وحشة الدلّالة، أم اليعقوب، ست الملك، خَوَند شقرا، دلشاد.. هل سمعت يومًا بهؤلاء النساء؟ ربما يبدو غريبًا أن يجمع رابط واحد بين امرأة يهودية كـ "وَحشة" تعمل دلّالة، وسيدة قصور مثل "ست المُلك"؛ لكن الحقيقة التي تكشفها صفحات التاريخ الوسيط أن هؤلاء النساء جميعًا كُن رائدات في عالمهنّ الاقتصادي، كلٌّ بطريقتها.
بينما كانت أوروبا تعيش عصورًا وسطى وُصفت بالظلامية، وكانت النساء فيها حبيسات منازلهن، كانت المرأة في مصر تشارك بفاعلية في الحياة العامة. لم تكن مجرد ربة منزل، بل تاجرة تدير أعمالًا واسعة، توقع العقود، بل وتتحدى القرارات التي حاولت تقييد حركتها، مثل ذلك القرار الذي أصدره الحاكم بأمر الله الفاطمي بمنع خروج النساء. فقد امتلكت "سيدات الأعمال" في العصر الفاطمي صفات خاصة تكشفها لنا الوثائق التاريخية.
وحشة الدلالة.. سيدة الأعمال قبل ألف عام
تُظهر إحصائيات البنك الدولي أن نسبة مشاركة النساء في قوة العمل بمصر حاليًا لا تتعدى 15.4%، مع تزايد مستمر في الفجوة بين الجنسين بسوق العمل. لكن بالعودة إلى الوراء -فلاش باك- قبل عشرة قرون، نجد أن الوضع كان مختلفًا تمامًا؛ فقد كانت النساء يقفن جنبًا إلى جنب مع الرجال في مجالات تُعتبر اليوم صعبة عليهن، أبرزها المجال التجاري.
توثق وثائق "الجنيزا" أو "الجنيزة" -وهي أرشيف ضخم مكون من آلاف الوثائق والرسائل التي تؤرخ لتاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلادي، مع وجود بعض الوثائق التي تعود للقرن التاسع عشر- توثق مشاركة النساء الفعالة في حركة البيع والشراء، واستثمارهن وإدارتهن لأموالهن وممتلكاتهن الخاصة في التجارة.
أبرز مثال على ذلك هي وَحشة الدلالة، التي لم تكتفِ بدخول صفقات تجارية محلية، بل وصلت تعاملاتها إلى الهند. وكانت نموذجًا ناجحًا للمرأة القوية والمستقلة.
تشير دراسة بعنوان "النشاط الاقتصادي الحضري للنساء في مصر الإسلامية" صادرة عن مؤسسة المرأة والذاكرة عام 2007، إلى أنّ وَحشة كانت تقيم في الفسطاط، وكانت من أبرز الأسماء التي لمعت في التجارة والتصدير خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.
في ذلك الوقت، كان معظم النساء يعملن في مجالات مختلفة بغض النظر عن طبقاتهن الاجتماعية، وكانت حركة التجارة -بيعًا وشراءً- تعتمد عليهن بشكل كبير. فقد كانت مهنة "الدِّلالة" من المهن الهامة التي يخدم النساء بعضهن بعضًا من خلالها.
و"الدَّلّالة" هي المرأة التي تعمل وسيطًا بين البائع والمشتري وكانت تزور النساء في بيوتهن لتبيع لهن السلع، خاصة المنسوجات والغزل. ولم تكن الدلالات يشترين البضائع التي يبعنها، بل كن يحصلن على عمولة من بائع الجملة أو الصانع.
وفقًا لـ"الجنيزا" والمكتبة اليهودية، كان الاسم الحقيقي لـ"وحشة" هو كريمة بنت عمار (أو عمرام)، وهي من أبناء الطائفة اليهودية في مصر آنذاك. ولدت في عائلة مصرفية يهودية بالإسكندرية، وعُرفت كوسيطة تجارية أو مُرابحة، حيث كانت تُقرضُ النساء قروضًا مقابل الحُليّ كضمان.
عاشت كريمة بنت عمار -التي أصبحت تُعرف بـ"وحشة" بعد إقامتها في الفسطاط -بين أواخر القرن الحادي عشر وبدايات القرن الثاني عشر الميلادي، بحسب أرشيف المرأة اليهودية، إذ كانت سيدة أعمال ناجحة ومستقلة وثريّة، ونشطة اقتصاديًا، حيث استثمرت في تجارة البضائع من الهند وإفريقيا، وبنت إمبراطورية تجارية تشير الوثائق إلى أن قيمة ثروتها بلغت نحو 600-700 دينار ذهبي، وهو مبلغ يعادل ملايين الدولارات اليوم.
كانت "وحشة" تاجرة ماهرة وذات صيت واسع في أسواق الفسطاط والقاهرة، في وقت كان يُتوقع فيه من النساء العمل في منازلهن بالغزل والنسيج أو إقراض الأواني النحاسية. إذ يذكر ناصر خسرو في كتابه "سفر نامة" قصة طريفة عن امرأة ماهرة في أساليب البيع، التقى بها في القاهرة الفاطمية، وكانت تمتلك خمسة آلاف إناء نحاسيًّا، وكانت تُقرض الواحد مقابل درهم شهريًّا بشرط إعادته سليمًا.
تاجرات العصر الفاطمي.. نساء يُدِرْن الثروات
خلال تلك القرون، انقسمت النساء إلى ثلاث طبقات، وكُن خلالها يُدِرن أموالهن الخاصة وممتلكاتهن في مجالات مختلفة بكل حرية. فنساء الطبقة الدنيا كن يعملن في مهن مثل: الغزل والنسيج، صناعة الطعام، وتأجير الأواني النحاسية، وفي الحمامات. وكن يستثمرن صداقاتهن ومهورهن في حركة البيع والشراء وكضمان لديون أزواجهن، وكان هذا حال غالبية الأرامل والمطلقات. ووفقًا لدراسة مؤسسة "المرأة والذاكرة"، كان النساء يؤجّرن مصاغهن مقابل دريهمات. وكانت نساء الطبقة الوسطى، اللاتي شاركن نساءً من الطبقة الدنيا، سواء من المسلمات أو اليهوديات، يعملن بالتجارة. وقد أظهر بعضهن مهارة وإدارة اقتصادية متميزة في بيع وشراء وتأجير العقارات وربما ترميمها. كما كن يُبرمن العقود ويحصّلن الإيجارات، وأحيانًا كن يرفعن شكاوى للحاكم تتعلق بإدارة ممتلكاتهن أو تأخير الإيجار.
هذا الدور لم يقتصر على التجارة الداخلية فحسب، بل عملت نساء العصور الفاطمية والأيوبية في التجارة مع دول أخرى، بالإضافة إلى عملهنّ في الإقراض، حيث كانت أغلب المُقرضات يهوديات، وقليل منهن مسلمات. وتشير بعض التوثيقات إلى عمل النساء فيما يشبه نشاط "الجمعية" الحالي، حيث كانت المرأة المديرة للجمعية تحصل على نصيب من أموالها. أما الطبقة الثالثة فنساء الطبقة العليا ذوات النفوذ السياسي والاقتصادي.
الرجال تحدين قرارات منع خروج النساء
ربما يكون أبرز دليل على قوة النساء في المجال الاقتصادي ما حدث خلال حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي. فوفقًا للدراسة السابقة وكتاب "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا" للمقريزي، أصدر الحاكم قرارًا في أحد أيام عام 1013 م -استمر لمدة ثمانِ سنوات- بمنع النساء من الخروج إلى الأسواق والتردد على شوارعها. وللتأكد من تنفيذ أوامره، أمر بعدم صنع الأحذية لهن.
لكن هذه الأوامر لم تدم طويلًا، إذ كان الرجال أنفسهم أشد ضراوة في الدفاع عن حق النساء في حرية الحركة، لتأثرهم بغياب المرأة عن السوق. وقتها بدأ التجار يشكون للخليفة الأضرار التي لحقت بالأسواق وتجارتهم، بعد تأثرها بسبب سياساته التي حدّت من حرية النساء، إذ كن يمثلن أهم القوى المحركة للأسواق آنذاك. يحكي المقريزي كا حدث في كتابه بقوله: "مُنع النساء أن يخرجن إلى الطرقات سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزًا، فاحتبسن في بيوتهن ولم تُرَ امرأة في طريق، وامتنع الأساكفة عن عمل خفاف النساء وتعطلت حوانيتهم".
وبينما كانت ثروات غازلات النسيج تنمو تدريجيًا ويعقدن صفقات داخل مصر وخارجها لبيع منتجاتهن اليدوية، تكشف لنا "الجنيزا" عن نساء أخريات من الطبقة الوسطى كن بمثابة "وحشة" ولهن دور كبير في إدارة الشؤون الاقتصادية للعائلة في غياب الرجال. من هؤلاء "أم اليعقوب"، زوجة التاجر الكبير يحيى بن زياد، التي كانت تدير شؤون المنزل والأعمال في غيابه، وتراسله بانتظام بشأن أحوال السوق، وأسعار البضائع، وتحصيل الديون، وحتى الأوضاع السياسية في الفسطاط. تعطينا رسائلها صورة مفصلة عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تواجهها.
كذلك نساء عائلة "الكراميين" أو "الكارميين" -في بعض الوثائق-، والتي كانت من أكبر العائلات العاملة بالتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي، فكن يُدِرن الثروات العقارية، ويُقدمنَ القروض، ويُشرفنَ على استثمارات العائلة محليًا، أثناء سفر الرجال إلى الخارج. وبالمثل، كان نساء عائلة كبيرة وثرية مثل عائلة "ابن طاهب" يمتلكن ويدِرن ممتلكات عديدة، ويتعاملن في العقارات والأعمال التجارية.
نفوذ اقتصادي وسياسي لنساء الطبقة العليا
على عكس ما هو متبع دومًا من الدراسات التي تركز على نساء الطبقة الحاكمة في العصر الفاطمي والأيوبي، ركزت دراسة "المرأة والذاكرة" على النساء العاديات، اللاتي تناولهن قليل من الدراسات والأبحاث، وحتى كتب أدب الرحلات؛ لكن ذلك لا يجعلنا نتغافل عن ذكر نساء الطبقة العليا وقوتهن في إدارة ممتلكاتهن الخاصة ماليًّا، وعملهن الواسع في النشاط التجاري.
كانت ملكية النساء للعقارات أمرًا شائعًا في الطبقة العليا، مثل "جمايل بنت يوسف" و"خاتون بنت إبراهيم" المذكورتان في سياقات عامة. كما ورد في كتاب كامل العسلي "وثائق مقدسية تاريخية" المجلد الثاني، ثلاث وثائق تتعلق بتركات نساء، منها تركة كبيرة لامرأة تدعى "دلشاد"، ورثت ثروة والدها الذي كان صانعًا من أصحاب الحرف.
وعلى الرغم من حياة الترف التي عاشتها سيدات الطبقة الحاكمة والأثرياء، فإنهُنّ انخرطن بفعالية واستقلالية في إدارة الملكية، وخُضن النزاعات القانونية والسياسية للحفاظ على الثروة والمكانة، وعلى حقوقهن في الوصاية والتصرف، حتى أصبحت كل واحدة منهن بمثابة رأس العائلة الفعلي. على سبيل المثال، "خوند شقرا"، ابنة السلطان الناصر، لم تكن مجرد أميرة وارثة، بل كانت ناظرة وقف لأرض زراعية بالفيوم، ولها معاملات قانونية معقدة في التأجير والإبدال وغيرها، كما كان لها حمام باسمها "حمام خوند".
كذلك كشف بحث بعنوان "الدولة والمجتمع في مصر الفاطمية" أن نساء مثل "ست المُلك" -أخت الحاكم بأمر الله وابنة الخليفة العزيز بالله- كانت من مستفيدي الإقطاعات. بلغ دخلها السنوي وحده حوالي 100,000 دينار من أراضٍ في مصر وسوريا، وامتلكت عقارات في الوجهين القبلي والبحري، ومنازل وبساتين. كما خُصص لها دخل من الرسوم الجمركية كجزء من الإقطاع، مما يدل على نفوذها الاقتصادي الهائل.
ومن الأنشطة التي دخلتها النساء، بخاصة الثريات منهن، بناء الحمامات وإدارتها. فوفقًا للبحث السابق يذكر ناصر خسرو، الذي زار مصر عام 1047-1048م أن الحمامات الأولى في القاهرة بناها العزيز بالله بينما بُنيت الحمامات التالية على يد ابنته. أما رشيدة وعبدّة، ابنتا المعز، فقد تركتا إرثًا ضخمًا؛ فبلغت ثروة الأولى نحو 1.7 مليون دينار، فيما بلغت الثانية قدرًا قريبًا منه. كما تركت ست الملك ثروة كبيرة باعتبارها شخصية نافذةً في الحكم والتجارة.
حتى الأمة الحرة للأمير عبد الله -وفق المصدر السابق- تركت ثروة حوالي 400,000 دينار، وحضر جنازتها كبار رجال الدولة الفاطمية، مما يدل على نفوذها. وتميزت ست القصور (1150-1250م) بإنفاق نحو 50,000 دينار لتمويل مؤامرات سياسية، مما يعكس معرفة واقعية بمعاملات الدولة واستثمار المال في الشؤون العامة.
يُضاف إلى ذلك نساء أخريات ذَكَرهُن التاريخ كمديرات لشؤون وثروات العائلة -دراسة مؤسسة "المرأة والذاكرة"- مثل الأميرة "مغل" ابنة القاضي ناصر الدين ابن البارزي وزوجة السلطان جقمق. وكذلك خوند فاطمة بنت علاء الدين علي بن خليل بن خاص بك، التي أصبحت زوجة للسلطان قايتباي فيما بعد، والتي كان لها 39 "حُجة" وقف مسجلة باسمها، وممتلكات في أنحاء متفرقة من مصر. كما اشترت أسهمًا في أراضٍ مملوكة لبعض الأمراء التابعين للسلطان، كنشاط آخر منفصل عن أملاكها وأوقافها الشخصية.
إن نساءً مثل وحشة الدلالة وأم اليعقوب وست الملك لسن مجرد شخصيات من ماضٍ بعيد، بل هن نماذج لتمكين حقيقي للمرأة في مهن وتجارات توصف حاليًا بأنها "لا تليق بهن" أو "تتجاوز قدراتهن". فقد اقتحمن ميادين المال والأعمال والإدارة بلا وصاية، وفرضن حضورهن في الاقتصاد والأسواق والسياسة، وصنعن لأنفسهن مكانة مرموقة، وسط مجتمع محافظ وسلطة متقلّبة.