في المشهد الأخير من فيلم "Lion of the Dessert"، أو "عمر المختار" كما سُميت النسخة العربية منه، يقف أنتوني كوين، الذي لعب دور القائد الليبي، فوق منصة الإعدام ليُنفَّذ في حقه حكم محكمة بنغازي، والذي قضى بشنقه في مكان عام، بسبب "العصيان المستمر" ضد الحكومة الاستعمارية الإيطالية.
حينذاك أطلقت النساء الحاضرات زغاريد تحمل في عمقها فخرًا وتمجيدًا لبطولة الزعيم الليبي الذي جسّد قيم الشجاعة والتضحية من أجل الوطن، فلم يكن هذا الفعل العفوي تعبيرًا عن الفرح بالموت، بل إعلانًا أن الشهيد قد أصبح عنوانًا للفخر والمقاومة.
هكذا جسّد المشهد تحول الزغاريد في جنازات الشهداء إلى طقسِ مقاومةٍ صوتي يعبّر عن القوة والصمود بدل الانكسار، ويعزز الروح الجماعية للاستمرار في النضال.
فالزغاريد لا تقتصر على مرافقة الأعراس ومناسبات الختان وعودة الحجاج في المجتمعات العربية والمغاربية، بل تُرافق أيضا الحروب والفتن، فتصاحب وصول جثامين الشهداء وأخبار الوفيات ومسيرات الثوار.
والزغرودة، أو الزغلوطة، كما يطلق عليها في بعض الدول، بوصفها ممارسة فولكلورية نسائية عريقة، تتجاوز كونها مجرد تعبير صوتي عن الفرح أو الحزن، لتصبح رمزًا لهُوية جماعية وتواصلًا عاطفيًّا عابرًا للكلمات، يحمل دلالات نفسية واجتماعية تختلف من بلد إلى آخر.
أما اليوم، فهي –حسب باحثين- تشهد تراجُعًا تدريجيًّا بسبب تأثيرات الحداثة وتغير أنماط الاحتفال، مما يهدد بزوال هذا التراث الصوتي العفوي الذي شكّل عبر التاريخ جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية لمختلف شعوب العالم.
اختلاف في التسمية وصدًى من أعماق التاريخ
الزغرودة هي صوت تقوم فيه النساء بتحريك اللسان بسرعة إلى جهتَي اليسار واليمين مع تصويت تختلف صيغته من بلد لآخر، وذلك تعبيرًا عن الفرح أو الحزن، فيحمل معاني عاطفية وثقافية تتفاوت حسب السياق والمكان، ويُعد أيضًا رمزًا للهوية والاحتفاء أو التأبين، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة الشعبية والتراث العربي وحتى العالمي، حيث تناقلتها الشعوب وأضافت لها لمسات خاصة تميّزها في كل بلد.
وتختلف أسماء هذه الممارسة من بلد إلى آخر، ففي مصر تسمى "زغروتة" أو "زغروطة"، وفي دول الخليج كالبحرين والكويت وقطر تسمى "لولشة"، بينما يطلق عليها في سلطنة عمان "صهيل" أو "لبلبة"، أما في لبنان وسوريا فتسمى "زلغوطة"، في حين تسمى "توليلة" في الجزائر، و"تزغريتة" في المغرب.
وتمارَس الزغاريد إما منفردة، أو ضمن أنماط معينة من الغناء، في مواضع متفرقة من العالم، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب أسيا، وكذا في بعض مناطق أوروبا.
وقد اختلف الباحثون في تحديد أصلها، فتعددت الروايات وتباينت التفسيرات، إذ تشير روايةٌ إلى أن جذور الزغرودة تعود إلى جماعات الهنود الحمر، حيث كانوا أثناء مطاردة الثيران يحيطون بالحيوان من ثلاث جهات مطلقين أصواتًا حادة بأفواههم لدفعه نحو الفخ. وعند انتقالها إلى الوطن العربي تحولت من طقس صيدٍ إلى تعبير احتفالي يُستخدم في الأفراح والمناسبات السعيدة.
أما الرواية الثانية فتربط نشأة الزغرودة بالتقاليد الوثنية القديمة، حين كانت مجموعات من النساء المختارات يغنينَ للآلهة طلبًا للعون والرحمة.
بينما تذهب بعض الآراء إلى أن الزغرودة بدأت كتسبيحة للشيطان تُردد عند ذكر اسم "يهوه"، قبل أن يحورها الإغريق إلى صيغة خالية من المعنى (أللويا)، ليتطور الصوت مع الزمن إلى ما يعرف اليوم بنغمة "لولولو" الحادة.
وفي مقابل هاتين الروايتين، تذهب رواية ثالثة إلى ربط الزغرودة بالحضارة الفرعونية، معتبرة إياها تقليدًا احتفاليًّا أصيلًا مارسته النساء في مصر القديمة. فقد دلت الجداريات والنقوش الفرعونية على ممارسة إطلاق أصوات حادة يتحكم فيها اللسان والحنجرة، تعبيرًا عن الابتهاج في المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى. ويبدو أن هذا الأصل الفرعوني يحظى بقبول أوسع لدى الباحثين، نظرًا لاتساقه مع الطقوس الصوتية الجماعية الموثقة تاريخيًّا في حضارات وادي النيل، ومن بينهم الباحث في المصريات وسيم السيسي الذي يؤكد أن الزغرودة عادة مصرية بدأت خلال حكم الأسرة الثانية لمصر عام 3200 قبل الميلاد، وأن المصريين هم أول من بدأ عادة توديع الشهداء بالزغاريد، وهي العادة التي ما زالت مستمرة إلى اليوم حيث ما زالت تطلق في مصر لتوديع أفراد الجيش والشرطة الذين كانوا ضحايا للهجمات الإرهابية.
في حين يشير باحثون آخرون إلى أن مسألة أصل الزغرودة غير محسومة، لكن الأكيد حسب الباحث في التراث الشعبي أيمن عثمان، أن أصلها إفريقي، مرجحًا أنها بدأت من السودان، وتحديدًا في منطقة النوبة، حيث تتميز الزغرودة النوبية بأصواتها الحادة وإيقاعاتها المميزة، ما يجعلها، في نظر الباحثين، الأصل الذي انطلقت منه باقي أشكال الزغاريد المنتشرة في العالم العربي.
بينما تُرجح ريم خيري شلبي، مؤسسة فرقة "هيصة" للتراث والفولكلور الشعبي، أن الزغرودة تمثل صوتًا بدائيًّا يعود إلى عصر ما قبل نشوء اللغات، حينما كان الإنسان يعتمد الإشارات الصوتية للتواصل والتعبير عن مشاعره. وتشير شلبي إلى أن الزغرودة، في أصلها الأول، كانت تعبيرًا عن الخوف أو نداء استغاثة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى رمز للابتهاج والاحتفال في الثقافة الشعبية.
الزغاريد بين أفراح النساء وأحزانهن
تُعد الزغرودة من أبرز التعابير الصوتية التقليدية التي تستخدمها النساء في العديد من الثقافات حول العالم للتعبير عن مشاعر الفرح أو الحزن.
ففي تنزانيا، تُعد الزغاريد شكلًا من أشكال الاحتفال، وتُطلق تعبيرًا عن الفرح عند سماع أخبار سارة، مثل حفلات الزفاف، أو استقبال المواليد الجدد، أو حفلات التخرج، بل وحتى خلال إلقاء الخطب الدينية في الكنائس. وتفتخر النساء بقدرتهن على أداء الزغاريد بوصفها مهارة تنتقل عبر الأجيال.
أما في إثيوبيا وإريتريا، فإن الزغاريد تعد جزءًا من الطقوس الدينية المسيحية. وفي الهند، تُستخدم الزغاريد خلال الاحتفالات الدينية عند الهندوس وفي مختلف الاحتفالات. بينما تعد في بعض الثقافات الأوروبية، مثل الباسك في إسبانيا، صرخةَ فرحٍ في المناسبات السعيدة.
وفي الوطن العربي والمنطقة المغاربية، تحتل الزغاريد مكانة مركزية في الأعراس وفي مختلف المناسبات السعيدة، فتتباهى النسوة بقدرتهن على الزغرَدة بقوة، ويتنافسن فيما بينهن على استيفاء معايير جمالها التي تتحدد في نقاء النغمة وطول النفس ووضوح الصوت وعلوه.
كما تُستخدم في بعض الأحيان خلال الجنازات تعبيرًا عن الحزن أو لتكريم الشهداء، خاصة في فلسطين، حيث يُنظر إلى ضحايا الاحتلال على أنهم عرسان يُزَفون إلى الجنة. وحسب الباحث محمد خالد رمضان، في كتابه "دراسات في الزغرودة الشعبية السورية"، فإن توديع المتوفي بالزغاريد يعود إلى العصر الفرعوني.
وبالإضافة إلى حضورها في الأفراح والأحزان، ظلّت الزغاريد عبر التاريخ وسيلة للتحفيز والمساندة في المعارك والحروب التي كانت تنشب قديما بين قبائل العرب بسبب تفاصيلَ صغيرةٍ تتحول في ما بعد إلى معارك طاحنة كما حدث في حرب البسوس التي اندلعت بسبب ناقة، وحرب داحس والغبراء التي بدأت بسبب سباق خيل، حيث جرت العادة أن ترافق النساء الرجال إلى ساحة المعركة لإثارة حماسهم عن طريق الزغاريد وقرع الطبول والدفوف.
وهو الدور نفسه الذي لعبته في بعض الدول، حيث رافقت الزغاريد ثورة ديسمبر في السودان، فكانت بمثابة إعلانٍ لبداية المواكب وسر دفعها إلى الأمام. وهو ما يؤكده الباحث في التراث السوداني عوض محمد بقوله إن استخدام الزغرودة في المواجهات العسكرية والتظاهرات ليس جديدًا على السودانيين، فمنذ القِدم، اعتادت النساء على استعمالها في ساحات المعارك إلى جانب الأهازيج والأغاني الحماسية، "وتعتبر أداة من أدوات تحفيز المحاربين" حيث "تضفي عليها أجواءً حماسية".
في حين كانت الزغرودة إلى وقت قريب أداة النساء لإعلان جنس المولود في بعض المناطق المغاربية، حيث يشير الكاتب المغربي عبد الله الساعدي في كتابه "المعتقدات الروحية في إفريقيا" إلى أن النساء في المغرب كُن حريصات على إطلاق الزغاريد لاستقبال كل مولود جديد، فكُن يطلقن ثلاث زغرودات لاستقبال الذكور وواحدة لاستقبال الإناث، غير أن هذه العادة اندثرت.
الزغرودة بين المنام والدين
في المنام، مثل سائر الرؤى، تحمل الزغاريد دلالات متنوعة تتباين بحسب سياق الرؤية وحالة الرائي النفسية والاجتماعية، لكنها غالبًا ما ترتبط بالأخبار السارة، خاصة إذا جاءت في سياق مناسبة مفرحة كالزواج أو النجاح، إذ إن الزغاريد في المنام قد تبشر بتحقيق أمنية طال انتظارها، أو بحدوث مناسبة سعيدة داخل الأسرة.
ومع ذلك، يرى بعض المفسرين أن الزغاريد قد تحمل في بعض الحالات إشارات سلبية، خاصة إذا رافقتها مشاعر حزنٍ أو صدرت عن نساء في موكب جنازة، لأنها حينذاك قد تدل على القلق أو الخوف من فقدان أو خيبة أمل مرتقبة.
أما في الديانات السماوية، فعلى الرغم من أن النصوص الدينية الأساسية في الإسلام والمسيحية واليهودية لا تذكر الزغاريد بشكل مباشر، إلا أن التعبير الصوتي عن الفرح يُعد مقبولًا ومشجعًا في كثير من المناسبات. ففي الإسلام، تعتبر الزغاريد جزءًا من مظاهر الفرح المشروعة في الأعراس والحج والمناسبات السعيدة، ما لم تقترن بمحظورات شرعية.
أما في المسيحية، وخصوصًا في الطقوس الإفريقية والشرقية، فتستعمل الزغاريد أو الصيحات الاحتفالية للتعبير عن الابتهاج الروحي خلال الأعياد والمناسبات الدينية. كما ترافق اليهود في طقوسهم الدينية، حيث يُستهل بها دخول النساء إلى المعابد للاحتفال بالحج.
بين الماضي والحاضر: هل تسير الزغاريد نحو الاختفاء؟
إلى اليوم، ما تزال الزغاريد تسجل حضورها في كثير من المناسبات الاجتماعية العربية والمغاربية، خاصة في القرى والمناطق التي ما زالت تحافظ على تراثها، إلا أنها تشهد تراجعًا تدريجيًّا في المدن الكبرى.
ومن بين العوامل التي أدت إلى هذا التراجع، تأثر أنماط الاحتفال بالثقافات الغربية، وظهور بدائل صوتية جعلت الاحتفالات تعتمد على الأغاني والمؤثرات الإلكترونية، يضاف إليها تغير النظرة الاجتماعية إلى الزغاريد بوصفها ممارسة ريفية تقليدية لا تتماشى مع مظاهر الحداثة.
وفي دراستها "زغاريد الأعراس في بلاد الشام" تلاحظ الكاتبة اللبنانية كارين صادر أن القليل جدًّا من السيدات دون سن الستين "يحفظن نتفًا من زغاريد الأفراح"، مع أن شغفهن بالزغاريد كبير، و"غالبًا ما كانت تصاحب ذكرى سارّة كزواجهن أو زواج أولادهن وإخوتهن."
ويرجع سبب اهتمام كارين بدراسة الزغرودة وما يرافقها من أهازيج، إلى أن "هذا النوع من الكلام الفرِح المُغنى بدأ بالغروب عن أفراحنا، والتبخر من ذاكرتنا".
ومما ترى كارين أنه سبب تراجع حضورها في حياتنا اليومية، ما وصفته بـ "حرارة المدنية المادية والعملية الجافة"، وكأننا بتنا نخجل التعبير عن فرحنا، "ونحاول اغتيال العفوية بنصل التكلف" على حد تعبيرها.
هكذا تظل الزغرودة باختلاف أسمائها واستعمالاتها صرخةً أصيلةً يتردد صداها منذ فجر التاريخ، حيث تحمل في ذبذباتها أسرار المجتمعات العربية ومختلف الثقافات العالمية. فتتجاوز كونها مجرد صوتٍ، لتصير رمزًا، يواصل صداه في الذاكرة الجماعية حتى اليوم، للتعبير عن المشاعر.