ultracheck
الأغنية الفراتية

ذاكرة الماء والهوية الغنائية: هل يعيد الفرات الصوت لأهله؟

18 أكتوبر 2025

في دراسته عن "تطور مفهوم الثقافة النهرية"، يرى الباحث كارل وانتزن أن الأنهار تمنح الإيقاع لكل حياة في أحواضها، ذلك أن الفيضانات والجفاف يطلقان التكيفات السلوكية والفيزيولوجية للكائنات، منتجين تنوعًا بيولوجيًا، كما يطلقان لدى نوع واحد، هو الإنسان العاقل، تنوعًا ثقافيًا.

يعيد وانتزن ذلك إلى أن الكائنات لم تتكيف مع نهرٍ ثابت، وإنما مع نهرٍ متغيّر، أي إنها لم تتكيف مع ظروف مستقرة بل مع "اللااستقرار المنتظم" نوعًا ما. ولذلك، ارتبطت ذاكرتهم الجمعية بحكايات النهر، منتجةً ثقافة كاملة (من أساطير وطقوس وعمارة وأغاني وأمثال شعبية) محمَّلة بإشارات مباشرة لإيقاع المياه.

ومن هذا المنطلق، نجد أن الأغنية الشعبية الفراتية هي مثال حي على علاقة الإيقاع الثقافي بالتكيّفات السلوكية مع النظام الطبيعي للأنهار، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال: كيف انعكست تغيّرات علاقة الفراتيين بنهرهم على لحن أغنيتهم؟

الفرات في المخيال الرافدي والثقافة الأولى

منذُ أورنينا، مغنّية معبد عشتار من مملكة ماري، لم يصمت صوت الفرات. تتابعت الحضارات وتغيّرت الآلات، وظلّت الأغنية الفراتية تحفظ تاريخ المنطقة الذي خانته الحجارة، وتتناقله من جيلٍ إلى آخر. وظلّ أهل الفرات في رقصةٍ تبادليّة مع تغيّراته، فكانت إيقاعاتهم الهيدرولوجيّة أقرب إلى تنويعاتٍ على لحنٍ أساسي، الفرات مقامها الثّابت، والأغنيّة الشعبيّة تقاسيم ترتجل حوله؛ تعلو وتهبط ثم تعود دائمًا إلى نغمة مائه الأولى.

هكذا نرى الفرات حاضرًا في عمق الثقافة النهريّة للرافديين من خلال تكيّفاتهم مع النهر، لا على الصعيد المعيشيّ فقط، بل على الصعيد الرمزيّ والثقافيّ أيضًا. كما نراه في تفاعلهم مع مزاجه الفيضانيّ غير المتوقع، ما بين الرهبة والإعجاب، فهو في أساطير السومريين ماءُ الآلهة ومصدرُ الخصب في أسطورة إنكي، ولم يكن طوفانه إلا انعكاسًا لغضب الآلهة في تراتيل إنانا ولوح الطوفان من ملحمة كلكامش البابلية.

بينما يصف هيرودوت سعيَ الملكة نيتوكريس نحو حماية المدينة من الفيضان عبر تعديل مجرى الفرات. وهو حاضرٌ حتى في أديانهم وكتبهم المقدّسة، فهو رابع أنهار جنة عدن في التوراة، وانحساره عن جبل ذهبٍ من علامات قيام الساعة لدى المسلمين.

الأغنية الشعبية بوصفها توثيقًا للأحداث المحلية

ذكر المؤرخ عبد القادر عياش أن "الأدب الشعبي الفراتي ذو صلة وثيقة باللغة العربية لاحتوائه على ألفاظ عربية كثيرة وإن لم توجد في المعاجم، وذو صلة بالتاريخ السياسي لهذا الوادي". لكن، وعلى الرغم من أن الأغنية الفراتية ظلّت علامة مهمّة على التحوّلات وصدىً للتقلبات، إلا أنها لم تكن سجلًا للأحداث الكبرى بقدر ما كانت توثيقًا للأحداث الداخلية، والحماسة فيها أقرب إلى الحماسة القبلية.

في كتابه "الأغنية الفراتية"، يرجع الباحث سليمان الطعان هذا إلى أن العهد العثماني لم يكن في الوجدان الشعبي احتلالًا إلا في آخر أيام الإمبراطورية، فيما لم تُفرض على أبناء العشائر الخدمة العسكرية (السفر برلك)، وكان حضور السلطة المركزية بالمجمل باهتًا. حتى الاحتلال الفرنسي لم يكن حاضرًا في الفضاء العام، واقتصر على حامياته في مراكز المدن، حيث تصادموا مع العشائر، وعشيرة البوخابور في معركة الشفوفية: "يا فرنساوي وين حدودك/ تحاربنا من دور جدودك/ ما شفنا من يوم يحودك/ وذبحنا ضبّاط العسكر".

كما قامت السلطات والحكومات اللاحقة أيضًا بتهميش منطقة الفرات، فهمّشوها بدورهم: "يا ريمتي فرعي كوري العصابة كور/ تسوين كل من خبز ع الصاج والتنور/ تسوين خيل عنزة وطروشها والزور/ وباشوات الحكم بديار بكرية"، في إشارة إلى الموقعة الشهيرة بين قبيلة عنزة والناصر، إضافةً إلى ولاة الدولة العثمانية الذين حكموا مدينة ديار بكر، وقد عرف عن بعضهم القسوة والتورط في المجازر التي ارتُكبت بحق الأرمن.

الأغنية الشعبية هي أيضًا مرآة لتفاصيل حياة النّاس اليومية، من الخبز وإعداد الطعام وتربية المواشي والزراعة وصولًا إلى الحصاد: "شفتو يطحن طحينو، صغير يا رب تعينو"، أو: "رواح يما ع الحليب رواحي/ الليل غلّق وأصبح الصباح"، أو: "دقن القطن دقنُّ، نظفن من الحشيشِ، هسع تجينا الحلوة، بيضا والملفع ريشي".

لا يقتصر ذلك على مستوى الكلمات فقط، بل حتى على مستوى الإيقاع أيضًا، في مزامنةٍ لتواتر الحركة أثناء العمل على اختلاف مراحله، مثل حركة المنجل والحراثة. فيما يقترح الباحثون أن الحسَّ الإيقاعيَّ عند الإنسان قد تطوّر أصلًا من التماهي مع الأنماط البيئية الطبيعية والحركية.

بين البادية والضفاف: تحوّلات الصوت الفراتي

مع الغزو المغولي للمشرق العربي في القرن الثالث عشر، تراجعت المدن المزدهرة، وتفرّق أهلها في البادية مبتعدين عن نهرهم؛ رحّالة حزينون يتتبعون الكلأ ومساقط المطر، يبكون حضارةً ضائعة ومدنًا لم تحمِهم من غزوٍ همجي، فجاء شعرهم امتدادًا للطلل الجاهلي.

فبالإضافةِ إلى العتابا بأشطرها الأربعة التي انتشرت لاحقًا بشكل أكبر في الساحل السوري وسهل الغاب ومصياف والسلمية وجنوب سوريا وجبل حوران وجبل لبنان أيضًا، سادَ "النايل" بوصفه أنين غربة، أو شعرًا نبطيًا بغالبه يفيض سوداويّة وكآبة، وهو بيت منفرد من شطرين موحَّديِ القافية، سلسٌ ورقيقٌ كصرخةٍ في ليلٍ بلا خليلٍ ولا ماء: "ما تنفع اللايمة وصفقًا بالإيدينِ/ حزين طول العمر عَ اللي ترقبه عيني".

يقال إن أول من غنّى به امرأة من قبيلة عُذْرة كانت تهوى فتىً اسمه "نايل"، ويرى المؤرخ عبد القادر عياش أن "النايل من أغاني القبائل التي لا تعتمد على أهمية الكلمة بقدر اعتمادها على جمالية ومقدرة الصوت". يرافق الصوت الربابة المصنوعة من جلد الماعز وشعر الحصان، فيتناهى بكاؤها خيطًا رفيعًا في بادية واسعة، يتيه كالمسافر في الفلاة: "وينه اليسوى فضل؟/ لهواري يتعنى/ ويقله عمري انقضى/ بالآه والونة/ مدري يجيني بعد/ لو أقطع الظنّة".

ظلّت حالة البداوة مسيطرة حتى بدأت القبائل تدريجيًا بالاستقرار حول النهر، والتحول إلى تجمعات قبلية زراعية في القرن التاسع عشر. حينها عاد الصوت ينساب مع مجرى الماء، وطغى صوت الزمارة المصنوعة من قصب النهر على حزن الربابة، وولدت "الموليّا" الفراتية من جديد على الضفاف كأغنية نهريّة وفن طربي لا يؤرقه هاجس القحط.

يزخر هذا الفن بتفاصيل حياتهم مع المياه والنهر، ويتألف من أربعة أشطر، الثلاثة الأولى متحدة القافية، والشطر الرابع يختتم بياء مشددة وألف طويلة. يختلف المؤرخون في منشئها؛ فمنهم من يرجعها إلى نكبة البرامكة وموقعة الرشيد بهم، ومنهم من يرجعها إلى العراق في العصر العباسي: "يا سمير اللون أهلي عيروني بيك. من كثر ما عيروني زاد عشقي بيك/ أنت الورق بالشجر وأنا الذا أسقيك/ على نبعة الرابية بسويحل الميا".

وقد جاءت الموليّا الرقاوية مثقّلةً باللغة والصور الشعرية، تُغنّى على البحر البسيط ومقام النهاوند: "من عرق خدّو لشيل ظماي بالجودي/ ظلّيت برجو الولف لمن ذبل عودي/ دنياك يا صاحبي عثرات وصعودي/ كل من ذلولو عبرت وأنا حرجت فيّا".

أما في دير الزور، فمالت الموليّا إلى مقامي البيات والحجاز، فجاء إيقاعها أخف وأبهج: "عَ العين يا بو الزلف/ عيني يا موليّا/ يا أم العبايا الحِبْر/ حلوة يا ديريّة". وكما هو واضح، يظهر حضور طبيعة المنطقة من ماء وزرع وورود في تفاصيل الوصف والغزل بشكل دائم:

"آني جتلني اخثيثف مفلّل جعودو/ الصدر فيضة ربيع مفتّح ورودو/ سبحان رب السما الصايغ نهودو/ أشقيقة نعمان وورود ختميّة".

ومما يُغنّى من الموليّا أيضًا ويشير بوضوح إلى طبيعة المنطقة وحيواناتها: "الريمة اليمكم يا خوي ما تظني/ ما أريد منها ظنا بس تقعد بجنبي/ البطن بطن الغزل أبيض من القطن/ أمي تجيب الحطب وقريبة الميّا". وكذلك: "الريم هد وسرى من درب العبود/ لبست ثياب الغوى شلحة وهباري سود/ وإن كان ما تعرفها سنا بنت عبود/ تميل جنها حطب ريحان عَ الميّا".

وإلى جانب الموليّا، انتشر غناء السويحلي مع عمل المراكب بين ضفتي الفرات، الجزيرة والشامية: "ترمي بردنها من فوق تسع سطوح/ تري بردنها/ نومة حضنها/ يا جنة الفردوس/ نومة حضنها/ عينك علينا/ ما زلنا جيران/ عينك علينا/ وإلا تجينا بحجة غرض يا زين/ إلا تجينا".

وقد ظهر "سويحلي الورّادات" و"نايل الورّادات" الذي غنّته النساء عند جلب الماء، كما غنّت الفتيات "العدّاد" في الأعراس، ترافقهن الدفوف. وقد ذكر عياش: "كنتُ أشاهد النساء في الدير منذ عام 1927، وأسمعهنّ يغنين الموليّا وينقرن الدفوف، ولم يكن بيت في دير الزور يخلو من عِدّة دفوف لكل امرأة وصبية".

تفكك الإيقاع الثقافي والاشتباك بالسياسة

حمل القرن العشرين معه الآلة وشريط الكاسيت، بالإضافة إلى موجة الهجرة إلى المدن وإلى الخليج، فابتعد الفراتيون عن الزراعة وبدأوا بفقدان ترابطهم الاجتماعي والثقافي مع إيقاعات النهر، فما عاد مصدر الشرب والغسيل ولا السقاية المباشرة، وغابت "الورّادات" وسهرات الضفاف، وحلّ الغناء المسجّل محل شاعر الزمّارة حتى أوشك على الاندثار.

وبدأت تتجرّد الأغنية الشعبيّة الفراتيّة، التي كانت حسّية، دنيوية، غير سياسيّة، وغير متحيّزة جنسيًا، من سماتها القديمة، فدخلت إليها الانتماءات الدينية والقوميّة والمناطقيّة، خاصةً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، التي دخلت المنطقة فيها عسكريًا بعد وقت قصير من اندلاعها، حيث اشتبكت الأغنية بالسياسة، وتحوّلت الموليّا إلى أغنيات وهتافات متعددة، منها "موليا الحرية": "الله عَ هالوطن عيني / عيني يا سوريا / من الدير صرخة غضب / وتنادي حرية".

ولأن المنطقة اشتبكت عسكريًا، كانت الحاجة إلى أغانٍ حماسيّة أكثر من الحاجة إلى الموليّا والطرب. هنا عادت "الهوسات" و"الشيلات" القديمة التي كانت تُغنّى في النزاعات المحلية: "وإن هلهلتي هلهلنالك/ طقّينا البارود قبالك". وأحدُ تنويعاتها كان في الأصل ضدّ الاحتلال الفرنسي: "ما همّتنا جيوش فرنسا بطيّارة ولا إن قالوا مدفع"، و"صب شادرها وخيّم بيها/ الموت أولها وتاليها". بالإضافة إلى أغاني الثورة الرافضة للظلم، والداعمة للمحافظات الأخرى: "على درعا شدّينا، نادت بالفزعة ولبّينا".

ثم جاء عام 2014، حين سيطرت "داعش"، وصمتت الأغنية. ساد صمت المقابر وثقل الخراب. أُسكِتت الموليّا، وغابت الربابة، وصار الغناء جرمًا يُعاقَب عليه. لم يبقَ سوى أناشيد حديدية تكرّر نفسها كوقع خطوات الجنود. هناك انطفأ الطرب وبقي البؤس وحده سيّد الصوت.

ولم تعد العلاقة مع النهر انقطاعًا أو اتصالًا، بل صار الفراتيون على ضفتيه يعيشون حياتين متوازيتين، وكأنّ النهر نُسي تمامًا، محذوفًا من المخيال الجمعي ومن النشاط الثقافي. وبينما انتقد الباحث "ديلِب دا كونها" رسم الأنهار على الخرائط كخطوط فاصلة بين ماء ويابسة، مؤكدًا أنها جزء من دورة حياة أوسع تشمل التربة والغيوم والهواء، إلا أن الفرات قد تحوّل في زمن "داعش" إلى خط حاد وصريح يفصل بين سلطتين. صار نهرًا مكمومًا وحاجزًا أمام الخدمات، ومصدر قهرٍ وعجزٍ للسكان، يطغى على خرير مائه صوت الرصاص. واستُبدلت جلسات السمر على ضفافه بالحواجز العسكرية والمعابر النهرية: "ارفع راسك أنت ابن الفرات/ أم الشهيد تهلهل، جوك الثوار/ هاي الحويقة تشهد، شوف المعبار".

وبالإضافة إلى ما تلا سنوات الحرب من بؤسٍ وتهجيرٍ وانهيارٍ ثقافي، وعزوف الكثيرين عن العمل الفني، تراجع الغناء – القصيدة المضبوطة المغنّاة – الذي كان يفيض شجنًا وغزلًا وجذلًا، وحتى وطنيةً وتآخيًا، وحلّت مكانه أغنيات الشراسة والمراجل، بتمجيدٍ للذكورة والفحولة، والتجييش والدعوة إلى الحرب، مثل: "لبّت لبّت"، "ارمي يا الراجمة"، "ديرية وكلنا سباع، من نمشي نهز الكاع"، "دزّينا فزّاع، ذول أجدادي بالمحنة يشقّون الجاع".

وهنا ليس المقصود انتشار الدبكات، بل الحديث عن توجّه الكلمات والمعاني، أما الدبكات فهي جزء أساسي وأصيل من تراث المنطقة، مثل الزوري والجولاقي اللتين تفردت بهما المنطقة، بينما اشتركت مع العراق ومناطق أخرى بدبكات مختلفة مثل "الشوبي"، وهو حديث ومبحث آخر مهم من التراث الشعبي لحوض الفرات.

فضاء ثقافي جديد (الرقة نموذجًا):

يؤكد كتاب اليونسكو الصادر عام 2023 بعنوان "الحياة رقصة على إيقاعات المياه" أن "الخسارة في التنوع الثقافي المرتبط بالنهر وسهله (مثل الروابط النهرية والروحية والاستخدامات التقليدية، والعمارة المتكيفة، إلخ) ما زالت مجهولة في مداها، وبالنسبة لحوض الفرات فإن حتى الخسارات البيولوجية والبيئية ما زالت مجهولة بسبب شح الأبحاث وسوء الأوضاع، لكن هل يمكن استعادة العلاقة بالنهر من خلال استرجاع الثقافة المحلية؟ أم حتى العكس؟

أعلن الفراتيون بعد الثورة تحررهم من الصور النمطية والتهميش الذي مارسه النظام السابق عليهم، كنتيجة لصحوة فنية عاشتها المنطقة، وامتدادًا للمدّ الشعبوي العالمي، حيث بدأت الأجيال الجديدة تنظر بنديّةٍ وثقةٍ عاليةٍ إلى تراثها المحلي كله، وبدأت الأغنية الفراتية تأخذ حيزًا أكبر في الفضاء العام السوري.

ومع الهدوء النسبي وعودة الاستقرار تدريجيًا الذي تعيشه المنطقة، وصيانة بعض استراحات النهر وضفافه في الرقة، عاد سيران النهر وأمسيات الغناء الشعبي التي قد يبدو من سردنا أنها ألوان غنائية مختلفة أزاح أحدها الآخر عبر الزمن، بينما هي تمتزج معًا في التعليلة الواحدة، كأن يبدأ المطرب الماهر بالعتابا، ثم بالسويحلي المتولد من بيت العتابا، وينتقل إلى النايل، ثم إلى اللون اللكّاحي، ويختتم غناءه بالموليّا.

ويؤكد المغني الشعبي والباحث خليل الجابر، بفرحٍ وأملٍ، عودةَ الأغنية الفراتية إلى حفلات الرقة وأعراسها في السنوات الأخيرة، بحضور المطربين والربابات والزمارات، مما زاد أعداد الشباب المهتمين بتعلّم هذا النوع من الفنون، بالإضافة إلى ظهور عدة محاولاتٍ لتوثيق هذا التراث اللامادي من كتبٍ ومقالاتٍ ووسائلَ للتواصل الاجتماعي وأفلامٍ، مثل فيلم "الأشجار الوحيدة"، وبرامجَ ثقافيةٍ كـ"نوتة" من برنامج "دوزان" الذي عمل على توثيق أغاني الحقول مثل: منجلي يا منجلي. كما ظهرت عدة تجارب لإعادة توزيعٍ وتسجيلٍ للأغاني الشعبية من قبل فرقٍ ومطربين مختلفين، ومن خارج حوض الفرات أيضًا، وقد رأينا عودة النساء إلى الغناء على المسارح، مثل الفنانة منة الله.

يبدو هذا كلّه محطةً جديدةً للأغنية الشعبية الفراتية بعد خوضها غمار التغيّرات والسياسة والثقافة، على أمل أن يعمل الفنّ والموسيقى كجسرٍ لإعادة ترميم العلاقة المنسيّة، وإحياء الذاكرة النهرية والمخيال الجمعي حول الفرات الذي وإن لم يعد يُغنّي كما كان، ما زال يحتفظ في ذاكرته بأصوات الذين غنّوا له وعلى ضفافه، علّه في جريانه الحرّ يعيد لأهله أيضًا أغنيتهم المفقودة.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

أغاني جبل العرب

أغاني جبل العرب: ذاكرة السويداء وهويتها في صوت الحاضر

تبدو الأغنية في السويداء اليوم مدخلًا مهمًا لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها الجبل، بصفتها مساحة تلتقي فيها الذاكرة والهوية والتاريخ والتكنولوجيا، يتجاور فيها صوت الفارس والمقاتل مع صوت العاشق

مهيب الرفاعي

الرأي العام
الرأي العام

تاريخ الرأي العام: من همس الأساطير إلى الخوارزميات

تاريخ الرأي العام ليس سوى تاريخ الصراع على العقول والمشاعر، فمن همسات فيمي وأوسا في آذان المحاربين، إلى خطباء أثينا، ومنابر الكنيسة و"جرائد البنس الواحد" إلى شاشات الهواتف والخوارزميات الذكية

باسم سليمان

قبضة القراصنة

"قبضة القراصنة".. قصة الأسرى الأميركيين في الجزائر خلال القرن الثامن عشر

خلال العقد التاسع من القرن الثامن عشر، ونتيجة لمعطيات سياسية فرضت نفسها آنذاك، وقعت سفن أميركية في قبضة القراصنة الجزائريين وأُسُرت طواقمها البحرية، فما قصة هؤلاء الأسرى؟

محمد شعبان

تاريخ السلاح

من الحجر إلى الصاروخ الذكي: كيف طوّر الإنسان أدوات القتل؟

مضى الإنسان في حكايته مع السلاح، من حجرٍ في يدٍ مرتعشة، إلى صاروخٍ عابرٍ للقارات، ومن قنبلة يدوية إلى روبوتات قاتلة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن التجسّس بالأفراد إلى التجسّس الإلكتروني واستخدام الأكواد

هند جودة

تاريخ الجينز

سيرة الجينز: من مناجم كاليفورنيا إلى واجهات الرأسمالية العالمية

تاريخ الجينز ليس مجرد تاريخ قطعة لباس، بل سيرة اجتماعية وثقافية عن العمل والطبقة والتمرد والسلطة والعولمة. إنه حكاية عن الطريقة التي تستطيع بها الرأسمالية أن تبتلع حتى أكثر رموز التمرد شعبية

محمد العربي

المزيد من الكاتب

حنان الأحمد

مهندسة معمارية وكاتبة سورية

صورة مشوّهة ونقاء متخيل.. ما مشكلة وجه برلين مع وجوهنا؟

المدن ليست متاحف، ولا توجد لها "صورة نقية" في الذاكرة أو الواقع. ففكرة المدينة النقية ليست سوى أسطورة حضرية تُستدعى كلما أُريد تبرير الإقصاء

لعنة الماء والنفط في الجزيرة السورية.. تاريخ كُتب بلا شعب

لا يسعى المقال إلى تقديم سرد تاريخي متسلسل، ولا إلى كتابة "تاريخ بديل" للجزيرة السورية، بقدر ما يحاول تتبّع جذور بنية استغلال وتهميش متجذّرة، عابرة للأنظمة، ومشتركة بين سلطات مختلفة