ultracheck
تاريخ الهدم في القاهرة

مدينة لا تهدأ: كيف أعاد الهدم تشكيل صورة القاهرة؟

12 ديسمبر 2024

مع دخولنا عصر الصورة مثّلت مُدنُنا القديمة واحدةً من أكبر ذخائرنا الصوَرية التي شكّلت تصوراتنا البصرية للماضي، وجعلتها بدرجة كبيرة موافقةً لصورة أحيائها العتيقة في ذاكرتنا البصرية الحاضرة، لتثَبّتَ صورةً واحدة للماضي نستدعيها إذا ألحّ علينا تخيّلهُ.

فقد تفتّحت أعيننا - نحن أبناء القاهرة - على مدينة تاريخية حافلة بالآثار والمعالم، مُشبِعةٍ لفضول البصر وشغفِه، بما يكفي لتصوُّر القاهرة العتيقة في كل عصورها على الصورة التي أدركناها ورأيناها.

إنك إذ تمشي في دروب وأزقةٍ تحتفظ بمعظم تخطيطها القديم، وتحاصرك آثارها من أربع جهاتك، لن تكون بحاجة إلى تخيّل المزيد لتكوين صورة للمكان ذاته قبل ثلاثة قرون أو ستة أو تسعة، إذ يكفيك ما يكتنفك من مساجد ومدارس وحمامات ووكالات وبيوت عتيقة ودروب حميمية الضِّيق، لتقول: هكذا كانت زمن العثمانيين والمماليك، وهكذا كانت صورة الأرض والحياة. 

ولئن شئنا تصوير فيلم تاريخي، فلن نجد ديكورًا أكمل وأتمّ من حارة عتيقة ارتجل التاريخ نظامها فأبدعه، كل ما علينا أن نبدل ثياب الناس ونزيل اللافتات الحديثة والمصابيح الكهربائية لتعود كهيئتها يوم خرج منها صلاح الدين إلى حطين، أو يوم خرج منها الغوري إلى مرج دابق.

لكن القراءة في تاريخ المدينة وفي كتب الخطط والآثار تنقذنا من سذاجة هذا التصور، إذ تطلعنا على أعمار الآثار وعلى أخبار ما كان قائمًا في مواقعها قبل بنائها، كما تُعرّفُنا بالطُّرز الفنية التي اختصّ بها كل عصر عما سبقه وتلاه، وتسرد علينا ما تعرضت له المدينة من هدم وإحلال وتبديل بفعل الزمن ويد الإنسان، لتكشف لنا عن صورة متحركة تتبدل تفاصيلها كل حين، إلى أن تستقر على الهيئة التي يُمكن أيًا منا اليوم أن ينزل من بيته ليُصوّرها بهاتفه.

كان لا بد للوعي بحركيّة هذا المشهد أن يتقاطع مع ما تتعرض له مناطق القاهرة القديمة من عمليات تطوير معاصرة يشتمل بعضها على إزالة وإحلال، ما سيُنتج عند اكتمالها صورة جديدة لبعض المناطق مختلفة عن تلك التي رأيناها وعشناها - نحن مواليد أواخر القرن العشرين - وظللنا حينًا نتخيلها صورة ثابتة لعدة قرون. فيما ستأتي أجيال قادمة لن تراها ولن تعرفها، ولن يخطر على بالها أنها كانت موجودة إلا إذا جذبها حب المدينة، فتتبعت أخبارها وقرأت حكايات عشاقها وشاهدت ما صوروه من معالمها.

نحاول هنا الغوص في التاريخ للوقوف على أهم المحطات التي تعرّضت فيها مناطق القاهرة القديمة للهدم أو الإحلال في سبيل التطوير والتحديث، أو في سبيل بناء منشآت ومناطق جديدة بحسب الأهداف التي كانت واضحة في أذهان الأقدمين، وهذا الغرض سيجعلنا نتجاوز سريعًا الهدم الذي سببته موجات خراب قدَرية نتجت عن نوازل كبرى، كالشدة المستنصرية (457-464هـ/ 1065-1072م) التي أدّت إلى خراب أجزاء واسعة من الفسطاط والقاهرة الفاطمية بموت أهلها في المجاعة، وحين أراد الوزير بدر الجمالي تعمير القاهرة هدم بيوت الفسطاط الخربة للبناء بأنقاضها. 

كما سنتجاوز الهدم الذي وقع بفعل التخريب المتعمد، كذلك الذي فعله القائد العباسي محمد بن سليمان الكاتب بمدينة القطائع حين أسقط دولة الطولونيين (292هـ/905م)، أو ذلك الذي مارسته الحملة الفرنسية (1798-1801م) بحق عدد كبير من منشآت القاهرة وآثارها لتأمين تحصيناتها الحربية، لنكتفي بأهم محطات الهدم من أجل التبديل والتعمير، التي صنعت الصورة الأخيرة للقاهرة التاريخية التي تلقيناها في العصر الحديث.

 

تشكُّلات القاهرة في طموحات الأقدمين

تنفرد القاهرة بين المدن التاريخية العربية بأنها تكونت من أربع مدن قديمة متجاورة تتابعَت وتنازعَت الازدهار لتتوسع أخيرًا على الصورة التي عرفناها، أولاها الفسطاط التي أسسها عمرو بن العاص سنة (21هـ/642م)، ثم العسكر التي أسسها أبو عون عبد الملك بن يزيد عام (133هـ/751م)، ثم القطائع التي أسسها أحمد بن طولون عام (256هـ/870م)، وشكّلت ثلاثتها ما كان يُعرف قديمًا بـ(مدينة مصر)، ثم القاهرة الفاطمية التي أسسها جوهر الصَّقْلَبي سنة (358هـ/969م)، وفرضت اسمها وسيادتها على الجميع.

نشأت العسكر امتدادًا للفسطاط، أما القطائع فأنشأها ابن طولون ضاحية حُكم لسكناه وسُكنى رجاله ونُخبته على أطراف العسكر فتداخلت معها. ولما كان من طموحاته إنشاء قصر وميدان فسيحين استهلكا جزءًا كبيرًا من المساحة المتاحة، فقد هدم ابن طولون قسمًا من العسكر ليُعيد تخطيطه وبناءه ضمن مدينته الجديدة، وقد وثقت لنا كتب الخطط المساحة التي هدمها ابن طولون ليُدخلها في قطائعه، فيذكر القضاعي (ت454هـ/1062م) عن ابن طولون أنه: "هدم قبور اليهود والنصارى التي هناك، وهدم إلى قبر مزاحم بن خاقان، إلى سوق الحيوان عند درب الكند وإلى تجاه قيسارية بدر الخفيفي المعروفة بدار الإمارة إلى حمّام عرق إلى سقاية مؤنس والمسجد المعروف بالنقنق". وهذه المناطق تقع من القاهرة المعاصرة بين سور مجرى العيون جنوبًا ومحيط مسجد السيدة نفيسة شمالًا وجامع ابن طولون غربًا.

ما فعله ابن طولون ووثقته المصادر بحدوده الكاملة فعله حُكام لاحقون، ولأسباب سياسية وعمرانية مختلفة. لكن أخبار ما هدموه وردتنا متناثرةً، كصلاح الدين الأيوبي الذي نفذ عام (572هـ/1176م) مشروعًا طموحًا لتحصين القاهرة والفسطاط بسور واحد وبناء قلعة في وسطه تُطل عليهما، فهدم في سبيل ذلك كثيرًا من القبور والمساجد التي كانت في مسار السور والقلعة، فضلًا عن هدمه لعدد من الأهرام الصغار ببَرّية الجيزة لجلب الحجارة منها، وكان في موضع القلعة فوق الهضبة المتقدمة من المقطم عدة مساجد فاطمية كمسجد سعد الدولة ومسجد معز الدولة ومسجد قُسطة ومسجد شقيق المُلك ومسجد القاضي النبيه، فهُدم بعضها مع بناء القلعة ودخل البعض الآخر في البناء ثم هُدم في القرون اللاحقة مع ازدحام القلعة بالأبنية الملوكية والعسكرية.

ولغرضٍ سياسي، مارس صلاح الدين نوعًا ناعمًا من الهدم بحق القصرين الفاطميين اللذين مثّلا رمز الحُكم والسيادة الفاطمية، وتجلت فيهما عظمة الدولة الملوكية بما حويا من عمارة وفنون، وإليهما نُسبت الساحة الشهيرة (بين القصرين)، فأخرج منهما ذرية الفاطميين وقسّمهما مساكنَ لأمرائه، وجعل في مواضع منهما مؤسسات خدمية كالمدرسة والبيمارستان (المستشفى)، وخلال العقود اللاحقة تصرّف معظم الأمراء في أملاكهم ما نتج عنه بناء منشآت جديدة في مواضع مختلفة من القصرين، وتتابعت التعديلات عليهما، فكان مما حُفظ تاريخه من القصر الغربي أن قاعة ست الملك بنت الخليفة العزيز بالله آلت بعد زوال حكم الفاطميين إلى الأمير فخر الدين جهاركس والأمير موسك، ثم سكنها قطب الدين أحمد بن الملك العادل الأيوبي فعُرفت بالدار القُطبية، وبقيت في يد ورثته حتى انتزعها منهم المنصور قلاوون (679-690هـ/1280-1291م) وبنى في موضعها بيمارستانه ومدرسته الشهيرة، التي تُمثل اليوم أعظم معالم بين القصرين.

مدرسة المنصور قلاوون التي أنشئت مكان القصر الفاطمي الغربي
مدرسة المنصور قلاوون التي أنشئت مكان القصر الفاطمي الغربي (Getty/ ميغازين)

المماليك أيضًا مارسوا الشيء نفسه تجاه معالم الأيوبيين، إذ هدم أول ملوكهم المعز أيبك (648-655هـ/1250-1257م) قلعة الروضة التي أنشأها الصالح نجم الدين أيوب آخر سلاطين الأيوبيين قبل بضع سنوات، وكره بقاءها بما تدل عليه من سلطان الأيوبيين وسيادتهم، واستعمل أنقاضها في بناء مدرسته المعروفة بـ"المعزية"، التي بناها على ساحل الفسطاط في مواجهة موضع القلعة.

وقد شهد عصر المماليك أكبر نهضة عمرانية في تاريخ القاهرة القديمة، بالتوازي مع خراب الفسطاط الذي وقع بتتابع المجاعات وانتقال الناس عنها إلى القاهرة، وكلا الأمرين فرض على المدينتين كثيرًا من التعديلات وعرّض كثيرًا من منشآتهما للهدم في سبيل البناء. وكان جامع السلطان المؤيد شيخ (815-824هـ/1412-1421م) واحدًا من أكبر الجوامع وأعظم الأوابد التي أنشأها المماليك في القاهرة وشكلت هويتها البصرية إلى اليوم، خاصةً مع منارتيه الرشيقتين اللتين أقامهما فوق برجيْ باب زويلة المجاور.

لكنّ جامع المؤيد يحوي في أرضه وحجارته قصص كثير من المنشآت المهدومة من أجل توفير مساحته ومادة بنائه، إذ كان في موضعه سجن من أشنع سجون القاهرة يُعرف بـ"خزانة شمائل" حُبس فيه المؤيد قبل سلطنته، فنذر إن تيسر له ملك مصر أن يبني هذه البقعة مسجدًا، فلما آلت إليه السلطنة هدم السجن، لكنّ أرضه لم توفر له المساحة الشاسعة التي يريدها، فهدم دربًا إلى جواره كان يُسمى (درب الصُّفيرة) بما كان فيه من الدور، فضلًا عن قيسارية سنقر الأشقر وقيسارية بهاء الدين أرسلان، وكانتا من القياسر التجارية المهمة في القاهرة، فلما رضي عن المساحة شرع في بناء جامعه الفخم.

وهنا جاءت مرحلة ثانية من الهدم لجلب مادة البناء، ووقع الهدم هذه المرة في الفسطاط والقرافة الكبرى، اللتين كانتا قد دخلتا طور الخراب، فأقنعت السلطانَ حاشيتُه بهدم المساجد والمدارس التي في الخراب لا يستفيد بها أحد، لإدخال أنقاضها في مسجده الذي يبنيه بقلب العمران، فهدم المدرسة الصاحبية البهائية التي كانت آخر مَعلم باق بزقاق القناديل أشهر أزقة الفسطاط، وبات الزقاق بعدها كيمان تراب لا يُستطاع تحديد موضعه، كما هدم مسجد الأقدام الذي كان من أقدس مساجد القرافة وأكثرها زيارة، وهدم مساجد أخرى وجلب الرخام والأعمدة من غيرها، ودخلت كلها في جامعه الضخم، ليشتمل بأرضه وحجارته ورخامه على عدد كبير من منشآت الفسطاط والقاهرة من عصور مختلفة.

 

الخديوي إسماعيل والهدم من أجل التحديث

إذا كان قد اصطُلح على اعتبار الحملة الفرنسية بدايةً لتاريخ مصر الحديث، فإن مشاريع التحديث الحقيقية بدأت مع ولاية محمد علي باشا عام 1805، إذ خطا خطوات واسعة في تنظيم شوارع القاهرة وتسميتها وترقيم بيوتها وإنشاء ما تحتاجه نهضته من المؤسسات الحديثة. لكن ولاية حفيده الخديوي إسماعيل عام 1863 نقلت القاهرة نحو مستوى آخر من التحديث يمكن تسميته بـ"التأريب" أو "الأَوْرَبة". فإسماعيل، الذي درس في فرنسا وفي النمسا، رجع بحلم أن يجعل مصر قطعة من أوروبا. وحين آل إليه الحكم شرع في تحقيق حلمه، وكان للقاهرة نصيب كبير من تحديثاته، فاتجه إلى إعادة تنظيمها على غرار المدن الأوروبية، ويمكننا القول إنّ إسماعيل وقع في الانسحاق الحضاري أمام الأوروبيين لدرجة أنه منع البناء الجديد على الطرز العربية والإسلامية، وأطلق البناء على الطرز الأوروبية التي كانت تُعرف وقتها بـ"الرومية".

جامع المؤيد الذي ضم كثيرًا من عمائر الفسطاط والقاهرة
جامع المؤيد الذي ضم كثيرًا من عمائر الفسطاط والقاهرة (Getty/ ميغازين)

كما اتجه إلى إصلاح القاهرة من الناحية التنظيمية بفتح عدد كبير من الشوارع المخططة الصالحة لمرور العربات بدلًا من شبكات الحارات العنكبوتية المعقدة والضيقة، التي كان يُعتمد على الحمير والجمال في التنقل بينها. ولو أتيح لإسماعيل أن يُنفذ مشروعه كاملًا كما تمناه لفقدنا معظم القاهرة التاريخية التي سبقته، والتي تُعرف اليوم بـ"القاهرة الإسلامية". لكنه كان على عجلة من أمره لقرب افتتاح قناة السويس الذي حدث عام 1869، فاكتفى من القاهرة الإسلامية بفتح بعض الشوارع، وشرع في بناء قاهرة أخرى إلى الغرب منها باريسية التخطيط أوروبية الأبنية، في المنطقة الواقعة بين سور القاهرة الغربي وبين النيل، والتي كانت كثافة العمران فيها قليلة إلى عهده، فأنشأ فيها الأحياء التي نعرفها في زماننا بـ"القاهرة الخديوية"، أو "وسط البلد".

ورغم ذلك، فإن الشوارع التي فتحها في القاهرة القديمة أدت إلى هدم عدد كبير من الحارات والبيوت والمساجد كان بعضها شديد الأهمية من حيث القيمة التاريخية والأثرية. فمع فتح شارع محمد علي الواصل بين العتبة الخضراء والقلعة عام 1873م، أزيل جامع الأمير أزبك الذي كان مطلًا على ميدان العتبة، ووثقته الصور الفوتوغرافية متوجًا بواحدة من أجمل المآذن العثمانية في القاهرة، لم يبق منها إلا الذكرى. كما أزيل معظم جامع قوصون الذي كان واحدًا من أكبر جوامع القاهرة المملوكية، وأعيد بناؤه على مساحة صغيرة بطراز مُحدّث لا يضارع روعة الأوابد المملوكية، أيضًا في سبيل شارع محمد علي الذي يُعد أهم الشوارع التي فتحها إسماعيل أزيلت معالم أخرى أقل أهمية كمسجد الشيخ بطيخة وزاوية الذاكر وزاوية المبلغ وجزء من حمام ألدود.

 

مسجد أزبك قبيل هدمه لفتح شارع محمد علي

ومع فتح شارع بيت القاضي بالجمالية في العام التالي، أزيلت مدرسة الظاهر بيبرس التي كانت في بداية مخطط الشارع ولم يبق منها إلا مدخل صغير، وفقدت القاهرة واحدةً من أهم وأقدم مدارسها. ومع فتح الميدان الذي انتهى إليه هذا الشارع، وُجدت جدران من القصر الفاطمي الكبير فُككت وأعيد استعمالها في بناء قراقول السيدة زينب، المطل على ميدان السيدة زينب، والذي أزيلت من أجل فتحه مدرسة برد بك الدوادار. كما أزال إسماعيل جزءًا من قصر قوصون أحد أضخم قصور القاهرة لفتح شارع قراقول المنشية المتجه إلى السيوفية. أما ميدان عابدين الذي فُتح أمام قصر الخديوي، فقد أزيل من أجله حَدرة المرادنيين وما بها من حارات، بالإضافة إلى جزء من جامع البرمشية وجامع الزير المعلق.

مسجد أزبك قبيل هدمه لفتح شارع محمد علي
مسجد أزبك قبيل هدمه لفتح شارع محمد علي (مواقع التواصل/ ميغازين)

وبتتبُّع خريطة الشوارع التي فتحها التنظيم الجديد من أجل طموحات إسماعيل، يمكننا تخيل عدد المناطق القديمة التي أزيلت من القاهرة. لكنّ الرصد التاريخي لم يستطع الإحاطة بجميع ما كان فيها من معالم، فاكتفى بالبكاء على أهم الجوامع المندثرة، مثل جامع قوصون وجامع أزبك.

ربما كانت كثرة المعالم الأثرية التي أزيلت في عهد إسماعيل دافعًا للعناية بالآثار الإسلامية في السنوات اللاحقة، فاتجه ولده توفيق في ولايته إلى ترميم مساجد آل البيت، وأنشئت في عهده عام 1882 لجنة حفظ الآثار العربية، التي حملت على عاتقها تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية وتوثيقها وترميمها والعناية بها، وحفظت للقاهرة الجزء الأكبر من ثروتها الأثرية الباقية، كما أنها أنتجت معظم قائمة الآثار المسجلة المشمولة اليوم بالحماية القانونية. وفوق ذلك، فقد أنتجت فكرة تسجيل الآثار نفسها التي بقدر ما أفادت الآثار المسجلة ومنحتها الحماية القانونية، فقد أضرّت بالمعالم التي لم تُسجل وجعلت هدمها حلالًا مباحًا، وهو ما استمر في العصور اللاحقة/ ولا شك أنّ هذه المعالم لو مُدّ في أعمارها 140 عامًا أخرى، وبقيت إلى عصرنا، لاعتُبر كثير منها بكل المعايير التاريخية والفنية آثارًا تستحق الحماية والتحصين.

لكن يبدو أن اللجنة كانت براغماتية في عملها في بعض الأوقات، فتخلّت عن بعض الآثار التي وافقت معايير تسجيلها حين رأت أنها خربة وفاقدة لمعظم عناصرها الفنية ولا فائدة من بقائها، رُبما كان من أهمها مسجد الأمير قانم التاجر بقلعة الكبش، الذي يرجع تاريخه إلى عام 871هـ/1467م وهدمته اللجنة للأسباب المذكورة في نهاية القرن التاسع عشر، ليبقى يعاتبنا في عدد من الصور الشمسية التي التقطتها عدسات الأوروبيين.

وخلال القرن العشرين أيضًا، فقدت القاهرة عددًا من آثارها في ظروف غامضة غير مفسرة، إذ لم يكن مقنعًا بعد الحداثة وتسجيل الآثار وشيوع ثقافتها أن يُزال مسجد أثري لإنشاء نفق يمر تحت سكة حديدية مجاورة، كما حدث لمسجد السلطان الظاهر جقمق بخط دار النحاس بالفسطاط، الذي أزيل لإنشاء نفق الملك الصالح سنة 1939 رغم كل البدائل الممكنة لتحويل المسار، ورغم أن قلة الآثار التي بقيت في الفسطاط كانت أدعى إلى حمايته والحفاظ عليه.

مثل هذا الاستعراض لا يقدر بالتأكيد على حصر ما أزيل من مناطق القاهرة ومعالمها التاريخية خلال عصورها المختلفة حتى القرن العشرين، لكنه كافٍ لتحريك الصورة الثابتة وتنشيط حواس التخيل، فيتخيل الداخل من باب زويلة أنه سيجد عن شماله خزانة شمائل وقيسارية سنقر بدلًا من جامع المؤيد، أو يتخيل المار من شارع محمد علي أن جامع قوصون القديم سيقطع مساره، أو يعيد استدعاء ما وثقته الصور كمسجد قانم ومسجد جقمق فيضعه في مكانه، وغدًا ستأتي أجيال تتخيل منطقة عرب اليسار أو السكر والليمون أو أحواش القرافة التي أزيلت في السنوات الأخيرة من أجل التطوير والتحديث، ربما ستكون مهمتها في استدعائها من الصور أسهل، لكنّ مهمتها في تحريك صورة القاهرة التاريخية وتمثُّل طبقاتها المختلفة ستكون أكبر وأكثر جهدًا.

أحد الأسباب التي منحت القاهرة التاريخية صورةً متحركة متعددة الطبقات لا تحظى بها معظم المدن الأخرى، أنها تمتعت منذ أقدم عصورها بالتوثيق، فقبل العدسة الأوروبية والريشة الأوروبية بأكثر من عشرة قرون، كان القلم العربي والبيان العربي يوثقانها عبر كتب الخطط، ذلك الفن الذي نشأ على دراسة خطط الفسطاط ووصلنا أقدم مؤلَّف فيه لابن عبد الحكم (ت257هـ/871م) والذي كان معاصرًا للبخاري ومسلم، أي أنّ مؤرخي العاصمة المصرية كانوا يؤسسون لتأريخ عمرانها في ذات الحقبة المبكرة التي أسس فيها علماء الحديث لتدوينه وتصنيفه، لتتوالى بعدها المؤلفات على يد الكندي والقضاعي وابن المتوج وغيرهم من المؤلفين، وصولًا إلى ذروتها مع المقريزي (ت845هـ/1441م) موثقةً مئات الحالات من الهدم والبناء والإحلال والإبدال والإضافة والتعديل.

هكذا أنتجت لنا نصوصُ الخطط عددًا ضخمًا من صور القاهرة التاريخية، التي تصطفُّ وراء صور المستشرقين الزيتية والشمسية، ليتصل جميعها كالشرائح المتلاصقة المنتِجة لمشهدها المتحرك الطويل، مانحةً المتخيلين شاشةً أوسع وصورًا أكثر وأشدّ تفصيلًا، فيما يبقى الهدم والبناء في خلفية المشهد التاريخي المتحرك أبدًا، يتجادلان على اختيار مكوّنات الصور، وتصميم أبعادها ومناظرها.

مسجد قانم التاجر الذي هدمته لجنة حفظ الآثار
مسجد قانم التاجر الذي هدمته لجنة حفظ الآثار (مواقع التواصل/ ميغازين)

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الكوفية الفلسطينية (ميغازين)

من قماش إلى قضية.. الكوفية على كتف العالم

كيف عبرت الكوفية من كتف الفلاح الفلسطيني إلى أعناق المتظاهرين في برلين ومدريد وجامعات أميركا؟ وكيف انتقلت من لباسٍ فلكلوري إلى أيقونة عالمية للمقاومة؟

هند جودة

جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).
جين مقدسي وكتابة المذكرات بابًا إلى التاريخ (ميغازين).

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

ممدوح النابي

لطمي النيل حضور راسخ في الثقافة الشعبية المصرية (ميغازين).

في البدء كان خنوم.. طمي النيل في الثقافة الشعبية المصرية

عن طمي النيل وتشكُّلاته في الذاكرة الشعبية المصرية عبر العصور.

عبد العظيم فهمي

تاجرات ووسيطات عقاريات قبل عشرة قرون (ميغازين).

سمسارات عقارات ووسيطات تجاريات.. النساء قبل عشرة قرون

سيدات الأعمال ونشاطُهُن في العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية

إيناس كمال

فن التلاوة بين ماضٍ عريق وحاضر مأزوم (ميغازين)

فن التلاوة: مِن ماضٍ عريق إلى حاضر مليء بالأزمات

قراءة في رحلة فن التلاوة العريق من ماضٍ حافل بالقراء الكبار، إلى حاضر مليء بالأزمات

هيثم أبو زيد

المزيد من الكاتب

عبد الرحمن الطويل

كاتب وشاعر وباحث مصري

نجوم حول الكوكب.. فرقة أم كلثوم في وجدان السميعة

كان عازفو الست يفهمون عاداتها على المسرح ويقرؤون إشاراتها ورغباتها في الإعادة أو الانتقال، ويسدّون لحظات صمتها بالعزف ويسعفونها في أوقات الارتباك والنسيان

يوسف عيد.. نجم الظل الذي أعاد تعريف البطولة

لم يكن يوسف عيد من نجوم الصف الأول، لكنه فرض على المشاهد حضورًا عميقًا جعله يحفظ اسمه ولا ينساه بانتهاء مشهده في الفيلم، وربما لا يذكر من الفيلم إلا مشهده

دولة التلاوة.. قوة الإسلام الناعمة

لم يبدأ تاريخ فن تلاوة القرآن مع بداية حقبة الإذاعات، ويكاد أن يكون عمره من عمر الإسلام

تسعة عشر عامًا من الزمن.. غزة تحت الإدارة المصرية

يستعرض النص أبرز المحطات التاريخية بارزة للعلاقات المصرية الفلسطينية في ظل الإدارة المصرية لقطاع غزة، التي بدأت بعد نكبة 1948، واستمرت حتى نكسة 1967

فريد الأطرش.. خمسون عامًا على رحلة الطرب والألم

يُستعاد فريد الأطرش في الذكرى الـ50 لوفاته بوصفه أحد أهم أركان الغناء الطربي مطربًا وملحنًا لم يفرط في عروبة ألحانه وأصالتها

أم كلثوم وصناع مجدها.. هل كانت ستصبح أسطورة في زمن آخر؟

كانت أم كلثوم بِنتَ لحظتها التاريخية بامتياز، تلك اللحظة التي هيّأت المكان والمكانةَ لأسطورةٍ تكتسب خلودَها من صوْتها ومن ظرْفها التاريخي ومن دورها التاريخي