ربما تصادف مرة أو مرتين، على الأقل، واحدًا من تلك المنشورات أو المقالات التي تمجّد أحد الحكام سواء لا يزال على قيد الحياة، أو فارقها. تجد الكاتب يصفه بأنه أفضل حاكم، أو ملك، أو وزير، أو رئيس مر على البلاد، وقد يُغالي في وصف محاسنه، وشكله، وجرأته، وربما ينسب إليه ما ليس فيه.
المدح في الجاهلية
المدح، وفقًا لبحث "صورة الممدوح في شعر ابن درّاج القسطلي"، غرض من الأغراض الشعرية القديمة التي عرفها العرب منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم. لكنه لم يكن من فنون الشعر الأولى، التي كانت تتفاخر بالعرب بوصفهم أهل جود وكرم وإباء ونخوة.
ظل الأمر على هذا الحال حتى ضعفت أعصاب البداوة لدى بعض الشعراء، فرأينا زهير بن أبي سلمى يتكسّب قليلًا بمدحه لهرم بن سنان. ومع ذلك، بقي مدحه طبيعيًا، ولم يحاول فيه تلوين الحقيقة، وقد فضّله عمر بن الخطاب لأنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه. ثم ظهر النابغة الذبياني الذي تكسّب من شعره لدى المناذرة والغساسنة، ثم جاء الأعشى واتخذ من شعره تجارة.
كان الشاعر الجاهلي، وفقًا للبحث السابق، قد تغلب على طبعه في الألفة مع السؤال بالشعر إلا اضطرارًا، إذ كان يرى في ذلك نقيصة وتفضلًا عليه، وهو الذي عوّدته الحياة البدوية ألا ينحني ولا يخضع إلا لسلطان ذاته وقبيلته.
وفي صدر الإسلام، تطور هذا الغرض وانصبغ بصبغة الإسلام في ألفاظه ومعانيه، حيث برز شعراء في مدح الرسول، من أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة. وما إن جاء العصر الأموي حتى عادت العصبية القبلية تعلي من شأن القبيلة وتفاخر بأمجادها ونسبها، فكثر فيها المدح والهجاء، وقد تطور فن المدح في ظل وجود الخلفاء ورغبتهم في اصطناعه.
التطبيل مهمة وطنية
ما يمكن أن يُسمّى الآن بـ"التطبيل"، أو المدح، عادة قديمة عمرها من عمر الإنسانية، منذ أن أصبح هناك نظام سياسي يجعل لدولة ما وزيرً أو حاكمًا مسؤولًا عنها. وكلما زاد الفقر والفساد فيها، ازداد التطبيل أو المدح والتمجيد والتبجيل، فتظهر الأشعار والأغاني والأهازيج التي تمجد شخص الحاكم أكثر الحديث عن مواقفه، حكمه، وماذا قدم لشعبه.
التملق، النفاق، المدح، المجاملة، أو التطبيل؛ كلها مرادفات للمعنى نفسه. ويتمثل ذلك في أن يقدم شخص ما، ربما يكون بالأساس شاعرًا أو خطّاب أو حكاءً، نصوصًا شعرية لأحد الحكام أو الملوك يمدحه فيها ويثني على قوته ومظهره، فيحظى منه بالعطايا بسخاء.
ومؤخرًا، صار لبعض الحكّام العرب أغانٍ بأسمائهم، مثل الرئيس المخلوع حسني مبارك. ومن منا ينسى أوبريت "اخترناه" قبل أن ينقلب أغلب من شاركوا فيه، بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، ويتبرؤوا من مشاركتهم فيه.
وقبله، غنّت أم كلثوم للملك فاروق 14 أغنية، منها "المُلك بين إيديك" (كتبها أحمد شوقي ولحّنها السنباطي) بمناسبة جلوس فاروق على العرش عام 1936، وأغنية "يا مليكي الحُسن سجد لك" (تأليف بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد). وفي حفل زفاف فاروق من الملكة فريدة عام 1938، غنّت "أشرقت شمس التهاني" و"يا بدر لما جبينك لاح"، وكلها من كلمات أحمد رامي وتلحين السنباطي، إلى جانب أغنيات في مناسبات ميلاد الأميرات، وزواج الملك من الملكة ناريمان.
وعندما أعلن جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم، عقب هزيمة 1967، غنت له أم كلثوم "ابقَ فأنت حبيب الشعب"، على الرغم من أنه كان أحد قادة ثورة تموز/يوليو 1952، التي أطاحت بحكم الملك فاروق!
لم تكن أم كلثوم وحدها، إذ استمرت هذه العادة مع قدوم رؤساء آخرين بعد ناصر. وحتى لا نظلمها، قدّم العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ، أغنية "ريسنا ملاح ومعدينا"، للرئيس الراحل أنور السادات. كما غنّى لعبد الناصر "يا أهلًا بالمعارك"، و"عدى النهار"، و"عبد الناصر حبيبنا".
أما عن تطبيل الصحافة، فلا يخفى على أحد ما كانت تفعله الصحافة في عهد حكّام مصر، سواء السابقين أو الحاليين، ونذكر منها المغالاة في تمجيد ومدح شجاعة الملك فاروق، الذي كتبت الصحافة عنه أنه تمكن خلال افتتاح موسم صيد البط من صيد 344 بطة في 4 ساعات فقط، فيما لم يتمكن سفير الهند آنذاك، الذي كان برفقته، إلا من صيد بطة واحدة!
التطبيل عادة مصرية قديمة
المؤكد أن التطبيل في مصر لم يكن عادة مستحدثة فرضتها الأنظمة التي قمعت الشعب وقيّدت حريته وغالت في فرض الضرائب عليه وأفقرت معظمه، بل تعود إلى أزمنة سابقة. والعجيب أن شاعرًا مثل أبي الطيب المتنبي، الذي لم يخبر خيرًا عن حاكم مصر في القرن العاشر الميلادي، كافور الإخشيدي، أثر بشدة في تصور الناس عنه حتى ظنوا أنه رجل سيئ.
لكن، وبحسب كتاب "الأمثال السائرة في شعر المتنبي"، فإن أبا الطيب "مضى إلى مصر، فمدح كافور الإخشيدي، وطلب منه أن يوليه، فلم يوله كافور، فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه" (ص 19).
اللافت أنه في أواخر عصر كافور وقع زلزال في مصر جعل الناس تهرب إلى الجبال خوفًا. تشاءم كافور واعتزل الناس، حتى أخرجه من عزلته الشاعر محمد بن عاصم بقصيدة. وبسبب قصيدته، دفع له الإخشيدي ألف دينار ذهبًا. وجاء في مطلعها: "ما زلزلت مصر من خوفٍ يرادُ بها/ لكنها رقصت مـن عدلهِ طربًا". وربما تكون تلك الواقعة هي التي شجعت المتنبي لمدحه لعله ينال ما ناله بن عاصم، لكن كافور صدمه بمعاملة مختلفة، ولذلك سار في الأرض يهجوه ويشوّه سمعته.
وإذا كنت تظن أن التمجيد، أو "التعريص" باللهجة المصرية المحلية، قد كان مقتصرًا على الحكام فقط، فأنت واهم. فبحسب كتاب "نكبة توطين الهكسوس: النكبة المصرية"، من تأليف إفتكار البنداري السيد، استقر اللورد كرومر إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر على إلغاء مجانية التعليم، وبرر ذلك بأن هدفه تشجيع التعليم، وأن من يتعلم عليه أن يدفع مقابل ذلك، فانخفض عدد طلاب التعليم الابتدائي الذي كان في عام 1873 حوالي 100 ألف طالب، إلى 16 ألف طالب بعد ربع قرن من الاحتلال، رغم أن عدد سكان مصر حينها ارتفع من 5 ملايين نسمة إلى 11 مليون.
وكان أول "المطبلاتية" لكرومر حينها وكيل وزارة المعارف، الأرمني يعقوب أرتين، الذي وصف القرار بـ"الحكيم"، مؤكدًا أنه يجب تقليل عدد طلاب التعليم المجاني. ونتيجة ذلك، أُغلقت معظم المدارس واكتفي بالكتاتيب. وفي المقابل، أيدت صحف تابعة للاحتلال، مثل "المقطم" الشامية، القرار وتفاخرت بالإنجازات التي حققها التعليم في عهد الإنجليز.
التطبيل على جدران المعابد الفرعونية
بدأت عادة تمجيد الحكام منذ فجر التاريخ وفقًا لما جاء في كتاب "موسوعة مصر القديمة: الجزء الثامن عشر: الأدب المصري القديم: في الشعر وفنونه والمسرح" للمؤرخ سليم حسن، الصادر عام 1945. لذلك، لا غرابة أن نجد التطبيل محفورًا في مقابر الفراعنة.
وبحسب الموسوعة، تعود تلك العادة إلى زمن قدماء المصريين، حيث وضعوا الملوك في مصاف الآلهة، واعتبروهم من سلالة المعبود "رع" (إله الشمس)، فكان كل ملك يُسمى "ابن الشمس". ويظهر ذلك في اللوحات الجنائزية في قبور المصريين والنقوش، التي دُوّنت على جدران حجرات دفنهم. وقد غالوا أحيانًا في تمجيد بعض الحكماء وتقديسهم أيضًا، كما فعلوا مع الحكيم "أمنحوتب" الذي عاش في عهد الملك "زوسر".
وعلى غرار أشعار المتنبي، كان التطبيل للحكام الفراعنة يتمحور حول مدح صفاتهم الحربية وشجاعتهم الخارقة للعادة، بخلاف أعماله الجليلة للترفيه عن شعبه وحماية رعيته، وما يقدمه له الإله من المساعدة على الأوقات العصيبة، بوصفه ابنه الذي يحنو عليه.
والمثال على ذلك الأناشيد التي قيلت في الفرعون "سنوسرت" الثالث، حيث يحتمل أن الأغاني الأربع الأولى منها أُلّفت بمناسبة دخول الملك إلى مدينته، فجاء إليه أهلها مرحبين به. فمثلًا جاء في الأنشودة الأولى: "الثناء لك يا "خا كاو رع"! يا "حور"، يا صقرنا المقدس الوجود/ الذي يحمي الأرض ويمد حدودها/ الذي يقهر البلاد الأجنبية بتاجه".
وجاء في الأنشودة الثانية: "وما أعظم اغتباط مصر بقوتك! فقد حميت النظام القديم/ وما أعظم اغتباط الأرضين بشدة بأسك! فقد وسعت ممتلكاتها/ وما أعظم اغتباط مجنَّديك! فقد جعلتهم سعداء".
وفي عصر الدولة الحديثة، وفق موسوعة مصر القديمة، نجد أن قصائد المديح في الملوك زاد عددها وتتحدث عن قوة الملوك، وما وهبهم الإله الأعظم من القوة التي قضوا بها على الأعداء، وتصف لنا كذلك أحوال الأقوام المغلوبين، وما صاروا إليه من الذِّلة والمسكنة، وما يقدمونه للفرعون من الهدايا والجزية المفروضة عليهم.
ومن هذه القصائد تلك التي وضعت حوالي 1470 قبل الميلاد باللغة القديمة، وهي التي نَشدت مديحًا في "تحتمس الثالث"، مؤسس الإمبراطورية المصرية في سوريا، ونقشت على لوحة من الحجر في معبد "آمون» بالكرنك - الأقصر حاليًا - وتحتوي على مديح الإله نفسه لابنه الفرعون الذي كان يدخل المعبد منتصرًا بعد كل غزوة مظفرة.
وجاء فيها: "يقول "آمون رع" رب الكرنك: أنت تأتي إليّ وتنشرح حينما تشاهد جمالي، يا بني/ يا حامي يا "منخبر رع" الباقي أبديًا، إني أطلع منيرًا حبًا فيك/ إن قلبي ينشرح بمجيئك الميمون إلى معبدي، ويداي تمنحان أعضائك الحماية والحياة".
التطبيل عادة عربية
ولكي لا نظلم مصر، فهي ليست وحدها البلد أو الحضارة التي ظهرت فيها عادة التمجيد منذ قديم الأزل، إذ قال الحسن البصري "تولّى الحجاج العراق وهو عاقل كيّس، فما زال الناس يمدحونه حتى صار أحمق طائشًا سفيهًا".
ووفقًا لكتاب "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" (ج 7) لابن خلكان، كان الكاتب المعروف بابن المدبر الضبي الرستيساني إذا مدحه شاعر ولم يرضَ بشعره، يقول لغلامه امض به إلى المسجد الجامع، ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه، فتجنبه الشعراء باستثناء الأفراد المجيدين. فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في الإنشاد، فقال له :"قد عرفت الشرط". قال نعم، ثم أنشده:
"أردنا في أبي حسن مديحًا/ كما بالمدح تنتجع الولاة
وقلنا أكرم الثقلين طرا/ ومن كفاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن/ جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغني صلاتي/ عيالي إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها/ فتصبح لي الصلاة هي الصلات".
فضحك ابن المدبر واستظرفه وقال له :"من أين أخذت هذا"، فقال :"من قول أبي تمام الطائي (هن الحمام فإن كسرت عيافة/ من حائهن فإنهن حمام) فاستحسن ذلك وأحسن صلته".
ووصل المدح من الشعراء في الدولة العباسية إلى مبلغ عظيم، ومن أبرز هؤلاء البحتري الذي مدح المتوكل في قصيدة منها:
"لي حبيبٌ قد لج في الهجر جدَّا/ وأعاد الصُّدود منه وأبدَى
ذو فُنون يريك في كل يوم/ خلقًا من جفائه مستجدَّا".
وبلغ المدح في بعض الأحيان مراتب جعلت الحاكم في مصاف الإله، كما كان الحال في مدح ملوك مصر القدماء، ومثال ذلك قاله ابن هانئ الأندلسي في مدحه للمعز لدين الله الفاطمي:
"ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ/ فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
فكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ/ وكأنّما أنصاركَ الانصارُ
هذا الذي ترجى النجاة ُ بحبِّهِ/ وبه يُحطُّ الإصرُ والأوزار
هذا الذي تجدي شفاعته غدًا/ وتفجَّرَتْ وتدفّقَتْ أنهارُ".
أو ما قاله إبراهيم الموصلي في هارون الرشيد: "ألم تر أنّ الشّمس كانت سقيمة/ فلمّا ولي هارون أشرق نورها".
الحكم الشرعي في مدح الحكام والملوك
تلك الأشعار والمغالاة في مدح الحكام تُعد، وفقًا للعقيدة الإسلامية، أمرًا مكروهًا. وقد حذرت عدة مواقع إسلامية تُعنى بالفتوى، مثل موقع "إسلام إنشينت" أو "إسلام ويب"، من تجاوز حدود المدح، مستندةً إلى أقوال عدة، منها قول العلامة أبا بطين: "ولي الأمر إنما يُدعى، له لا يُمدح لا سيما بما ليس فيه. وهؤلاء الذين يُمدحون في الخطب، هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، فليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، ولا أن يثنى عليه، وإنما يُدعى لهم بالتوفيق والهداية".
وقد يسارع البعض ويحكي عن الشعر والمدح في زمن النبي، خاصةً مع حسان بن ثابت الملقب بـ"شاعر النبي"، وسعد بن الزبير، وعبد الله بن رواحة وغيرهم. لكن في حديث صحيح رواه مسلم، قال النبي "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب".