على مدار تاريخه، كان البحر الأبيض المتوسط ساحة لصراعات بين القوى الإقليمية الكبرى للاستئثار بامتيازاته، باعتباره من المعابر المائية المهمة للبواخر الحربية والسفن التجارية، وتمثلت إحدى صور هذه الصراعات في تزايد وتيرة القرصنة خلال القرن الثامن عشر، والتي مارستها على حد سواء القوى الأوروبية والعربية المطلة على شواطئ الحوض المتوسطي.
وخلال العقد التاسع من القرن الثامن عشر، ونتيجة لمعطيات سياسية فرضت نفسها آنذاك، وقعت سفن أميركية في قبضة القراصنة الجزائريين وأُسُرت طواقمها البحرية، فأمضوا سنوات عديدة في الجزائر قبل إطلاق سراحهم، فما قصة هؤلاء الأسرى؟
استقلال الولايات المتحدة الأميركية
تعود العلاقات الجزائرية الأميركية إلى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما سعت الولايات المتحدة للتقرب من إيالة الجزائر العثمانية مباشرة بعد إعلان وثيقة استقلالها عن بريطانيا في 4 تموز/يوليو 1776، حيث دخلت مسرح العلاقات الدولية ولعبت دورًا بارزًا في البحر الأبيض المتوسط، الذي كان حوضًا تتنافس عليه القوى الأوربية والدولة العثمانية لأهميته الجيوستراتيجية والتجارية، بحسب ما يذكر الدكتور الجيلالي شقرون، في دراسة "العلاقات بين أيالة الجزائر والولايات المتحدة الأميركية خلال العهد العثماني 1776- 1830"، والمنشورة في الجزء الثاني من كتاب "صفحات من تاريخ الجزائر الوسيط والحديث والمعاصر".
يذكر شقرون أن العلاقات الجزائرية مع الدول الأجنبية كانت ترتكز على دعامتين؛ الأولى هي اعتبار كل دولة محاربة حتى توقع معاهدة صداقة وسلام مع إيالة الجزائر، وهو إجراء قديم مارسته الدول لأغراض رئيسية أهمها إقرار السلام وإبرام الصلح، وتجارية لتبادل السلع وتسهيل تنقل المواطنين بين أقاليمها وإنشاء القنصليات. أما الدعامة الثانية، فهي اعتراف الدول الأجنبية بسيادة الجزائر على البحر الأبيض المتوسط.
وبناء على هذين الأساسين، سعت كثير من الدول لإبرام معاهدات سلام وصداقة مع إيالة الجزائر لحماية أسطولها البحري التجاري من البحارة الجزائريين، الذين كانوا يجوبون في البحر الأبيض المتوسط بحثًا عن سفن الأعداء التي لا تملك جوازات سفر أو تلك التي لم يُبرم معها معاهدات صداقة.
وقبل إعلان وثيقة الاستقلال الأميركية عام 1776، كانت السفن التجارية الأميركية تنتقل في البحر الأبيض المتوسط آمنة من غوائل القرصنة لأنها كانت ترفع علم بريطانيا، وتحمل جوازات من الداي، ومن غيره من حكام الإيالات الأخرى مثل إيالة تونس وإيالة طرابلس في ليبيا، وكذلك المغرب الأقصى، الذين كانت تربطهم بها معاهدات صداقة وسلام تضمن سلامة سفنها، وتكفل حرية رعاياها.
لكن بعد حصول الولايات المتحدة على استقلالها رفعت علمها على سفنها التجارية، وكان ذلك العلم جديدًا في حوض البحر المتوسط عامة وعلى البحارة الجزائريين خاصة. ولذلك أضحت السفن التجارية الأميركية بدون حماية، ويمكنها أن تقع غنيمة في أي لحظة في يد الجزائريين الذين كانوا يخرجون بسفنهم في فصول معينة في البحر المتوسط، وفي المحيط الأطلسي عقب معاهدة السلم مع إسبانيا والبرتغال عام 1785.
وإزاء هذا الوضع لجأ الأميركيون إلى حليفتهم فرنسا في حربهم ضد الإنجليز، فأكدت لهم أن السبيل الوحيد هو إرسال المفاوضين لعقد معاهدة سلام وصداقة مقابل دفع ضريبة سنوية، وتقديم هدايا لحكام إيالات الشمال الإفريقي كغيرها من الدول الأوروبية التي تقوم بدفع مستحقات الصداقة والسلام.
ولم يمر وقت طويل حتى تحققت المخاوف الأميركية، فأسر الجزائريون في يوم 25 تموز/يوليو 1785 السفينة "ماريا" على مسافة ثلاثة أميال من خليج سانت فانسبت، وكانت تقل ستة بحارة، وبعدها بخمسة أيام تم أسر السفينة "دوفين" على مسافة سبعين فرسخًا من جنوب غربي لشبونة وعلى متنها 14 ملاحًا. وبحسب شقرون، قاد القراصنة السفينتين من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط لتصلا إلى الجزائر في يوم 12 آب/أغسطس 1785.
الأسرى الأميركيون في الجزائر
وصلت السفينتان إلى الجزائر بعد رحلة مُضنية، ونُقل الأسرى الأميركيون إلى وزارة الحربية في موكب احتفالي واستعراضي وسط السوق، حيث تجمهر الناس لمشاهدتهم، وكان القلق يسيطر عليهم لعدم معرفتهم بمصيرهم، إذ كانوا يخشون أن يُباعوا في الأرياف وينتهي بهم المطاف في مكان منقطع لا يعرفه أحد، ويقضون حياتهم في العبودية، بحسب ما يذكر الدكتور خالد الباطني في دراسة "عبيد في الجزائر.. أسرى الولايات المتحدة الأميركية في الجزائر 1785–1797".ويبدو أن هذه التصورات ما هي إلا انعكاس لتصورات الأميركيين عن العبودية التي مارسوها، والتي ارتبطت بالزراعة، حيث كانوا يشترون الأفارقة ذوي البشرة السمراء ويجبرونهم على العمل الزراعي الشاق مدى الحياة مفتقرين إلى أدنى درجات الحرية.
لكن العبودية في الجزائر كانت أمرًا مختلفًا، فالأسرى كانوا يُستخدمون في مجالات عديدة للاستفادة منهم إلى أن يتم افتداؤهم، كما تمتعوا بحيز من الحرية للعمل في وقتهم الخاص وجمع المال ومزاولة تجارتهم الخاصة، والتي قد تخولهم افتداء أنفسهم إذا جمعوا الأموال الكافية. وفي الوقت نفسه تمتعوا بحرية ممارسة شعائرهم الدينية وتناول طعامهم الخاص، حتى أن الخمر كان متاحًا لهم. وهذا لا يعني أن العبودية أو الأسر في الجزائر كانت أمرًا جيدًا، بل كانت على درجة عالية من السوء، لكنها مختلفة عن حال العبودية في أميركا، لذلك كانت صورة العبودية في أذهان الأسرى الأميركيين أسوأ من الواقع الذي سيواجهونه في الجزائر، كما يذكر الباطني.
على كلٍ، أراد الداي الجزائري محمد عثمان باشا جعل جميع الأسرى في عهدته كي يستخدمهم ورقة تفاوض مع الولايات المتحدة لتوقيع معاهدة تُقدم فيها أموال سنوية أسوة بجميع دول أوروبا، ويكسب في الوقت نفسه مبلغًا من المال جراء افتدائهم. ولهذا السبب جرى توزيع الأسرى الأميركيين وتوظيفهم في عدد من المهن وفقًا لمراتبهم وقدراتهم ومهاراتهم، فاختار الداي خمسة منهم للعمل في القصر، منهم واحد في المطبخ، واثنان في منصب رؤساء الخدم، واثنان آخران في الحديقة.
أما بقية الأسرى فأرسلوا إلى "سجن العبيد" أو سجن "الأسرى المسيحيين"، إذ عُرف جميع الأسرى الأوروبيين باسم "العبيد المسيحيين". وبحسب الباطني، كان الأميركيون جزءًا من الأسرى المسيحيين لذا أُطلق عليهم الاسم أيضًا، لكنهم كانوا يكرهون احتسابهم مسيحيين كبقية الأوروبيين، لا سيما باعتبارات القرن الثامن عشر، فقد كانوا يمقتون بقية الأوروبيين لأنهم كاثوليك فيما كان معظم الأسرى الأميركيين من البروتستانت.
بالإضافة إلى ذلك، كان الأميركيون يرغبون دائمًا في إبعاد أنفسهم عن بقية المسيحيين الكاثوليك، لأن عديد من الحراس والجنود المسؤولين عن الأسرى المسيحيين كانوا في أسر دول مسيحية لطالما عاملتهم بمنتهى الوحشية، فراحوا ينتقمون بأن أذاقوا الأسرى المسيحيين من الكأس نفسه. وهكذا كان الأسير الأميركي حين يُنقل من سجن إلى آخر يبيّن للمسؤولين أنه مختلف دينيًا عن بقية الأسرى الأوروبيين وبأن أميركا لا علاقة لها بالمسلمين.
لكن الأمر كان مختلفًا بالنسبة لقادة السفن، حيث كان من المفترض أن يعاملوا بطريقة أفضل وأن يمكثوا في أماكن منفصلة وجيدة، فاستضافت القنصلية البريطانية إيزاك ستيفنز وريتشارد أوبراين، قبطاني السفينتين "ماري" و"دوفين"، لكنهما عُوملا بشكل مهين كالخدم وذاقا ضروب الذل والاحتقار، مع أن العُرف كان يقتضي بمعاملة قبطان السفينة باحترام، فعمل أوبراين في حديقة القنصلية يشذب الأشجار، فيما عمل ستيفنز على تنظيف القمامة في القنصلية. ويرى الباطني أن طريقة تعامل القنصل البريطاني مع قبطاني السفينتين كانت نابعة من العداء الذي سببته حرب الاستقلال الأميركية، فمعظم الأسرى الأميركيين كانوا قبل سنوات قليلة رعايا الملك البريطاني.
وبعد فترة قصير، وبإيعاز من الولايات المتحدة، تدخلت القنصليات الفرنسية والإسبانية والسويدية وقدمت يد العون للأسرى الأميركيين، فاستضيف القباطنة ومساعدوهم في بيوت القنصلين الفرنسي والإسباني، وأُرسل أحد الأسرى إلى القنصلية السويدية، فيما أُرسلت مجموعة أخرى إلى قصر الداي، أما البقية فأُرسلوا إلى الميناء للعمل في مهام صعبة وشاقة. كما تمكنت الحكومة الأميركية، عن طريق القنصلية الإسبانية في الجزائر، من توفير سكن خاص فقط بالقبطان، وتخصيص مبلغ مالي صغير جدًا لجميع البحارة بالكاد يكفي لسد رمقهم.
دعوات إلى الإسلام والكاثوليكية
وبشكل عام، فإن حياة الأسرى الأميركيين في القصر كانت جيدة، حيث توفر الطعام والشراب والملبس، أما الذين عملوا في الميناء فكانت حياتهم شاقة، وأشبه ببؤس أبدي وعذاب مستمر. لكن هذا لا يعني أن العاملين في القصر كانوا بمنأى عن التعب والتهديد، فكثيرًا ما تعرضوا للجلد، وكانت حياتهم في خطر دائم؛ لأنهم قد يلاقون حتفهم فيما لو أخطأوا، بحسب ما يروي الباطني.
وبعد بضعة أشهر من الخدمة في القصر وصل مجموعة من الأسرى الهولنديين، فأخرج الداي الأميركيين من هناك واستبدلهم بالهولنديين، وعمّ البؤس جميع البحارة. ولم يكن قباطنة السفن الأميركية بمنأى عن العمل، فقد كان الداي يستدعي القبطان أوبراين ويأمره بالإبحار على متن سفن القراصنة ليستفيد من خبرته في الإبحار.
ولأن الداي كان معجبًا بأوبراين ومهارته في الإبحار وقيادته للسفن، فقد عرض عليه أن يكون أحد تابعيه ويعتنق الإسلام، لكن القبطان لم يقبل العرض. ويذكر الباطني أن محاولات فردية مورست من قبل بعض العاملين والجنود الجزائريين لدعوة الأسرى إلى الإسلام مقابل بعض الامتيازات، لذا اعتنقته مجموعة من الأسرى الأوروبيين وتبوأ بعضهم مناصب عليا في الدولة.
ولم تقتصر الدعوة الدينية على المسلمين فحسب، فرجال الدين الكاثوليك أيضًا كانوا يحاولون تغيير مذهب الأسرى من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، وكان لدى الإسبان مستشفى كاثوليكي يعتني بصحة الأسرى الأوروبيين، وعندما يدخله الأسرى الأميركيون يبدأ رجال الدين بمحاولة التأثير عليهم وتغيير معتقداتهم الدينية وإغرائهم بالأموال ومنحهم امتیازات تمكنهم من التخلص من بعض أعباء الأسر.
محاولات أميركية فاشلة لإطلاق سراح الأسرى
بيد أن الأسرى الأميركيين لم يقفوا مكتوفي الأيدي، إذ تواصلوا مع السلطات في بلادهم لمحاولة إطلاق سراحهم وفدائهم. يروي علي تابليت، في دراسة "العلاقات الجزائرية الأميركية 1776–1830"، أنه بعد أسر السفينتين مباشرة راسل أوبراين أحد المُكلفين من الكونغرس بإجراء اتصالات مع حكام إيالات الشمال الإفريقي وهو توماس جيفرسون، وناشده بأن ينقل معاناة الأسرى إلى الكونغرس.
وبحسب تابليت، لم يتفاءل جيفرسون وزميله في الفريق المُكلف جون آدامز بإمكانية مساعدة الأسرى، إذ كانا واعيين بالضعف العسكري لبلادهما، وخشيا من أن تغالي بريطانيا في ثروة وغناء الولايات المتحدة للقراصنة الجزائريين، فيدفع ذلك إلى مطالبة أميركا بمبالغ كبيرة لافتداء الأسرى.
وإزاء عدم تعهد الكونغرس بتحرير الأسرى الأميركيين، قرر الاثنان فدية الأسرى في الجزائر، ومن ثم قررا تعيين تاجر بغال في منطقة حوض البحر المتوسط يدعى جون لامب لمهمة التفاوض مع الداي، فراسلاه في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1785، وأصدرا له تعليمات بفدية الأسرى في حدود 200 دولار للشخص الواحد.
وصل لامب، الذي لم يكن يملك أي خبرة دبلوماسية سابقة، إلى الجزائر في 25 آذار/مارس 1786، والتقى بعد وقت قصيرة بالداي محمد عثمان باشا في أربع مناسبات، فسأل الداي محمد لامب عن المبلغ الذي يمكن أن يقدمه مقابل الأسرى، فأجاب لامب بـ10 آلاف دولار، وهو مبلغ تجاوز ما رخصه جيفرسون وآدامس. ورد عليه الداي بأنه يطلق الأسرى مقابل 50 ألف دولار، ولا أقل من ذلك، يروي تابليت.
وفي 5 نيسان/أبريل رفع لامب المبلغ إلى 30 ألف دولار، لكن الداي استمر في رفضه. وأخيرًا، وفي 7 من نفس الشهر تجاوز لامب تعليمات جيفرسون وآدمس، ووافق على تقديم 50 ألف دولار لتحرير الأسرى، ووعد بالعودة في غضون أربعة أشهر ومعه المبلغ المتفق عليه، وقبل مغادرته الجزائر التقى بعدد من الأسرى ووعدهم بتحريرهم خلال أربعة أشهر، وسلمهم 800 دولار وملابس جديدة. غير أن المفاوض لم يعد إلى الجزائر إطلاقًا، لأن الكونغرس لم يستطع توفير المال المطلوب.
ما زاد الطين بِلة هو اعتقاد جيفرسون بأنه في حال دفع مبالغ مالية ضخمة لإطلاق الأسرى الأميركيين، فإن ذلك سيدفع الجزائريين لاصطياد عدد أكبر من السفن التجارية الأميركية. والأكثر من ذلك أنه قطع مراسلاته مع الأسرى حتى يوهم الجزائريين بأن الحكومة الأميركية لا تهتم برعاية مواطنيها، ورفض تقديم مبالغ كبيرة مثلما تقدم البلدان الأوربية الأخرى لإبرام معاهدة سلام.
انتشار الطاعون في الجزائر
ورغم انتشار الطاعون في الجزائر سنة 1787، إلا أن الكونغرس لم يحرك ساكنًا لتحرير الأسرى أو يغير الفلسفة الأساسية للمفاوضين بعدم دفع ثمن باهظ لإنقاذ الأميركيين المسجونين، وذلك رغم التماس أوبراين المساعدة من حكومته. ويذكر تابليت أنه خلال هذه الفترة فقد أوبراين واحدًا من أعضاء طاقمه بهذا المرض، وبحلول تموز/يوليو 1788 مات ستة من الأسرى، وفي عام 1789 انتشر الطاعون في كامل البلاد.
ولما علم جيفرسون بانتشار الطاعون في الجزائر وأن الأميركيين في حالة خطرة، عجّل محاولته لتحريرهم، فاجتمع بممثلي منظمة "الأخوة الكهنوتية" الكاثوليكية الفرنسية، لحثهم على التوسط لافتداء الأسرى الأميركيين، غير أن المنظمة كانت قد قلصت أنشطتها بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789؛ وبالتالي أصبحت غير قادرة على القيام بهذا الدور.
كما حاولت بعض الجمعيات الدينية والخيرية الأميركية العمل على تحرير الأسرى عن طريق الجمعيات الدينية في أوروبا، فتواصلت جمعية مناهضة للرق في فيلادلفيا مع منظمة "الرحمة" في بوردو بفرنسا، في محاولة منها لضمان تحرير الأسرى في الجزائر، وفشلت هذه المحاولة أيضًا بسبب الثورة الفرنسية، كما يذكر تابليت.
سفن أميركية جديدة في قبضة القراصنة
مرت السنوات التالية دون التوصل لاتفاق سلام أو حل لمشكلة الأسرى، بل ازداد الأمر سوءًا عندما أسر القراصنة الجزائريون عام 1793 عشر سفن أميركية أخرى عليها 110 بحارين أميركيين، ليصل عدد الأسرى الأميركيين في الجزائر إلى 128 أسيرًا. وبحسب شقرون في دراسته المذكورة آنفًا، بدأت الولايات المتحدة من جديد في إيفاد مفاوضيها إلى الجزائر من أجل إطلاق سراح الأسرى وإنهاء الأزمة بين البلدين، خاصة بعد تدشين حملة كبيرة في الصحف الأميركية تطالب بإيجاد حل.
سبب آخر دفع واشنطن لإرسال مفاوضيها يتمثل في أن التجارة الأميركية في البحر المتوسط أصبحت مستحيلة. يشرح شقرون أن السفن الأميركية كانت تجد نوعًا من المساعدة والحماية من طرف الأسطول البرتغالي، الذي كان في حرب مع الجزائر بفضل مراقبته لمضيق طارق ومنعه مرور السفن الجزائرية، إلا أن توسط بريطانيا بين الجزائر والبرتغال أدى لعقد هدنة بين الطرفين سنة 1793 في عهد الداي حسن، وبالتالي سُمح للأسطول الجزائري بالمرور إلى المحيط الأطلسي، مما عقّد مشكلة الولايات المتحدة مع الجزائريين واضطرها للدخول في مفاوضات مباشرة معهم.
وبعد مفاوضات عديدة، عُقدت معاهدة صلح عام 1795 تعهدت الولايات المتحدة بموجبها بأن تدفع للجزائر مبلغ 725 ألف دولار في مقابل فدية الأسرى الأميركيين، وغرامة سنوية مقدارها 12ألف دولار، ودفع ما جرى عليه عرف الدبلوماسية الجزائرية من أموال ومقتنيات ثمينة على سبيل الهدايا والمنح. وفي المقابل وعد الداي حسن بأن يساعد الولايات المتحدة على عقد معاهدات صلح مع كل من إيالتي طرابلس وتونس.
وبحسب شقرون، كانت التكلفة الحقيقية لمعاهدة الصلح هذه بالنسبة للولايات المتحدة تعادل أو تفوق المليون دولار، وهي قيمة في غاية الارتفاع بالنظر إلى حالتها المالية الكارثية بسبب الديون الخارجية ووضعها الاقتصادي المزري، وذلك جراء حرب الاستقلال وضعف الدولة حديثة النشأة تنظيميًا وإداريًا، لكن لم يكن لهم مفر ولا بديل من دفع هذه المبالغ.
وبينما تكشف قصة الأسرى الأميركيين في الجزائر جانبًا من تعقيدات العلاقات الدولية في أواخر القرن الثامن عشر، فإنها تعكس أيضًا واقع البحر الأبيض المتوسط بوصفه فضاءً للتنافس والمساومة السياسية والاقتصادية. كما تُظهر كيف دفعت مصالح التجارة والأمن الولايات المتحدة إلى التعامل مع القوى القائمة في شمال إفريقيا، قبل أن تنتهي الأزمة بتوقيع معاهدة الصلح عام 1795، وطيّ واحدة من أبرز المحطات المبكرة في تاريخ العلاقات الجزائرية الأميركية.