يُصادف شهر آذار/مارس الذكرى 155 لإنشاء دار الكتب والوثائق القومية المصرية. وهي مناسبة – بلا شك – تستحق التوقف والتأمّل، فبالرغم من مرور ما يزيد عن قرن ونصف، بقيت دار الكتب ملجأ معرفيًّا، للباحثين والقُرّاء كافّة. فكيف بدأت حكاية هذا المبنى العريق؟
بذرة الدار
بدأت المبادرة بحتمية إنشاءِ دارٍ وطنيةٍ للكتب من علي باشا مبارك (رئيس ديوان المدارس)، وذلك بعد أن أُعجب بالمكتبة الوطنية في باريس، خلال بعثته إلى فرنسا لدراسة العلوم العسكرية. ثم اقترح الفكرة على الخديو إسماعيل والذي بدوره أصدر قرارًا في 20 ذي الحجة 1286هـ / 23 آذار/مارس 1870م بجمع المخطوطات النفيسة في البلاد، لتكون نواة لمكتبة عامة.
إلى هنا، يقول المؤرّخ أيمن فؤاد السيّد في كتابه (دار الكتب المصرية: تاريخها وتطورها): "ضمَّت في أوّل عهدها نحو عشرين ألفًا من المجلدات والمراجع ومجاميع الخرائط هي كل ما أمكن إنقاذه في هذا الوقت من تراث مصرَ المخطوط وأوائل المطبوعات، وضُم إليها سائر كتب (المكتبة الأهلية القديمة) ومكتبتي وزارة الأشغال والمعارف العمومية مع ما يرد إليها من الكتب من أي نوع وبأية لغة ومن أية جهة".

وهكذا تكوّنت مجموعة (الكُتُبْخانَة الخديوية) وجُمع لها حوالي 20 ألف مجلدٍ وأصبح مقرّها الطابق الأرضي بسراي الأمير مصطفى فاضل باشا شقيق الخديو إسماعيل، وذلك بدرب الجماميز بجوار ديوان المدارس.
كما أصبح الاطلاع متاحًا للجمهور في غُرة رجب 1287 هـ/ 24 أيلول/سبتمبر 1870م. وبحسب السيّد، فإن الخديو إسماعيل اشترى من أمواله الخاصة بمبلغ 13 ألف ليرة عثمانية مكتبة أخيه مصطفى فاضل باشا بعد وفاته في إسطنبول سنة 1876م.
وقد بلغ حجم تلك المكتبة 3458 مجلدًا وهي تتكوّن من نوادر المخطوطات ونفائس الكتب. أمّا النواة الأولى لمجموعتها الأجنبية، فتكونت من كتب الجمعية المصرية. وهكذا تم اعتبار ممتلكات الكتب خانة ملكًا لديوان الأوقاف، حيث كانت أعيانًا وقفت قبل أو بعد خزنها.
ومع ضيق بدروم سراي (قبو قصر) مصطفى فاضل بالمجموعات التي أخذت في التطوّر والنمو إلى جانب الخشية من تسرب الرطوبة في الدور الأرضي إلى المخطوطات، تم نقلها سنة 1889م إلى السلاملك (الجزء المخصص لاستقبال الضيوف في القصر) في السراي الذي كان يمتلكه ديوان المدارس.
من باب الخلق إلى كورنيش النيل
في عام 1317 هـ/1899م قام الخديو عبّاس حلمي الثاني بوضع حجر أساس الكتبخانة الخديوية " "كتب خانة عمومية" ودار الآثار العربية في ميدان باب الخلق، فقد تم تخصيص الدور الأرضي لدار الآثار العربية، بينما خُصص الدور الأول وما فوقه للكتبخانة الخديوية. وانتقلت إليه الدار في عام 1903م وفتح أبوابه للمترددين في عام 1904م وظلّ الأمر قائمًا على حاله حتى عام 1974م قبل أن تنتقل هذه الكنوز إلى مبنى كورنيش النيل برملة بولاق.
كنوز الدار
في كتابه "دار الكتب المصرية بين الأمس واليوم والغد"، يشير أيمن فؤاد السيّد إلى أن القسم الأكبر من مخطوطات دار الكتب المصرية، قد آل إليها من المجموعات الوقفية للمدارس والمساجد القاهرية والتي يرجع تاريخ وقف أغلبها إلى العصر المملوكي.
وقد امتلكت دار الكتب نحو 60 ألفًا من أصل 125 ألف مخطوط تقريبًا تمتلكه الدولة المصرية، ناهيك عن مجموعة ضخمةٍ من المصاحف الإسلامية. وبدأت الدار منذ عام 1954م تنجز مجموعة من النسخ الميكروفيلمية أو المطبوعة من المخطوطات الموجودة في المكتبات الأخرى سواء في مصر مثل مكتبة الأزهر ومكتبات أروقة الأزهر أو مكتبات عالمية أو في معهد المخطوطات العربية.
وإذا توقفنا عند المخطوطات النادرة التي تمتلكها الدار، فإنها تضم كوكبة نادرة من المصاحف الفريدة سواء بزخرفتها أو العصر الذي تنتمي إليه. فهناك عدد ضخم من المصاحف بالخطوط: الكوفي والحجازي بالإضافة إلى المصاحف المملوكية والعثمانية. وكذلك تتواجد المصاحف الأيوبية والعباسية والإيلخانية والصفوية والقاجارية والتيمورية والمغربية والمغولية.
وبحسب السيّد، تمتلك دار الكتب إرثًا ضخمًا من المخطوطات النادرة في مختلف العلوم والفنون، أمثال: كتاب "سر النحو" لأبي إسحاق الزجّاج، نسخة مخطوطة كُتبت في بداية القرن الرابع الهجري. وهناك مخطوطة مُشْكِل القرآن" لعبد الله بن مسلم بن قتيبة، نسخ معتاد، كتبها محمد بن أحمد بن يحيى وغيرها الكثير والكثير من نفائس المخطوطات.
هذه المادة الثرية، دفعت قسم المخطوطات بالدار لإقامة معرض في نهاية الثمانينيات يضم المخطوطات النادرة من التراث الإسلامي. وقد عكس هذا المعرض أهمية الخط العربي ودراسة تطوره وتشكله على مدار العصور، اعتبارًا من القرن الأول الهجري. وكذلك المصاحف الشريفة النادرة والمخطوطات الفارسية التي تم تزيينها بماء الذهب، ناهيك عن التحف الأثرية التي تنتمي لعصور مختلفة والمطبوعات النادرة، بالإضافة إلى قاعة المخطوطات النادرة الكبرى التي تتم افتتحاها عام 1987. وتم تصنيف هذه المخطوطات النادرة وأبرز نماذج التحف النادرة الملونة ضمن كتاب مرجعي، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان "دار الكتب القومية: ذاكرة مصر كنوز من التراث العربي" عام 1989.
تنوع الجمهور
لم تقتصر الدار عند تأسيسها على جمهور القُراء والباحثين من البالغين فقط، بل عمدت إلى إنشاء غرفة واسعة أطلقت عليها مكتبة التلميذ، وقصرتها على أن تكون ملاذًا لطلاب المدارس الابتدائية ومن هم في سن الطفولة. وهذا ما أشارت إليه مجلة الدنيا المصورة 17 يوليو/تموز 1930 بالقول: "ومما هو جدير بالذِكر أن الطلبة الصغار قد رأوا فيها منزلًا علميًّا يلجؤون إليه وقت الحاجة بالمُطالعة فتسابقوا إلى المكتبة حتى أصبحت الغرفة على سعتها تحتشد بوفودهم".

وتضيف المجلة في غير موضع: "والانتفاع بما في الدار يكون بطريقتين: الأولى القراءة في حجرة المطالعة بمقتضى استعارات داخلية تطلب من الملاحظ وتعتبر صكًا على المستعير حتى يرد الكتاب، والثانية بالاستعارة الخارجية وذلك يكون إما بتعهد شخصي أو بضمانة كبير معروف يعتمده المدير أو بدفع تأمين نقدي لكل كتاب يُستعار، وذلك التأمين يرد للمستعير متى تقدم بالكتاب الذي استعاره إلى الدار، وقد رأت الدار منعًا لما قد يقع من إهمال القُراء أو سرقة الزائرين أن تمنح المتردّدين على قاعة المطالعة ترخيصًا شخصيًّا بتوقيع وختم دار الكتب مع احتفاظها بالعنوان والتوقيع".
الفهرسة والأرشفة
اتبعت الدار نظامًا خاصًا فيما يتعلق بالفهرسة والأرشفة، حيث تم دمج المخطوطات والمطبوعات معًا في فهارس موحدة. ولم تبدأ الدار في إفراد المخطوطات في فهارس مستقلة إلا بعد عام 1951، كما ينوّه السيّد. والسر وراء ذلك يرجع إلى إنشاء أمانة عامة للمخطوطات وتم الفصل بينهما أيضًا في وحدات التخزين والأرقام المتسلسلة.
وأصدرت الدار أوّل فهرس للتعريف بمقتنياتها عام 1872م وضمّ الكتب العربية والفارسية والتركية تحت عنوان (فهرست الكتب الموجودة بالكتبخانة الخديوية المصرية الكبرى الكائنة بسراي درب الجماميز العامرة بمصر القاهرة) في 333 صفحة. وذلك قبل أن تتوالى الفهارس المصنفة والمرتبة فيما بعد.
وتلفت الدنيا المصوّرة النظر إلى وجود فئة لا تخلو منها الدار، ألا وهي فئة النساخين الذين يقضون أغلب اليوم في نسخ المخطوطات القديمة بأجور تتناسب مع عملهم الشاق. فنظام الدار حظر استعارة المجموعات الخطية. والغريب أن بعض هؤلاء يتنسب للدار، بينما البعض الآخر كان يعمل لحسابه الخاص. وقد اشتهر من بينهم رجل يُدعى "البرنس" لم يترك الدار ليل نهار.
ولم تقتصر محفوظات الدار على الكتب والمخطوطات، بل عند إنشائها احتوت على خزينة تضم مجموعة من النقود الإسلامية النادرة تقارب خمسة آلاف قطعة. وقد بقيت هذه المجموعة تخضع لإضافة متواصلة. ولم تقتصر المجموعة على النقود المسكوكة ومتداولة في مصر فقط، بل شملت النقود التي تم تداولها في أرجاء العالم الإسلامي منذ عهد الدولة الأموية.
مديرو الدار
تتابع على إدارة الدار منذ نشأتها مجموعة من العلماء الألمان، كان أولهم الدكتور سترن ثم خلفه سبيبتا بك حتى أوائل سنة 1883م ثم الدكتور فوللرس سنة 1886م ثم الدكتور مورتيس سنة 1895م ثم الدكتور شاده سنة 1913م ومن المصريين تولى إدارتها السيد علي الببلاوي ثم مراد مختار أفندي وجاء بعده أحمد لطفي السيد بك ثم أحمد صادق بك ثم أحمد لطفي السيد للمرة الثانية ثم المرحوم عبد الحميد بك أبو هيف ثم محمد بك أسعد برادة.
وبحسب الدنيا المصورة، فإن الدار كانت تحتفظ بمجلد خاص ليوقع به الزائرون من الملوك والأمراء وقد زينت أطرافه بالذهب. ومن بين الموقعين: ملك الأفغان وملك البلجيك والسلطان حسين. وعادة ما كان يُستخدم في التوقيع قلم ودواة من الذهب تم ترصيعهما بالألماس.
تحقيق التراث
يبقى تحقيق التراث من أبرز الإنجازات التي حققتها دار الكتب المصرية، فالكاتب محمود الطناحي يقول في مقالة له نشرتها مجلة الهلال في شباط/فبراير 1992: "وفي منتصف الستينات أراد القائمون على دار الكتب إعادة القسم الأدبي، فيما سموه "مركز تحقيق التراث"، وتكون غايته نشر أعمال تراثية، ثم إعداد جيل يتلقى فن التحقيق بوجه عملي، على يد بقية شيوخه وأعلامه، في رحاب دار الكتب حيث تتوفر المراجع: مخطوطة ومطبوعة. وقد وفق هذا المركز في نشر بعض الكتب بتحقيق علماء لهم في تحقيق النصوص سابقة، ومعاونة نفر من الشباب أريد تدريبهم على تحقيق النصوص.
ومن هذه الكتب: ديوان ابن الرومي (ستة أجزاء) ومقدّمة ابن الصلاحِ في علوم الحديثِ، وكتابُ الموسيقى الكبير للفارابي، والمذكّر والمؤنث للمبرد، ولأبي البركات الأنباري، وكتاب الجواهر وصفاتها ليحيى بن مساوية، ولا يزال هذا المركز قائمًا، ولكن نشاطه قل بصورة واضحة، ولعل الله يهيئ له من يقيل عثرته.

وقد أفسحت دار الكتب المصرية مكانًا للهيئات العلمية من خارج مصر، فطبعت لحساب دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد – الهند، كتابين جليلين: أحدهما "معرفة علوم الحديث" للحاكم النيسابوري، سنة 1937م، وثانيهما كتاب "إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم" لابن خالويه، سنة 1941م.
وقد بدأت دار الكتب تأخذ منحىً جديدًا مع صدور القرار الجمهوري رقم 176 لسنة 1993 والذي نصّ على إنشاء هيئة عامة تُسمّى (دار الكتب والوثائق القومية) تكون لها الشخصية الاعتبارية ومقرها مدينة القاهرة وهي تتبع وزير الثقافة. وذلك على أن تستمر الهيئة المصرية العامة للكتاب في مباشرة اختصاصها في مجالات التأليف والترجمة والطباعة والنشر. وذلك طبقًا للقرار الجمهوري رقم 2826 لسنة 1971.
ومع الوقت، زادت التوسعات الخاصة بالدار، فلم يعد الاطلاع مقصورًا على الكتب النادرة والمخطوطات فقط، بل خُصصت قاعة للدوريات والجرائد سواءَ في حالتها الورقية المطبوعة أو في صيغة أخرى مثل المايكروفيلم والمايكروفيش، بالإضافة إلى رقمنة مجموعة من الإصدارات القديمة، حتى تكون في متناول أيدي الباحثين والقُرّاء من كافة أرجاء العالم. والحق أنه لا تزال هناك بعض المعوقات التي تخصّ إتاحة بعض الدوريات دون غيرها أو خضوع البعض منها لترميم مطول، لكن هذا لا يمنع أن الدار ظلت لفترات سحيقة وجهة أساسية للباحثين والكتاب والصحفيين على اختلاف أعمارهم ومشاربهم.












