إن كان بعض الفلاسفة والمفكّرين قد ربطوا الطعام باللذة كما فعل أبيقور، فإن بعض الأنثروبولوجيين اعتبروا أن ما يتفرّد به الإنسان عن باقي المخلوقات هو قدرته على الطبخ واستخدام النار لتحويل الطعام إلى وجبة لذيذة، إذ يحكي المطبخ عادةً جزءًا كبيرًا من تاريخ الشعوب وتقاليدها. وهو التميّز الذي لم يكن ليحدث لو لم تكن التوابل جزءًا أساسيًا يمنح للطعام سماتٍ فريدةٍ تختص بها أطباق بلد دون آخر.
يشبّه الكاتب المغربي سعد سرحان، في كتابه "ديوان المائدة"، التوابل بالقائد الذي يتقدّم فيلق جنود الطعام الذين يحاربون على جبهات الصحة والعافية. ذلك أن الفيتامينات والأملاح المعدنية، البروتينات والأحماض الأمينية، السكّريات والسعرات الحرارية، الأغذية التشكيلية والطاقية وغيرها من الكلمات الدسمة ما كان لها أن تسري إلى مستقرّ لها في الأجساد لولا دور التوابل المشهود في فتح الثغور."
وقد أحاطت بالتوابل حكايات وأسرار وأحداثٌ كبيرة وكثيرة، فهي لم تكن مجرّد إضافةِ نكهةٍ للطعام، وإنما لعبت أيضًا أدوارًا هامّة ومختلفة في التاريخ، فكانت سببًا وراء احتلال أراضٍ واندلاع حروب.
وبالإضافة إلى التغيير الذي أحدثه اكتشافها في عادات الأكل عند الشعوب بتغيير طرق إعداد الطعام وطرق تقديمه، والذي رسمت به خصوصيات كل مطعم على حدّة، فإن تجارتها في العصور القديمة أسست لبداية العولمة الاقتصادية، حيث كانت الأحداث التي تقع في إحدى مناطق العالم تؤثر إلى حدٍّ كبير على شعوب مناطق أخرى.
وقد أدّى الإقبال المتزايد عليها، خاصّة في أوروبا خلال القرن الرابع عشر، إلى إشعال المنافسة بين الدول الأوروبية الراغبة في الوصول إلى منبع هذه التجارة المربحة، والسيطرة على الموانئ التي تنطلق منها والدول المنتجة لها.
ولم يقتصر استعمال التوابل في أطباق الطعام فقط، وإنما تجاوزت ذلك أحيانًا إلى علاج أنواع مختلفة من الأمراض، حتى ساد الاعتقاد عند باحثِينَ أنها استُخدمت في البداية في تحضير الأدوية، لتأخذ مكانها المناسب لاحقاً في المطبخ.
معتقدات وحكايات
يمكن تعريف التوابل بأنها الجزء العطر من نبتة استوائية، سواءً أكان في جذورها أو في لحائها أو في زهرتها أو بذرتها، وهو الجزء الذي يستعمل لإضافة نكهة ورائحة مميزة للطعام. وباستثناء اكتشاف الفانيلا، والفلفل الحار والحلو اللذين في الأمريكيتين، يُرجع الكاتب فريد كزارا، وهو مؤلِّف وأستاذ مساعد في مادتَيْ جغرافيا العالم وتاريخه في كلية سانت ماري الأميركية، في كتابه "التوابل، تاريخ كوني"، نشأة جميع التوابل إلى آسيا.
رافقت هذه النشأة حكايات ومعتقدات واستعمالات تتبّعها كزارا في كتابه، كاشفًا نظرةَ مختلف الثقافات إلى التوابل واستخدامها. فقد اكتُشفت القرفة أوّل مرّة عند الفينيقيين، وأُشيع أن الطيور نقلتها إلى الجزيرة العربية لتبني بها أعشاشها، فكان السكان يُسقطون هذه الأعشاش لجمعها وبيعها.
وقد خُلّدت حكاية هذه الأعشاش في قصدةٍ للشاعر الإيرلندي توماس مور جاء فيها:
"هذه الطيور الذهبية التي تهبط في وقت التوابل/ في الحديقة ثملةً بهذا الطعام العذب
الذي جذبهم عطره فوق فيضان الصيف/ وتلك الطيور تحت أشعة الشمس العربية الرقيقة تبني أعشاشها المبطنة بالقرفة".
أما القرنفل فيعود أصله إلى أندونيسيا، وكان نموه محصورًا في جزرها التي كان جوها الاستوائي ملائمًا لنموه، في حين تقول مصادر تاريخية أن الفُرس استعملوا الزعفران كمادة لصبغ الحرير وملابس كبار رجال البلاط والشخصيات المهمة، لما له من خصائص تقي من العفن وتلف النسيج.
بينما استخدمت شعوب المايا والإزتيك والإنكا الفلفل في طقوس التعذيب، وفي الماء لصيد السمك، وكسُمٍّ يوضع على رؤوس السهام التي تُستعمل سلاحًا لمواجهة أي خطر محتمل. أما في هنغاريا فيعتبر البابريكا رمزًا للمطبخ في البلد. وتقول الحكاية المتداولة إن قصة حبٍّ جمعت فتاة بفلاح شاب، كانت سببًا مباشرًا في نقل هذا التابل من بلاط العثمانيين إلى مَزارع بودابست، فقد شاع أن أحد البشوات الأتراك، خلال سيطرة الإمبراطورية العثمانية على معظم أوروبا الشرقية، رأى فتاة هنغارية جميلة تعمل في السقاية وقام بضمها إلى حريمه. ومع احتكاكها بالعادات الغذائية للأتراك، التي كانت البابريكا جزءًا منها، وإعجابها بمذاق طعامهم، قامت سرًا بجمع بذورها، لتمنحها لحبيبها، الذي كانت تلتقيه سرًا كل ليلة، لزراعتها، فنمَت بعد ذلك وانتشرت زراعتها في كافة أرجاء المدين.
يشير كزارا إلى أن عدد أنواع هذا التابل في المطبخ الهنغاري وصل إلى أكثر من اثني عشر نوعا، تختلف حدّة كل نوع منها عن الآخر.
في حين اعتُبر الكركم (أو زعفران الهند) تابل السعادة عند سكان الهند، فتصفه الروائية الهندية شيترا بانرجي ديفاكاروني في روايتها "عاشقة التوابل" بأنه "الدرع الواقي من تسلل الأحزان إلى القلب"، إذ اعتاد الناس هناك وضعه فوق رؤوس الأطفال حديثي الولادة لجلب الحظ، كما تُدعك به حواشي أثواب الساري في حفلات الزفاف، ويُرشُّ فوق ثمار جوز الهند أثناء طقوس العبادة عند الهندوس، وفي احتفالاتهم الدينية، حيث كان الكهنة يصبغون به الجلاليب.
وإلى اليوم ما زال صبغ العريس والعروس بالكركم الأصفر قبل أيّام من حفل الزفاف من عادات جزء من سكان بنغلاديش. مثلما يقدّم لـ "آلهة الشمس" خلال احتفالات بونغال في ولاية تاميلنادو الهندية، كعربون شكر، حيث يُعتبر من النباتات التسع المقدسة عند التاميل.
محرك الاستكشافات الأوروبية القديمة
في مقاله عن "تجارة التوابل وعصر الاكتشاف"، يقول المؤرّخ مارك كارترايت إن الطلب المتزايد على التوابل بعد وصولها إلى أوروبا عبر الطرق البرية والبحرية للشرق الأوسط، خلال القرن الخامس عشر، حفّز الاستكشافات الأوروبية، فحاولت دول عدة الوصول إلى منبع هذه التجارة المربحة في الشرق، خاصّة أنها كانت تستعمل في أطباق الطعام ولعلاج بعض الأمراض، وكمعطر لتحسين الروائح الكريهة التي كانت سائدة في الأماكن المغلقة.
وساهمت عدة عوامل في تعزيز جاذبية التوابل في المجتمعات الأوربية، فزيادة على روائحها الزكية والنكهة المميزة التي تضيفها إلى أطباق الطعام وإلى النبيذ، فإنها كانت -بالنظر إلى ندرتها- دليلًا على المكانة الاجتماعية للأثرياء.
وانطلاقًا من القرن الخامس عشر حاول البرتغاليون بداية، ثم القوى الأخرى، السيطرة على الموانئ التي تنطلق منها وعلى الدول المنتجة لها، وذلك للوصول المباشر إلى التوابل دون دفع مبالغَ باهظة للتجار الشرقيين والعرب الذين كانوا يزودون الأسواق الأوروبية بها.
منذ ذلك الحين إلى غاية القرن التاسع عشر، تنافست دول مثل البرتغال وإسبانيا وهولندا وبريطانيا، وبدرجة أقل فرنسا والدنمارك على سوق التوابل في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي.
في البداية قاد المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما، وهو أوّل أوروبي يصل الهند عن طريق البحر، رحلةً أدرك فيها أن نجاح البرتغاليين في الوصول إلى مسعاهم في الهند رهين بكسرِ احتكار التجّار العرب والمسلمين والفُرس لتجارة التصدير في المحيط الهندي.
ونتيجة لنجاح الرحلات الاستكشافية البرتغالية يقول فريد كزارا في كتابه المذكور إن البرتغاليين "زوّدوا أوروبا بمعظم مخزون الفلفل لديها بين عامي 1503 و 1540م. وبحلول عام 1540م، كان هناك ما يزيد على عشرة آلاف شخص من أصل أوروبي يعيشون على الساحل الغربي للهند".
آنذاك لم يستطع البرتغاليون السيطرة على موانئ المسلمين عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما لم يمكّنهم من السيطرة على معظم تجارة التوابل من الشرق إلى الغرب عن طريق البر والبحر، وذلك على الرغم من إنشائهم لقاعدة توابل في آسيا.
يضيف كزارا: "ورغم كون البرتغال المزود الرئيسي للتوابل في نصف الكرة الشمالي في ذلك الوقت، إلا أن سكانها لم يعتادوا على الوجبات المتبّلة بالسهولة التي اعتادها سكان الجنوب من الهنود الآسيويين الذين كانوا يزودونهم بها، أو مثل البرتغاليين الذين أقاموا في الهند".
ولم تقف باقي القوى الأوروبية مكتوفة الأيدي أمام استكشافات البرتغاليين، فعندما دار المستكشف الإسباني فيرناندو ماجلان حول الأرض كان يملك أمرًا رسميًا من الملك الإسباني لإيجاد التوابل أو التفاوض للحصول عليها حسب ما نقله فريد كزارا. مضيفًا أن الإسبان "لم يهتموا بالتوابل لكونها شهية في الطعام، بل أيضًا لخواصها الطبية".
وانتهى المطاف بسعي إسباني إلى استنبات التوابل في مستعمراتهم، إلى العثور على أنواع ممتازة من التوابل في الفلبين، خاّصة "جوزة الطيب" والفلفل والقرفة التي يقال إنها "كانت وفيرة لدرجة أنها استُخدمت كوقود".
بعد ذلك برزت قوة أخرى منافسة في سوق التوابل، حيث نجحت هولندا في عام 1599م في الوصول إلى مناطق التوابل وتأسيس شركة الهند الهولندية، وطردت البرتغاليين، لتحتكر هذه السلعة لمدّةٍ طويلةٍ، وهو الاحتكار الذي كسرته إنجلترا بعد حرب طويلة جمعتهما بداية من عام 1652م، وانتهت بسيطرة الإنجليز على مستعمرات هولندية في منطقة التوابل، بما فيها مستعمراتها في الهند والصين، قبل حرب ثانية بينهما عام 1810م انتهت هي الأخرى بخسارة هولندا لنفوذها على ما سمي حينها بـ "جزر التوابل" وهي أرخبيل يقع في بحر باندا بإندونسيا.
كان هذا التنافس الأوروبي سببًا مباشرًا في التطورات العلمية التي عرفتها أوروبا حينذاك، حيث أدى إلى تحسين رسوم الخرائط وظهور علم الإبحار والحسابات البحرية. ومن خلالها نشأت هيئات استكشافية هدفها معرفة طرق توزيع التوابل والتجسس على القوافل التجارية للمنافسين.
استعمالات طبية
لم يقتصر استعمال التوابل على تحضير أطباق الطعام فقط، إذ لعبت دورًا هامًا في علاج أنواع مختلفة من الأمراض، حتى إن الاعتقاد السائد عند بعض الباحثين يقول أنها استُخدمت في البداية في تحضير الأدوية، لتأخذ مكانها المناسب لاحقاً في المطبخ.
وبالعودة إلى مقال المؤرّخ مارك كارترايت فإن التوابل كانت تُستعمل لعلاج كثيرٍ من الأمراض بعد سحقها وتحويلها إلى أقراص وكريمات، فالفلفل الأسود يعالج السعال والربو، كما أنه يستخدم في إشفاء التقرحات والجروح الجلدية، زيادة على اسخدامه كترياق لبعض السموم، ولالتهابات الأمعاء والطفيليات والإسهال وحتى البواسير. أما القرفة فقد شاع في أوروبا استعمالها لعلاج الحمى ولتقوية الكبد والمعدة، مثلما شاع حرق أنواعٍ من التوابل خلال اجتياح الطاعون الأسود لأوروبا لاعتقاد الناس أنها تقي من هذا الوباء.
بالإضافة إلى ذلك ينقل فريد كزارا عن كتابٍ تحت عنوان "الحكومة العظمى" ما يفيد أن كبش القرنفل مفيد في القضاء على انتفاخ البطن ويقوي الجسم، وأن زيته تعالج ألم الأسنان.
أما الكركم، الذي يُعد من أكثر التوابل المفيدة صحيًا، فقد انتشر استخدامه في أوروبا للوقاية من الأمراض أو لعلاجها، حيث يعد مصدرًا أساسيًا لفيتامين "b6"، وللمعادن المفيدة لجسم الإنسان على غرار الحديد والكالسيوم والمغنسيوم والفسفور والزنك... وغيرها.
تجارة التوابل في القرن الواحد والعشرين
في القرن الواحد والعشرين، ما زالت تجارة التوابل تلعب دورًا هامًا في الاقتصاد العالمي وتحافظ على ارتفاعها التدريجي، خاصّة تلك التي تستعمل في الأدوية.
وتعد الهند أكبر منتج ومستهلك ومصدر للتوابل في العالم، بإنتاجها لـ 75 من أصل 109 نوعًا من التوابل، خاصّة الفلفل الحار والفلفل الأسود والكمون والكركم والقرفة والكزبرة، التي تمثل نصف التجارة العالمية للقطاع.
وتشير الأرقام إلى أن الطلب العالمي المتزايد على التوابل، وخاصّة المستعملة في قطاع الأدوية، أدّى إلى رفع الصادرات الهندية منها بحوالي 12٪ بين سنتي 2016 و2017، بحسب تقرير لصحيفة "إكونوميك تايمز".
ويضيف التقرير أن الهند المعروفة بتوابلها عالية الجودة، قد حقّقت حينها أعلى رقم في تاريخها من حيث صادراتها من هذه المواد، مشيرًا إلى كون الفلفل الحارّ هو الأعلى طلبًا عالميًا، يليه الكمون والكركم.
وأضرّت الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت سنة 2022 بالتجارة الدولية للتوابل، إذ تسببت في رفع أسعار نقلها بخمسة أضعاف من جهة، ومن جهة ثانية تسببت في نقص حاد في التوابل الخام والأسمدة في الدول المنتجة، فألحقت بذلك ضررا بالغا بالمنتجين والتجار والمستهلكين على حد سواء.
ويقدر حجم سوق التوابل العالمي بـ 19.89 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يحقق نموًا سنويًا مركبً قدره 5.18% خلال الفترة ما بين 2024و 2029، ليصل إلى 25.60 مليار دولار أمريكي.
جدير بالذكر أن قائمة الدول العشر الأكثر إنتاجًا للتوابل تضم -بالإضافة إلى الهند المتصدرة- كل من تركيا وبنغلادش والصين وأندونسيا وباكستان وإثيوبيا وكولومبيا ثم النيبال وميانمار.












