عند التّأمّل في التّاريخ الثّقافي الأمريكي في القرن العشرين، نكتشفُ بأنّ واحدةً من أهمّ مراحلِه قد امتدّت من الخمسينات إلى السّتّينات، مُقدِّمة صورة مختلفة عن الثّقافة الأمريكية الكلاسيكيّة، وقاطِعةً معها تمامًا، في الأدب والموسيقى والفنّ التّشكيليّ والسّينما، ومحرِّرةً هذه الفنون من الأنماط المُكرَّسة سابِقًا. وقد تزامنت هذه اللّحظة الثقافية مع ثورة الشّباب في الولايات المتّحدة أو ثورة "الهيبّيين"، وجاءت محمّلة بالمبادئ نفسها، وهي الحرّيات الجنسيّة والفرديّة، وكسر الحدود بين البلدان لتوحِيد العالم، ونقد الرأسمالية، والاحتفاء بالسّلام ونبذ الحروب، وعلى رأسه حرب فيتنام التي حاول الشّبابُ استنهاضَ الهِمم ضدّها واتّهام الإدارة الأمريكيّة بارتكابِ أبشع الجرائم الإنسانيّة فيها. وقد أسهم هذا الحَراك المتواصل بلا هوادة طوال عقدين من الزّمن على الأقلّ، في هزّ يقينيّات المُجتمع الأمريكيّ، "المُحافظ" نِسبيًّا إلى حدود تلك الفترة، وتغيير نمط حياةِ العديد من الأمريكيّين وتخليصهم من القيود الدّينيّة والسّياسيّة، وكلّ ما يُشكِّلُ النّظام العام وشكلَ الحياة المتعارف عليها جَمْعيًّا.
اختُلِفَ كثيرا حول أصلِ تَسمية جيل الـ"بيتْ" beat التي تعني "المُتعب" أو "المهزوم"، فهُناك من يقول أنّه يعود إلى النّاقدة الأدبيّة "جرترود شتاين"، عرّابة الأدباء في فترة الحرب العالميّة الأولى وجزءٍ من حقبة الحرب العالمية الثانية، وهناك من يذهبُ إلى أنّ "جاك كرواك"، أحد أبرز وجُوه البِيتْ، هو صاحب التّسمية، وقدْ سمِعها من لصّ في الشّارع اسمه "هونكي"، في حدِيثٍ عابِرٍ معه. وهي كلمة استعملها "كرواك" لتقديم حلقة أصدقائه للشاعر والناقد "جون كلالون هولمز" الذي سيكتب لاحقًا رواية عن هذا الجيل بعنوان "اذهبْ" Go، وهو صاحب أوّل مقال يُكتب عن هذه الجماعة، نُشر في "نيويروك تايمز" سنة 1952 بعنوان "هذا هو جِيل البِيتْ". وكلمة "بِيتْ" beat كلمة عاميّة انتشرت بالأخصّ في أوساط الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة، للتّعبير عن حالة سلبيّة، ولكنّ "كرواك" استغلّ هذه الكلِمة لاشتقاقاتٍ عديدة أخرى، لتشملَ معنى التّفاؤل والطّموح و"بهجة الحياة" والتّدلِيل على نمطٍ معيّنٍ من العيش، وعلى شكلٍ من أشكال الإقامة في العالم يتلاءم مع المبادئ العامّة لهذا الجيل ولسياقِ الثورة التّاريخيّ الذي انبثق منه. ولئن كان هذا الجِيل يتفرّعُ إلى أسماءٍ وتجارب تشمل العديد من الفنون كما ذكرنا سابِقا، فإنّهُ ظلّ مُلازِمًا لمجموعةٍ من الأدباء الذينَ كانوا على صِلةٍ وثِيقة بأشهر الهيبّيين، ومنهم انطلقت تجربة "البِيتْ" وهم "جاك كرواك" و"آلن غينسبرغ" و"وليام بوروز".
في مفهوم الحراك
يبدأ "جُون كلالون هولمز" مقاله حول جِيل "البِيتْ" المنشور في 16 نوفمبر 1952 بجريدة نيويورك تايمز، بِحادِثةٍ قد تبدو بسيطة للقارئ العاديّ، ولكنّ الكاتب يخلص من خلالها إلى ما يمكن أن يُشكّل أهمّ مبادئ "البيتنِيكس" وما يدافعون عنه. تُوقِفُ الشّرطة في كاليفورنيا فتاةً في الثّامنة عشرة بسببِ استهلاكِ المُخدّرات. وقد وثّق شخصٌ مّا الحادثة بصورة شمسيّة. كانت من بين المنتمِين لثقافةٍ جديدة حيثُ يعترضك في الشّارع من كل خمسةِ شبّان، واحدٌ يستهلك المخدّرات. يصفها الكاتبُ بقوله "لم يكن في الوجهِ الشّاحب والنّبيه، ذي العينين النّاعمتين والفمِ الذّكيّ، أيّة علامةٍ على الشّرّ." كانَ وجهها يقولُ للشّرطيّ والنّظراتِ المُتّهِمة المُوجَّهةِ إليها "لماذا لا يدعني النّاسُ وشأنِي؟" ويختمُ الكاتب الحادثة بقوله: "لقد كان وجْهًا لِجِيل البِيتْ." ومن خلال هذه الحادثة، وغيرها، نستخلص الرّغبة الجامحة لدى هؤلاءِ الشّبابِ، في أن يعيشوا تجاربهم الجسديّة للأقصى، سواء تعلّق الأمر بالجِنسِ أو بـاستهلاكِ المخدّرات الذي يأخذ الوعي إلى مناطق أخرى غير معروفة لدى عامّة النّاس الغارِقين في روتينهم المهادن للنّظام ببلادةٍ. كانت رغبة في التّحرّر من قيدِ الحاكم – الشّرطيّ، وأيضًا من قيدِ المُجتمع الذي يُصنّفُ المُستهلِكين على أنّهم مجرمون خارجون على الأخلاق. لم يكن استهلاك المخدّر، استهلاكًا من أجلِ الاستهلاك أو التّبجّح، بل كانت حاجةً أكثر منها رغبة، للهُروبِ من الواقع، وأيضا للارتقاءِ بالرّوح إلى فضاءاتٍ أخرى لا يعرفها الجسدُ الهامِدُ، بل الجسدُ المُتعالي باللّذّة. لم تكن إذن مجرّد "مادّة" تدخل الجسد، بل مفهومًا كامِلًا عمّا يمكن أن يُشكّل "روحا أمريكيّة" جديدة خاصّة بكلّ فرد. يتجسّد هذا الجانب الرّوحيّ في تعلُّق الهيبّيين و"البيتنيكس" بالثّقافات الشّرقيّة، ولاسيّما البوذيّة، لما تحمله من بُعدٍ روحي – تأمّلي، يرتقي بالإنسان من واقعه نحو "كمالٍ" ما آخر، مختلفٍ عن واقع يوميّ بسيط وغارق في الروتينيّة والامتثال. نتلمّسُ هذه الرّوحيّة أيضًا في موسيقى الرّوك المُواكِبةِ لثورة الشّباب من خلال العديد من المجموعات الفنّية التي غنّت للحبّ والسّلام والأخوّة ونبذِ العنف أبرزها "البيتلز" و"بِنك فلويد". ومن أجلِ هذه الرّوحيّة وأخذِ الحواسِّ إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه من لذّة، كان روّاد جيل "البيتْ" يدافعون عن الحرّيّات الفرديّة، وعن حقّ فتاةٍ مثل فتاةِ كاليفورنيا في أن تمتلك حرّيتها الخاصّة.
يُشيرُ "كلالون" في مقاله إلى أنّهُ من الصّعبِ أن نُعرّف جيلًا بأكمله بكلمة أو عبارة واحدة، ولكنّه يؤكّد أنّ التّسمِية تعود لـ"كيرواك" دون غيره، وهي تَسميةٌ قائمة على مفهوم التّعب والانهزام، "إنّه فعلا جيلٌ مُتعب". ولكن من هذا الانهزام ستنطلق كلُّ الانتصارات الأدبيّة الكبرى المُمثّلة في أعمال الثّلاثي "كيرواك" و"غينسبرغ" و"بوروز" وغيرهم. ويذهبُ "كلالون" في تَحليل مفهومِ "كيرواك" قائلًا إنَّ هذا الجيل واكب خسارات الحروب السّابقة (الحرب العالمية الثانية / حرب فيتنام) وكلّ فردٍ من أفراده يشعر بأنّه لم يُكافأ بالقدر الكافي، وليس له المكانة التي يريدها في المجتمع الأمريكي، لذلك يختار التمرّد على النّمط الحياتي، ويبحثُ عن مكانته فيما هو يبحثُ عن ذاته وسط الانكسارات الكثيرة. يقول "كلالون": "أن تكون من البِيتْ، باختصار، هو أن تصطدم بجدار ذاتك خائر القوى."
يُقارنُ "كلالون" في مقالته بين جيل البِيت وجِيلٍ آخر برز في العشرينات وسُمِّيَ بـ"الجِيل الضّائع"، الهارب من الولايات المتّحدة المحافظة والمتشدّدة، إلى أوروبا متحرّرة ورحبة. كان هروبًا من العدم نحو معنًى ما ممكن، ولم يكن هذا المعنى يخلو من إثارةٍ للصّخب، شحذه المنتمون لهذا الجِيل برغبتهم الجامحة في إعادة إحياء العواطف الإنسانيّة وأخذها إلى الأقصى، وهو ما تشاركوه مع جيل البِيتْ، حتّى أنّ العشرينات سُمّيت بالسّنوات المجنونة أو الصّاخبة. ومن أهمّ عرّابيها الأدبيّين "ف. سكوت فيتزجرالد" و"ارنست همنغواي" و"سنكلير لويس" و"ت.اس إليوت" الذي كتب ما يُعتبر بيانًا شِعريّا لهذا الجيل، هو قصيدة "الأرض اليباب" المنشورة سنة 1922، لاسيّما في معنى الإحساس بالخسارة والفراغ الطّافح من أبياتها الطّويلة، وهو العدم الذي يتخبّط فيه هذا الجيل، الملفوظ من أمريكا نحو أوروبا ليغرق في الإدمان والانهزاميّة، ولكن أيضًا كي يقدّم للعالم أجمل النّصوص الروائية والأدبيّة، ولأمريكا جائزتي نوبل لـ "ت. اس إليوت" و"ارنست همنغواي". ولكنّ "كلالون" بعد عقده لهذه المُقارنة، يُنبِّهُ إلى أنَّ جيل البِيتْ ليس ضائعًا مثل جيل العشرينات، فما كان يشغلُ روّاد الجِيل الضّائع لم يكن يشغل شباب السّتّينات، وما حَدا بالجِيل الضّائع إلى الإدمان لم يكن فُضولًا خالِصًا لإدراكِ روحيّة مّا، بل حاجةً لإثباتِ شيءٍ مّا لأمريكا، وهو أنّ هناك أخلاقيّة أيضا "في الاستهلاكِ" لاسيّما بعد قانون "المنع" الشّهير لاستهلاك وبيع المشروبات الكحولية خلال العشرينات، فيما لم يُرِد جيل البِيت إثبات شيء للنّظام الاجتماعي والسياسي، فالقيم التي دافعوا عنها، كان من الضّرورة أن تكون بديهيّةً وغير قابلة للنّقاش، وعلى الفرد وحرّيته أن يكتسبا علويّة على أيّ نُظم جمعيّة معدّة سلفًا.
جاك كيرواك وأدب اللّحظة
وُلد جاك كيرواك في ماساشوستش من أصلٍ كندي – فرنسيّ، تحت اسم "جون لويس ديبريس دي كيرواك" سنة 1922. في البداية، اهتمّ بكرة القدم الأمريكيّة، كما أنّ أيّامه في الجامعة كانت بمثابة "ومضة" خاطفة. ثمّ قرّر الخروج من نمط عيشه السّابق. وكي يعول نفسه اشتغل عاملًا في محطّات البنزين وجامعَ قطن وبحّارًا وناقِلَ بضائع. وفي نيويورك سَنةَ 1944، تعرّف إلى رفِيقيه الكبيرين في جِيل "البِيتْ" ، الشّاعر "آلن غينسبرغ" والرّوائي "وليام بوروز"، اللّذينِ أصبحا رفِيقيه في الجولات اللّيليّة في نوادي الجاز حيثُ الكحول والمخدّرات وجُنون الشّعر والموسيقى. دَفعهُ هذا "الاختلاطُ" بكاتبين إلى أن يبدأ مشروعه الأدبيّ، وكانت رواية "البلدة والمدينة". تعرّفَ سنةَ 1947 إلى توأمِه الرّوحي الشاعر والكاتب "نيل كاسادي"، الذي أثّرَ فِيه تأثيرًا كبيرًا، وكان يُعدُّ نموذجًا حقيقيًّا للـ"هيبيّ" الأصيل، العابر للحدود، فبِرفقته قطع "كيرواك" الولايات المتّحدة طولًا وعرضًا واستَلهم منه شخصيّته الأثيرة "دين موريارتي" في روايته الأشهر "على الطّريق." تُعدُّ هذه الرّواية المكتوبة في ثلاثة أسابيع على لفّة من ورق، بمثابةِ "مانيفستو" لجِيل البِيتْ، وقد أسّس بها كيرواك نمطًا جديدًا ومُغايرا في الكتابة يُسمّى "أدب اللّحظة" مُعتمدًا أسلوبًا "عفويًّا" في التقاط لحظاتِ حياته الأهمّ وتدوينها بطريقةٍ فنّيّة، كانت أقرب ما يكون إلى تِقنية الجاز القائمة على الارتجال وتركِ الموسيقى تتهادى بعفويّة ودون تعقيد. وثّقت رواية "على الطّريق" لرحلة "كيرواك وكاسادي" في ربوع الولايات المتّحدة، بعد تركهما لنيويورك سنةَ 1940 وانطلاقهما في اكتشاف البلد الرّحب. ولم تكن تلك الرّحلة المحمّلة بالتّراجيديا والكوميديا على حدّ سواء، إلاَّ رحلة لاكتشافِ الذّات والارتقاء بالرّوح المتعالية على المكان، فِيما هي تكتشف ذاك المكان نفسه وتُجذّرُ بصمتها في أدِيمه. ربّما نعثُرُ في روايات "هنري ميلّر" على إيقاعِ أدبِ اللّحظةِ هذا في استلهامِ الحياة اليوميّة وتدوينها كما هي بصدقٍ وأصالةٍ، من ضمنها ثلاثيّة "الصّلب الورديّ". ولا يُمكِنُ لمن قرأَ "ميلّر" و"كيرواك" ألاّ يُلاحِظ تأثّر عرّاب "البيتْ" بصاحب "مدار السّرطان" و"ربيع أسود" و"مدار الجدي"، حتّى ولو لم نَعثُر في مقالات "كيرواك" أو مذكّراته أيّ ذكر لـ"ميلّر". كما أنَّ التّشابُه أو التّقارُبَ لا يشمل القالب فحسب، بل التّيماتِ كذلك.
تُبشِّرُ رواية "على الطّريق" بمبدأ سيظلّ مُرافِقًا لروّاد "البِيتْ" كتابةً وفِعلًا، مثلما رافَقَ "هيبيِّي" عصرهم، وهو كَسر الحدود. فإن كانت الرّواية كَسْرًا للحدود داخل الولايات المتّحدة نفسها، أي تدميرًا لفكرة "الفيدراليّة"، فإنّها دعوةٌ كذلك إلى كسر الحدود في العالم، والتّبْشير بالمواطن العالميّ الذي لا يملك جنسيّةً سوى الإنسانيّة. يُمكِنُ للمتمعِّنِ في سيرةِ أهل "البِيتْ" أنْ يُلاحِظ صولاتهم وجولاتهم في آسيا وأوروبا ولاسيّما المغرب وطنجة تحديدًا، حيثُ كانُوا "يحجّون" إلى "شيخهم" "بول بولز" دونَ أن ينتمي إليهم فِعلا. وبالأخصّ "وليم بوروز" الذي أقام سنواتٍ طويلة في طنجة و"تينيسي وليامز" و"ترومان كابوتي". هل يمكن القول أنّ "على الطّريق" هي سيرةٌ ذاتية؟ بالتّأكيد، سيّما وأنّ "كرواك" واحدٌ من شخصيّاتِها بالإضافة إلى "غينسبرغ" و"بوروز" و"كاسادي" وغيرهم وقد أعطى لهم الكاتب أسماء مسُتعارة. لا يهتمّ "كرواك" بشخصيّاتٍ باهتة، بل بتلك الحاملة لشُّعلةِ الحياةِ والجنون، وربّما شعُر بضرورة "تخليد" جِيله في رواية بالإضافة إلى المقالاتِ والنّصوص العديدة الأخرى التي كتبها عن "البِيتْ". لم يكن هذا الجيلُ خارجا على المألوف أو مُعتنِقًا للجنون بعشوائيّة، بل جَاء مُبشِّرًا بقيم السّلام والحريّة والكونيّة، قيمٌ لم تُغيّر أمريكا فحسبْ، بل العالم برمّتِه. وإن ظلت معظم شعوب الأرض محرومة منها.