النيل هو سيد الذاكرة الشعبية للمصريين، لا يفوقه في الحضور شيء آخر لا في الكم ولا في الكيف، يتدفق بغزارة لا تنقطع كحاله الأبدي، ولا يُخلف وعده. شكّل أسطورته الخاصة ومنزلته الراسخة في العقل المصري، فلم يغب يومًا ولم يبتعد حتى أقمنا بيننا وبينه سدًّا، وليس المقصود هنا سدًّا ماديًا من الأحجار والتراب، ولكن سدٌّ معرفيٌّ صنع لدينا استغلاقًا مُحكمًا في فهمنا لما كانت عليه التفاعلات الشعبية حول النيل وما أنتجته من حالة أسطرة لهذا المجرى العظيم.
وبالرغم من أن النيل ارتبط في المخيال الشعبي بنصيب وافر من المرويات والأساطير ونُسجت حوله مئات الحكايات التى مازال صداها يتردد حتى الآن، فإنّ قليلًا مَن ظل يلتفت إلى طميه الخصيب الذي هو شريك الرحلة من بداياتها، من منبعها الأول. لم يكن مجرد طين داكن اللون مُلقًى على الضفتين، بل كان للمصريين بيت القصيد، ومنه كانوا يتنبؤون بموعد الفيضان. عرفوه كأحد الأولياء، وتفاعلوا معه كدواء يشفي من مسّته علة في الجسد أو الروح، فكانوا يُغلفون به الخلاص والمشيمة وشعر المولود حتى يتحقق المُراد.
في البدء كان خنوم
إذا أردنا أن نبحث عن أول الخيط في تشكُّل طمي النيل كعنصر تراث لامادي، فلا بد من الرجوع إلى الميثولوجيا المصرية القديمة والتفتيش عن الطمي المنثور في جوانبها. يبدأ الأمر من عند "خنوم" أحد أهم الآلهة عند قدماء المصريين، المعبود المصور في هيئةٍ لها رأس كبش، والذي حمل ألقابًا عديدة من بينها خالق البشر وحارس منبع النيل، بل كان هو أبو الآلهة منذ البداية عند المصريين القدماء، الذين اعتقدوا في خنوم أنه رمز الخصوبة والمياه والخلق والإخصاب. من هذه اللحظة يبدأ ظهور طمي النيل كبطل رئيسي في المشهد, كان خنوم يجلس على عجلة الفخار ويُشكل الطين فيصيّره بَشَرًا، من هنا ولدت أسطورة خنوم في تشكيل البشر ومنحهم الحياة من طمي النيل، ومن هنا أيضًا صار الطميُ مقدَّسًا، تَشَبّع بالأساطير والممارسات الشعبية كما تشبع بماء النيل في فيضانه، فصار خليطًا مُذهلًا من مادة طينية على ضفاف النهر ومادة ثقافية ومعرفية في العقل الشعبي.
لذا لا تستغرب إذا حكى لك أحد الفخارين المعاصرين أسطورة خنوم في ثوب جديد أو قالب مختلف، قد يرويها لك في هيئة قديس مسيحي وقد يسردها لك في ثوب ولي مسلم من أولياء الله الصالحين، وهو ما نعرفه بإعادة إنتاج الموروث. إليك هذه الرواية الشفاهية التى وثقتها الباحثة نرمين خفاجي في دراستها الهامة "الفخار والخزف.. من الطين ينطق التاريخ والفن والجمال" من منطقة فواخير الفسطاط، وهي رواية شائعة يتناقلها سكان المنطقة: "يُحكى أن رجلًا كان يعيش مع زوجته عيشة هانئة، ومرضت الزوجة مرضا أعاقها عن الإنجاب، وخافت أن يهجرها زوجها من أجل أن يتزوج امرأة أخرى ينجب منها الذكور والإناث. ولما كان الرجل متيمًا بها وفيًّا لعِشرتها فما كان منه إلا إن قام بـ"إخصاء" نفسه حتى تطمئن روحها. ومرت الأيام وشفيت الزوجة من مرضها، وصارحت زوجها برغبتها في الإنجاب، فهام الرجل على وجهه حزينًا حتى التمس موضعًا بجوار كوخ الشيخ أبو السعود الجارحى بالفسطاط، الذي سأله عن سبب كربه، فروى الرجل قصته. فما كان من الشيخ إلا أن طلب منه النزول معه إلى سردابه ومكثا بداخله ثلاثة أيام وفي رواية أخرى ثلاثة أسابيع قام فيها الشيخ بصناعة عضو ذكري من الطين الذي يصنع منه القلل ومسح عليه فأصبح كسابق رجولته وعاد إلى زوجته بفضل بركة الشيخ وسِرّه".
نعلم أن الشيخ أبو السعود الجارحي من أولياء القرن السادس عشر الميلادى ويُعرف بين العامة بلقب أبو الأباريق –وعلاقة اللقب بالفخار واضحة- وكانت خلوته في منطقة كوم الجارح من الفسطاط، وما زال ضريحه بداخل مسجده لا تنقطع عنه زيارة النساء الراغبات في الإنجاب ببركة كراماته، في ممارسة يتجلى من خلالها العقل الشعبي الخلاّق، القادر على إعادة تدوير الأسطورة متجاوزًا بها الزمان والمكان.
لقد أخذ الطمي قدسيته في المخيال الشعبي لكونه قادرًا على الخلق ومنح الحياة، وملازمته للمصريين في حياتهم اليومية، فمنه صنعوا أواني الطعام والقُلل والزِّلَع والأزيار والأباريق وغيرها من أدوات الحياة، فأصبح مرادفًا للحياة عبر عناصر الخلق الأربعة، الهواء والماء والطين والنار، وهي العناصر اللازمة لحرفة الفخراني "صانع الفخار"، وهو اللقب الذي حمله الإله خنوم في العصور السحيقة.
الطمي الحارس
كما ارتبط النيل عند المصريين بدورة الحياة كان لِطَميِهِ حضور قوي في الممارسات والطقوس الشعبية، واعتقدوا فيه كعنصر جالب للصحة وبشير بالخير، نرى ذلك على صفحات الكتب التي تناولت العادات والتقاليد الشعبية، كما نجد صداه يتردد في المرويات الشفهية في القرى، وما حفظه الأبناء نقلًا عن الجدات.
يكشف هنري عيروط في كتابه "الفلاحون" عن بعض تلك الممارسات، فيذكر أن المرأة كانت تبتلع قليلًا من طمي النيل عند حضور الولادة ليكون عونًا لها على تسهيل عملية الوضع، وارتباط الطمي هنا بدورة الحياة هو ارتباط دائم برفيق لا غني عنه، فحين يولد الطفل ويُحلق شعره لأول مرة لا بد من وضعه في كرة من الطين يُقذف بها النيل. أو يتم الأحتفاظ به كالحال مع حبل السرة إذ يتم وضعه في كيس مع قبضة قمح ويُدفن في حقل الوالد تحت الطين، والاعتقاد في ذلك أن الطمي يحفظ صحة الغلام ويبارك في عمره ويُغذي شعره ويكثّفه، فالشعر لا يُلقى في الطرقات فيكون عرضة لأن يمّر عليه الناس فهذا قد يُصيب المولود بالقرع.
بالطبع لم تكن هذه الممارسات وليدة اللحظة أو مجرد عادات تُمارس بشكل تلقائي، بل هي ممتدة لجذور آبدة وإن تغيّرت الصفة والهيئة، فكما بقي النيل وطميه بقيت العادات، وكما انحسر النيل وتقيّد في شكله المعاصر انحسر معه كثير من العادات والممارسات وإن ظلت حكايات الأجداد تُروى، قد تتشابه هذه الممارسة الشعبية من وضع شعر الطفل في كرة من الطين، والتي ظل الفلاحون يمارسونها حتى وقت قريب مع أثر مادي نجده في المتحف المصري، يُعرف بـ"كُوَر العَمَارِنة" حيث تظهر كُرات من الجلد تحوي داخلها شعر الأطفال، وقد غُلّفت هذه الكور بطبقة من الطين. ليبدو الخيط متصلًا منذ القديم.
عادة أخرى عجيبة يذكرها لنا المستشرق إدوارد وليم لين عبر إشارة سريعة ومقتضبة في كتاب "المصريين المُحدَثين"، حيث أورد في فصل الخرافات أن داء الرمد كان شائعًا بين عوام المصريين ولذلك كانوا يلجأون لبعض الوسائل العلاجية ذات الطبيعة الخرافية لمداوته، ومنها أن يلتقط المُصاب كرة من الطين الجاف من ضفة النيل من ناحية "بولاق"، ويعبر بها النهر حتى يصل إلى الضفة الأخرى في "إمبابة" ويُلقي بها هناك، فيتأكد برؤه من رمده.
يعجز العقل عن تفسير العديد من الموروثات والطقوس الشعبية، فربما استغلقت أصولها على الباحث ولم يصل إلى شيء يشفي الغليل، وهذا أمر طبيعي مع الممارسات الشعبية بشكل عام، كيف لا وقد مرت بأطوار مختلفة عبر عصور متعاقبة على أرض امتدت حضارتها وتفاعلاتها البشرية آلاف السنين.
ولكن قد يكون المفتاح لتفسير تلك الممارسة المذكورة تحديدًا من خلال مفهوم ترميم الذاكرة عبر ما يشبهها أو يتماس معها، وهو ما نجده في كتاب "فلكلور النيل" حيث حكى مؤلفه الدكتور هشام عبد العزيز رواية شفهية من عجوز من سكان إمبابة تُدعي "الحاجة قدرية"، روت له كيف جاء الولي الشهير "إسماعيل الإنبابي" إلى المنطقة التي تشتهر بضريحه، قالت: "سيدى إسماعيل جاي عايم على حجر من رملة بولاق.."، قد تُفسر لنا هذه الرواية الشعبية تلك الممارسة فالرحلة التي قطعها ولي إمبابة الأشهر بين الضفتين هي نفس الرحلة التى يقطعها المُصاب بداء الرمد حاملً كرة الطين من بولاق إلى إمبابة، وكأن العلاج يكمن في رحلة العبور التى أصبحت مُقدسة شعبيًّا بمرور الولي، أو كما يهتف مريدو الولي "مدد يا بوالسباع يا ساكن إمبابة.. افتح لنا البوابة".
خمر العجين من الطين
قد لا نتمتع الآن بصداقة جيدة مع النيل خاصة نحن أهل الحضر، فقد تكونت نظرتنا المعاصرة للنيل كنهر مُحدد المعالم مستقر في أماكنه ومجاريه لا يغادرها، لذا فقدنا واحدة من أهم العادات المصرية المتصلة به وهي "التنبؤ بالنيل" والمقصود التنبؤ بزيادته، فللنيل وجه آخر مُنهمر إذا فاض عن الحد، ومن هنا كان لزامًا على المصريين ابتكار أدوات تُنبئهم بموعد الزيادة، فالحياة كلها ترتبط به.
بالطبع كانت هناك وسائل تقليدية علمية بمعطيات عصرها مثل مقاييس النيل، وكان هناك أيضًا النهج الأسطوري صنيع الخيال، ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو تلك العادة المرتبطة بالطمي كوسيلة اعتاد عليها المصريون في التنبؤ بموعد زيادة النيل، وذُكرت غير مرة في عدة روايات، فالشائع أنّ الفلاحين كانوا يأخذون قدرًا من طمى النهر ويقومون بعجنه في ماجور "ليلة النقطة" فإذا أصبحوا ووجدوا الطين قد زاد وزنه، أي أصبح "خمران" فهذا فأل حسن بأن النيل سيأتى هذا العام مُوفيًا للزيادة المنتظرة، أما أذا أصبحوا ووجدوه مشققًا فهذا مؤشر أن على أن زيادة النيل ستكون ضعيفة، وأن السنة سوف تكون شراقي (أي جافة).
وعن هذه العادة يذكر المقريزي في كتاب الخطط: "ومما اشتهر عند أهل مصر وجربتُه أيضًا فصح، أن يؤخذ قبل عيد ميكائيل بيوم في وقت الظهر من الطين الذي مرّ عليه ماءُ النيل، قطعةٌ زِنَتُها ستة عشر درهمًا سواء، وتُرفع في إناء مغطى إلى بُكرة يوم عيد ميكائيل، وتوزن فما زاد على وزنها من الخراريب كان مبلغ النيل في تلك السنة بقدر عدد تلك الخراريب لكل خرّوبة ذراع، ومن ذلك أخذُ شيء من دقيق القمح، وعجنُه بماء النيل في إناء فخار، وقد عمل من طين مرّ عليه النيل، وتركه مغطى طول ليلة عيد ميكائيل، فإذا وُجد بكرة يوم العيد قد اختمر بنفسه، كان النيل تامًّا وافيًا، وإن وُجد لم يختمر دل على قصور النيل".
نرى هنا كيف تفاعل المصريون مع طمي النيل ووضعوه في مرتبة واحدة مع العجين بل استخدموا معه نفس الطريقة في تخمير العجين ثم تركه حتى يصبح ملائمًا للخبز، أما ليلة النقطة فهي الليلة التى تسبق عيد الملاك ميكائيل "رئيس الملائكة"، وكان يحتفل به أقباط مصر يوم 12 بوؤنة من عام ويوافق 8 حزيران/يونيو، وتبعًا للرواية القبطية فإن الملاك ميكائيل يُسقط في هذه الليلة نقطة ماء في النيل تعمل على زيادته يطلقون عليها " النقطة المعجزة". وقد أتى ذكر هذه العادة ايضًا في كتاب مخطوط لمؤلف مجهول نُسخ في القرن التاسع عشر، ونقل عنه الدكتور هشام عبد العزيز في كتاب "فلكلور النيل"، حيث جاء في افتتاحية المخطوط: "أول يوم نزول النقطة، تنزل أهل مصر عند المساء في دهبيّات في البحر "النيل" ومعهم آلات الطرب والعوالم، ويتنزهون في البحر إلى الصباح، وكافةُ سكان البيوت يعجنون دقيقًا من دون خَبز "يقصد بدون تسوية" ويضعون في العجين خيرية أو قطعة بقرش، ويُقطّعونه قدر البرتقالة على عدد أهل البيت، وكل منهم يختار له قطعة، ويضع عليها علامة، وثاني يوم يأخذ كل واحد عجينته ويفتش داخلها، فالذى يجد فيها الفلوس يكون هو المسعد، ويستبشر أنه سنته سعيدة".
بقي أن نشير هنا إلى الامتداد الحضاري الجاري في اتصاله كفيض النيل دون إنقطاع، بل إنه تَخَمّر في الذاكرة الشعبية وتطور متخذًا أشكالًا عديدة بحسب المعتقد وإن بقي الهيكل واحدًا، فنزول "النقطة المعجزة" للملاك ميكائيل، هو تحوُّر لنزول نقطة إيزيس تبعًا للأسطورة المصرية الأشهر, حينما بَكت إيزيس حزنًا على حبيبها أوزير ففاض النهر، بل عرف المصريين ليلة النقطة بعيد دموع إيزيس.
وكما بجّل المصريون القمح واتخذوا منه أجود السنابل ليصنعوا منها "عروسة القمح" ويضعوها في المنازل لجلب الخير، بجّلوا كذلك طينة النهر وصنعوا منها "عروسة الطين".
وبالطبع لم يَغب الطمي عن مظاهر الموت والحداد عند المصريين فكما كان حاضرًا منذ مولدهم وحافظًا لمشيمتهم ورفيقًا لرحلتهم كان حاضرًا ايضًا لوداعهم، فوضعته النساء فوق رؤوسهن ولطخن وجوههن بـ "النيلة" حزنًا على الموتى وحدادًا على الراحلين.
بهذه الممارسات، وبكثير سواها لا يتسع له المجال، لم يكن الطمي مجرد طين يلقي به النيل على الضفتين في مواسم الفيضان، بل بات رفيق عمر وتاريخ، وركنًا أساسًا في المخيال الشعبي، يفرض حضوره في ثقافة الناس ومعتقداتهم مهما تغير الزمن.