تكرّرت على بلاد المغرب أزمات القحط والجوائح والمجاعات بشكلٍ متواتر، التمس خلالها المغاربة الغذاء في كل مادة تُمكنهم من تلبية الحاجيات الغذائية للجسم، والتي يحصرها البيولوجيون عادة في ثلاثة: الحاجة إلى المادة، والحاجة إلى الحرارة، ثم الحاجة إلى الطاقة.
وذكرت كتب التاريخ عشرات القحوط والمجاعات التي عرفها المغرب خلال القرن 19 وما قبله، وأبرزت ما نجم عنها من اختلال في الوزن الديموغرافي، وهجرات وتوتّراتٍ في علاقات المدينة والبادية، وما ساير ذلك أحيانًا من فتاوى بجواز اللجوء إلى "موادّ" محرّمة للأكل لمقاومة الجوع وصون الحياة.
أفرزت هذه المواد التي توسّل بها المغاربة لسدّ الرمق ومقاومة الجوع القاتل، عادات غذائية جديدة، عندما أصبحت الأطعمة البديلة، التي كانت غايتها اجتياز المحنة، سلوكيات وعادات غذائية تستولي مع مرور الزمن على "موطئ قدم" داخل المطبخ المغربي والنظام الغذائي للمغاربة إلى اليوم.
المناخ يصنع طبائع غذائية
ويعكس هذا الأمر بدرجة ما، أن تأثير المناخ على طبائع الناس وألوانهم وأشكالهم وهيئاتهم وملابسهم، وكذا أكلهم وشرابهم ثابت. فكان من الطبيعي أن تكون علاقة المناخ بالنظام الغذائي وطيدة، بالنظر إلى الدور الأساسي للمناخ في تحديد سلوك الإنسان المغربي غذائيًا.
يقول عبد الهادي البياض في كتاب "المناخ والمجتمع بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط": إن "الإطار الطبيعي (كوارث، جوائح، جفاف) يؤثّر في تشكيل طبائع الأمم والشعوب وألوانهم، ويُسهم في صياغة سلوكياتهم وعاداتهم بصرف النظر عن كونها إيجابية أو سلبية".
بل الأكثر من ذلك، فسنوات القحط، وفق البياض دائمًا، أثّرت "في ذيوع طقوس متنوّعة وصياغة ذهنيات خرافية وتشكيل طقوس سحرية. وكل هذه الطقوس والذهنيات الخرافية المرتبطة بها، لم تكن سوى واجهة تعبيرية عن واقع مثخن بالأزمات الجاثمة على موارد ومصادر عيش إنسان المغرب".
نظام غذائي وأطعمة لأعوام الجوع
لقد كانت المجاعة والقحط والأوبئة جميعًا تفرض دائمًا على ضحاياهم نظامًا غذائيًا استثنائيًا، لا يعمل في الواقع إلا على تسكين آلام الجوع لساعات محدودة ببعض النباتات البرية، عندما كان المغاربة يخرجون أيام المجاعة من القرى حاملين فؤوسًا صغيرة ذاهبين إلى الخلاء للبحث عن عروق الدغفل (المعروف لدى المغاربة باسم: إيرني).
ويقدم المؤرّخ محمد الأمين البزاز في كتابه "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19"، لائحة لما يسميه أطعمة الجوع. وتضم اللائحة إضافة إلى "إيرني" الذي كانت عروقه تُسلق ثم تجفف وتطحن لتعطي دقيقًا يصنع منه خبز أبيض، الخروب والنبق والبلوط والخبّيزة والدّوم والجراد.
لذلك "ارتبطت الأزمات الغذائية في ذاكرة الناس الجماعية بالنُعوت التي التصقت بأعوام الجوع، إما لكثرة استهلاك نبتة من النباتات البرية، وإما لشيوع ظاهرة من الظواهر القحطية. فبالإضافة إلى "عام البقّول"، تتكلم المصادر عن قحط 1721 الذي سماه سكان البادية "عام خيزو"، حيث استهلك الناس كميّات كبيرة من الجزر البري، (...)"، يورد محمد حبيدة في كتابه "المغرب النباتي: الزراعة والأغذية قبل الاستعمار".
في هذا الإطار، يؤكد عبد الرحيم العطري، في كتابه "قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام"، أن "هناك العديد من الأطباق الغذائية التي ظهرت بالضبط خلال سنوات مقاومة الجوع والتفاوض معه، ففي القبائل المحيطة بغابة المعمورة (غرب المغرب) صارت للترفاس (الكمأة) مكانة رئيسة ضمن الاستراتيجيات الغذائية، بعد أن كان مهملًا".
وأضاف الباحث الأنثروبولوجي، أن ساكنة شرق المغرب لجأوا إلى إنتاج خبز أطلقوا عليه اسم "تورتو"، يتكون بدوره من خليط الجذور بعض النباتات، ونلاحظ اليوم استعادة للحرشة (نوع من السميد) التي يتم خلطها ببعض النباتات العطرية كـ"مرسيطة" (الميليسة)، وهي وجبة ظهرت في إطار تفاوض المغاربة مع الجوع.
الحبوب والشعير في مقدمتها
تاريخ الإنسان في المغرب هو تاريخ النضال في سبيل الحصول على خبزه اليومي، وهو ما يجعل الإنتاج المادي القائم على الأرض والعمل الزراعي، هو الذي حدّد مساره وشكل سماته الأساسية.
ولأن بلاد المغرب كانت مرهونة لتقلبات الطبيعة بين العطاء والشح والنعيم والبؤس، كان لابد أن يكون "الطعام النباتي الذي لا يتغيّر طوال السنة، فهو ضرورة بالنسبة لقوم لابد لهم من الاقتصاد والادخار من أجل ضمان القوت على مدار السنة، وأيضًا تحسبًا لمستقبل مجهول"، يؤكد محمد الأمين البزاز في كتابه "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر".
يضيف البزاز، أن التغذية النباتية للمغاربة، "تأتي في مقدّمتها الخبز المصنوع من القمح والشعير الذي يعتبر الغذاء الرئيسي بالنسبة لجميع السكان. وتبرز أولويته في النصوص التي كثيرًا ما تشير إلى غلائه في أوقات الشدة. ويبدو أن حرفة الخبازة كانت حرفة مزدهرة في المدن".
وتذكر مصادر تاريخية وكتب الرحلة، أن فاس مثلًا، مدينة الخبز بامتياز، كانت توجد بها منذ العصر الوسيط أربعمائة طاحونة، ومحلات كثيرة لبيع الدقيق، والعديد من الأفران، خصوصًا أن المغرب، مثلما هو الحال في مجموع بلدان الحوض المتوسط التي تنتج الحبوب وتتقن الطحانة، كان غذاء الناس يتكوّن بالأساس من الخبز المصنوع بالخميرة أو بدونها.
يقول محمد حبيدة، في مُؤلّفِه "المغرب النباتي: الزراعة والأغذية قبل الاستعمار": "وحاصل الأمر أن الأغذية الرئيسية في المغرب، لدى جميع الشرائح الاجتماعية وفي كلّ المناطق الجغرافية، هي أغذية نباتية مكوّنة من الحبوب بالأساس، ومتنوّعة، من حيث التحضير، في الفرن وفي القدر، على الجمر وعلى البخار، (...). لكن هذه المآكل كانت في معظمها زهيدة في السهول والجبال والواحات".
نباتية عفوية لدى المغاربة
هذه الفكرة عن الأطعمة لدى عامّة المغاربة في الماضي، تدعم فكرة وُجود نظامٍ غذائيٍّ نباتيٍّ، قبل أن يظهر إلى الوجود اليوم مفهوم النباتية كما تُدووِل خلال القرن العشرين بشكلٍ خاصٍّ، إذ يشكّل فعليًا اليوم "تيارًا" متحيّزًا إلى حمية نباتية متطرفة.
يرى حبيدة أنها "نباتية عفوية؛ كونها خالية من أيّ تصوّر طبي أو بيئي أو أخلاقي. النباتية في الوقت الراهن اختيار، لكنها في الماضي كانت ضرورة، لأن قساوة البيئة وضعف مستوى العيش وتواتر المجاعات جعلت أهالي المدن والبوادي على السواء، في السهول والجبال والواحات، يكتفون بطعام مكوّن من حبوب ونباتات".
وفي المجمل، كانت الأطعمة والأشربة في السجّل المغربي محدودة التنوّع، لهذا كانت تميل إلى المنحى النباتي في غالب الأحيان، وهي واقعة تهم الكثير من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، اعتبارًا للظروف الطبيعية والترسبات التاريخية التي أشرنا إليها سابقًا.
الخبز الحافي وحبّات الكسكس
في سياق هذه النباتية دائمًا التي ميّزت المعيش اليومي للمغاربة، لا بد من التوقف عند خبز الشعير، الذي يطفو على السطح، بكل تأكيد، في كل الكتابات التي تؤرّخ للمجاعات والقحوط والأزمات في المغرب.
يعد خبز الشعير، وفق المؤرخ محمد حبيدة: "طعام عامة الناس، ليس في الجبال والواحات المغربية فقط، ولكن كذلك في البوادي والسهول المترامية على الساحل الأطلسي المنتجة للقمح، وحتى في المدن".
وأضاف في مُؤلَّفِه المغرب النباتي: "كان الفقراء يأكلونه حافيًا، أو مرفوقًا بالموجود من الزيت، والفاكهة، ومشتقات الحليب. غير أن سكّان الجبال كانوا يفضلون أكل الشعير في شكل عصيدة".
لكن المغاربة، تميزوا بطريقة أخرى لتحضير الحبوب. يتعلق الأمر بـ"الكسكس" الذي يُطهى على البخار ويؤكل بصفة كثيفة في البوادي والمدن على السواء. "فالكسكس هو الطبق المفضل لدى المغاربة، والمغاربيين بصفة عامة. هذا الطعام متجذّر في التاريخ والثقافة، في البوادي والمدن على السواء"، يورد محمد حبيدة.
يؤكّد المؤرخ نفسه، أن الناس كانوا "يأكلون الكسكس كل يوم، في المساء خصوصًا، بحسب المناطق، عوض الخبز أو العصيدة. ونجد في المصادر كلمات كثيرة لنعت هذا الطبق، في مقدّمتها "الطْعام"، وهي كلمة متداولة بكثرة في البوادي. أما في المدن، فتلبي هذه الكلمة طقسًا ذي صلة بالكسكس الذي يتصدق به الناس على الطُلْبة أو الفقراء (...)".
الكسكس رصيد ثقافي وتاريخي
واعتبر الكسكس باستمرار طبقًا مغربيًا بامتياز، باعتباره الطبق الذي يكلّف قليلًا ويُشبع عددًا كبيرًا من الناس، لذلك كان هو الطعام المعتمد لدى الأسر الفقيرة، وبشكلٍ خاصٍّ الكسكس البسيط الذي يقتصر تحضيره على الماء وقليل من الزيت أو الشحم والبصل والملح، ومادته الأساسية خشنة مكوّنة من خليط من الدقيق والنخالة الرقيقة.
يُلفت الباحث الأنثروبولوجي عبد الرحيم العطري إلى أن الكسكس اليوم "لا يغدو مجرّد شيء مادي أو وجبة عادية تتوفّر فيها مكونات بيولوجية وعدد معين من السّعرات الحرارية، وإنما تحيل على رصيد ثقافي وتاريخي حابل بالمعنى".
ولذلك اتخذ تحضير الكسكس في المغرب أبعادًا رمزية دينية، خصوصًا أنه ارتبط بيوم الجمعة، وبالزوايا الصوفية، لأنها محلّ تجمع الفقراء أو المريدين والغرباء وعابري السبيل، الذين كانوا يلجؤون إلى الزوايا ويقيمون بها شهورًا وسنينًا، وكان من وظيفة الذين يتولّون شؤون تلك الزوايا إطعام تلك الأصناف البشرية الكثيرة العدد، ولم يكن يقوى على إشباع تلك الجموع إلا الكسكس.
على هذا الأساس، كانت أغلب الأسر بالبادية المغربية تصنع حبات الكسكس في فصل الصيف بُعيْد موسم الحصاد، نظرًا لوجود الحرارة في هذا الفصل، إذ يُجفّف ثم يُدّخر في البيت ويتناوله أفراد العائلة طوال السنة. ويعد هذا الأمر من الآليات التي لجأ إليها المغاربة لمواجهة أيام القحط والجفاف والجوع.
استراتيجيات لتدبير الغذاء
يذكر المؤرّخ محمد الأمين البزاز أنه "إذا كان الإنسان المغربي يتجه إلى خالقه في أوقات الشدة طلبًا للرحمة، فهذا لا يعني أنه كان يقف مستسلمًا للأقدار؛ كان بالعكس يحسب حسابه لنكسات الطقس مما جعله يكتسب خبرة كبيرة في مقاومة الجوع".
ويشير البزاز، في كتابه تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، إلى إحداث "المَطْمورَة" بالأساس، التي تُشكّل إحدى أهم الوسائل النضالية للإنسان المغربي، إذ كانت جزءًا رئيسيًا من الحقل، وكانت قادرة على خزن الحبوب في حالة جيدة لمدة طويلة قد تصل إلى 20 سنة.
يُعرّف المؤرّخ "المَطْمورَة"، بكنها "عبارة عن تجاويف باطنية تفرش جوانبها بالتبن، وتغطيها صخرة منبسطة يعلوها غطاء صغير مخروطي الشكل مكونا أكمة تحول تسرب الماء إليها".
هذا الأمر يبيّن أن أي مجموعة اجتماعية تعمل على تقعيد استراتيجيات مضادة لتدبير الطعام، خصوصًا أن السلوكيات الغذائية للمغاربة تستند في كثير من جوانبها إلى دورة زمنية طبيعية مرتبطة بتعاقب الفصول، وأخرى فلاحية متصلة بالندرة أو الوفرة. كما أن الاستراتيجيات الاجتماعية الغذائية، تظلّ متعلقة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والطبيعية العامة التي يعرفها المجتمع.
القحط وتطويع الذوق
في سياق كل هذا، يذكر محمد حبيدة في كتاب المغرب النباتي، أن "جون لويس فلاندران"، وهو من المؤرّخين الفرنسيين الأوائل الذين اقتحموا ميدان البحث في تاريخ الأغذية، لاحظ أن "مطابخنا لا تعبر بالضرورة عن أطعمتنا المفضلة"، لأن ما نأكله إبان الأزمات وفي الأوقات العادية تمليه الإكراهات البيولوجية والضرورات الاقتصادية، أكثر مما تسمح به الاختيارات والأفضليات.
ويرى حبيدة أن "الأطعمة القحطية تحفّزنا على التفكير في مسألة الذوق على مستويين. المستوى الأول المتعلق بتطويع الذوق، عندما أكل الناس النباتات البرية بطريقة توافق ذوقهم الاعتيادي، فطبخوها أو عجنوها أو خبزوها".
أما "المستوى الثاني فيتعلق بالاندماج المطبخي، لأنه في مسلسل أكل الأطعمة وتطويعها واستجابتها للذوق العام، ينشأ الاعتياد على بعض المأكولات، فتندمج بكيفية تدريجية في النسق المطبخي الاعتيادي. بهذا المفعول تغيرت وظيفة بعض النباتات البرية من طعام قحطي إلى طعام اعتيادي"، يردف المؤرّخ ذاته.
جسر عبور لأبنية المجتمع
لم تعمل الممارسة الغذائية، في أرض الواقع، سوى على تركيب الذوق، وتطويعه ليوافق الطعم الاعتيادي والنظام المطبخي اليومي، مشكّلة بذلك نسقًا معياريًا مُشيّدًا تشييدًا اجتماعيًا، لأن الناس لا يأكلون فقط لتلبية حاجياتهم البيولوجية، ولكن أيضًا استجابة لعاداتهم البيئية ودوافعهم السوسيو-ثقافية.
يذهب الباحث الأنثروبولوجي عبد الرحيم العطري إلى أن "الطعام لا ينحصر في حدود المعطى البيولوجي أو التدبير الوظيفي لما يحتاجه الجسد، وإنما هو نتاج اجتماعي وثقافي، يحدد طبيعة المجتمع وتشكيلاته الاجتماعية، وصراعاته وتضامناته وتنافساته. إن الطعام بهذا المستوى، هو نافذة لقراءة الفعل والتفاعل الاجتماعي، وتبرير الممارسات المجتمعية".
وبذلك، لا تُبرِزُ العادات والممارسات الغذائية، والتي يتم بواسطتها تدبير الطعام والإطعام مغربيا، فقط الفعل البيولوجي في طابعه المجرد، بل تعبر عن أشكال ومضامين الثقافة في توحدها وتعددها في انفتاحها وانغلاقها على كثير من السجلات المجتمعية.
يقول العطري في كتابه قرَابة الملح: "الطعام هو جسر عبور ممكن إلى الأبنية الخفية للمجتمع ومنه نفكك كثيرًا من الشفرات الثقافية، ونتتبع مختلف التلاقحات والتواصلات التي تختزنها وجبات وأدوات الممارسة المطبخية.
إن الطعام باعتباره واقعة ثقافية أو "هندسة اجتماعية" (...)، يختزن في كافة الممارسات المرتبطة به دلالات مكثفة".
ومن خلال استنطاقها، وبشكلٍ أوسع، البحث وراء طرق إعداد الطعام وتقديمه وتدبيره، ينكتب تاريخ طويل من التصوّرات والممارسات والعلاقات، إذ إنه من ذات المطبخ نقرأ توتّرات المجتمع وتوازناته في زمن مضى كما دلّت على ذلك مجموع الأكلات التي فرضتها الأزمات والمجاعات والقحوط.
يشير محمد حبيدة في كتابه المغرب النباتي إلى أن "الأغذية تظهر كمرآة تفهم عبرها البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ما كان يأكله المغاربة قبل البنيات الحديثة التي أدخلها الاستعمار، في الأوقات العادية وفي أوقات القحط، يشهد على الكفاف، على التقشف، على عادات غذائية مرتبطة بالبيئة وخاضعة للتمايز الاجتماعي".
حكاية الغذاء والتراتب الاجتماعي
يورد باحثون في التاريخ الاجتماعي المغربي، الكثير من الأمثلة على خضوع العادات الغذائية للتمايز والتراتب الاجتماعي. ولا بدّ أن نذكر هنا في البداية الشاي كنموذج لافت، عندما ارتبطت بداياته في المغرب بمظاهر وعلاقات تعبر عن التراتب الاجتماعي.
كتب عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي، في كاتبهما "من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ"، أن طقس الشاي، المعروف بـ"الأتاي" عند المغاربة، انطلق من قصر السلطان، "حيث ظهرت هيئة "مْوالين أتاي" (يقصد به من يتكلفون بإعداد الشاي). ويوجد على رأس موالين أتاي مسؤول يدعى مول أتاي".
ويرجّح الباحثان، أن يكون طقس الشاي "انتقل من القصر السلطاني إلى أوساط أخرى عن طريق أسلوب محاكاة النموذج المخزني"، بل إنه في إطار السياسة التي اتبعتها الدولة "المخزنية" إزاء القبائل، عمد السلاطين إلى استعمال الشاي كسلاح لإخضاع الأطراف.
بخصوص ذلك، أشار كِتاب "من الشاي إلى الأتاي" إلى أن السلطان المغربي الحسن الأول، "عمد إلى إهداء الشاي والسكر والأواني الضرورية، للرؤساء المحليين الذين يرفضون الخضوع للسلطنة أو يتردّدون في الإعلان عن ولائهم لها. وقد أعطت هذه السياسة ثمارها المنتظرة مع مرور الزمن".
وطبعًا، على المستوى الغذائي، وبعد أن خرج الشاي من قصور السلاطين المغاربة وبيوتات الوجهاء المقربين من السلطة، تحوّل إلى "الأتاي" الذي أضحى إلى اليوم المشروب الرسمي للمغاربة، وغذاءً تعويضيًا (الشاي الحلو مكن من الحصول على وحدات حرارية مهمة) في الأوساط الشعبية، كما تشهد على ذلك مائدة الفقير المكونة من "الخبز وأتاي".












