عندما تُذكر ثورة تموز/يوليو 1952، غالبًا ما يتخيّل الناس مجموعة من الضباط الشباب الذين قادهم جمال عبد الناصر للإطاحة بالملك فاروق وقيادة مصر. هذا التصور صحيح جزئيًا، لكنه ليس دقيقًا تمامًا، فتنظيم "الضباط الأحرار" لم يقتصر على العسكريين، بل ضمّ أيضًا عددًا من المدنيين الذين لعبوا دورًا بالغ الأهمية في نجاح الحركة.
موظف بسيط خاطر بحياته لكتابة بعض منشورات الضباط الثورية، وضابط شرطة خزّن الأسلحة في منزله متحديًا القانون، وقاضٍ شارك في التخطيط للثورة وفور اندلاعها ناصرها بكل قوته… وهذه مجرد أمثلة لقصص المدنيين الذين أسهموا في نجاح ثورة تموز/يوليو وأوصلت الضباط إلى الحكم، ولم تُروَ بطولاتهم من قبل.
فمن هؤلاء المدنيون؟ وما حجم انخراطهم في التنظيم قبل الثورة؟ وماذا جرى لهم بعد ذلك؟
صلاح الدسوقي: الضابط السفير المعارض
منذ صغره أظهر ميولًا كبيرة للعمل الوطني، فشكل مع مجموعة من زملائه في مدرسة "القبة الثانوية" خلية وطنية ضمّت كمال رفعت وصلاح الدسوقي وحسن التهامي ومراد غالب وكمال حسنين. من خلال هذا الدور تعرّفوا على الملازم جمال عبد الناصر، الذي كان يزودهم بالأسلحة لهجماتهم ضد الإنجليز في شوارع القاهرة.
عمل الدسوقي ضابطًا للشرطة، وكان رياضيًا بارزًا في رياضة السلاح وعضوًا في النادي الملكي للسلاح، وتردّد اسمه كثيرًا في الصحف الأجنبية بسبب مشاركته في البطولات الدولية دون أن يُثار حوله أي شبهة سياسية.
لعب دورًا بطوليًا خلال عمله كضابط، عندما ساهم في تهريب الأمير المغربي عبد الكريم الخطابي عام 1947، بعد أن أسره الإسبان وكان من المقرر نقله إلى إحدى جزر المحيط الهندي عبر قناة السويس، فنجح الدسوقي في إخراجه من المركب الذي كان ينقله، مستفيدًا من عمله في منطقة القناة آنذاك.
وعندما اندلعت معركة 25 يناير الشهيرة ضد الإنجليز في الإسماعيلية عام 1952، كان الدسوقي أحد الضباط المشاركين فيها.
اختار عبد الناصر صلاح الدسوقي قبل قيام ثورة تموز/يوليو 1952 لتخزين بعض الأسلحة في منزله، وهي مهمة خطيرة في تلك الفترة، عقوبتها تصل إلى الأشغال المؤبدة نظرًا لتصاعد عمليات الاغتيال السياسي آنذاك.
وعندما تولى عبد الناصر وزارة الداخلية بعد الثورة، استدعى الدسوقي وأبلغه: "أنا لا أعرف حاجة في الداخلية أنت مسؤول عنها"، كما قال الدسوقي لاحقًا: "عُينت أركان حرب للوزارة، وكان منصبًا جديدًا".
بعد نجاح الثورة، أدرك عبد الناصر ضعف أجهزة الأمن السياسي، التي لم تكن تضم سوى 24 ضابطًا فقط، فشرع في إعادة بنائها على أسس قوية. اختار زكريا محيي الدين لجهاز المخابرات الحربية، وضم الدسوقي لبناء جهاز للأمن السياسي، الذي عرف حينها بجهاز المباحث العامة. وأرسل سبعة من أكفأ ضباط المباحث لتلقي تدريب في مدرسة المخابرات الأميركية، وعند عودتهم عام 1954 جرى توزيعهم بين المخابرات العامة ووزارة الداخلية.
كان الدسوقي مقربًا جدًا من عبد الناصر، ما أثار انتقادًا كبيرًا من الرئيس السابق محمد نجيب، الذي ذكر في كتابه "كلمتي.. للتاريخ": "كان صلاح الدسوقي صديقًا مقربًا لعبد الناصر، وعيّنه أركان حرب الوزارة ومنحه صلاحيات واسعة لكي لا يترك زكريا محيي الدين يتحكم بالكامل في وزارة الداخلية".
لاحقًا، علم نجيب أن الدسوقي أصدر قرارًا بنقل ضابطين مواليين له من بوليس القصر الجمهوري إلى إحدى مديريات الصعيد، في محاولة مبكرة من عبد الناصر للحد من نفوذ نجيب.
كما اتهم نجيب الدسوقي باللعب دور في "فبركة" حادثة اغتياله عام 1954، موضحًا أن محاولة إطلاق النار على عبد الناصر في الإسكندرية كانت مؤامرة وهمية، رتّبها رجل من المباحث العامة كوفئ بعد ذلك بمنصب كبير. وتكرر هذا الاتهام في عدد من الكتابات المنسوبة إلى جماعة الإخوان، مثل كتاب حسن الشافعي "حياتي في حكايتي"، الذي وصف تلك الأحداث بأنها من تدبير الصاغ صلاح الدسوقي.
وهو ما فعله أيضًا حسين حمودة، أحد الضباط الأحرار المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، حين كتب في مذكراته أنه كان ضمن المعتقلين في قضية 1954، وفي السجن التقى بصلاح الدسوقي حيث "بادره بسيل من الشتائم القذرة حتى نهره علي صبري".
وفي حوار صحفي اتّهم مأمون الهضيبي، نجل مرشد الإخوان الثاني، صلاح الدسوقي بأنه أخفى مستندات قضية المؤامرة بما يمنع إثبات تعرض المعتقلين الإخوان للتعذيب خلال سجنهم.
كذلك اتهمه صلاح شادي، ضابط الشرطة والقيادي بالإخوان، بأنه كان يُمسك بالكرباج ويضرب به المعتقلين ليُجبرهم على الاعتراف.
كما حكى محمود السعدني في كتابه "الولد الشقي في المنفى" أنه سنة 1955 تلقّى استدعاءً من الصاغ صلاح الدسوقي، الذي حذره من نشر الشائعات حول زكريا محيي الدين، وزير الداخلية، قائلًا: "سنضرب صفحًا عما حدث هذه المرة، ولكن في المرة القادمة لن يمر الموضوع بسلام".
لاحقًا ربطت بعض الكتابات المحسوبة على التيار الإسلامي بينه وبين لعبه دورًا بارزًا في المذبحة التي تعرض لها الإخوان في ليمان طرة حزيران/يونيو 1957.
هذا الاتهام حاولت نفيه بعض الجرائد الموالية، وبحسب ما نشرته مجلة "آخر ساعة" في تحقيقها بشأن قضية المؤامرة في أغسطس 1957، فإن "الصاغ صلاح الدسوقي أحد المحققين الذين باشروا قضية المؤامرة". وخلال التحقيق قال: "إن التحقيق جرى في جو لطيف لا تشوبه أدنى رائحة للضغط أو الإكراه".
وفي كتابه "الطريق إلى زمش"، أكد الصحفي محمود السعدني أن الدسوقي أنكر أي صِلة له بأوامر إطلاق النار، فانحصرت الاتهامات في عبد العال سلومة، الضابط المسؤول مباشرة عن الحادث. وبحسب تصريحات اللواء فؤاد علام حول القضية، فإن سلومة كان كبش فداء تلك الواقعة بدلًا من الدسوقي.
بعد تلك المأساة نُقل الدسوقي إلى منصب آخر، فقد تولّى منصب محافظ القاهرة من تشرين الأول/أكتوبر 1960 وحتى تموز/يوليو 1965، ليكون أول محافظ للقاهرة يُطبّق عليه قانون الحكم المحلي.
خلال تلك الفترة احتفظ بعلاقة وطيدة مع عبد الناصر، حتى أنه لما نُصح الأخير بممارسة الرياضة بدأ يلعب التنس مع الدسوقي، حسبما أورد نجله خالد في شهادته المذكورة في كتاب "أسرار موت عبد الناصر".
في عهده نجح في جذب الكثير من الاهتمام للمحافظة، حتى أن ميزانية محافظة القاهرة كانت ثالث أكبر ميزانية في الدولة بعد وزارتي الحربية والتعليم.
بعد إنشاء التنظيم الطليعي، توجد معلومات متضاربة بشأن موقف الدسوقي منه؛ فوفق كتاب طارق حبيب "ملفات ثورة يوليو"، أظهر الدسوقي اعتراضًا كبيرًا على إنشاء ما عُرف بـ"النظام الطليعي"، اعتراض قاله لعبد الناصر مباشرة: "يا سيادة الرئيس أنا بعيد عن الموضوعات دي، لأني لا أؤمن بأن شخصًا يتجسس على قريبه"، وهو كان بداية لخلافات بين الرجلين.
أما المؤرخ عبد العظيم رمضان فقال في كتابه "الوثائق السرية لثورة يوليو" إن عبد الناصر أرسل صلاح الدسوقي لدراسة تنظيم رابطة الشيوعيين في يوغوسلافيا من أجل بناء فكرة مشابهة لها، وهي التنظيم الطليعي الذي بدأ العمل لتنفيذه في يونيو 1963م.
المهم أن علاقة الرجلين وصلت إلى نقطة خلاف لم نعلم الكثير عن تفاصيلها، لكن ما نعلمه أنه بسببه خرج للعمل خارج البلاد سفيرًا في فنلندا؛ وفي مقطع آخر من كتاب حبيب نقل عن الدسوقي قوله: "خرجت على المعاش لأنه كان مختلفًا مع التوجه الشيوعي، وأنا أصغر واحد في الحكومة على المعاش".
حكى الدسوقي أنه من فنلندا بعث خطابًا إلى عبد الناصر أخطره فيه بأن الانحرافات الكثيرة لعبد الحكيم عامر أدّت لتدهور الجيش المصري وخسارته أمام إسرائيل.
في الغربة تمسّك بخطه المعارض، حتى أنه حينما التقى بصديقه كمال رفعت قال له: "انت تحولت إلى المحافظة على نظام عبد الناصر مش المحافظة على مصر".
تلك الخطوة علّق عليها نجيب في كتابه بقوله: "فجأة فصله جمال عبد الناصر بعد 15 سنة من وظيفته، رفض صاحب الدسوقي العودة إلى مصر وأقام بالخارج، وتم تعيينه في منصب كبير بالأمم المتحدة، وما زال صلاح الدسوقي مقيمًا خارج مصر حتى الآن".
شوقي عزيز: موظف السكة الحديد كاتب الثورة
محمد شوقي عزيز هو موظف بالسكة الحديد وكان صديقًا لشقيق الملازم جمال منصور، أحد الضباط الذين بدأوا في تشكيل الخلايا الوطنية داخل الجيش خلال فترة ما قبل الثورة.
حسبما ورد في كتاب "ثورة الجيش: وثائق الإعداد والتمهيد" للسفير جمال الدين منصور، خلال المراحل الأولى للعمل السري لبعض ضباط سلاح الفرسان، تولّى شوقي مهمة كتابة المنشورات لصالح التنظيم خلال عمله الإضافي في مكتب المحاسبات بميدان لاظوغلي. كما كان يُشرف على طباعة تلك المنشورات باستخدام ماكينة طباعة المصلحة بمساعدة أحد السعاة الأميين.
وبحسب ما أورده جمال منصور في كتابه "في الثورة والدبلوماسية"، أقسم له شوقي على المصحف بألا يبوح بالسر، ثم أضاف ضاحكًا: "بس لما تنجح الحركة متبقوش تنسوني".
خلال فترة ما قبل الثورة، عقد تنظيم جمال منصور عدة لقاءات مع الضباط الأحرار، واتفق الطرفان في أحد اجتماعاتهم على التعاون في طباعة منشورات خاصة بالتنظيم الذي كان يقوده جمال عبد الناصر. وعندما قرر الضباط عام 1950 شراء ماكينة طباعة، سجلوها باسم شوقي عزيز لتجنّب أي شبهات، وخبّأوها في منزله مؤقتًا حتى تهدأ الأجواء، قبل أن ينقلوها إلى شقة مستأجرة جعلوها مقرًا لاجتماعاتهم.
وبحسب الكتاب، فقد "حفظ شوقي سر الحركة الثورية منذ البداية وحتى 1952 حين نجحت الثورة، وكان أمينًا مخلصًا للحركة رغم الإغراءات التي كان يُمكن أن تنهال عليه من القصر إذا باح له بالسر".
بسبب تلك الماكينة تعرّف عبد الناصر على شوقي لأول مرة، إذ كان عبد الناصر وعدد آخر من الضباط من الذين ساهموا في ثمن شرائها.
وبحسب محيي الدين، فإن شوقي عزيز كان أول من كتب توقيع "الضباط الأحرار" على المنشورات الثورية الأولى التي أُرسلت بالبريد إلى السياسيين والصحافيين وباقي الضباط.
وتكررت هذه العملية لاحقًا في باقي المنشورات؛ كان أحد الضباط يكتبها ثم تُعرض على عبد الناصر، وحال موافقته عليها، يُرسل النص إلى شوقي ليكتبه ويطبعه ثم يُوزّع.
حسن النشار: رفيق الكفاح المبكر
هو صديق عُمر عبد الناصر، الذي عرفه منذ أن كان طفلًا بسبب عمل والديهما معًا في مصلحة البريد، وكثيرًا ما تبادلا الخطابات خلال مراحل متقدمة من شبابهما. لعب دورًا كبيرًا في حياة عبد الناصر، حتى أنه الصديق الوحيد الذي ذكر اسمه في كتابه "فلسفة الثورة".
وفق ما ورد في كتاب "جمال عبد الناصر: نشأة وتطور الفكر الناصري"، شارك الصديقان سويًا في مهرجان خطابي عُقد في مدرسة النهضة الثانوية التي درسا فيها معًا. في ذلك المهرجان، خطب عبد الناصر أمام زملائه وقاد مظاهرة طلابية اعترضتها الشرطة وأطلقت عليه وابلًا من الرصاص دفعه للاختباء في منزل أحد الأصدقاء هو وزميله حسن النشار.
بعد تخرجهما من كليتين مختلفتين (الحقوق والحربية) وغياب جمال عن صديقه بسبب عمله كضابط في الجيش، اعتاد عبد الناصر تبادل الخطابات معه. في إحدى الرسائل كتب: "لقد قلنا أكثر من مرة إننا سنعمل معًا من أجل إيقاظ الأمة من سباتها"، وفي رسالة أخرى، بعد حادث 4 شباط/فبراير 1942، أشار إلى ضرورة "عمل شيء ما" لإزاحة الإنجليز والقضاء على الفساد في مصر.
في عام 1942، حين كان عبد الناصر أركان حرب بكتيبة مرابطة في أبي زعبل، صرّح لصديقه بأنه بات على يقين بأن خلاص الأمة من الاستعمار لا يمكن أن يتحقق في ظروف التمزق السياسي إلا عن طريق الجيش. فاتفقا على خطة عسكرية تشترك فيها بعض القيادات الوطنية لقطع خطوط الإمدادات عن الجيش الإنجليزي في العلمين. لم تنفذ هذه الخطة، ولم يعرف عنها البوليس شيئًا حتى بعد اعتقال النشار لبعض الوقت.
لعب النشار دورًا هامشيًا ليلة ثورة تموز/يوليو، بعدما مرّ عليه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في منزله ليخبروه أنهما لم يجدا السادات في منزله وطلبا منه أن يذهب إليه ويستدعيه فورًا.
بحسب شهادة النشار التي نُشرت في كتاب "حوارات عن عبد الناصر"، اصطحب حماة السادات إلى السينما لاستدعاء السادات، الذي رد بأنه سيلحق به بعد انتهاء الفيلم.
ذو الهمة الشرقاوي: المهندس الإخواني
بحسب ما يورده عبد الفتاح أبو الفضل في كتابه "كنت نائبًا لرئيس المخابرات"، بدأت مصر في أيلول/سبتمبر 1952 ممارسة ضغط متصاعد على البريطانيين للجلاء عن البلاد، من خلال تنظيم العمل الفدائي في منطقة قناة السويس. وكان أبو الفضل في تلك الفترة يعمل ضمن مكتب مخابرات القناة في مدينة الإسماعيلية.
روى عبد الفتاح أبو الفضل أنه خلال تلك المهمة تواصل مع المهندس ذو الهمة الشرقاوي، أحد أقطاب جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، وزميل جمال عبد الناصر منذ أيام الدراسة الثانوية في الإسكندرية. وكان الشرقاوي يشغل حينها منصب مدير حركة السكة الحديد في منطقة القناة، وبلغ مستوى تعاونه مع السلطات المصرية حدّ اختطاف قطارات محمّلة بالمؤن والذخائر كانت متجهة إلى معسكرات القوات البريطانية.
وبحسب ما أورده سامي شرف في مذكراته، تلقى أبو الفضل بعد أيام قليلة من الثورة استدعاءً من عبد الناصر لبحث جدوى اقتراح تشغيل القطارات بالديزل بدل الفحم. وخلال تنفيذ هذه المهمة، استعان بالمهندس الشرقاوي وبخبراته لضمان نجاح المشروع.
لاحقًا، أصبح ذو الهمة نائبًا لرئيس مجلس إدارة السكك الحديدية، ولعب دورًا مهمًا في تطوير السكك الحديدية بالسودان، بعد أن أشرف على إنشاء معهد تدريب مهني في مدينة عطبرة، وفقًا لما نشرته مجلة جمعية المهندسين المصرية.
أحمد فؤاد: القاضي الشيوعي
قبل قيام ثورة تموز/يوليو، أبدى تنظيم "حدتو" الشيوعي اهتمامًا كبيرًا باختراق الجيش، فأنشأ وحدة داخلية لتجنيد عدد من الضباط، كان أبرزهم خالد محيي الدين وأحمد حمروش، تحت إشراف القاضي أحمد فؤاد الذي لعب دورًا رئيسيًا في إقناع محيي الدين بالانضمام إلى التنظيم عام 1950.
ومن خلال خالد محيي الدين، تعرّف جمال عبد الناصر على أحمد فؤاد، وسرعان ما توطدت العلاقة بينهما. ووفق مذكرات محيي الدين، أبدى عبد الناصر إعجابًا بشخصية فؤاد، وكان يجتمع معه لساعات طويلة، يتبادلان خلالها الكتب الاشتراكية والنقاشات الفكرية التي كشفت عن ثقافة فؤاد الواسعة.
القاضي أحمد فؤاد، الذي كانت له ميول شيوعية، أصبح حلقة الوصل بين عبد الناصر وتنظيم "حدتو" خلال فترة ما قبل الثورة. وأشار أحمد حمروش إلى أن نشاط فؤاد كان يتركز على خلق مناخ اشتراكي وديمقراطي داخل الجيش، من دون الانخراط في أي خطط انقلابية، وهو ما جعل تنظيم "حدتو" وثيق الصلة بما كان يجري داخل المؤسسة العسكرية، وشريكًا غير رسمي في تنظيم الضباط الأحرار.
عُرف عن فؤاد أيضًا دوره في كتابة المنشورات الثورية؛ فقد ورث المهمة من شوقي عزيز، وكتابة العناوين بخط يده لتجنب أي شبهات، رغم المخاطر القانونية الكبيرة التي كانت تترتب على ذلك. كما كان مطلعًا على تحركات الجيش واحتياجاته التنظيمية، فتواصل مع الحزب الشيوعي قبل تنفيذ أي حركة انقلابية للاطلاع على موقف كوادره.
بعد قيام الثورة، استمر فؤاد في لعب دور مهم، فقام بتقريب الخلافات بين عبد الناصر والشيوعيين، مستضيفًا اجتماعات في منزله لممثلي تنظيم "حدتو"، حيث شددوا على ضرورة الاعتماد على الجماهير الشعبية وإطلاق الحريات. رغم ذلك، تدهورت العلاقة بين الطرفين لاحقًا، ما أدى إلى اعتقالات واسعة بين قادة التنظيم، بينما حافظ فؤاد على علاقته المتينة بعبد الناصر، على عكس الضابط يوسف الصديق الذي استقال احتجاجًا على الحملة ضد الشيوعيين.
وقد اختاره عبد الناصر لتمثيله في وفد اقتصادي إلى موسكو، ليضمن عدم إعطاء السوفييت انطباعًا خاطئًا عن النظام. كما ساهم فؤاد في مناقشات قانون الإصلاح الزراعي، الذي أصبح فيما بعد القانون الشهير الذي أدى إلى خلاف بين الضباط وعلي ماهر انتهى باستقالة الأخير.
بعد الثورة، تم تعيين فؤاد رئيسًا لمجلس إدارة بنك مصر بعد تأميمه، بهدف منع تركيز السلطة في أيدي كبار الرأسماليين. كما لعب دورًا مهمًا في إنشاء التنظيم الطليعي، تنفيذًا لمهمة إنشاء حزب ثوري ضمن إطار الاتحاد الاشتراكي العربي. وفي عام 1969، بعد ثورة السودان، أُوفد ممثلًا عن عبد الناصر لتقديم الدعم للقادة الجدد.
تلك القصص، التي تتبّعنا شذراتها في الكتب، ليست غالبًا إلا أجزاء من سير أطول لم تُقص علينا في كتب التاريخ. فبعدما طغى حضور العسكريين واحتكروا الأضواء، كدنا نغفل حقيقة أساسية: أي فئة منفردة – مهما بلغت قوتها – لا تستطيع تغيير مسار أمة دون دعم قوى أخرى تساعدها على تحويل "الاحتياجات" إلى "مطالب"، و"الحركة" إلى "ثورة"، و"رجال الظل" إلى "زعماء".












