منذ مطلع القرن العشرين، كانت القاهرة مركز جذب للفنانين العرب، وملتقى للأصوات الباحثة عن الانتشار والشهرة. لكن المفارقة أن أحد أوائل الفنانين الذين غادروها في هجرة فنية مبكرة إلى الخارج كان ابنها الملحن والمطرب سيد شطا. ففي هذا الزمن الذي احتضنت فيه القاهرة المبدعين من كل صوب، قرر شطا أن يبحث عن مكان آخر يتسع لفنه التقليدي، فبدأ رحلته إلى المغرب ثم استقر في تونس، حيث وجد مساحة أرحب للتعبير عن صوته المحافظ. هذه المفارقة وحدها تفتح بابًا لتأملٍ أعمق: لماذا يختار فنان موهوب مثل شطا مغادرة بلد يُفترض أنه قلب الحياة الفنية؟ وما الذي جعل تجربته تظل هامشية في وطنه، رغم أصالته وتميزه؟ وهل كانت هجرته تمردًا؟ أم نوعًا من الانسحاب الهادئ لفنان أدرك مبكرًا أن الوفاء للتقاليد لا يكفي لتكون حاضرًا في مشهد لا يرحم؟ لقد ظلّ هذا المطرب المكين، حبيس الظل وسط فنانين آخرين حظوا ببصمة أوضح في المشهد الغنائي المصري والعربي. في حين استطاعت أسماء أخرى أن تضمن لنفسها حضورًا متجدّدًا عبر التطوير أو التماهي مع روح العصر، أما هو فبقي على مسافة من الأضواء، مقدمًا البرهان تلو البرهان على أن امتلاك الصوت والموهبة لا يحمي من النسيان. كان شطا من أبرز تجليات المدرسة الموسيقية الكلاسيكية في أوج تألقها، وتميز صوته بجمال أخّاذ، جمع بين العذوبة والليونة. ومع ذلك، لم يستطع أن ينتزع لنفسه مكانة مرئية في سوق فني بدأ يميل شيئًا فشيئًا إلى التجديد ولو كان في بُعده التجاري.
ولد سيد شطا في 31 كانون ثانٍ/يناير1897، ونشأ في حي السيدة زينب، أحد معاقل الحياة الدينية والوجدانية في القاهرة. حفظ القرآن الكريم صغيرًا في الكُتّاب، وارتبط منذ نعومة أظفاره بجو التواشيح والابتهالات، وهو ما منح صوته مسحة روحانية ومرونة أداء ظلت حاضرة في كل مراحل مسيرته. في مدرسة خليل آغا، لم يكن تلميذًا عاديًّا؛ لأنه حمل موهبة واضحة في أداء الأناشيد المدرسية، إذ بدأ يختبر طبقات صوته في المديح النبوي والموشحات، ويعي الإمكانات التعبيرية للمقامات، قبل أن يعرف أسماءها نظريًّا.
مع دخول عام 1920، بدأ شطا سعيه المستمر للبحث عن مكان فني يرحب باتجاهه الغنائي والتلحيني. وكان هذا السعي يقوده إلى خارج حدود مصر، فتعددت أسفاره إلى الدول العربية، وكان أول استقرار له في المغرب ضمن خطوة مثلت نقطة تحول في حياته الفنية. لقد دخل تجربة غير مسبوقة حينما عمل مع التهامي باشا القلاوي، صاحب السلطة والنفوذ في المغرب آنذاك، والذي كلفه بتعليم جواريه أصول الغناء والعزف على العود. ورغم أن تلك التجربة لم تكن سهلة، فقد استطاع شطا أن يثبت نفسه في مكان جديد، حيث زاد انفتاحه على الأساليب الموسيقية المغربية التي أثرت في ألحانه لاحقًا. لكن أهم آثار الرحلة إلى المغرب تمثل في ترسيخ فكرة "الهجرة الفنية" في نفسه، بعد أن عاين آثارها الإيجابية على كل جوانب حياته فنيًّا وماديًّا، وتقديرًا معنويًّا.
لكن النجاح الفني في الخارج لم يكن كافيًا ليمنحه الاعتراف الكامل داخل مصر. فعندما عاد إلى القاهرة في الثلاثينيات، وجد أن الساحة الغنائية تغيرت، وتهيأت لصعود أسماء كبيرة مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، ممن بدأوا في صياغة ذوق جديد يقوم على التوليف بين الشرق والغرب، وعلى المقام النغمي والعاطفة الجماهيرية. لم يكن لسيد شطا موضع واضح في هذا السياق، لا لقصورٍ في موهبته، بل لأنه ينتمي إلى ذائقة مغايرة، أكثر صرامة، وأقل ميلًا إلى التنازلات.
ثم جاءت المرحلة الأهم في مسيرته، عندما قرر الاستقرار في تونس التي زارها عدة مرات قبل أن يستقر بها أوائل الثلاثينات، فتحت تونس ذراعيها للرجل، وأنزلته منزلة فنية يستحقها. وفي سنة 1938 خصصت له الإذاعة التونسية برنامجًا فنيًّا أسبوعيًّا يقدم فيه ألحانه بصوت المطربة التونسية فتحية خيري التي غنت له عددًا من الألحان الناجحة ، مثل "يا زهر تونس" و"يا دجلة فاض نيلك"، وهي أغانٍ جسّدت ازدواجية الانتماء الفني بين مشرقه ومغربه، وعبّرت عن حسه اللحني الذي يحترم الكلمة ويمنح اللحن بُعدًا تعبيريًا لا يُختزل في الزخرفة، كما يظن أصحاب الانطباعات السريعة تجاه كل قديم. لكن في عام 1945، وبسبب الاضطراب السياسي، اضطر شطا للعودة إلى مصر وبقي فيها 12 عامًا.
وخلال فترة إقامته في مصر، لم يتوقف شطا عن هوايته في التلحين، فقدّم ألحانًا لمطربين معروفين، مثل إبراهيم حمودة، الذي غنّى له "يا جمال الريف"، كما لحن لفتحية أحمد، ونجية إبراهيم. لكن ما لحّنه لم يحظ بالانتشار الجماهيري المتوقع، رغم ما فيه من روح شرقية وبناء لحني متماسك. ربما لأن هذه الأعمال بقيت أسيرة الذائقة القديمة التي بدأت تضعف أمام موجة التجديد.
ومع حلول الخمسينيات، عاد شطا إلى مجاله الأول: الإنشاد الديني، وشارك في تلحين وأداء عدد من القصائد الدينية، مستعيدًا بذلك جذوره الأولى. فتعاون مع عدد من أساطين الفن، وفي مقدمتهم الشيخ طه الفشني، المتربع حينها على عرش الإنشاد من دون منازع، وتوج هذا التعاون بتلحين الملحمة الإذاعية التي حملت عنوان "السيرة العطرة"، والتي كتب كلماتها الشيخ عبد الله عفيفي، إمام الحضرة الملكية.
كان صوت شطا أقرب إلى صوت قارئ منه إلى مطرب، فيه وضوح المقام، ورزانة الإلقاء، وافتقار إلى الميلودراما العاطفية. وهذا ما جعله، رغم صلابته، بعيدًا عن الذوق العام الجديد، لكنه ظل محتفظًا بجاذبية خاصة لدى النخبة، ولدى من بقي وفيًّا للمدرسة الكلاسيكية في الغناء.
لكن حجم هذا الإنتاج، وربما نوعه، لم يشبع الرغبة الفنية العارمة عند الرجل، لذا، ظلت عينه ترنو إلى تونس، حيث الاحتفاء والتقدير والبيئة المواتية، التي ترحب بإنتاجه ذي الطابع الكلاسيكي. وبالفعل، ومع وصول الحبيب بورقيبة إلى رئاسة الدولة التونسية، اتخذ شطا قرار الهجرة للمرة الثانية، من القاهرة إلى تونس، مؤكدًا على هذا المسار "العكسي" غير المعتاد بين الفنانين العرب.
وكما رحبت به تونس أول مرة، رحبت به مع هجرته الثانية، وأتاحت له حضورًا مقبولًا في وسائل إعلامها. التحق شطا بفرقة محمود عزيز "السلامية" وهي فرقة مختصة بالإنشاد الديني أنشئت عام 1958، فلحن لها خصيصًا عددًا كبيرًا من القصائد والموشحات، التي لاقت ترحيبًا من المستمعين، وكان شطا سببًا لالتحاق صديقه الشيخ أمين حسنين بنفس الفرقة. وقد اشترك شطا وحسنين في تقديم برنامج إذاعي متخصص في غناء القوالب الكلاسيكية، وحقق حينها نجاحًا كبيرًا، فقد مثّل الرجلان ثنائيًّا فنيًّا في غاية اللطف والتجانس.
شارك شطا في عدد من الأفلام السينمائية، منها "دموع الحب" عام 1935 مع محمد عبد الوهاب، و"ليلى بنت الريف" عام 1941، ثم "أحلام الشباب" عام 1942. لكن أدواره لم تتجاوز حدود المشهد أو اللحن العابر، وهو ما يشي بأن حضوره في السينما لم يكن انعكاسًا لمكانته الفنية بقدر ما كان استثمارًا عابرًا لصوته المختلف. فالسينما كانت تبحث عن وجوهٍ قادرة على الجمع بين الغناء والأداء التمثيلي الجذاب، وشطا لم يكن ممثلًا، بل كان مطربًا تقليديًا بمعايير صارمة.
لم يكن غياب شطا عن الصدارة نتيجة ضعف فني، بل انعكاسًا لتحولات جمالية وثقافية عصفت بالوسط الموسيقي. لقد دفع ثمن ولائه لأسلوب غنائي لم يعد ينسجم مع شروط السوق، ولا مع الإعلام الذي صار يميل إلى الوجوه المتجددة. حتى المؤسسات الرسمية لم تمنحه المكانة التي نالها معاصرون له، رغم ما امتلكه من تجربة فنية نادرة في توازنها بين الغناء الديني والدنيوي، وبين التلحين والأداء.
يتجلى هذا النهج بوضوح في تلحينه لأغنية "يا جمال الريف" بصوت إبراهيم حمودة. الأغنية تنتمي إلى نمط الموشحات الحديثة: لا هي قصيدة تقليدية، ولا طقطوقة خفيفة، بل عمل غنائي متماسك البنية، يعتمد على وحدة لحنية تتفرع منها الجمل بتصاعد منطقي.
أما أعماله التي لحنها لصوته، فتنتمي إلى نمط خاص يصعب تصنيفه ضمن الأشكال التقليدية الشائعة (موشح، طقطوقة، قصيدة). فأغنياته تحمل شيئًا من روح القصائد الدينية، حتى حين تكون عاطفية أو وطنية. ففي أغنية "يا دجلة فاض نيلك" يبرز هذا الخلط بين الحنين الشخصي والانتماء الوطني. يبدأ اللحن على مقام الرست، ثم يستعرض جُمَلًا متأنية تعيد إنتاج الجملة الأولى بشكل متحول، مع توظيف دقيق للوقفات والتنقلات الإيقاعية. لا تظهر النغمة الاحتفالية المعتادة في الأغاني الوطنية، بل يسودها شعور بالتأمل الحزين.
كذلك، في أغنيته "يا زهر تونس"، التي كتبها الشاعر محمد حلمي عبد القادر، يبدو اللحن أقرب إلى أن يكون صلاة موسيقية، وليس استعراضًا لبلد أو تحية دبلوماسية. يعتمد اللحن على مقام الصبا، وتُبنى الجمل على شكل مقاطع ترتيلية، يُمكن أن تُؤدى بنَفَس واحد، وتتميز بهدوء واثق يجعل المستمع يصغي بانتباه لا يبحث عن الذروة بل عن التناسق. هنا، تبرز خلفية شطا كمنشد ودارس لتجويد القرآن، ويبدو اللحن كأنه يحاكي نموذج "الترتيل الغنائي".
لكنّ هذا الولاء للمدرسة الكلاسيكية وضعه خارج دوائر الذيوع. فالتسجيلات التي وصلتنا له نادرة، والأصوات التي غنّت له لم تكن من الصف الأول إلا استثناءً. لم يُلحّن لأم كلثوم أو أسمهان أو ليلى مراد، بل بقي محصورًا في طبقة ثانية من المطربين، أمثال إبراهيم حمودة ونجية إبراهيم وفتحية خيري. حتى حضوره في السينما اقتصر على مشاهد عابرة.
في آب/أغسطس عام 1985، رحل سيد شطا، ولعل ذكراه الأربعين تمثل مناسبة لطرح سؤال فني وجمالي: ماذا يحدث للمبدع الذي يلتزم بمرجعية كلاسيكية وأُطُر قديمة في زمن يتحول فيه الذوق العام إلى الانفعال والتجديد؟ فشطا لم يتوقف عن التلحين، لكنه لم يتنازل عن أسلوبه. فضل العزلة على التساهل، والاستمرار في الظل على التفريط في القواعد التي عرف بها نفسه قبل أن يعرف الموسيقى والغناء. وعلى الرغم من أن أرشيفه لا يتجاوز عشرات الألحان، فإن الرجل يمثل نموذجًا مهمًّا لما يمكن تسميته "الملحن الحارس" أي الذي يحفظ للمقامات كرامتها، وللكلمة وزنها، وللأداء وقاره. لم يحقق انتشارًا جماهيريًا واسعًا، لكنه ترك بصمة نادرة في تاريخ التلحين المصري، تُشبه النقوش الصغيرة على جدارٍ ضخم، لا تراها العين من بعيد، لكنها حين تقترب، تكتشف كم كانت دقيقة وأصيلة.