"أَبَّاي مَتْقَفِلْش معايا أُمَّال". كانت هذه من أشهر العبارات التي وردت في المسلسل المصري الشهير "ذئاب الجبل"، والتي جاءت على لسان البدري، أو ربما ابن عمه، تعبيرًا عن الدهشة من حديث الطرف الآخر. ولا تخلو طفولة أي مصري من كلمات مثل "إمبو" بمعنى اشرب، و"تاتا" بمعنى امشِ، و"كل مم" وتعني خُذ الطعام"، وغيرها من الكلمات التي تعود جذورها إلى عصر الفراعنة.
وعلى المنوال نفسه، تقودنا المقارنة بين تاريخ مصر القديم وحاضرها إلى حقيقة أن هناك تشابهًا كبيرًا في سطوة الحاكم على الشعب، فقد أصبحت كلمة فرعون القديمة تُستخدم لا للإشارة فقط إلى حكّام مصر القديمة، بل تُطلق أيضًا لوصف الحكّام المتربعين على عرش مصر في العصر الحديث، خاصةً في ظل تشابه آلية وأساليب الحكم. والمتعمق في الواقع المصري، يجد أن هناك أوجه تشابه أخرى في نظم الحكم، سواء لناحية الشكل الإداري، أو آليات السيطرة. بل إن السجن يعد كذلك رمزًا تاريخيًا لمصر منذ العهد الفرعوني وحتى العصر الحالي.
يقودنا ما سبق إلى التساؤل عما تبقى من تلك الحقبة (عدا عن الآثار المادية الملموسة) داخل المجتمع المصري بعد مرور آلاف السنين على انتهائها. وعما تغلغل من عادات وثقافة ولغة الفراعنة داخل السمت العربي، الذي أصبح هو السائد بين المصريين، إضافةً إلى تفاصيل الحياة التي صمدت، مثل آثار أصحابها، لآلاف السنين داخل هذا المجتمع الذي تعرض لتغيّرات جذرية عشرات المرات.
لغة مصر القديمة
تعد اللغة المصرية أو المصرية القديمة، لغة أفرو-آسيوية منقرضة، تحدث بها المصريون القدماء، وهي معروفة اليوم من خلال مجموعة كبيرة من النصوص الباقية، والتي أصبحت متاحة للعالم الحديث بعد فك رموز نصوصها في أوائل القرن التاسع عشر.
في المقابل، فإن ما عرف من مسميات للغة التي تحدثها المصريون في ذلك العصر، ليست سوى مسميات للخطوط التي كُتبت بها فقط، ومنها: الهيروغليفية، الديموطيقية، الهيراطيقية، والقبطية، وفق تطورها عبر عصور مختلفة. وبالتالي، فهي تعبّر عن تطور حروف الكتابة الخاصة بلغة المصريين القدماء. فعلى سبيل المثال، الخط الهيروغليفي هو أقدم تلك الخطوط، وأقدم نقش معروف كُتب بهذا الخط هو مخطوط رسمي يعود إلى الفترة ما بين عامي 3300 - 3200 قبل الميلاد.
وهي أيضًا أطول لغة بشرية موثقة بسجل مكتوب يمتد لأكثر من 5000 عام، ويُعرف شكلها الكلاسيكي باسم اللغة المصرية الوسطى، التي كانت اللغة العامية للمملكة المصرية الوسطى، والتي ظلت تُستخدم كلغةٍ أدبية لمصر حتى عصر البطالمة والعصر الروماني. وبحلول العصور القديمة الكلاسيكية، تطورت اللغة المنطوقة إلى ديموطيقية. ومع دخول العصر الروماني، كانت قد تنوعت إلى اللهجات القبطية، قبل أن تحل اللغة العربية محل اللغة القبطية في النهاية بعد الفتح الإسلامي لمصر.
والقبطية الاسم الذي أُطلق على اللغة المصرية المتأخرة عندما كانت تُكتب بالأبجدية اليونانية. وازدهرت الأبجدية القبطية مع انتشار المسيحية المبكرة (31/33-324م)، إلا أنها ظهرت لأول مرة خلال الفترة الهلنستية حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، واستمرت حتى فترة القرون الوسطى. لكن بحلول القرن السادس عشر، تضاءل عدد الأقباط بسرعة كبيرة في مصر، خصوصًا في ظل حكم المماليك.
ومع ذلك، يُعتقد أنها استمرت في الريف المصري بوصفها لغة منطوقة لعدة قرون لاحقة. ورغم تراجع استخدامها في الحياة اليومية، لكنها بقيت لغة طقسية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكاثوليكية، ولذلك تعد أطول امتداد حي للغة المصرية القديمة، قبل أن تنحصر كلغة كهنوتية داخل الكنائس المصرية.
في هذا الإطار، وعلى الرغم من انحسارها، لا تزال العديد من المنصات القبطية ترصد الكلمات التي خرجت من الإطار الكنسي وأصبحت متداولة في لغة المصريين اليومية. وكان من الملاحظ أن هناك انتشارًا لبعض الكلمات بشكل عام، مع اقتصار بعضها على الاستخدام في مناطق بعينها، مثل محافظات صعيد مصر، مثل "أباي أو أباه: علامة دهشة واستنكار وتستخدم في الصعيد؛ آه: تعبير عن الألم والندم؛ ادّيني: اعطيني؛ أردب: مكيال للموازين الزراعية؛ أم قويق: طائر يشبه البومة، بالقبطي كوك ماو أي أم قويق؛ أمَّر العيش: بمعنى سَخَن العيش أو اخبزه، ومنه المثل المصري الشهير: قفاه يأمَّر عيش".
ولا يكاد المولود المصري يرى النور حتى يسمع أمه تخاطبه بلغة غريبة عن اللغة العربية، لكنها في الوقت نفسه قريبة من حس الطفل وفهمه. إذا جاع، تُحضر الأم الطعام وتقول له "مَم"، بمعنى أن يأكل، وأصلها كلمة مأخوذ من اللغة القبطية القديمة "موط"، والهيروغليفية "أونم" بمعنى كل.
وإذا عطش، أحضرت له الماء وقالت له "إمبو"، بمعنى "اشرب"، وهي مأخوذة من كلمة "إمنموا" القبطية، بمعنى اشرب. وعندما ينتهي الطفل من الأكل أو الشرب، تقول له كلمة "بَح"، وتعني انتهى ونفذ. أما اذا ارادت أن تنهر طفلها، تقول له "كخة"، وهذه كلمة قديمة ومعناها القذارة. وإذا أرادت أن تعلمه المشي، قالت له "تاتا خطى العتبة"، و"تاتا" في الهيروغليفية معناها "امشِ".
أما إذا رغبت في تخويف ابنها، فتقول له "هجيبلك البعبع"، والكلمة مأخوذة من القبطية "بوبو"، وهو اسم عفريت مصري يُستخدم في تخويف الأطفال. وفى موسم الشتاء، يهلل الأطفال لنزول المطر بقولهم "يا مطرة رخي – رخي"، وأصل كلمة "رخي" في العامية المصرية هو "رخ" في الهيروغليفية، ومعناها "نزل". بل إن الطفل نفسه يُطلق عليه المصريون كلمة "نونو"، وتعني الطفل الصغير في اللغة المصرية القديمة.
يقول خبير الآثار عبد الرحيم ريحان، عضو المجلس الأعلى للثقافة لجنة الآثار، إن مفردات اللغة المصرية القديمة التي ما زالت مستخدمة حتى الآن كثيرة جدًا، ومنها مثلًا كلمة "حاتي" وتعني بائع اللحوم، وهي مشتقة من الكلمة الفرعونية "حات حري" وتعني الجزء الأسفل من ساق الماشية، أي الكوارع. وكلمة "مكحكح" وتعني الشيخ العجوز الكهل والمسن، وكلمة "ميح" وتعني فارغ، وكلمة "بطح" وأصلها "بتح"، وهي كلمة فرعونية تعني الضرب على الرأس. وهناك كلمة "ياما" وتعني الكثير، و"هوسا" وتعني الدوشة والضوضاء، و"ترالالي" وتعني خفيف العقل غير الرزين.
والحديث هنا لا يقتصر على عدد محدود من الكلمات، وإنما مئات أو ربما آلاف الكلمات التي دفعت المتخصصين إلى كتابة كتب ترصد هذا الصمود اللغوي، مثل عالم المصريات ورئيس مصلحة الآثار المصرية الأسبق، عبد الحليم نور الدين، الذي قدّم كتابًا بعنوان "اللغة المصرية القديمة"، رصد فيه الكلمات من اللغة العربية الفصحى، واللهجة العامية المصرية، التي تتطابق مع كلمات من اللغة المصرية القديمة في النطق والمعنى.
عادات وتقاليد مستمرة إلى اليوم
رغم ارتباط العادات والتقاليد في مصر بالديانات السماوية، سواء الإسلام أو المسيحية، إلا أن بعض العادات والتقاليد الفرعونية ظلت حاضرة ومتجذرة داخل المجتمع المصري على مدار آلاف السنين، وإن خالف بعضها بعض تقاليد تلك الأديان.
ورغم أن الفقهاء وصفوها بـ"البدعة"، إلا أن المصريين تشبثوا بعادة إحياء ذكرى أربعينية المتوفي، وهي من العادات المصرية الراسخة التي توارثها المصريون منذ زمن الفراعنة حتى يومنا هذا. ففي تلك المناسبة، يجتمع أهل الميت في قبره لقراءة القرآن الكريم والأذكار، كما يقومون بتوزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين. وتعود جذور هذه العادة إلى طقوس التحنيط عند الفراعنة، والتي كانت تستغرق مدة تتراوح بين 40 و70 يومًا. وفي اليوم الأربعين، كانت تعتبر الروح قد تحررت من جسدها، وأصبحت جاهزة للسفر إلى العالم الآخر.
وهناك عادة "سبوع" المولود الجديد، التي تعود أصولها إلى الفراعنة، حيث كانوا يقومون خلال ذلك اليوم بـ"هز" أو تحريك الطفل يمينًا ويسارًا داخل "غربال"، بهدف إبعاد الأرواح الشريرة عنه، وذلك بعد 7 أيام من مولد الطفل لأن المصريين القدماء يعتبرون أن الرقم 7 يجلب الحظ الجيد.
بل إن المصريين دمجوا العادات الفرعونية بهالة دينية، حيث اعتادت الأسر تعليم الأطفال أن ترك الشبشب (وهي كلمة فرعونية أيضًا) مقلوبًا هو أمر حرام. لكن الحقيقة أن هذا الاعتقاد يعود إلى آلاف السنين، حيث كان الفراعنة يعتقدون أن ترك الشبشب أو النعل مقلوبًا يعد إهانة للآلهة، إذ إنه يعتبر بمثابة وضع الشبشب في وجهها. ولذلك يعتقد المصريون بأن ترك الشبشب على هذا النحو يجلب الحظ السيئ والنحس، الأمر الذي جعله من المحظورات في كثير من البيوت المصرية.
إضافةً إلى ما سبق، بلغ المصريون درجة في دمج الأعياد الإسلامية بموروثهم التاريخي القديم. فمن بين العادات الفرعونية التي ارتبطت باحتفالهم بالأعياد، كان تجمع العائلات وزيارة القبور، إلى جانب التصدق على الفقراء. وقد تكشف لاحقًا أن هذه العادة كانت من أولويات المصريين القدماء لاعتقادهم بأن أي مبلغ يتصدقون به من شأنه أن ينقذ حياة إنسان؛ وأن الإلهة "ماعت"، إلهة الحق والعدل، تعطي مكافآت كبيرة لمن يساعد الفقراء.
الفخار والفسيخ والكعب العالي
عدا عن اللغة والعادات الاجتماعية، ظلَّ المصريون يستخدمون عددًا من الأدوات والمعدات، التي ورثوها عن أجدادهم الفراعنة، نظرًا إلى أن العصر الفرعوني القديم اتسم بازدهار صناعة هذه المعدات والأواني، التي استُخدمت لتلبية الحاجات الحياتية اليومية للإنسان المصري، سواء في الزراعة أو الطبخ والتجميل وغيرها. وبلغ حرص المصريين القدماء على هذه الصناعات درجة أنهم ربطوا صانع الفخار "الفخراني" بالإله "خنوم"، إله الخلق عند الفراعنة، الجالس على عجلة الفخار ليشكل الإنسان.
ونجد في قرى مصر نماذج عديدة لهذه الأدوات، مثل الأواني الفخارية ذات اللون الأحمر المصقولة جيدًا على شكل طاسات، والتي عُثر على أشباه لها في لقى أثرية تعود إلى حوالي 4000 سنة. بل وحتى استخدام ما يعرف بـ"الساقية" لري الأرض، هو آلية تعود إلى عهد الفراعنة، ووجِدَ ذلك منقوشًا على الجدران وفي البرديات. أو الفأس الذي شاع استخدامه في عهد الأسرة الفرعونية الأولى.
ولعل كثيرين يجهلون أن الفراعنة هم من ابتدعوا لبس الحذاء ذي الكعب العالي، وهو ما أظهرته رسوم يعود تاريخها لعام 3500 قبل الميلاد، و كان يرتديها النبلاء من الرجال والنساء، بينما يمشي عامة الشعب حفاة، باستثناء الجزارين الذين كانوا يرتدونه حتى لا تتسخ أقدامهم بدماء الحيوانات. كما كان المصريون القدامى سبّقاين إلى ابتكار عدد من وسائل التجميل المستعملة في عصرنا؛ مثل المرايا، والمكاحل، والأمشاط، وأمواس الحلاقة، ودبابيس الشعر، والملاقط، وعلب حفظ أدوات الزينة. عدا عن مستحضرات التجميل، مثل الدهون والزيوت، والعطور والوشم بالحناء، ولا تزال النساء في مصر تستخدم هذه النوع من الوشم، خاصةً في أسوان.
ورث المطبخ المصري المعاصر الكثير من العادات الغذائية من الفراعنة، أشهرها الفسيخ؛ وهو سمك مملح ومخلل، يتناوله المصريون خاصة في احتفالهم بعيد "شم النسيم". وهناك شوربة العدس التي تطبخ خاصة في فصل الشتاء، وهي من الوصفات الفرعونية المعروفة حتى وقتنا هذا.
نظام إداري وموروث فرعوني والسجن الشهير
اللافت للنظر هو التشابه الكبير بين النظام الإداري والسياسي الذي حكم مصر على مدار العصور، ونظام الحكم الفرعوني الذي يشتهر بحكم الفرد المطلق المتحكم في كافة الأمور، والمعروف بـ"فرعون مصر"، مع استخدام التقسيم الإداري نفسه، وأدوات القمع ذاتها، على رأسها السجن. ويقول السفير عبد الله الأشعل في مقاله عن الاستبداد الفرعوني في مصر: "الفرعونية مصطلح يقصد به تجبر الحاكم واستبداده، فالفرعون هو من تجاوز الحدود، حتى لا يوجد معارض له، وانفرد بالدنيا والآخرة، وحاز السلطة المطلقة ولذلك بلغ به الأمر حد ادعاء الألوهية".
وأضاف في وصف الواقع الحالي: "للألوهية السياسية تقاليد في مصر، وهي أن المصريين لا يعبدون الفرعون وإنما يسلمون له في كل شيء، فقد قال لهم فرعون إن موسى أجنبي جاء ليصرفكم عن طريقتكم المثلى، وإنه لا إله لكم غيري، وإنني إله بدليل أن لي ملك مصر وهى معظم العالم المعمور في ذلك الوقت وهذه الأنهار تجري من تحتي، وإنهم يعتمدون عليه كما يعتمد الإنسان على الله عندما يبذر الحب في الأرض ثم يسعى لإرضاء الإله حتى يخرج الزرع".
وقد تمسك الحاكم المعاصر لمصر بأسلوب الفراعنة عبر رئاسته للدولة والهيئات التابعة لها، عدا عن أنه القائد الأعلى للجيش وقائد المجلس العسكري، ورئيس هيئة الشرطة، ورئيس الصناديق المالية، فضلًا عن رئاسة المجالس التخصصية.
وتاريخيًا، اعتمدت الدولة الفرعونية على سلطة مركزية ونظام شمولي، يستبد فيه الفرعون بالحكم بشكل مطلق، إذ تحول من مُوزِّع للمياه إلى مالك لها، ومن الحاجز والقاضي بين الناس إلى المُتحكِّم فيهم. وظلّت الدولة المصرية بأشكالها المتعاقبة في العصور الوسطى، تسير على هذا المنوال من الإدارة، واصطبغت علاقتها بالشعب بما خلّفه الاستعمار الخارجي وما تراكم لدى حكامها من استبداد داخلي. وحسب كلوت بك: "إن الشمس لا تطلع على شقاء ولا تعاسة أشد مما يوجد بهذه الجنة الأرضية، بفضل نظام من الحكم أساسه استغلال الفرد والسطو المنظم".
وقد اشتهرت مصر في العهد القديم بالسجون، والتي وردت في الكتابات الأثرية تحت اسم "جتح" و"حنزت". وكان أحد أكبر هذه السجون في طيبة، وأطلق عليه اسم "خنرت ور"، واستمرت فترة العمل به إلى عهد الدولة الحديثة وعهد الملك رمسيس الثالث، بحسب ما أبرزته اللقى الأثرية من قوائم توثق هويات سجنائه. الأمر الذي لا يزال مستمراً في العصر الحالي، إذ أصبحت السجون أكثر رموز الحكم في مصر، حيث بلغ عددها حاليًا 91 سجنًا وفق إحصاء نشرته منظمات حقوقية، بينها 48 سجنًا صدرت قرارات بإنشائها منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد.