حضرتُ، رفقة صديق لي، عرضًا موسيقيًّا خلال مهرجان كناوة بمدينة الصويرة شهر يونيو الماضي، وغير بعيد عن المكان الذي كنا نقف فيه، كنت أراقب سيدة ثلاثينية بدت لي في حالة غير عادية، وكأن شيئًا ما قد اجتاحها من الداخل، إذ بدأت تهتز وتتمايل وكأنها تغوص في عالم آخر إلى أن سقطت أرضًا. حينها كان الناس من حولها يراقبون المشهد في صمت وبلامبالاة ظاهرة، وكأنهم اعتادوا على هذا النوع من المشاهد، بل إن منهم من بدأ في التصفيق قرب أُذُنَيْها. صحيح أنني رأيت من قبل مشاهد شبيهة، في الأعراس الشعبية خاصةً، لكن هذه المرة بدا الأمر مختلفًا وأكثر إلحاحًا على التساؤل:
من أين تأتي هذه الجذبة؟ هل هي انفعال داخلي؟ نشوة؟ تلبّس؟ شفاء؟ أم طقس له جذور أعمق مما يبدو؟
تساؤلات كثيرة تقاطعت داخلي في تلك الليلة، لكن ما ظل يلازمني هو سؤال بسيط ومركّب في آن: ما علاقة موسيقى كناوة تحديدا بالجذبة؟ وما الذي يختبئ خلف صوت القراقب و"الكنبري" ورقص الأجساد التي تتمايل أينما ولّيت وجهك في المدينة؟
من هذه الحيرة بدأت رحلة البحث، لأكتشف ما يسمى "الليلة الكناوية" ثم جذور هذا الفن الذي أخرجته الرأسمالية من الفضاءات الخلفية إلى عروض الترفيه.
كناوة التي تعتبر ظاهرة فريدة في التراث المغربي، تتجاوز كونها لونًا موسيقيًّا محليًّا فقط، لتجمع بين الموسيقى الروحية والطقوس العلاجية و"استدعاء الأرواح"، وتقف على تخوم الصوفية و"السحر". كيف نشأت هذه الطقوس؟ وما علاقة الموسيقى بكشف الخفاء الروحي؟ وهل هي فن روحي أم طقس شعوذي؟
في فضاءات مغلقة، كان الكناويون يمارسون طقس "الليلة"، الذي "تُستحضر فيه الأرواح"، عبر تواتر موسيقي ورقصٍ جماعي، وصولًا إلى حالة "الجذبة"، أي الغياب التام عن الوعي، أو ما يشبه "العبور الرمزي" من هذا العالم إلى العالم الآخر.
وقد تشكلت هذه الممارسة عبر قرون من القمع العرقي حيث تعود أصولها إلى ما قبل 400 عام، حين اقتيد أفارقة من جنوب الصحراء إلى المغرب مصفّدين بالأغلال، واشتراهم الناس على أرصفة المواني وفي الأسواق، فكانت قصة من الضياع والوجع والغربة والحنين، لتتحول اليوم من طقس سريّ إلى أداء استعراضي، ومن طقوس علاجية روحانية إلى عروض تُقدّم في مهرجانات دولية أبرزها مهرجان كناوة بمدينة الصويرة في المغرب.
الأصول العرقية
تختلف المصادر بشأن تسمية "كناوة"، فبينما تقول كتاباتٌ إنها مشتقة من "غينيا" (أي غناوة)، والتي كانت تطلق على المنطقة التي تقع بجانب نهر النيجر في مالي حاليًّا، يذهب باحثون أمثال الفرنسي روني باسي إلى أن أصل التسمية أمازيغي، إذ إن المغاربيين اعتادوا على تسمية الرجل الأسود بـ "أكناو"، وهو ما يؤكده أستاذ التاريخ في جامعة أريزونا، شوقي الهامل، بقوله "إن أصل تسمية كناوة أتى على لسان المؤرخين من شمال إفريقيا الذين استعملوا هذه التسمية للإشارة إلى الإنسان الأسود عامة، ولوصف مجموعات العبيد والرجال السود القادمين من جنوب الصحراء الشرقية."
وترتبط جذور كناوة تاريخيا بالمجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء، خاصة في المناطق التي تُعرف اليوم بمالي والسنغال وغينيا والنيجر، كان هؤلاء السكان يعيشون في سياقات ثقافية ترتكز على المعتقدات التقليدية حول الأرواح، وتعتمد على الرقص كوسيلة للتواصل مع "العالم الخفي".
ومع موجات تجارة العبيد العابرة للصحراء، انتقل عشرات الآلاف من هؤلاء الأفارقة قسرًا إلى المغرب بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وتم استرقاقهم وتوظيفهم في أعمال الحراسة أو في مزارع قصب السكر، أو ضمهم إلى حاشية السلاطين، أو إلى جيوشهم، خاصة الجيش الذي يعرف تاريخيًّا بـ "عبيد البخاري"، لأنه كان مكونًا من العبيد الذين أقسموا للسلطان المغربي المولى إسماعيل بصحيح البخاري على الولاء له في السراء والضراء.
وقد تناثر أحفاد هؤلاء في مدن ومناطق من المغرب على غرار فاس ومكناس والدار البيضاء، والصويرة التي ساهم بعضهم في تشييد أسوارها.
وتحظى مدينة الصويرة بمكانة خاصة بالنسبة لطائفة كناوة في المغرب، وذلك لوجود ضريح الولي "سيدي بلال"، الذي يُعتبر الأب الروحي والمزار الأول والرسمي للكناويين، حيث يقام فيه الموسم السنوي للطائفة.
ويبدو أن هؤلاء المستعبَدين لم يفقدوا تقاليدهم، وإنما أعادوا بناءها على شكل طقوس اندمجت تدريجيًّا في الثقافة المغربية، هذا الاندماج أنتج هوية جديدة هجينة، حيث إن "العبد السابق" الذي لم يعد عبدًا، ما يزال في موقعٍ هامشي، عبّر عنه بالموسيقى والكلمات والزي المميز، والممارسة الطقوسية الجماعية التي تشكّل ما نعرفه اليوم بـ"كناوة"، والتي تحمل طقوسها تجربة العبودية وما يرتبط بها من معاناة وحنين وانتماء متشظٍّ.
صرخة الحنين
رغم حفاظهم على أصولهم الزنجية فإن الكناويين يعبّرون، في حياتهم اليومية وطقوسهم، عن انتماء واضح للثقافة الإسلامية، ويُظهرون توقيرًا خاصًا للصحابي بلال بن رباح، الذي يمثل بالنسبة لهم رمزًا للتقاطع بين "السواد الجسدي" والنورانيّة الروحية.
وقد عاش أفراد هذه الجماعة لقرون في فضاءات اجتماعية شبه مغلقة، ما دفع العديد من الباحثين إلى مقاربتها باعتبارها أقرب إلى "طريقة صوفية" منها إلى مجرد فرقة موسيقية، وذلك بما يشبه مثيلاتها من الجماعات الصوفية التي تمزج بين التعبير الفني والممارسة الروحية ذات الأبعاد العلاجية على غرار جماعتَي حمادشة وعيساوة.
وقد مثّلت الموسيقى الكناوية لزمن طويل وسيلةَ تعبير صاغ من خلالها المستعبَدون في شمال إفريقيا مشاعرهم المثقلة بالشوق والفقد، وحنينهم إلى جذورهم الإفريقية وأوطانهم البعيدة. وكانت هذه الموسيقى، بما تحمله من إيقاعات وألحان بمثابة لغة بديلة للتنفيس عن الألم، والتعبير عن أحلامهم بالتحرر والانعتاق.
ولعل من يُنصت لكلمات كناوة وموسيقاهم سيلحظ أنها بمثابة أرشيف تاريخي، إذ تحفظ قصص الأجداد الذين جُلبوا إلى شمال إفريقيا كعبيد، وتروي معاناتهم وصمودهم، مُقدّمةً تذكيرًا مؤثّرًا برحلتهم التاريخية.
كما تحفل الأغاني الكناوية بروايات شفوية تُجسّد حكاياتٍ أبطالها من داخل الجماعة ذاتها، مثل قصة "بابا ميمون الكناوي وهنيّة المليانية"، التي تُنسب أحداثها إلى منطقة مليانة بالجزائر.
وحسب الباحث عبد الرحيم الشراد، فإن هذه الأغنية الشهيرة تحكي عن حب من طرف واحد، حيث يقف بابا ميمون الكناوي ذات مساء حاملاً آلة "السنتير" أمام منزل محبوبته هنية، ويترقّب أن تفتح له باب قلبها وباب بيتها. لكنها قابلته بالسخرية والازدراء، قائلة:
"الكناوي يا ساداتي،
الكناوي بابا ميمون،
الكناوي جال البلدان،
جاب خادم كناوية،
كتاكل اللحم أخضر، واش كتاكل البرّانية؟"
وهي هنا تسخر من المرأة التي تزعم أنه جلبها معه من سفره، وتصفها بالمتوحشة التي تأكل النيء، كأنها تقول له لستَ من عالمي، ولا يليق بك أن تحبني.
يردّ ميمون بكلمات يائسة:
"راني في باب الدار،
الشتا والبرد عليّا،
والعجاج عمى عينيا"
ثم يستعطفها أن تمنحه شيئًا من الزاد للسفر، حيلةً لتفتح له الباب، لكن هنية تواصل قسوتها وتقول:
"هاك الجاوي،
هاك البخور،
بابا لكناوي،
هاك والعاطي مولانا".
أيإنها لا ترى فيه سوى رجل طقوسٍ، لا يستحق إلا البخور. وحين تفتح الباب، يلمح بابا ميمون جمالها الساحر فيقول:
"شهدوا عليا يا حبابي، هذي هي الهالكاني".
ولما تمادت في إهانته، أطلق أوتار آلته، فبدأ سحر الموسيقى يعمل، لتخضع هنية للإيقاع قائلة:
"نمشي على كفوف يديا،
نخدم سيدي بالنية".
فيجيبها:
"جذبي يا لالة هنية،
مجذوب يا زينة السمية".
فتبدأ هنية في الرقص والتماهي مع الإيقاع لينقلب الموقف. وما بدأ رفضًا وانتصارًا للكبرياء، ينتهي بخضوع للجذب الموسيقي.
وبالإضافة إلى موسيقى الحنين والألم وقصص المعاناة، تتمحور أغاني كناوة كذلك حول ذكر الله والصلاة على النبي وتمجيد الأولياء والصالحين.
أما على مستوى الموسيقى فإن موسيقى كناوة من أبرز الأشكال الإيقاعية في المغرب، إذ تعتمد على نظام متكامل من الإيقاعات المتواترة، يتجلى في التناوب بين ضربات الطبل وصوت القراقب المعدني، وهو ما يحاكي الإيقاعات الاستدعائية المنتشرة في تقاليد الشعوب الإفريقية من جنوب الصحراء. غير أن كثيرين يعتقدون أن ما يمنح كناوة طابعها الفريد كفن روحاني هو آلة "الكنبري" (أو الهجهوج)، وهي آلة وترية تصدر نغمات غليظة وعالية التردد يمكن سماعها من مسافات بعيدة. ويقال إن هذه النغمات "تهيج" الأرواح أو الكائنات الغيبية القابعة في أعماق المصاب، لتدفعها إلى الظهور أو التفاعل خلال الطقس العلاجي.
عوالم الكناويين
تتميز طقوس كناوة بتعقيدٍ شديد، يتجلى في حضور كثيف للألوان والرموز والكلمات والمفاهيم الروحية التي تُشكل مجمل الطقس الكناوي. فالكناويون يؤمنون بوجود أرواح تُعرف بـ "الملوك السبعة"، وتمثل مستويات مختلفة من القوى الروحية، ويُعتقد أن لكل "ملكٍ" لونا خاصا به، وشخصية محددة، وأسلوبًا في التفاعل مع العالم البشري.
وتُعتبر "الليلة" من أبرز طقوس كناوة وأكثرها تعقيدًا، وهي طقس يمتد من الغروب إلى الفجر، يُحضَّر له مسبقًا من خلال جمع القرابين (مثل الذبائح، أو البخور...)، وتحضير الفضاء الطقوسي، ثم تبدأ "الحضرة" التي تُنشد فيها أسماء الأرواح وتتكرّر فيها الأهازيج لتفتح البوابة الروحية.
وحسب الدكتور تيم عبد الله فوسون، الذي أعدّ أطروحة الدكتوراه الخاصة به عن "الأغاني في حفل الليلة" في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، فإن هناك عدة أسباب لإقامة الليلة الكناوية، أحدها وجود من يعاني من ضائقة نفسية أو عاطفية، أو ربما من شلل جسدي، ويُشتبه في أن أحد أرواح كناوة هو السبب. وتؤدى الليلة في هذه الحالة، "كوسيلة لمعرفة أي من الأرواح هو المسؤول"، بينما في حالة أخرى قد تكون هذه الروح محددة، لذلك "يمكن إقامة الليلة لدرء المشاكل المحتملة التي قد تحدث في المستقبل، أو لتقديم الشكر على أمور سيئة لم تحدث في الماضي."
ويمكن تقسيم الليلة الكناوية إلى ثلاث مراحل رئيسية تُعرف مجتمعة باسم "الدَّرْدْبَة". أولى هذه المراحل هي "العادة"، وهي بمثابة إعلان للعموم عن الشروع في إقامة الليلة، وفيها تنطلق فرقة كناوة في الشوارع والأزقة، وهم يرتدون زيّهم التقليدي، ويتقدمهم موكب من الفتيات حاملات الشموع. وخلال هذا الطواف يُعزف فقط على الطبول والقراقب، بينما تُستبعد آلة "الكنبري". وبمجرد عودة الموكب إلى البيت الذي يقام فيها هذا الطقس، تحل الكنبري محل الطبول في العزف، وتُستبعد القراقب لصالح إيقاع الكف، "وإن كان ذلك بشكل مؤقت، إذ ستعود لاحقًا في المرحلة التالية"، حسب الباحث سعيد بوكرامي.
أما المرحلة الثانية فتُعرف بـ "النقشة" أو "النكشة"، حيث يبدأ راقصو كناوة في أداء رقصات فردية وجماعية. وبعد استراحة قصيرة، تُفتتح مرحلة تدعى"فتوح الرحبة"، وذلك بإعداد المكان لاستقبال "الملوك". في هذا الطور تحضر "المقدّمة"، وهي امرأة ذات تتولى إدارة طقوس الليلة وتوجيهها.
في حين تبدأ المرحلة الثالثة بوضع صينية أمام "المعلم"، تحوي أنواعًا مختلفة من البخور وقطع قماش ملونة، تمثل كل منها "ملكًا" من ملوك الجن. وعلى وقع الموسيقى، يُطلب من المريدين ارتداء لون محدد يرتبط بروح معينة: الأسود لـ"سيدي ميمون" و"لالة ميمونة"، والأحمر لـ"سيدي حمو"، والأزرق لـ"سيدي موسى"، وهكذا دواليك، حسب تراتبية دقيقة تُعرف باسم "محلات الملوك"، والمسمى بـ «الملوك»، في معجم كناوة هم "رجال الله" (أي رجال ربانيون مؤمنون).
ومع تصاعد إيقاع الكنبري والقراقب، يدخل بعض المريدين في حالة من النشوة أو "الجذبة"، ما يشير إلى وصولهم مرحلة الانجذاب الروحي الكامل. حينها، يشير المعلم إلى المريد الذي بلغ الذروة كي يُستقدم إلى مركز الطقس.
وحسب سعيد بوكرامي تُعد آلة الكنبري جوهر هذا الطقس، حيث "يساهم بإيقاعه الروحي في تصعيد النشوة عن طريق إرسال الدعوات إلى الملوك. في حالة من التعبئة الموسيقية والروحية مع التقيد الصارم بشروط إحياء العادة التي من شأنها أن تسمح باستدعاء الأرواح وتحرير بعض الأجساد من أمراضها النفسية". ما يُمكّن من تحرير المريدين من توتراتهم أو معاناتهم النفسية، في طقوس تحكمها قواعد دقيقة منضبطة.
وهكذا تُستخدم طقوس كناوة وسيلة للعلاج، خصوصًا في الحالات التي تُفسَّر كأعراضٍ لمسٍّ روحي أو تلبّس جنّي. ويُنظر إلى هذه الحالة المرضية، عند البعض، على أنها نتيجة لخلل في العلاقة مع العالم غير المرئي، ويُعتقد أن كناوة يمتلكون القدرة على إعادة التوازن من خلال استدعاء الأرواح وإرضائها، أو طردها إن لزم الأمر.
من الفضاءات المغلقة إلى شكل فُرجَوي
شهدت كناوة تحولات جذرية في العقود الأخيرة، حيث تحولت من طقس مغلق يُمارس في الدوائر الخاصة إلى عرض يُقام على خشبات المسارح الدولية، في مهرجانات تجمع جمهورًا عالميًّا، وهو ما يمثل تحولًا من "فعل روحي" إلى "منتج ترفيهي"، حيث يخسر الطقس معناه الروحي ويتحول إلى أداء فني يستهلكه جمهور يبحث عن التجربة الحسية أكثر من البحث عن البُعد الروحي الذي ميّز كناوة على امتداد تاريخها.
ورغم أنه أمرٌ رغم قد زاد من شهرة هذا الفن، حيث أصبح مهرجان كناوة الذي يقام كل سنة في مدينة الصويرة قبلة لكثيرين، بما في ذلك السياح الأجانب، فإن هناك من يرى أن تأثير الشهرة قد شوه الموسيقى بشكل خاص، وذلك بتحويلها إلى منتج يُعرض في السوق، فلم تعد كناوة تجربة روحية أو ممارسة علاجية كما كانت، لأنها أصبحت مهنة تُمارس بدافع الربح.
وفي هذا السياق يعتبر المؤرخ محمد الناجي، أنه في السابق كان الغناء نابعًا من ألم حقيقي، ومن فقر وحرمان، ومن صرخة عبدٍ يطلب المغفرة والرحمة من الله. أما اليوم، فقد أصبحت كلمات الأغاني تُباع كسلعة، وأصبحت "الليلة" عرضا أكثر منها "طقس شفاء".
لقد أصبحت "موضة" على حد وصف الناجي.