يُعيد الحديث المستمر عن العاصمة العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، التي بُنيت خارج حدود القاهرة القديمة ويتم حاليًا نقل المقار الرسمية للهيئات والوزارات إليها، إلى الأذهان فكرة أن القاهرة لم تكن العاصمة الوحيدة لمصر.
على مدار خمسة آلاف عام، انتقل مركز الحكم من شمال مصر إلى جنوبها عدة مرات. رحلة زمنية من منف إلى طيبة ومن الإسكندرية إلى الفسطاط، صاحبها سقوط ممالك وبناء أخرى حتى استقر الحال أخيرًا في القاهرة، آخر عواصم مصر التي بُنيت في عهد الفاطميين.
القبر.. أول عاصمة تاريخية لمصر
للعواصم دور تاريخي وسياسي واستراتيجي. تختار كل بلد عاصمة لها لأسباب عديدة، إما لتسهل التقارب بين شعب البلد أو حمايتها أو غيرها. ومن هنا، شهدت مصر انتقال مركز الحكم - أي العاصمة - عدة مرات على مدار 5 آلاف عام، لأسباب متنوعة، مما جعلها تحظى بأكثر من 20 عاصمة عبر تاريخها.
تشير ورقة بحثية بعنوان "أسماء عواصم مصر عبر العصور"، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري (صدرت خلال الدورة الـ26 لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالأسماء الجغرافية، في فيينا، عام 2011)، إلى أن العاصمة الأولى لمصر كانت "الطينة" أو "الطين" كما أسماها العرب، أو "Tnou" بالمصري أو "Tinis" بالإغريقي.
وعلى الرغم من أن الورقة قالت إن تاريخ الحكم فيها كان بين عامي 2950 - 2895 قبل الميلاد، لكن مصادر أخرى تشير إلى تاريخ مختلف قليلًا عن ذلك، مع الاتفاق على أنها العاصمة الأولى، وهي حاليًا تقع في قرية "بربا" التابعة لمدينة جرجا بمحافظة سوهاج، والتي تبعد عن القاهرة 515 كيلومترًا.
كانت "تينو" أو "ثينوس" مسقط رأس الملك مينا موحد القطرين، وتعتبر أول عاصمة للوجهين البحري والقبلي معًا، ويرجع تسميتها "البربا" لاحتوائها على آثار قديمة، وأهل الصعيد يطلقون على كل مكان يحتوي آثارًا فرعونية "بر" أي بيت، و"با" تعني روح. ومعناها "بيت الروح"، وهو "القبر".
اختارها الملك مينا بعد أن نجحت جهوده في توحيد مملكتي الشمال والجنوب، إذ أراد أن يكون مركز الحكم في منطقة تتوسط المملكتين. لذلك، وقع اختياره على مدينة تينوس، أو "بربا" حاليًا، التي تقع في منتصف مساحة مصر الجغرافية الممتدة لنحو 1000 كيلومتر.
أبعاد سياسية للعواصم المصرية
في كتابه "مصر القديمة"، قال عالم المصريات الفرنسي جان فيركوتير إنه بسبب موقع مصر عند الطرف الشرقي من القارة الإفريقية، نقطة التقاء العالم الآسيوي والمتوسطي بالعالم الإفريقي، شرع هذا الموقع يؤثر على الحياة السياسية مع مطلع العصر الفرعوني.
وأشار إلى الامتداد الطولي للبلاد، سواء على الصعيد السياسي أو الإداري، باعتبارها عدة قطاعات، فرض ضرورة أن تتوسط العاصمة إلى حد ما البلاد، وذلك بهدف أن تصل سلطة الفرعون/الحاكم إلى الوادي من أقصاه إلى أقصاه، دون معوقات.
ومنذ العصر الثيني (نسبةً إلى ثينوس)، بل وعصور ما قبل التاريخ، نزعت مراكز الحكم الحيوية إلى التمركز في منطقة "منف" أو "ممفيس"، التي تعد ثاني عاصمة مصرية (حاليًا قرية ميت رهينة بمركز البدرشين محافظة الجيزة كانت العاصمة بين عامي 2895 - 2360 قبل الميلاد)، على مقربة من القاهرة الحالية. وبحسب فيركوتير، نجحت إدارة الملك مينا، انطلاقًا من هذه النقطة، في مراقبة الدلتا وأعالي الوادى على حد سواء.
وعندما أقام الفراعنة الدولة الحديثة، وعاصمتها طيبة (الأقصر حاليًا) جنوب مصر، كانوا يهدفون إلى الاقتراب أكثر فأكثر من النوبة، بعد أن توسعت فيها مصر كثيرًا، خاصةً أنها كانت تمدها بالوسائل الضرورية، من بشر ومواد أولية، لتحقيق السياسة التوسعية التي تبنتها.
ويبدو أن اختيار طيبة بوصفها عاصمةً للبلاد لم يكن خيارًا موفقًا، بسبب بعدها عن الدلتا في الشمال. ويعتبر فيركوتير أن ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت مصر تصطدم بالإمبراطوريات الآسيوية والأوروبية التوسعية، التي حطت رحالها عند السواحل المصرية الشمالية والشرقية.
لذلك، أصبحت مصر مهددة من هذه الجهات، واضطرت دفاعًا عن نفسها أن تحشد قواتها في الدلتا. وهكذا شهدت مصر، اعتبارًا من الأسرة التاسعة عشرة والأسرة العشرين، تحركًا لمركز ثقل الحكم الذي جنح إلى الاستقرار فى الدلتا.
وتحركت العاصمة بين الشمال والجنوب مرات عديدة، لتكون طيبة/الأقصر العاصمة أربع مرات، متنقلةً منها إلى مدن أخرى، وتعود إليها حينما يجد الفرعون نفسه غير قادر على الوصل بين الشمال والجنوب، أو حماية مصر من الجنوب والتواصل مع أهل مصر العليا.
لكن ما يمكن أن يُقال عن العاصمة منف (تبعد 20 كيلومترًا جنوب الجيزة) أنها هُجّرت بعد دخول عمرو بن العاص عام 641 ميلادية، واستعملت أحجارها الباقية لبناء مدينة "الفسطاط".
الإسكندرية وأفاريس وأخيتاتون.. العاصمة مركز للعبادة أيضًا
لم يكن اختيار العواصم في بعض الأحيان بإرادة المصريين، إذ فرض سقوط الدولة المصرية تحت سيطرة قوى متعددة ذلك الاختيار. فمدينة "الإسكندرية"، على سبيل المثال، أصبحت العاصمة حينما دخلها الإسكندر الأكبر قادمًا مع قواته من الشمال.
وبحسب دراسة تحمل عنوان "العواصم المصرية القديمة منذ الدولة القديمة حتى نهاية العصر الفرعوني"، توّج الإسكندر الأكبر في عام 332 قبل الميلاد ملكًا على مصر في معبد "بتاح"، إيذانًا ببدء الفترة الهلنستية. وعَلِمَ الإسكندر أن التقرب من المصريين يأتي عن طريق التقرب من معبوداتهم أولًا، ولذلك قدّم الولاء لـ"بتاح" في بداية حكمه.
احتفظت مدينة "منف" بمكانتها البارزة، خاصةً الدينية، طوال فترة الحكم البطلمي. ومع وصول الرومان، فقدت المدينة، كما هو حال طيبة، مكانتها بشكل دائم لصالح الإسكندرية، إذ كانت منف مركزًا لعبادة المعبود "بتاح"، وكان يطلق عليه "حب-کا-بتاح"، ومعناه "مقر قرين الإله بتاح".
لم تكن الإسكندرية المدينة الوحيدة التي تم اختيارها كعاصمة ومركز ديني للبلاد، فمدينة "هيراكليوبولس" أو أهناسيا الآن، التي تقع في محافظة بني سويف جنوب القاهرة، كانت العاصمة في عهد الأسرتين التاسعة والعاشرة. وكانت أهناسيا مركزًا لعبادة "حرشف" أو "حريشاف" الذي كان المعبود الرسمي لتلك المنطقة، ودُمِجت عبادته مع هرقل في العصر اليوناني الروماني.
وبالمثل، كانت العاصمة "أفاريس" التي تقع في تل الضبعة حاليًا، في المنطقة الشمالية الشرقية من دلتا النيل؛ العاصمة في أواخر الأسرة الثالثة عشرة وطوال عصر الانتقال الثاني حتى تحررت مصر من الهكسوس على يد أحمس. وترجح الدراسة السابقة أنها هي نفسها "صوعن"، التي كانت مركزًا لمفاوضات فرعون مع موسى النبي.
أما العاصمة "بوباسطة"، تقع أطلالها في ضواحي مدينة الزقازيق الحالية على الفرع الشرقي أيضًا للنيل، والتي وصفها هيرودوت بأنها "مدينة جميلة"؛ فكانت مركزًا لعبادة المعبودة "باستت"، وكانت تقام فيها احتفالات سنوية كبيرة لها.
وهناك أيضًا مدينة "صا الحجر"، أو "صان الحجر"، التي كانت العاصمة الرسمية للدولة في عهد الأسر "24،26،28". تقع المدينة على الجانب الغربي لدلتا النيل، وكانت مركزًا دينيًا مهمًا منذ عصر بداية الأسرات، وكانت "نيت" المعبودة لهذه المدينة، واستمرت عبادتها حتى العصرين اليوناني الروماني، وشُبهت بالمعبودة "أثينا".
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهم العواصم الدينية في مصر قديمًا، وهي "إخت آتون" أو "أخيتاتون" أو "تل العمارنة"، في محافظة المنيا حاليًا. أصبحت "إخت آتون" عاصمةً لمصر على حساب طيبة، وذلك بأمر من أمنحتب الرابع الذي أراد، عندما اعتنق ديانة جديدة، وهي عبادة الإله آتون، الابتعاد عن نفوذ الكهنة في طيبة التي كانت مركزًا لعبادة آمون.
عاصمة مصر خارجها!
يدعي بعض المنتمين إلى حركة "الأفروسنتريك"، خاصةً في دول جنوب مصر، بأنهم حكموا المصريين في فترة ما، ولذلك يملكون في آثارها مثلما يملك المصريون. غير أن الدراسة السابقة أكدت أنه حينما تراجعت قوة المملكة المصرية، انتقل مركز الحكم إلى "نباتا" في النوبة، وذلك خلال الفترة الممتدة بين عامي 716 - 663 قبل الميلاد، في عهد الأسرة الخامسة والعشرين.
في هذا العصر، مرت البلاد بأوقات ضعف عديدة، واستولت على الحكم أسرة حبشية نقلت العاصمة إلى مدينة "ناباتا النوبة"، التي تقع حاليًا في "سفح جبل بركة فى السودان"، وقد هُدمت المدينة عام 24 قبل الميلاد.
الفسطاط والقاهرة
من الشمال الشرقي إلى الشمال الغربي، ومن الجنوب إلى نقطة تمركز الدلتا، استقر الحكم في القاهرة بعدما ظلت الإسكندرية مركز الحكم في العصور البطلمية والرومانية وحتى عام 641 ميلادية، تاريخ دخول عمرو بن العاص مصر، العام الثاني للهجرة.
اختار ابن العاص نقطة التقاء فرعي النيل لتكون عاصمةً جديدة لمصر، ومنحها أيضًا اسمًا ذو طابع عربي وهو "الفسطاط"، العاصمة الإسلامية العربية الأولى لمصر، بعدما رفض الخليفة عمر بن الخطاب أن يستمر مركز الحكم في الإسكندرية.
ولاختيار "الفسطاط" عاصمةً لمصر قصة، إذ رُوِيَ أن ابن العاص، حينما كان متوجهًا لفتح الإسكندرية، وجد يمامة في خيمته تدعى "فسطاطة" قد عششت وفرّخت فيها. وحينما عاد، نزل عليها أطلق اسمها "الفسطاط" على المدينة/العاصمة الجديدة.
لكن اللافت أن كل عاصمة كانت تُبنى على أنقاض العاصمة السابقة، وهو تقليد توارثتهُ مختلف الممالك والحكّام تقريبًا. فأول مسجد بُني في الفسطاط (وفي القاهرة والقارة الإفريقية بأكملها)؛ بُني باستخدام الأنقاض الأثرية للعاصمة "منف"، والتي تظهر أعمدته في قوائم المسجد حتى الآن.
ظلت الفسطاط العاصمة المصرية لمدة 112 عامًا، أي حتى عهد العباسيين الذين بنوا مدينةً شمالها سُمّيت بـ"العسكر". وبمرور الأيام، اتصلت المدينتان وأصبحت مدينة واحدة كبيرة، واستمر الحكم فيها لمدة 118 عامًا، حتى زوال عهدهم عام 868 ميلادية.
تلاها مدينة "القطائع" التي بناها أحمد بن طولون والي مصر، وكان متأثرًا بتصميم وتخطيط مدينة سامراء العراقية. سُميت المدينة بهذا الاسم لأنها قُسّمت إلى مناطق لكل فئة من سكانها، وأُطلق على كل منطقة منها اسم "القطيعة"، حيث كان فيها "قطيعة السودان"، و"قطيعة الروم"، وقطيعة لكل طائفة من طائفة الغلمان والموالي، وهي بمنزلة "الحارات" اليوم. وجعل لأهل كل حرفة قطيعة خاصة بهم مثل "سوق العيارين" و"سوق الطباخين". وهكذا عُرفت المدينة باسم "القطائع"، وظلت عاصمةً لمصر منذ عام 868 وحتى 905 ميلادية.
ومع بداية حكم الفاطميين لمصر، أسس القائد جوهر الصقلي، وبأمر مباشر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مدينة القاهرة. ولهذا السبب، لُقّبت المدينة بـ"قاهرة المعز"، الذي أمر أيضًا ببناء سور حصين على مساحة 340 فدانًا حولها، وفي وسطه قصر كبير مساحته 70 فدانًا.
لم تكن مساحة القاهرة ثابتة، بل كانت تتسع يومًا بعد يوم حتى أصبحت متصلة بالعواصم السابقة، الفسطاط والعسكر والقطائع، لتصبح أكبر المدن الإسلامية والعربية آنذاك. كما بنى الفاطميون عددًا من المقار الثقافية التي لا تزال موجودة حتى الآن، من بينها "دار الحكمة" والجامع الأزهر الذي أصبح مركزًا لنشر الدعوة الإسلامية في الوطن العربي والعالم فيما بعد.
ورغم تغيّر العصور وتبدّل الحكّام، من الأيوبيين إلى العثمانيين وصولًا إلى عصر أسرة محمد علي باشا، لم يتغير موقع القاهرة كعاصمة لمصر. واستمرت المدينة في دورها كعاصمة حتى تم الإعلان مؤخرًا عن نقل مركز العاصمة منها إلى عاصمة جديدة بُنيت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتضم مقرات للوزارات التي كانت تقع في وسط القاهرة، بالإضافة إلى مقرات لعدد من الجامعات والشركات.