيس أسبق لمجلس النواب، وواحدة إلى طرابلس لإزاحة الستار عن تمثال عبد الحميد كرامي (الذي حلت محله كلمة "الله" في عهد إمارة التوحيد في ثمانينات القرن الماضي). وتذكر فياض أن ذلك كان ليقول لأهل طرابلس الشام "ها أنتم عدتم لبنانيين" (وقد لا يكون هذا قوله بالضبط بل تأويلها، في إشارة إلى الميني ـ حرب سنة 1958 ونزعات الطرابلسيين الوحدوية مع مصر عبد الناصر) وليطلب أن يوليَ التمثال وجهه شطر بيروت، عاصمة الدولة.
تاليًا، لا يمكن فصل هذين الملمحين: كان المعرض إحدى "المؤسسات" التي يبنيها عهد فؤاد شهاب في الدولة الحديثة، وكان أيضًا كوجه تمثال عبد الحميد كرامي (والد رشيد كرامي الذي سيحمل المعرض اسمه لاحقًا) إشارة تفترض إقامة رابط بين طرابلس وبين عاصمة هذه الدولة.
هذا الرابط الذي لم يستقم آخر الأمر بإعلانٍ طرابلسي ناجز بالانتماء إلى لبنان إلا في 2019. أما قبل ذلك فملحوظ جدًّا اختلاف تجربة طرابلس عن بيروت قبل الحرب (يذكر توفيق سلطان، في صحيفة الأنباء 9 شباط 2024، انتفاض الرئيس كميل شمعون، في خمسينيات القرن الماضي، وغضبه ضد تطوير مرفأ طرابلس لصالح استمرار تطوير مرفأ بيروت حصريًّا)، وبعد الحرب (حيث تركزت جهود إعادة الإعمار، طوعًا أو منعًا للحريري الأب من توسيع نفوذه على ما يقول البعض، على العاصمة ووسطها التجاري)، وأثناءها (لم تعرف طرابلس حالات الميليشيات المتناحرة في شوارع المدينة إلا قليلًاً، ولم تعرف الانقسام، لكنها بالمقابل وقعت تحت سيطرة دينية إسلاموية قبل أن يتسلمها الاحتلال السوري مبكرًا نسبيًّا، بالمقارنة مع بيروت لا سيما الشرقية).
ربما كان اختلاف التجربة هذا بين العاصمة والمدينة العريقة، ثم الحرب ورسوخ المحاصصات الطائفية، من الأسباب المؤثرة في عدم استكمال مسار الربط بين طرابلس والدولة وهو مسار كان لا بد أن يتم من زاوية "التحديث"، في ظل أسطورة مؤسسة للدولة اللبنانية أصلًا باعتبارها جسرًا بين الحداثة الأوروبية والداخل العربي.
لكن تحديث طرابلس في الواقع أقدم من الدولة اللبنانية نفسها. فمنذ أيام السلطان عبد الحميد الثاني، بدأ العثمانيون في محاولات تطوير المدينة الأبهى على الساحل الشرقي للمتوسط كما وصفها بعض الرحالة. فانتصبت ساعة التل مثالًا على علاقة جديدة بالوقت، في حين شق عزمي بك طريقًا سيحمل اسمه يربط طرابلس بمينائها ويصبح سوقًا تجارية هامة تختلف لأول مرة عن منطق الأسواق الداخلية في الحواضر الإسلامية والمشرقية. بل لعل المبادرة المملوكية ببناء طرابلس بعد استعادتها من الصليبيين بلا أسوار دفاعية كانت في ذاتها إرهاصًا بعلاقة جديدة وتفكير حديث في شؤون العسكر والهندسة الدفاعية، في حين بقيت بيروت مثلًا خلف أسوارها حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وفي أيام الانتداب الفرنسي وبعده أيضًا، تلاقت محاولات فردية ورأسمالية من أهل المدينة مع مساحة التحديث التي تطل عليهم، ولا تزال بعض المباني شبه المهدمة على المدخل الشمالي للمدينة تدل على مصانع ومعامل ومخازن أنشئت لصناعة البسكويت والمشروبات الغازية وغير ذلك مما لم يكن للمدينة من عهدٍ به. وافتتحت سينمات ومسارح غنت فيها أم كلثوم أول الثلاثينيات، دليلًا آخر يضاف إلى عمق العلاقات التي ربطت طرابلس بمصر منذ العهد العثماني. وقد تعددت هذه العلاقات حتى في المجال الفني حيث ساهم إبراهيم الأحدب (ت. 1891) في كتابة نصوص لمسرحيات الدمشقي أبي خليل القباني التي عرضت في القاهرة، وغنى الشيخ علي محمود من كلمات الشيخ محمود بن عبد الله الشهال الطرابلسي (ت. 1907)، وانطلق عبد السلام النابلسي (طرابلس 1899 ـ بيروت 1968) في مجال السينما المصرية آنذاك، ولحقه أيضًا محمد جمال (طرابلس 1934 ـ لوس أنجلس 2023) ثم وليد توفيق (طرابلس، 1954). فعلى الرغم من شكوى الحرمان تجاه الدولة اللبنانية، فقد كانت المدينة في حال تغير دائم، من جهة أوضاع النساء وتعليمهن، ومن جهة دخول مجالات جديدة للتسلية والاستهلاك، فضلًا عن زيادة حجم الهجرات لا سيما إلى الدول العربية.
اندمج التحديث العثماني في نسيج المدينة بسرعة، وسمح لها بالخروج من الأسواق والتوسع والاتصال بأسكلة الميناء واعتماد أساليب جديدة في الهندسة والبناء والتجارة. في حين لم تنجز الدولة اللبنانية كثيرًا في هذه المدينة، ولم يبدُ أن طرابلس قد تقبلت هذا الفتات، فظل المعرض خاويًا وظل ملعب كرة القدم "الأولمبي" الجديد بعيدًا عنها على حد سِيف البحر، بعدما بُني في حقبة الحريري الأب ليستضيف مباريات كأس آسيا 2000، ويحل محل الملعب "البلدي" كمان كان يعرف، ذلك الذي كان ملاصقُا لأحياء المدينة القديمة، شمال طريق المئتين وبمحاذاة الزاهرية (الظاهرية) والبساتين الشمالية على حدود النهر. وليس من السهل تعليل أسباب ذلك.
قد يكون من الاستسهال تحميل الطائفية كامل المسؤولية، فجزء منها بالطبع يعود إلى رغبات أهل طرابلس طيلة نحو قرن بالانتماء إلى آفاق أخرى أبعد من لبنان، وابتعادهم أصلًا عن اغتنام الفرص القليلة التي سنحت لهم مفضلين الشكوى من الغبن المستمر. لكن ذلك لا يعفي الطائفية بالطبع.
فمن المرجح برأيي أن طرابلس ستكون باستمرار عاصمة السنة المحرومة في دولة المحاصصة الطائفية، لأن الغنيمة الكبرى التي يمكن للطوائف أن تتشاركها هي مساحات التقائها، أي المساحات البيروتية أساسًا حيث يمكن اقتسام المدينة ومقدراتها وأرصفة مرفئها وأجنحة مطارها بل وشوارعها المدمرة حتى بين الطوائف كلها. وما ينطبق على طرابلس ينطبق على كل المناطق التي ستظل محرومة، وإن توهمت العكس مستندة إلى قوة عابرة، ما دامت الدولة مبنية على محاصصة، أو مناهبة (تبادل النهب، بحسب اصطلاح أستاذنا أحمد بيضون) ترتكز على معيار الطائفية ولا ترمي إلا نثار مشاريع على الوجه القبيح للحرمان والازدراء.
كنا نقف وراء أسوار المعرض، ولم يدعنا أحد للبكاء.
كان الشعراء يبكون على الأطلال، لأن من بها رحلوا، لكنْ من يبكي طللا لم يكن به أحد؟
في المعرض، يلوح لي قوس معلق فوق لا شيء، أو ربما كان جسرًا مُدّ ذات يوم إلى المدينة، وغابت اليد التي مدته.
ما عاد الجسر يؤدي إلى ضفة أخرى، لكن ترميمه والحفاظ عليه، ربما هو وعد بضفة لم تخلق بعد.
لكنها هذه المرة، إن وجدت بمعجزة، لن تخلف الوعود وسيظل القوس، مثل قوس قزح، شاهدًا على الوعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- نشر بالإنجليزية ضمن مقالات كتاب Beyod ruins : Reimagining modernism الصادر عن Architangle بدعم من جائزة الأغا خان للعمارة وبإشراف رأفت مجذوب ونيقولا فياض، برلين 2024.